محاضرة بعنوان " الدين والحياة " | أ.د علي جمعة

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أحييكم جميعًا بتحية الإسلام، وتحية الإسلام السلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أشكر معالي المحافظ الذي دعاني فلبيت، وهو ومحافظة الفيوم لهما المكان الأعلى الأجل في قلبي منذ الصغر، وأنا أحب هذه المدينة وأزورها دائماً، بل أنا
من سكانها ولذلك فلا أشعر بالغربة في أوساطكم. شكراً لكم على حضوركم، وشكرا لمعالى المحافظ على هذة الدعوة الكريمة، أنا لا أرى المصرى حين يقيم فى أهله معدودا من الغرباء،فأنا منسوب بطريقة أو بأخرى الى هذا البلد الطيب. عنوان المحاضرة "الدين والحياة"، وهذا لقاء في اليوم القومي لمدينة الفيوم، ويذكرني هذا بقوله
تعالى: "وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ "[ابراهيم: ٥]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يشجع الاحتفال بأيام تمثل ومضات النصر في حياة الناس، ففي يوم من الأيام كان نائماً في حجرته وهو يغطي وجهه [الرسول صلى الله عليه وسلم]، وجاريتان تنشدان بأناشيد بعاث، وبعاث هو يوم نصر الله فيه أهل المدينة على
عدوهم في الجاهلية. ولكن لأن أهل المدينة يفرحون بهذا اليوم ويعتزون به، فهو عندهم له قيمة في حياتهم، فالجاريتان تغنيان بغناء بعاث، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسمع، لكنه يستريح من عناء سهر الليل، فقد كان قد فُرِض عليه قيام الليل وسُنَّ لأمته " قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِّصْفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا "[المزمل:2-3-4]، فكان قيام الليل فرضاً في حقه صلى الله عليه وسلم وخاصية من خصائصه. دخل
أبو بكر إلى بيت ابنته عائشة رضي الله عنهما، فظن النبي صلى الله عليه وسلم نائماً، فأمر الجاريتين بأن يصمتا حتى يرتاح رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ونهاهما عن الغناء، فكشف النبي صلى الله عليه وسلم وجهه وقال له: "دعهما يا أبا بكر، فإنهما في يوم عيد". هذا الموقف الذي نحن فيه عندما نتحدث عن الدين والحياة، ذكرني برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذا الموقف من الحياة، ذكرني كيف أنه
رضي حتى ترضى الأمة من بعده بتطبيق قوله تعالى: "وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ" [ابراهيم: ٥]، وأيام الله منها ما فيه فرحة، ومنها ما فيه نصر، ومنها ما فيه معنى، وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعلم الناس الحياة، ولذلك نرى عندما تحتفل محافظة ما بيوم قومي تتذكر فيه أمجادها، فإنها تكون بذلك قد امتثلت لأمر الله ولأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم-، هناك منا ومن
جلدتنا من هو عدو للحياة، لا يحبها، لا يحب الحياة ولا يحب أحداً حتى نفسه، وربنا سبحانه وتعالى بنى هذه الحياة وجعل الحب أمراً إيجابياً فيها، بل بناها على الحب، وجعل الكراهية أمراً سلبياً فيها، بل ونهى عنه. أساس الحب الرحمة، وأساس الكراهية العدوان، ولذلك واجهنا أول ما واجه حتى نعلم أساس الحياة. بسم الله الرحمن الرحيم، ربنا له أسماء للجمال،
وأسماء للجلال، وأسماء للكمال وصف بها نفسه، وسمى بها نفسه حتى يعلمنا من هو، ومن نعبد، فمن أسماء الجمال: الرحمن، الرحيم، العفو، الغفور، الرؤوف، ومن أسماء الكمال: الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، المحيي، المميت، القابض، الباسط، يعني كل شيء بيده، وهو على كل شيء قدير، ومن أسماء الجلال: الجبار، العظيم، القوي، المنتقم. أمرنا أن نتخلق بالجمال، ونهانا أن نتخلق بالجلال فهو له وحده، "الكبرياء
ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدة منهما أخذته ولا أبالي". فالله سبحانه وتعالى جل جلاله يحذرنا من أن نتصف بشيء من صفات جلاله فهي له، ذلك يخوف الله به عباده: " ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥ ۚ يَٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ"[الزمر :١٦]، فعندما نعلم أننا نعبد قوياً عظيماً، نخاف؛ خوف التقوى، وإن كنا نحبه حباً عظيماً ونأمل فيه سبحانه وتعالى ما لا نأمل في أحد سواه، فإذا به يقول: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ "[الفاتحة:١]، لم يقل: "بسم الله الرحمن المنتقم"، ولم يقل: "بسم الله المنتقم الجبار"، ولم
يقل: "بسم الله الرحمن" فقط، بل قال: "الرحمن" وأعادها مرة أخرى: "الرحيم"، حتى يكون المبدأ والمعاد. البداية والنهاية رحمة في رحمة، هذا أساس الحياة. ومن الرحمة يتولد الحب، ومن الحب يتولد العطاء، ولذلك قالوا: الحب عطاء. الدين والحياة، ما الدين وما الحياة؟ وكيف أننا نخطئ كثيراً إذا لم نلتفت إلى الحياة، ونخطئ كثيراً إذا لم نلتفت إلى الدين. عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- يذكر لنا
أنهم في يوم من الأيام وهم جالسون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، دخل عليهم رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، ليس عليه أثر السفر ولا يعرفه أحد منا، فجلس إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ووضع ركبتيه عند ركبتيه، وجعل يديه على فخذيه، يعني جبريل جلس أمام النبي -صلى الله عليه وسلم- على هيئة المتعلم المؤدب الذي يطلب العلم من أستاذه، وسأله ما الإسلام؟ ما الإيمان؟ ما الإحسان؟ متى الساعة؟ ويجيب النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم يقول في النهاية بعد ما ذهب الرجل الغريب،
غريب في شكله، وغريب عن الناس أتعلمون من هذا؟ إنه جبريل، أتاكم يعلمكم أمر دينكم، ماذا قال له؟ الإسلام: هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً. وهذه الأركان الخمسة في الحقيقة تعطينا فكرة عن الدين، وكيف أنه متغلغل وينبغي أن يكون في حياتنا. الإسلام أمر جميع من اتبعه بالصلاة خمس مرات في اليوم،
سبعة عشر ركعة لم يأمر طائفة دون طائفة، لم يأمر الرجال دون النساء أو العرب دون الأعاجم، أو من كان لونه أبيض دون من كان لونه أسود أو أصفر، أو من كان شاباً دون الشيوخ أو الشيوخ دون الشباب، بل أمر الجميع. حتى أنه أمرهم أن يتعودوا على الصلاة وهم في حال الصبا، والصلاة صلة بين العبد وربه. هذا الكلام فيه آية من آيات الله سبحانه وتعالى. كيف هذا؟ كيف يستطيع الإنسان أن يحافظ على خمس
صلوات في اليوم والليلة، وكل المسلمين في كل زمان وفي كل مكان؟ ولكن هذا الذي حدث، وفَّق الله سبحانه وتعالى- وأزال الإسلام أي واسطة بين الخلق وبين الحق -جل جلاله- وأصبح هناك اتصال مباشر، وفي اليوم خمس مرات، وفي شأنها يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أرأيتم لو أن أحدكم اغتسل في اليوم خمس مرات، أيُبقي ذلك من درنه شيئاً؟" ومعني الدرن هنا: الوسخ، التراب، الغبار. قالوا: لا يبقى ذلك من درنه شيئًا يا رسول الله. قال: هكذا الصلوات الخمس"،
من الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما". وربنا يصف الصلاة فيقول: "إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ " [العنكبوت: ٤٥]، فالصلاة لا بد أن تنهى عن الفحشاء والمنكر. الآية والتأييد أنه لم يبق الآن أحد يعبد ربه في الأرض كلها بالسجود سوى المسلمين، فهذا من فضل الله عليهم، أن يسجدوا في اليوم أربعاً وثلاثين مرة، يسجدون لله فيها. هناك من يسجد لكن ليس بهذا العدد، وهناك من يسجد لكن ليس كل الأشخاص، وهناك من
يسجد ولكن ليس كل يوم، وهناك من يسجد ولكنه ليس فرضاً عليه، ولذلك فالعجيب أن تقوم الصلاة بهذه العبادة الظاهرة والخضوع لله، ولا يكون ذلك إلا بحبه وبالتوكل عليه وبالإيمان به. ولو فقدت الصلاة أنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتمنع من الفاحشة، فإنه لا ينال الإنسان منها إلا التعب، تعب ومجهود هذه الصلاة وهذا الذي يبذل مجهوده في الدنيا غير مخلص لله، لا يمتنع عن الفواحش وعن الإساءة للناس، ويسعى في الأرض فساداً، وهو في ظاهره يصلي.
