محاضرة بعنوان " موقف الإسلام من قضايا الطفولة " | أ.د علي جمعة - ندوات ومحاضرات

محاضرة بعنوان " موقف الإسلام من قضايا الطفولة " | أ.د علي جمعة

27 دقيقة
  • اهتم الإسلام بالطفولة لدرجة أن الطفولة توقف الأحكام الشرعية، فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطيل السجود لحفيدته أمامة حتى تقضي حاجتها، وينزل من المنبر أثناء الخطبة لاحتضان الحسن أو الحسين.
  • كان المجتمع الإسلامي يقوم برعاية الأيتام والمسنين بشكل تضامني، فلم تظهر الحاجة للمؤسسات المتخصصة لهذه الفئات.
  • قضية الزيادة السكانية مرتبطة بالثقافة السائدة أكثر من ارتباطها بالدين، وهناك نقطة تعادل سكاني ينبغي الوصول إليها.
  • تنظيم الأسرة مسألة شرعية مرنة تختلف بحسب الزمان والمكان والأحوال.
  • أطفال الشوارع قنابل موقوتة تحتاج إلى دراسات متخصصة ونظم خاصة للتعامل معهم.
  • ختان الإناث عادة موروثة لا علاقة لها بالشريعة، وقد تبين ضررها باتفاق الأطباء، والشرع يحرم كل ضار.
  • يجب الاستماع لكلمة العلم واتباع المنهج العلمي الرصين في معالجة القضايا المجتمعية.
محتويات الفيديو(27 أقسام)

مقدمة عن اهتمام الإسلام بالطفولة وقاعدة تقديمها على الأحكام الشرعية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

الإسلام عندما جاء اهتم أيما اهتمام، أولًا وقبل كل شيء، بالطفولة؛ لدرجة أن هناك قاعدة تولّدت من مواقف عدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع الطفولة، مؤداها أن الطفولة توقف الأحكام الشرعية. الشريعة منها واجبات، والطفولة توقف هذه الواجبات.

يعني لو وضعنا رعاية الطفولة من أجل أن يشعر الطفل بالحنان والأمان والرعاية والعناية في كفة، والأحكام الشرعية في كفة أخرى، لرجحت الرعاية والعناية والحنان والأمان للطفولة على الأحكام الشرعية.

موقف النبي مع أمامة بنت العاص وإطالة السجود من أجل الطفولة

مجموعة من المواقف [التي تدل على تقديم رعاية الطفولة على الأحكام الشرعية]، منها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ساجدًا، واعتلت ظهره الشريف وهو ساجد يؤم المسلمين في الصلاة. والسجود ركن من أركان الصلاة، وممنوع في الصلاة أن تستجيب لخارج عن الصلاة.

ركبت ظهره أمامة بنت العاص، حفيدته بنت زينب الكبرى بنت رسول الله، فأطال في السجود. فسأله الناس بعدها:

يا رسول الله، لماذا أطلت في السجود؟ ليس هذا [من عادتك]، فقال: «حتى تقضي أمامة حاجتها مني».

عندما وضع مصلحة أمامة الطفلة التي لم تتجاوز حينئذ السنوات الأربع أو الثلاث في كفة مع حكم شرعي، ألغى الحكم الشرعي ورجّح عليه رعاية الطفولة.

نزول النبي من المنبر أثناء خطبة الجمعة لاحتضان الحسن أو الحسين

وكان [النبي صلى الله عليه وسلم] يفعل هذا؛ فكان يخطب خطبة الجمعة، وخطبة الجمعة عند المسلمين فرض، ركن من صلاة الجمعة؛ لأنها بدلًا من صلاة [الظهر] التي هي أربع ركعات، صلاة الجمعة أصبحت ركعتين وخطبتين قبلهما.

ففي الخطبة يُمنع أن أنزل من على المنبر مثلًا لاستقبال ضيف، ويُمنع أن أنزل من على المنبر أثناء الخطبة لأشرب أو آكل. فإذا به ينزل صلى الله عليه وسلم ويترك الخطبة؛ لأنه رأى الحسن أو الحسين يخرج من البيت ويتجه نحو المنبر، فينزله ويحتضنه حتى يشعر الطفل بالحنان ومزيد الأمان، ويترك الأمر الشرعي من أجل الطفولة.

