محاضرة بعنوان « تكامل المؤسسات الدينية والإعلامية في تقديم المنهج الوسطي للإسلام »  | أ.د علي جمعة - ندوات ومحاضرات

محاضرة بعنوان « تكامل المؤسسات الدينية والإعلامية في تقديم المنهج الوسطي للإسلام » | أ.د علي جمعة

20 دقيقة
  • مشكلة فوضى الفتاوى متعددة الأبعاد، فبعض الفتاوى المنتشرة مُفتراة لتشويه صورة الإسلام، وبعضها يصدرها غير متخصصين لم يدرسوا الشريعة أو الواقع.
  • الدين علم يحتاج إلى دراسة متخصصة ومنهجية، ولا يصح أن يتصدر له من ليس أهلاً.
  • منهجية الفتوى الصحيحة تعتمد على دراسة المصادر الشرعية والواقع المعيش، ثم تطبيق الحكم الشرعي على الواقع المتغير.
  • الدراسة الشرعية تتطلب التخصص في عدة مراحل: بيان حجية الكتاب والسنة، التوثيق، طرق الفهم، وتمييز القطعي من الظني.
  • كان التقيد بالمذهب الحنفي سائداً في مصر، ثم بدأ المفتون بالاختيار من المذاهب الأربعة، ثم توسعوا للأخذ من الفقه الإسلامي الواسع.
  • الهدف من التيسير هو الالتزام بالشريعة مع مراعاة مقاصدها ومصالح الناس وتجنب المآلات السلبية للفتاوى.
  • ينبغي تجاوز فوضى الخطاب الديني ليشمل الآراء الشاذة والمتطرفة، وإتاحة الفرصة للعلماء للمشاركة في بناء البلاد.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

افتتاح المحاضرة والتحية والشكر للحضور والمنصة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أحييكم بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وأقدم الشكر الجزيل لمعالي الوزير محمد عبد الفضيل القوصي، والدكتور محمد نجيب عوضين الأمين العام لهذا المجمع، والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وأتقدم بالشكر لأصحاب المنصة: الأستاذ الدكتور محمود يوسف، والأستاذ الدكتور عدلي رضا، والأستاذة كاريمان حمزة.

وأحيي فضيلة الشيخ مختار المهدي، وفضيلة الأستاذ الدكتور نبيل غنايم، والدكتور محمد، والدكتورة هاجر سعد الدين. أحييكم جميعًا وأقول لكم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

فتاوى مفتراة لا أصل لها تُشوّه صورة الإسلام والمسلمين

لدي رأي بعد التتبع الدقيق في كلمة فوضى الفتاوى؛ فهناك فتاوى تتبعناها ووجدنا أنه ليس لها أصل، أي لم يقل بها أحد [من العلماء]، وأُذيعت في وسائل الإعلام وتناولتها الأقلام وهي لم يقل بها أحد.

آخرها فتوى الوردة، وفتوى الوردة تحرّم الجلوس في كرسي قد جلست عليه المرأة. وبتتبع هذه الفتوى وجدنا أنه لم يقلها أحد [من أهل العلم].

إذن نحن دخلنا في عصر آخر تُفترى فيه الفتاوى لتشويه صورة الإسلام، لتشويه صورة الإسلام والمسلمين، وهذا جانب قد لا يلتفت إليه أحد.

خطورة تصدر غير المتخصصين للفتوى والفرق بين علم الدين والتدين

مورد آخر من أخطاء الفتاوى أن تصدر من غير المتخصص؛ فهو لم يدرس الشريعة ولم يدرس الواقع، لكنه أصبح بقدرة قادر شيخًا متصدرًا. وهذه مصيبة؛ لأن الدين علم ككل العلوم يحتاج إلى أستاذ، وإلى منهج، وإلى كتاب، وإلى جو علمي، وإلى اختبارات، وإلى حفظ، وإلى فهم. ولا يصلح أن يتصدر كل من هبّ ودبّ من أجل أن يبيّن حكم الله سبحانه وتعالى.

وهناك فرق بين علم الدين وبين التدين؛ نُطالب جميعًا بالتدين: نصلي ونصوم ونقرأ ونتعلم، لكن هذا لا يبيح لنا أن نتصدر في علم تخصصي يحتاج إلى علوم مساعدة، يحتاج إلى تعمق وإلى فهم وإلى طول ميراث.