نبّأنا الله سبحانه وتعالى عنه: "قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلْأَخْسَرِينَ أَعْمَٰلًا، ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا" [الكهف: ١٠٣-١٠٤]، ربنا حذرنا من أن نفعل هذا ونجمع بينه وبين الفساد في الأرض، فلابد أن نترك الفساد في الأرض وأن نجعل الصلاة ناهية لنا عن الفحشاء والمنكر، "وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُۥ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ ﴿٢٠٤﴾ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ " [البقرة:٢٠٤-٢٠٥]، هذه الأمة مؤيدة، كان من الممكن أن تتفرق ولكن الله ختم
النبوة بنبيها صلى الله عليه وسلم. تخيل لو أن الأنبياء جاءت بعد محمد لآمن بكل نبي بعض الناس وكفر به بعضهم كشأن كل نبي جاء من عند الله، وتفرقت الأمة. فلأنه أرادها أمة واحدة فقد جعل ختم النبوة هداية لنا لهذه الوحدة وحفظ كتابها فكان كتاباً واحداً نتلوه، ومن ادّعى أن القرآن أصابه التحريف من أجل كلام في الكتب، فأين هو المصحف الثاني؟ لا وجود له. حتى إن المصحف قد تُرجمت معانيه إلى مائة وثلاثين لغة، وفي كل لغة عدة
مرات، والعجب العجاب أننا معنا النص العربي الأصيل لم يُفقد. وأن أحداً من البشر لم يستطع أن يحفظ ترجمة معاني القرآن بأي لغة كانت حتى لو كان هو المترجم، أما القرآن فقد حفظه ملايين البشر، أكثر من أربعين مليون شخص يحفظون كتاب الله حفظاً متقناً على وجه الأرض الآن، أربعين مليوناً، لم يحدث هذا لقصيدة شاعر، ولا لأدبيات أديب، ولا لكتاب في أي لغة كانت سوى القرآن، كتاب واحد، قبلة واحدة، نبي واحد، يعبدون رباً واحداً هذا كان هو الدين. أما
الحياة بعدما أيضاً بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم، الإيمان على أركان ستة: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، فكانت هذه أركان الإيمان. أما الإحسان فقال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك. ولكن الحياة هذه الديانة كانت للحياة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وكان يحب مكارم الأخلاق، كان يحبها من
المسلم، ومن المؤمن، ومن الكافر، يحب مكارم الأخلاق. كلما كان [رسول الله] يذكر عبد الله بن جدعان يتبسم، ووجهه يستبشر، ولاحظت عائشة هذا المعنى، فكلما ذُكِرَ عبد الله بن جدعان تبسم [رسول الله]، وعبد الله بن جدعان رجل كان في مكة في الجاهلية، كان وثنياً لكنه كان عنده من مكارم الأخلاق، الضيافة، فيضيف ضيوف الرحمن. فقالت له: "يا رسول الله، كلما ذُكِرَ عبد الله جدعان أراك تتبسم والبشر يملأ وجهك.