موقف النبي مع الأقرع بن حابس في تقبيل الأطفال ونزع الرحمة من القلوب

يمسك [النبي صلى الله عليه وسلم] الطفل ويقبّله ويحتضنه ويضعه على فخذه الشريف، فيدخل عليه أحد العرب اسمه الأقرع بن حابس فيقول:

يا محمد، أتقبّل ولدك؟ عيب عند العرب [الجاهليين] أنهم يقبّلوا الأطفال، العرب الجاهليين. فقال: «نعم». قال: والله يا محمد إن لديّ تسعة من الأولاد لم أقبّل واحدًا منهم.

فردّ عليه [النبي صلى الله عليه وسلم] وقال:

«وماذا أصنع إذا كان الله قد نزع الرحمة من قلوبكم؟»

يعني أنا ما شأني أنا بهذه القضية! فكان رحيمًا بالطفولة وهو قائد الأمة ورئيس البلاد والعباد وزعيم المسلمين.

تواضع النبي مع البنت الصغيرة من بني النجار وتلبية رغبتها

يسير [النبي صلى الله عليه وسلم] في طرقات المدينة فتأتي البنت الصغيرة من بني النجار فتأخذ بيده، فيترك يده لها تذهب به حيث شاءت. يعني تقول له: تعال انظر إلى ما عملته، تلعب مع الأطفال أو كذلك إلى آخره.

فيذهب ويجلس ويستمع، ولا ينزع يده منها حتى تتركها. يعني هذا موقف أو مواقف عدة تبيّن كيفية التعامل مع الطفل.

المسؤولية التضامنية في تربية الأطفال ونظام الأسرة الكافلة لليتيم

هذه الكيفية [في التعامل مع الطفولة] أنشأت عند المسلمين أنهم في حالة مستمرة لتربية ورعاية والعناية بالطفولة. أي أن جميع الكبار مسؤولون مسؤولية تضامنية في تربية الجيل الجديد.

ولذلك كان الطفل إذا مات أبوه أو ماتت أمه ودخل في حد اليُتم وأصبح يتيمًا، لم يكن يشعر قط بأنه يتيم. وكانت هناك فكرة الأسرة الكافلة تأخذ هذا الطفل مباشرة.

الأسرة الكافلة قد تكون من الأقارب، وقد تكون من الجيران، وقد تكون من الأصدقاء. إذن فالمفهوم واسع للأسرة الكافلة، وقد تكون من الغرباء، لكنهم مكلفون جميعًا شرعًا بأن يرعوا هذا الطفل. فكانت الأسر تفرح به فرحًا شديدًا.

فضل كفالة اليتيم ومنزلة كافل اليتيم مع النبي في الجنة

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«من وضع يده على رأس يتيم» - أي يحنو عليه ويعطف عليه ويشعره بأنه أبوه وأنه ناصح له ومربٍّ له وأستاذ له - «كان له عند الله بكل شعرة من رأس اليتيم حسنة»

ويقول [صلى الله عليه وسلم]:

«أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة»

أي أن كافل اليتيم له درجة تساوي درجة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة. هذا هو الكلام، ليس مجرد شعارات ولا مبادئ ولا أسس نظرية فقط، بل كان يُترجم فورًا إلى برامج عمل.

غياب مؤسسات رعاية الأيتام والمسنين في المجتمع الإسلامي لقيام المجتمع بواجبه

ولذلك فظاهرة المؤسسات - وإن كنا نحتاج إليها في مجتمعنا بقدر معين - والتي ترعى الطفولة، لم تظهر في المجتمع الإسلامي؛ لأن المجتمع يقوم بواجبه تجاهها.

كذلك دور المسنين أيضًا لم تظهر في المجتمع الإسلامي؛ لأن المجتمع كان يقوم بواجبه بشأنها فلم تعد هناك حاجة. نحن الآن ننشئ دورًا للمسنين لأننا قد يفقد المسن كل من يعوله، وقد لا نستطيع عمليًا أن نرعى هذا المسن.