تفضيل مصطلح فوضى الخطاب الديني على فوضى الفتاوى ومظاهرها

ولذلك فإنني لا أشجع كثيرًا كلمة فوضى الفتاوى بالرغم من أنها قد شاعت وذاعت وكأنها قد استقرت، وأفضل [مصطلح] فوضى الخطاب الديني.

فإننا ننظر فنرى التساهل الشديد، وننظر مرة أخرى فنرى فكرًا منفصلًا عن الكتاب والسنة منسوبًا إلى الدين، ونرى مرة أخرى تشددًا يخالف الدين الإسلامي.

وكلما خُيّر فيه الرجل المتكلم بين أمرين اختار أصعبهما، على خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعلى خلاف ذلك [ما جاء في الحديث]:

قال النبي ﷺ: «يا عائشة، إن الرفق ما دخل في شيء إلا زيّنه، وما نُزع من شيء إلا شانه»

فنراه وكأنه قد انعكس الحديث عليه وانقلب؛ فلا يدع عُنفًا -كما ورد في الحديث بالفتح- إلا اتخذه سبيلًا، ولا يدع رفقًا إلا وقد حذّر منه وبيّن أنه يترتب عليه كل السوء.

منهجية بيان الأحكام الشرعية من دراسة المصادر والواقع والتطبيق

ولذلك فصّلنا طريقة بيان الأحكام الشرعية على الوقائع النازلة -وهو المسمى بالفتوى- في منهجية واضحة:

  1. أنه ينبغي علينا أن ندرس المصادر الشرعية.
  2. ثم ندرس الواقع المعيش بعوالمه المختلفة.
  3. ثم ندرس كيف نطبق هذا الحكم الشرعي على الواقع النسبي المتغير.

وقلنا وكتبنا ونذكر مرارًا أن الدراسة الشرعية تحتاج إلى التخصص في مراحل:

  • أولها: بيان الحجية، وأن الكتاب والسنة هما الحجة.
  • وثانيًا: في التوثيق؛ من الذي قال لي ما الكتاب وما السنة؟ ألهم الله الأمة علم الإسناد وعلم النقل في القراءات وفي الحديث.
  • وثالثًا: طرق الفهم، وقام علمٌ أنشأه وكتب فيه وبيّنه -وإن كان على جيل الصحابة- الإمام الشافعي في الرسالة، وأسماه بأصول الفقه، ولا يزال يُدرس إلى يومنا هذا بالأزهر الشريف.

بيان القطعي والظني والقواعد الثلاث في التعامل مع الخلاف الفقهي

ورابعًا: بيان القطعي والظني؛ ما الذي اتفقت عليه الأمة وما الذي اختلفت فيه الأمة، فيكون موطنًا للمسامحة وموطنًا لتقليد من أجاز. وهنا يُدرس الإجماع.

أما في الظني فتربطه قواعد ثلاث ينص عليها الإمام السيوطي والإمام الباجوري في الحاشية:

  1. القاعدة الأولى: إنما يُنكر المتفق عليه ولا يُنكر المختلف فيه.
  2. القاعدة الثانية: من ابتُلي بشيء من المختلف فيه فليقلد من أجاز، وهذا نص كلام الباجوري في حاشيته.
  3. القاعدة الثالثة: الخروج من الخلاف مستحب وليس واجبًا، بل هو مستحب وله شروط أيضًا.

القضايا الشرعية التي تضبط التلقي الشرعي من التعارض إلى المآلات

ونحن ندرس الشريعة حتى نبيّن أحكامها، نعالج قضايا عدة:

  • قضية تعارض الأدلة.
  • وقضية الترجيح.
  • وقضية شروط الاجتهاد.
  • وقضية المقاصد الشرعية.
  • وقضية المصالح المرعية والمصالح المرسلة.
  • وقضية الحكم بالمآلات: إلى ما تقول هذه الفتوى وماذا سيترتب عليها من صلاح أو فساد.