قال: نعم، كان يُقرِي الحجيج في مكة، يضيفهم. وكانت عنده قصعة [طبق كبير] يصعد إليها بالسلالم، شيء ضخم هكذا، طبق كبير بحجم هذا المسرح، يصعدون إليه بالسلالم، يثرد فيه الثريد، ويضع فيه اللحم ليضيف بها ضيوف الرحمن. فكان يعمل شيئاً يحبه النبي، قالت: "أهو في الجنة يا رسول الله؟" فسكت، ثم قال: "لا، لم يقل يوماً قط: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين". عبد الله بن جدعان رجل كريم، رجل يحب
مكارم الأخلاق، ونحن نحب فيه هذا المعنى: الشهامة، الضيافة، لكن قضية الإيمان من عدمه وأنه كان وثنياً لا يؤمن بالله، ولا يذكر حتى أن الله سوف يرجعه إلى الحساب، فهذه قضية متعلقة بينه وبين ربه. أما في هذه الحياة الدنيا فنحن نحب مكارم الأخلاق. دخلت عليه ابنة حاتم الطائي فخلع عباءته الشريفة وأجلسها عليها، والبنت حينما رأت هذا الإكرام، وكان هذا رمزاً وعلامة عند العرب لمزيد من الإكرام، أن يخلع النبي عباءته، ويجلس الضيف عليها، فعل هذا مع كعب بن زهير عندما
تلا بين يديه قصيدته الرائعة "بانت سعاد"، فطمعت البنت وقالت: "يا رسول الله، ولما هذا هذا الإكرام؟" قال: "إن أباك حاتم الطائي كان يحب مكارم الأخلاق". طمعت أكثر فقالت: "أهو في الجنة يا رسول الله؟" قال: "لا، إنما كان يفعل ذلك لسمعة يتسمعها، لم يفعل هذا مخلصاً لوجه الله، لم يفعل هذا ابتغاء ثواب الله، وبالرغم من ذلك تحبه يا رسول الله وتحب أن تكرمه وتكرم ابنته من أجله، وأنت تعلم أنه فعل هذا لأجل سمعة يتسمعها [متعجبا]، نعم، لأن هذه هي الحياة، الأخلاق
الحسنة هي مقياسها، والعجيب الغريب أنه قد وردت إلينا ستة آلاف ومائتان وستة وثلاثون آية في كتاب الله، منها ثلاثمائة آية في كل الفقه والأحكام الشرعية، والباقي في الأخلاق والعقائد. ثلاثمائة آية من أصل ستة آلاف آية، كم تمثل نسبتها؟ إنها تمثل واحداً من ثلاثين، أي ثلاثة في المائة، والسبعة والتسعون في المائة في العقائد وفي الأخلاق المرتبطة بالعقيدة، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في السنة نحو ستين ألف حديث، منها ألفان في كل الفقه من أوله إلى آخره، اثنان
على ستين، وواحد على ثلاثين، فيكون كأنه أيضاً ثلاثة في المائة، والسبعة والتسعون في المائة في الأخلاق. وفي الحديث: "أحسن الحسن الخلق الحسن"، ولو تخالط الناس بخلق حسن فخالقوا الناس بخلق حسن، وهكذا كل الأحاديث، سبعة وتسعين في المائة أخلاق وثلاثة في المائة شريعة. ما هذا الجمال! هذه هي الحياة. ومن أجل ذلك، عندما وُضع الفقه وُضع للقضاء، وعندما وُضعت الأخلاق وُضعت للحياة. وكثير من الناس ترك جانب الأخلاق
وتمسك بجانب القضاء. يأتي شخص ويسأل عن مسألة في الأسرة بين الرجل والمرأة، هذه المسألة لها حلان، حل أمام القاضي وكأننا نسينا الحب، وكأننا نسينا العشرة، وأن هذه المرأة أم الأولاد، وأن هذا الرجل هو أبو أولادها، كأننا نسينا شيئًا مهمًا في الإنسان في تاريخه، ولها حل آخر ينطلق من الحب. الكتب الفقهية المدرسية كانت من أجل إعداد القضاة ولذلك فتريد