لكن نريد أن تكون هذه المؤسسات موجودة لكن بصورة محدودة، موجودة ولكن بصورة محدودة، وننشّط المجتمع أن يقوم بكل هذا، ولا نلقي بالعبء على المؤسسة وحدها.

أهمية الأسرة البديلة ودور الأيتام وضرورة تقليل الاعتماد على المؤسسات

كذلك دور الأيتام، جرّبنا دور الأيتام، ودور الأيتام تحتاج إلى نظام متقن. ولكن حتى مع هذا الإتقان يفقد الولد شيئًا من حنان الأسرة ومن جوّها.

ولذلك نريد من الأسرة البديلة أن تقوم بواجبها، وألا يذهب إلى المؤسسة إلا العدد المحدود الذي لم نجد له أسرًا.

هذه الأسس جعلت التاريخ الإسلامي يرعى وبصورة منظمة قضية الطفولة.

الزيادة السكانية مرتبطة بالثقافة السائدة أكثر من الدين واستغلال الأطفال

القضية الثانية: الزيادة السكانية. والزيادة السكانية في رأيي أمر يرجع إلى الثقافة السائدة قبل أن يرجع إلى الديانة. ومن أراد أن يُدخل الدين في مبرراته فهو يتحجج بهذا الدين ويتخذه حجة له، ولكن المحرك الرئيسي هو المسائل الاقتصادية والرغبات والثقافة السائدة.

التي بموجبها يُستغل الطفل أسوأ استغلال، ونجد أن الأب يأتي بالأطفال لا من أجل تربيتهم ولا من أجل تعليمهم، وإنما من أجل أن يكونوا مصدر رزق له، وحتى يتكاسل أو يتأخر عن العمل ويدفع بالطفولة إلى سوق العمل.

وأصبحت هذه الثقافة تهيمن على الأذهان وأنها حق، وهي باطل وليست حقًا، بل هو جريمة يرتكبها هذا الأب.

ضرورة تغيير الثقافة السائدة والاستعانة بالجانب الديني بنسبة محدودة

ولذلك إذا ما أردنا أن نغيّر فعلينا أن نستعين بالجانب الديني ما لا يزيد عن عشرين في المائة؛ لأنه ليس هو المحرك الرئيسي له. وعلينا أن نعمل على تغيير الثقافة السائدة ثمانين في المائة.

وأن هذا الإنسان يفعل هذه الجريمة ليس اعتمادًا حقيقيًا على الدين، ولو أن الدين قال لهم: ما تفعلونه حرام، فسوف يفعلون أيضًا. أو بمعنى صحيح: ثمانون في المائة منهم سيفعلون بعد ما عرفوا أن الدين يحرّم عليهم هذا.

ولذلك عندما نُشيع هذا الكلام نجد استجابة من عشرين في المائة فقط، ونجد الثمانين في المائة مصرّين على ما هم عليه، ويتحججون ما زالوا يتحججون بأن هناك دينًا يأمرهم بذلك.

الرد على حديث التكاثر وبيان نقطة التعادل السكاني المثلى

وعلينا في حملاتنا لتغيير العقل الثقافي الذي تولّد وتكلّس من هذا، أن نبيّن لهم هذه الحقيقة. يقولون:

«تزوجوا تناسلوا تكاثروا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة»

والمعروف أن نقصان السكان مشكلة أيضًا، ولكن هناك نقطة تعادل، نقطة فيها يصل السكان إلى مرحلة هي أفضل الأرقام للبلاد.

تاريخ الزيادة السكانية في مصر من محمد علي باشا إلى جمال عبد الناصر

عندما قام محمد علي باشا - وهو أول من قام بإحصاء للسكان رسمي وبطريقة علمية - فظهر عدد السكان في مصر في أوائل القرن التاسع عشر مليونين ونصف مليون. كانوا في سنة ألف وتسعمائة وفقًا للإحصاءات الرسمية أربعة عشر مليونًا، واقتربوا على نقطة التعادل.

عندما تولى جمال عبد الناصر رحمه الله القيام بالثورة، قال في خطاباته الأولى لزيادة السكان، وكان عدد المصريين في هذا الوقت قد بلغ سبعة عشر مليون نسمة سنة ألف وتسعمائة اثنين وخمسين.