كل ذلك يضبط قضية التلقي الشرعي بطريقة شرعية نصّ عليها الفقهاء عبر القرون. يقول الإمام القرافي في [كتابه] الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام:

«فربّ رجل يذهب إلى الكتب فيأخذ منها شيئًا فيفتي به، فيكون ضالًّا مضلًّا؛ لأن الواقع قد تغير، ولأن الزمن قد مضى، ولأن ما قرأه إنما كان على مقاصد أخرى وعلى طريق آخر يوصله إلى مقصد الشرع ولا يعود على مقصد الشرع بالبطلان»

إدراك الواقع بعوالمه المختلفة شرط لازم لصحة الفتوى الشرعية

وإدراك الواقع بعوالمه المختلفة وروابط كل عالم مع الآخر [أمر ضروري للمفتي]:

  • عالم الأشياء له منهج.
  • عالم الأشخاص له منهج.
  • عالم الأحداث له منهج.
  • عالم الأفكار له منهج.
  • عالم النُّظم -حيث ينتظم كل ذلك تحته بعلاقات بينية- له منهج.

فيجب أن يعي الإنسان أنه إذا أدرك الشريعة وحدها لا يكون قادرًا على الفتوى إلا بعد أن يفعل هذا [أي إدراك الواقع]. وهناك رابط بينهما وهو المكوّن من:

  • المقاصد الشرعية الخمسة.
  • والمصالح.
  • والمآلات.
  • والإجماع.
  • واللغة ومقتضياتها.

فإن كل ذلك يؤثر في تحصيل الحكم الشرعي وإيقاعه شرعًا، يريح الناس ويعمر الأرض ويساعدهم على عبادة الله سبحانه وتعالى. وهذا هو المنهج الذي اختططناه في دار الإفتاء [المصرية].

تاريخ التقيد بالمذهب الحنفي في مصر وموقف الأزهر من تعدد المذاهب

بعد ذلك رأينا أن البلاد والعباد كانوا يتقيدون بمذهب واحد، وكان الشائع في مصر طبقًا للدولة العثمانية هو المذهب الحنفي.

مع أن الأزهر رفض أن يدرس مذهبًا واحدًا وأن يحصر نفسه في مذهب واحد، فدرّس المذاهب الأربعة السنية، وقَبِل بذلك التعدد، وقَبِل بذلك الآخر، وقَبِل بذلك الاختلاف الذي يكون في الظني لا في القطعي.

رأينا علماءنا وهم يذهبون فيسيرون معًا: هذا مالكي وهذا حنفي ويتحدثون: هل لمس المرأة ينقض الوضوء عندكم؟ يقول: لا أبدًا، لا ينقض. والثاني يقول: لا، عندنا تفصيل. والثالث معهم يقول: لا يا شيخ، ينقض مطلقًا عندنا.

وكلمة «عندنا» هذه أصبحت هي التي يُبنى عليها الاجتماع البشري، وكلمة «والله أعلم» التي في الآخر، التي دائمًا يحرص عليها الشيخ في كلامه، حتى في فتواه، حتى في درسه، تبيّن أننا يجب أن نسمع بعضنا البعض، وأن نحترم الحجة والبرهان، وأن تتعدد الآراء في ظل الدائرة الواحدة؛ فهناك تعدد في ظل وحدة.

الإمام محمد عبده وبداية الخروج عن تقليد المذهب الحنفي في الإفتاء

وبعد ذلك رأينا الإمام محمد عبده وهو يحاول أن يخرج شيئًا ما عن تقليد المذهب الحنفي، وفعل ذلك في أمور، منها ما سُمي بـفتوى الترانسفال. والترانسفال هي جنوب أفريقيا؛ أرسلوا سؤالًا عن قضية لبس القبعة الأجنبية: هل هو حلال؟ هل هو كفر؟ هل هو كذا إلى آخره.

وأرسل أناس من الهند أيضًا فتوى أخرى، فحملها الشيخ [محمد عبده] إلى المذاهب الأربعة مشيرًا إلى أننا سنوسّع الأخذ بدلًا من الاقتصار على المذهب الحنفي.

وجاء قانون سنة خمس وعشرين [1925م] وأخذ من مذاهب أخرى غير الحنفية مع اعتماد الحنفية أصلًا.

تطور منهج الإفتاء من المذهب الواحد إلى الاختيار من المذاهب الأربعة

ثم بعد ذلك بدأ المفتون يخرجون عن القاعدة شيئًا فشيئًا. فلما جاء الشيخ عبد المجيد سليم مفتيًا ثم شيخًا للأزهر، خرج عن المذهب الحنفي وأصبحت له اجتهادات يراها.