أن تبين الحقوق والواجبات لرفع النزاع والخصام بين الناس حتى يحكم القاضي بين المتخاصمين المتنازعين بالحق، لكن الحياة فيها ما هو أعلى من هذا، وهو العفو، التعاون، والشهامة التضحية، والحب. فيها معانٍ أخرى نجدها موجودة بمساحة واسعة، سبعة وتسعين في المائة، وثلاثة في المائة عندما يحدث النزاع، فإذا بنا تعودنا أن نعطي للناس من هذه
الثلاثة في المائة المكتوبة في الكتب، وكأن هذه هي الحياة التي ينبغي أن تكون بين الناس، أن تسأل المرأة عن حقوقها وأن يسأل الرجل عن حقوقه، وأن يتنازع الطرفان على هذه الحقوق، وأن يصل بهم النزاع إلى الشحناء والبغضاء، وإذا أجبنا الناس وهم قد تعودوا على سماع الثلاثة في المائة أين حقي؟ وأين حقك؟ وكأننا في صراع، وليس في تكامل، أجبناهم بالحب، رأيناهم يتفلتون، لا يرغبون، يستثقلون هذا الحب، والأمر ليس كذلك. هيا بنا نعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونرى حياته، نراها
كلها حب. يأتيني شخص ويقول: هل يجوز لي أن أضرب زوجتي؟ حيث قال الله: كيف تضرب زوجتك؟ هل نسيت أن هذه الزوجة قد استأمنك الله عليها [مستنكرا]، هل رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ضرب أحداً قط؟ فيقول الشخص: أنا لا شأن لي بذلك، أنا أريد معرفة الحلال والحرام. الحلال: هو أن تتبع النبي، الحلال: هو امتثال قوله تعالى: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن". كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً. الحلال: أن تعيشه في نفسك، هذا هو الحلال، هذا هو الرضا، هذا هو الدين، وهذه
هي الحياة. يستتبع الشخص ويقول: لكن قل لي فقط، حلال أم حرام؟ الشيخ: لأجل أن يعود إلى البيت فيكسر رأسها، هل هذا يرضي الله؟ هذا الذي نفعله في أنفسنا، والله لا يرضي الله. هذا كلام له معنى وله ظروف وله سياق وله سباق وله لحاق وله حكم وله كذا إلى آخره، وكل ذلك هرباً من الحب الذي علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما دخل المدينة [رسول الله]، أتت أم سليم بنت ملحان بابنها أنس وهو صغير عنده عشر أو إحدى عشرة سنة، وقالت يا رسول الله، هو خادمك رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني مدرسة، حيث أنه كان يجلس للتعليم إذن أنس
دخل مدرسة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرسله مرة [رسول الله]، في حاجة، فوجد أنس أولاداً يلعبون فلعب معهم وترك رسول الله ينتظر، ومن هو؟ رئيس الدولة، قائد الجيوش، نبي الله، زعيم المدينة. فانتظر وثقل عليه الانتظار جداً، كان يريد الشيء بسرعة. رسول الله لا يفارقه السواك، والسواك يعني عوداً صغيراً لا يتعدى عشرة سنتيمترات، وحجمه لا يزيد عن نصف سنتيمتر، فرع شجرة مثل الإصبع. رسول الله يقول له:
"يا أنس، والله لولا أني أخاف الله لضربتك بهذا"، حسناً، وافترض أنه ضربه به كان سيؤثر فيه أو يضره؟ ولا شيء يعني كأنه تدليل، هذا هو الضرب الذي كان سيوقعه، وبالرغم من ذلك لم يضربه حتى بالسواك، وقال له: أنت أتعبتني وأرهقتني، ولولا أنني أخاف الله لضربتك بهذا، يقول أنس: فوالله كانت هذه أشد ما رأيت منه خلال السنوات العشر التي صاحبته فيها، مرة قال له: أنا كنت سأضربك، هذا آخر ما عند المصطفى صلى الله عليه وسلم، هل النبي صلى الله عليه وسلم فعل فوق هذا؟ لماذا لا تتعلم منه