ورأى عبد الناصر أن زيادة النسل نحتاجها في الدخول إلى الصناعة والعصر الحديث وإضافة هذه الصناعة وتطويرها في مصر واحتياج الثورة إلى هذا.

تحول عبد الناصر من الدعوة لزيادة النسل إلى تحديده وبلوغ نقطة التعادل

وبعد فترة تبيّن له [لعبد الناصر] عكس ذلك، ورأيناه يدعو إلى تحديد النسل ابتداءً من سنة ألف وتسعمائة وخمسة وخمسين وستة وخمسين. أما خطاباته الأولى - وهي مسجلة في هيئة الاستعلامات - فكانت تدعو إلى زيادة النسل.

في هذه السنة وصل عدد المصريين إلى نحو عشرين مليونًا، وهو رقم التعادل أو النقطة الحاسمة الحرجة.

تجاوز نقطة التعادل السكاني والوصول إلى حد الكارثة في مصر

هذه النقطة - نقطة التعادل - كان ينبغي أن نقف حولها، نزيد مليونًا ننقص مليونًا وهكذا. ولكن في خلال ما لا يزيد عن خمسين سنة أصبحنا ثمانين مليونًا، أربع مرات!

يعني في زيادة سكانية بمقدار ستين مليونًا. المرء عندما يكون في زيادة سكانية بمقدار خمسة وسبعين في المائة من العشرين مليونًا ولا يعني مائة في المائة حتى تبقى مشكلة، ولكن عندما يصبح ثمانين [مليونًا] أظن أنها وصلت إلى حد الكارثة.

نعم، مائة [مليون]! ربنا يبشرك بالخير.

مفهوم تنظيم الأسرة بدلاً من تحديد النسل ومرونته الشرعية

فإذا كانت القضية «تكاثروا» فقد انتهى الأمر، تكاثرنا! فقد تكاثروا إلى العشرين مليونًا لأننا كنا اثنين مليون ونصف. وهكذا أبدًا، هناك دول تعاني من نقص السكان ولا بد [من التكاثر فيها].

ولذلك اختاروا كلمة «تنظيم الأسرة» بدلًا من «تحديد النسل»؛ لأن تحديد النسل كلمة مطلقة قد لا تتناسب مع الجميع. لكن تنظيم الأسرة مسألة ترتبط بالزمان والمكان والأشخاص والأحوال، فهي مرنة وأكثر مرونة.

وهي مسألة شرعية دينية تنبّه إليها المسلمون واستطاعوا بناء حضارتهم من أجل الوصول إلى - لأنهم دائمًا كان لديهم الوصول إلى نقطة التعادل أو الرقم الأمثل للسكان.

الحاجة إلى جهود متضافرة لتغيير الثقافة السكانية مع الاستعانة بالدين

إذن ما نحن فيه يحتاج منا إلى جهود متضافرة تغيّر الثقافة، وتستعين أيضًا بالدين لا بأس، ولكن في حدود لا تزيد في رأيي عن العشرين في المائة.

مشكلة أطفال الشوارع ونفسيتهم المختلفة والحاجة إلى دراسات متخصصة

قضية الختان وقضية أطفال الشوارع. أطفال الشوارع في بعض الأحيان - وهم يحتاجون إلى دراسات مكثفة لمعرفة أعدادهم وكيفية التعامل معهم - لأنهم قنابل موقوتة، ولأن نفسيتهم تحتاج إلى خبرات أخرى.

المهم أن هؤلاء لهم نفسية أخرى غير النفسية التي للأيتام الذين في المؤسسات، أو الذين في الأسر البديلة، أو الفقراء، أو الذين تحت خط الفقر. هذا نفسية مختلفة تمامًا؛ هذا فيه شيء من التبلّد، وفيه شيء من التعامل غير الإنساني وهو من الولد نفسه.

ولذلك يحتاج إلى خبرات أخرى وعلوم أخرى. أظن أننا متأخرون فيها، وأن الدراسات وإن كانت موجودة لكنني أعتبرها دراسات في بدايات الطريق في هذه المشكلة الخطيرة التي لم تحظَ بعد بتدريب المؤهلين لهذه الطفولة لكي تعود مرة أخرى إلى الطفولة [الطبيعية].