ومما رآه أن قضية التمليك في مال الزكاة لا سند لها من الكتاب والسنة؛ أنه يجب لمُخرج الزكاة أن يملّكها لشخص -وهو ما عليه الأئمة الأربعة- هو قال: لا، حتى يتيح استعمال الزكاة في خدمة المجتمع: في بناء القناطر والمدارس والمستشفيات وفي كذا وكذا إلى آخره، وتوسّع جدًّا في سهم في سبيل الله.

الحاصل أن المشايخ المصريين لهم الريادة في الخروج من المذهب الواحد إلى قضية الاختيار.

الأخذ من الفقه الوسيع ومذاهب العلماء المتعددة في دار الإفتاء المصرية

وفي النصف الثاني من القرن العشرين ظل هذا منهجًا لدار الإفتاء المصرية: أنهم يختارون من المذاهب، بداية الأربعة ثم من الفقه الوسيع.

والفقه الوسيع فيه أكثر من ثمانين مذهبًا، منهم الأوزاعي، ومنهم الحمّادان، ومنهم السفيانان: سفيان بن عيينة وسفيان الثوري إلى آخره.

هؤلاء نُقلت مذاهبهم في:

  • المصنف لابن أبي شيبة.
  • المحلى لابن حزم.
  • المجموع للإمام النووي.
  • المغني لابن قدامة.

ينضم إليهم كثير من الصحابة ومن التابعين ومن تابعي التابعين ومن الأئمة المتبوعين. كان الشافعي يقول: الليث أعلم من مالك إلا أن أصحابه ضيّعوه، ضيّعوا مذهبه، لم يجد من ينقل عنه هذا المذهب كما يريد. الأوزاعي خلّد مذهبه قرنين من الزمان في الشام حتى آخر هذا.

أسباب الأخذ من الفقه الوسيع والالتزام بالشريعة مع التيسير على الناس

فبدأنا نأخذ من الفقه الوسيع. لماذا؟

  • حتى نلتزم بالشريعة الغراء.
  • حتى نيسّر على الناس أمورهم.
  • حتى نواجه المشكلات العويصة التي نعيشها والتي يترتب عليها الظلم.

والظلم ظلمات يوم القيامة. كيف نلقى الله وقد أفتينا بفتوى تخرب البيت وتسكب الزيت وتحرق الحقل؟ كيف نلقى الله ونحن نغرس في الناس الحقد أو الحسد أو الضغينة أو الصراع أو الصدام؟ هذا يتعارض مع مقصد الشريعة بالبطلان.

ولذلك فإننا لا نخرج عن الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، إلا إذا اجتمعنا واجتهدنا كما حصل في نقل الأعضاء، وكما حدث في المستجدات التي لا توجد فيها نصوص في الفقه الإسلامي الوسيع، مع مراعاة مقاصد الشرع الشريف ومع مراعاة مصالح الناس وحياتهم وعواقب هذه الفتاوى في الحياة.

الفتوى على مستوى الفرد والأمة وضرورة مشاركة العلماء في بناء البلاد

فإن الفتوى قد تكون على مستوى الفرد وهذه سهلة وإن كانت خطيرة، ولكن الأخطر منها هو ما كان على مستوى الأمة.

ولذلك ينبغي أن نسأل الخبراء؛ حُرمنا كثيرًا من المشاركة السياسية حتى من فهم مقتضيات السياسة، ولذلك كنا حيارى عندما نُسأل في جانب من جوانب السياسة؛ لأننا لا ندرك عمقها ولا نعرف ما يترتب عليها من مآلات.

ولذلك فنرجو في هذا العصر أن يشارك العلماء مرة أخرى في بناء البلاد، وفي تهذيب العباد، وفي مستقبل رائع لمصر.

الدعوة إلى استخدام مصطلح فوضى الخطاب الديني ومواجهة التشدد والشذوذ

هيا بنا نقول: فوضى الخطاب الديني، حتى يشمل الآراء الشاذة البعيدة عن خُلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى يشمل أولئك الذين ينكرون السنة.

والسنة حجة بإجماع المسلمين شرقًا وغربًا سلفًا وخلفًا.

حتى نتقي التشدد والتعصب الذي يصطدم بالحياة ولا شك، وحتى نتيح للأفكار أن تتلاقى؛ فالعلم رحمٌ بين أهله.

شكرًا لحسن استماعكم.