هذا الحب، وهذا الصبر، وهذا العفو، وهذه الرأفة، وهذا المعنى، وهذا التعليم، وهذه التربية؟ لما؟ [مستنكرا]، ثم تسأل في ثلاثة في المئة هي ضبط القضاء، وهي مهمة القاضي وهكذا أبداً، أسئلتنا كلها مشحونة بشيء من النزاع والخصام، لا بشيء من الرحمة والحب. قليل الكلام يغني عن كثيره. فنسأل الله سبحانه وتعالى؛ أن يوفقنا، وأن يطهر قلوبنا، وأن يجعل الدنيا في أيدينا وألا يجعلها في قلوبنا، وأن يجعلنا ممن لا يفرحون بالموجود ولا يحزنون على المفقود، وأن يتوكلوا على الله حق توكله وأن يبلغ الله سبحانه وتعالى قلوبنا
بالمحبة وقلوبنا بالرحمة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "الراحمون يرحمهم الرحمن، تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء". فاللهم اغفر لنا ذنوبنا واستر عيوبنا ويسر أمورنا واهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت. شكراً لكم وصلى اللهم على سيدنا محمد وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مدير الندوة:شكرا فضيلة المفتي، أنا أستسمحكم أنني لخصت لفضيلته الأسئلة التي أرسلتموها إليه، والسؤال الذى خطه غير مضبوط، قمت بضبطه،
ووضعته بين يديه. ووضعت السؤال المكرر أكثر من مرة في سؤال واحد: نود كثيرا أن نجلس وقتا طويلا مع حضراتكم، ولكن أمام معالي المحافظ الكثير من مصاعب ومسؤوليات كثيرة، وأمام أعين فضيلة المفتي مسئوليات أكبر وعندهما حاجيات تحتاج الى كثير من الوقت والجهد، وبذل الجهد مع التركيز نناله لمن يتمناه، ونتمنى أن نتواصل مع فرق أخرى لنواجه مثل هذه الحروب الضيقة الجزئية التي... تحملنا
السائل: شدد الشرع على أهمية استثمار الوقت، وعدم إتلافه في غير فائدة، فماذا تنصحوننا؟ الشيخ: وصل الامر بعمر بن الخطاب الى أنه كان يحاسب نفسه بالأنفاس، أي أنه إذا دخل النَفَس يلتفت إليه لعله لا يخرج، وإذا خرج النَفَس فإنه لعله لا يدخل، يعني كان مراقبا لنفسه على مستوى الأنفاس. طبعاً هذا شيء صعب، ولكن استثمر كل العلماء أوقاتهم حتى انتجوا انتاجا كبيراً جداً، فكان [أبو الوفاء بن عقيل] في القرن الخامس الهجري ألّف كتاباً كبيراً أسماه [كتاب الفنون] في ثمانمائة مجلد، الآن يعني يُطبع في ألفي مجلد لو كان سيُطبع من مطابع يومنا هذا. ماذا كان يفعل حتى يؤلف هذا الكتاب وحده وهو أكبر كتاب ألفه بشر في التاريخ؟ كان يكتب، فإذا تعبت يداه وكلّت، ظل يفكر حتى ترتاح يده. وفى أثناء راحة يده كان يفكر، كان يأكل
الأرز ولا يأكل الخبز، فسألوه في هذا الأمر: "ما خبر الخبز؟ أهو حرام أم ماذا؟ لماذا لا تأكل الخبز؟" قال: "إذا أكلت الأرز يأخذ مني ثلاث دقائق، وإذا أكلت الخبز يأخذ مني خمس دقائق، وأنا ليس لدى وقتا لهذا". كان عندما يدخل دورة المياه يأتي باثنين من العبيد يقرؤون له بصوت عالٍ حتى ينتهي من الدورة ومن الوضوء ومن هذه الأشياء. كان [أبو الفرج بن الجوزي] قد ألَّف خمسمائة مؤلف، وكان عندما يأتيه الثقلاء، كما ذكر في كتابه "لفتة الكبد في نصيحة الولد"، يقول: "يا بني، إن أغلب الناس لا يعرفون حقيقة الدنيا وأنها فانية وأنها إلى زوال، فإذا جاءك الثقلاء يتكلمون