الدعوة إلى تأهيل متخصصين وبناء نظم علمية للتعامل مع أطفال الشوارع

هذا [الأمر]، نحن نريد أناسًا يتدربون حتى يعرفوا كيف يتعاملون معهم. لا توجد نظم تبني مؤسسات هذه النظم، نحن لا نطبقها ولا ندرسها جيدًا.

ولذلك ندعو إلى أصحاب الخبرات ومعنا منهم الكثير. هؤلاء الناس نحتاج إلى أن يُجلبوا إلينا ونعرف الترتيب الذي بموجبه ننشئ هذا المؤهل وهذا النظام وكيفية بناء هذه العلاقات إلى آخر ما هنالك بطرق علمية دقيقة.

ولكن ينبغي أن تكون سريعة؛ لأننا تجاوزنا مرحلة الخطر إلى مرحلة الكارثة.

تاريخ قضية ختان الإناث ومجلة الدكتور وموقف علماء الأزهر سنة 1950

ختان الإناث: في سنة ألف وتسعمائة وخمسين كان لدينا هنا مجلة اسمها مجلة الدكتور، وفي مجلة الدكتور أصدر ملحقًا يقول فيه إن ختان الإناث ضار. ولكن الكتابات فيه كانت كتابات تشبه الكتابات الإعلامية أكثر من الكتابات العلمية.

وعُرض الأمر حينئذ على علماء الإسلام في سبتمبر ألف وتسعمائة وخمسين. ومن علماء الإسلام هؤلاء: الشيخ محمود شلتوت، والشيخ عبد الوهاب خلاف، والشيخ كامل البنا، والشيخ محمد عرفة.

تكلموا كلامًا علميًا، قالوا: يا جماعة أنتم تتكلمون بطريقة غير علمية، لم تعقدوا مؤتمرات ولم ترجعوا إلى الكتب العلمية الرصينة، ولم تتفق كلمتكم على أن هذه العادة الموروثة - ضع خطًا تحت كلمة «العادة الموروثة» - ينبغي علينا أن نتركها.

مطالب العلماء بالدراسة العلمية قبل تحريم ختان الإناث وموقف شيخ الأزهر

وتجارب الشعوب لا تُترك هكذا، فلو سمحتم:

  1. أولًا: اجتمعوا.
  2. ثانيًا: ادرسوا.
  3. ثالثًا: قرروا أن هذه العادة عادة مضرة ونحن نقول بحرمتها.

هذا الذي يقول الكلام: محمود شلتوت شيخ الأزهر بعد ذلك، محمد عرفة هيئة كبار العلماء، الشيخ كامل البنا وما إلى ذلك. وكلام منشور.

بعد خمسين سنة وأكثر اتفقت منظمة الصحة العالمية - كما اتفقوا في مسألة التدخين - أنه ضار بالصحة، وأن هذه العادة عادة سيئة وضارة بالصحة.

الوفاء بعهد العلماء الأكابر والتأكد العلمي من ضرر ختان الإناث وتحريمه

وكان ينبغي علينا - وقد توفي هؤلاء الأكابر - أن نوفي بالعهد. نحن أبناؤهم وتلاميذ تلاميذهم. وغيّرنا رأينا بدلًا من أن كنا ننقل من الكتب التي ترى أنها عادة مباحة وأنها من موروثات وتجارب الشعوب وأنه لا ضرر فيها.

تأكدنا من الناحية العلمية واتفق الأطباء في غير توجه لا سياسي ولا ثقافي ولا يتعلق بالنموذج المعرفي الآخر للطرفين، ليس هناك شيء كهذا، بل إنه كان أبحاثًا علمية.

وحينئذ قلنا الآتي: إن ختان الإناث عادة لا علاقة لها بالشريعة، هذه الحقيقة الأولى. الحقيقة الثانية: تبيّن أنها ضارة باتفاق الأطباء. الحقيقة الثالثة: الشرع يحرّم كل ضار:

«لا ضرر ولا ضرار»

الضرر يُزال، قواعد فقهية مُجمع عليها.