في الحكام وفي أسعار الأسواق، أي أنهم كانوا يفعلون هكذا منذ ذلك الوقت فلا تلتفت إليهم، وجهز الأوراق، قطع الأوراق، كانوا قديماً يقومون هم بتجهيز كل شيء والدواء والحبر سوّى طَرَفَ الأقلام، وجهز نفسك حتى يعرفوا أنك كأنك تقول لهم: هيا امشوا! فيمشون حتى تتخلص منهم. حافظوا على أوقاتهم فأنتجوا. ا[لإمام السيوطي] في القرن العاشر الهجري، من كثرة التأليف بدأ التأليف وهو ابن سبعة عشر سنة، واستمر حتى بلغ سن الأربعين، فذهب وملّ من الحياة الأكاديمية. وكان حتى ذلك الوقت قد ألّف ثلاثمائة مؤلف، فألّف كتاب "التنفيس في
الاعتذار عن التدريس" وقال: إنني سأعتزل ويكفيني هذا، وها هو سن الأربعين قد أتى وأنا لن أؤلف ولن أدرس، فاتركوني في حالي لأذكر ربي وأدخل الخلوة. عندما توفي عن عمر اثنين وستين سنة، وجدنا أن لديه سبعمائة مؤلف، أي أنه ألّف بعد الأربعين أكثر مما ألّف قبلها. ألّف أربعمائة بعد الأربعين، وألّف قبلها ثلاثمائة. لا توجد فائدة، يقولون إنه [يموت المعلم وهو بيتعلم]، [اى أن الذى يحب العلم يتعلم طوال حياته حتى تذهب روحه الى خالقه]، من المهد إلى اللحد، فالحفاظ على الوقت في الحقيقة يحتاج إلى تدريب، يحتاج إلى احترام كبير جداً للوقت. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه"، فهذه مسألة في غاية الأهمية وعليها مبنى
الحضارة. سؤال سائل: مشكلة العنوسة من المشكلات المؤرقة لكثير من المجتمعات فما الوسائل التي يراها الشرع للقضاء على هذه الظاهرة؟ الشيخ: من جاءكم ترضون دينه وخُلقه فزوجوه إن لم تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير". القضية في غلاء المهور والقضية في الشروط الزائدة تسبب العنوسة، ولكن الإنسان يختار الفتاة المناسبة والفتاة أيضًا تختار الشاب المناسب، والعنوسة بلاء اجتماعي يؤدي إلى الفساد. سؤال من سائل: لو قالت إحدى الزوجات لزوجها في ساعة غضب: "أنت محرم علي"، فماذا يفعل الزوج وماذا تفعل الزوجة؟ الشيخ: لا شيء! ما
من شيء، تقول ما تشاء، الإسلام دلل المرأة تدليلاً زائداً عن اللزوم، تقول ما تشاء: "أنت محرم علي، أنا لست زوجتك، أنا لست أُحبُّك، وفي اليوم التالي ليس اليوم التالي، بل وقت العشاء ستُحبُّه، ولا ترى أحداً في الدنيا سواه. وما شأنك أنت؟ أنتِ تتركها طوال النهار في البيت في تعب والقيام باعمال المنزل. سائلة: انقطعت عني الدورة الشهرية في الأيام القليلة الماضية، فذهبتُ إلى الطبيب فأعطاني دواءً، فنزلت الدورة. فما حكم ذلك؟ الشيخ: هذا حلال ولا شيء فيه، وهو من باب التداوي. والتداوي لا بأس به، وغالبا هي تقصد هل أترك الصلاة والصيام؟ نعم، ما دامت نزلت تتركي الصلاة والصيام، وهي ليست نازلة في الثلاثة أيام المتأخرة، تصلي وتصومي،
هي ليست عندك فى ذلك الوقت، وعندما تنزل هي عندك، في بعض النساء وهي ذاهبة إلى العمرة أو الحج تأخذ أدوية تؤخر الدورة، طبعاً نحن لا ننصح بذلك لكي نترك جسم الإنسان على ما خلقه الله، لكنها فعلت ذلك فامتنعت الدورة، حسناً هي طاهرة وتؤدي كل المناسك، وعندما تأتي الدورة تمتنع حتى تطبق الأحكام الخاصة بها التي تعرفها. سؤال: ما الطريقة المثلى التي أشعر أنها طريق الجنة؟ الشيخ: الذكر "فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ" [البقرة:١٥٢]، سؤال سائل: رجل خطب امرأة وأختها رضعت من أمه؟ الشيخ: لا تحرم عليه أصلاً، لأنه هو وهي لم يجتمعا على ثدي واحد، أختها هي التي اجتمعت معه
على ثدي أمه، فتكون أختها محرمة عليه وعلى جميع إخواته وأصبحت أخته من الرضاعة، كم رضعة تحرم؟ خمسة. سؤال سائل: رجل يبحث عن شيء في الإنترنت فتظهر له مواقع إباحية؟ الشيخ: يغلقها، يغلق هذة المواقع الإباحية، يُغلقها، ماذا يعني هذا السؤال؟ أي ماذا أقول لك؟ يعني يُغلق هذه المواقع الخبيثة التي - يا جماعة - فرويد يقول إن الإنسان لديه صفات معينة، وجلس يصف هذه الصفات، أنا أقول له: يا فرويد، أنا أصدقك في كل ما تقوله، لكن كل الذي أنت تقوله هذا، هو النفس الأمارة بالسوء،
الفرق أنه يقول لي: "سلّم نفسك إليها"، وأنا أقول له: "لا، أنا أعرف أن نفسي فيها هذه السوء، لكنني سأقاومها، لأنني عندما أقاومها حقاً أشعر بهدوء وحقاً بأمن وأمان ونور في قلبي"، فهو يقول لي: "صفة النفس الأمارة بالسوء، "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ" [آل عمران:١٤]، نعم، صحيح، فهذا بنص القرآن أنه زُيِّنَ لي هذه الأمور، ولكن هل هذا يدفعني إلى السرقة، ويدفعني إلى الفاحشة، ويدفعني إلى كذا؟ فرويد يقول لي: استسلم لهواك وشهواتك وافعل ما تريد فقط؟ وأنا أقول له: هذه الطريقة تؤدي إلى الكآبة، والاكتئاب، أقول له: أنت تصف وصفاً صحيحاً، أنا لست مختلفاً معك،
لكنني مختلف معك في طريقة التعامل. أنت تقول: سلّم نفسك للنفس الأمارة بالسوء، وأنا أقول: لا، ستكون هناك نفس لوامة، ثم نفس ملهمة، ثم مطمئنة، ثم راضية، ثم مرضية، ثم نفس كاملة، والطريق طويل، سؤال سائل: هل يجوز بناء الحجر على القبور؟ الشيخ: ماذا يعني بناء الحجر على القبور؟ إذا كنت تعني الأحواش التي اعتاد عليها المصريون منذ قديم الزمان فهذا جائز، لأن المعزين يأتون وندخل إلى القبر ونفتح القبر وما إلى ذلك، يعني لابد أن نحيط المسألة، وهذه المسألة تمنع السرقات وتمنع الحيوانات المفترسة من أن تدخل وتأكل جثمان
الإنسان الذي كرمه الله يمنع كذا وكذا، ولكن الحجر التي تتحدث عنها، ماذا تقصد بها؟ سؤال سائل: هل تقصد بها الأحواش؟ الأحواش جائزة. هل يجوز صلاة الإمام بنصف آية ولو كانت طويلة؟ الشيخ: نعم، وأصغر آية في القرآن كلمة واحدة "مُدْهَامَّتَانِ" [الرحمن:٦٤]، فلو قال "مدهامتان" الله أكبر، يصح ذلك، فيجوز ولو
ببعض آية. يعني الشيخ: يتحدث عن بيع المصحف وما شابه، بيع المصحف جائز ولكنهم يسمونه رفع اليد عن الاختصاص. فيقول السائل: هل يجوز أن يتسول الفتيات والصبيان به أو شيء من هذا القبيل؟ الشيخ: التسول حرام، ويكون أكثر حرمة عندما يستعملون هذه المقدسات. سؤال سائل: ما رأي فضيلتكم فيما يتردد هذه الأيام عن قانون جديد يلزم من يريد أن يتزوج للمرة الثانية أن يأخذ موافقة الزوجة؟ الشيخ: لا يوجد قانون جديد ولا شيء. سؤال سائل: ما حكم سرقة الحق من ظالم لا أستطيع أخذ حقي منه؟ الشيخ: استعوض عند الله ولا تسرق، لا ما ظننته حقك
ولا غيره. سؤال آخر: هل يجوز الاقتراض من أجل الحج؟ الشيخ: لا، الحج عندما تكون مستطيعاً أن تخرج إلى الحج فعليك أن تخرج إذا استطعت من غير قرض. شكرًا لكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.