الرد على المعارضين لتحريم ختان الإناث وبيان أنها قضية تتعلق بصحة الشعب

بعض الغوغائية ومن أراد الإثارة لا الإنارة، أصبح التيار المعاكس [يقول]: لماذا تقولون هذا؟ علماء السلطة، علماء السياسة، علماء لا أدري ماذا!

فما شأن السلطة بقضية تتعلق بالشعب؟ وهو الذي يسأل: السلطة أم الذي يسأل الشعب؟ الذي يقول: يا جماعة ماذا [نفعل]؟ ولم يفعل [شيئًا]. الحقيقة أن الشعب هو الذي يسأل، وأنها مسألة تتعلق بالناس وبصحتهم وما إلى ذلك.

فأنا قلت بالتحريم، وحاول بعضهم أن يلطّف العبارة وقال: لا يقول بالتحريم ولا بالتجريم، وأن يقول يعني «لا نريدها، لا نريدها». ماذا لا نريدها؟ هذا كان سنة خمسين «لا نريدها»، هذا عندما كانت الأمور فيها غموض.

التأكيد على المنهج العلمي الرصين في تحريم ختان الإناث وتجربة كينيا

لكن أنا الآن الأمور ليس فيها غموض، بمنهجي العلمي الرصين الذي استمعت فيه إلى العلماء في إجماعهم وبحوثهم وما إلى ذلك، المجردة عن أي هوى أو أي انتماء أو أي ثقافة.

فتغيير الرأي حدث مثل هذا في كينيا. في كينيا كانت مسألة ختان الإناث تعبّر عن رغبة المستعمر، ولذلك كانت مسألة قومية. لا أحد يقول إن الإناث لا تُختن، والذي يقول إن الإناث لا تُختن يكون هذا خائنًا للوطن.

لماذا؟ لأن الاستعمار هو الذي قال ذلك.

تحول كينيا من رفض منع الختان إلى تجريمه بعد معرفة الحقيقة العلمية

ثم بعد ذلك استقر الحال واستقلت البلاد وتغيرت هذه الثقافة والعقلية، وتبيّن عكس ما ذهبوا إليه، فصدر قانون بتجريم ختان الإناث.

لماذا؟ لأنه تبيّن لهؤلاء المفكرين وللنخبة وللسلطة ولأصحاب القرار أن المسألة لا تتعلق برغبة المستعمر في تذويب الهوية. عندما كانوا يشعرون بهذا ولم يكن هناك ما يؤيد لديهم أو في معرفتهم وثقافتهم القضية، وقفوا ضدها.

فعندما عرفوا الحقيقة عكسوا المسائل، وأصبح هناك قانون بالتجريم، سواء التزم به الناس أم لا بناءً على مخالفة الناس لبعض القوانين التي لا تُطبّق عليها. ولكن القضية أنها تغيّرت.

وجوب الاستماع لكلمة العلم والسير على المنهج العلمي وفق مقاصد الشريعة

ينبغي علينا أن نعيش عصرنا وأن نستمع لكلمة العلم وأن نسير كما سرنا هكذا بطريقة علمية رصينة واضحة. فإن هذا هو الإسلام الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة»

والذي أمرنا رسول الله فيه بالتدبر والتأمل، وأمرنا فيه بالمصلحة، وأمرنا فيه بعدم الخروج عن المقاصد الشرعية: حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ الدين، حفظ كرامة الإنسان، حفظ الملك على الإنسان. خمسة مقاصد شرعية نرى فيها هذا الكلام، ونرى أنه يجب علينا أن نبلّغ هذا الكلام.

مواجهة التيارات الثقافية المنحرفة والتمسك بالحق والعلم حتى النهاية

ولنفكّ هذه الاشتباكات. واحد يقول لي: أنت مصارع ستمضي هكذا ضد التيارات. أي تيار؟ تيار الثقافة المنحرفة، أهلًا وسهلًا! وإلا فلماذا خُلقنا؟ ما هو إلا من أجل مقاومة التيارات المنحرفة المعوجّة.

أم إنني أستحي من أنني كنت منذ عشر سنوات أقول مثلما كان يقول الشيخ [محمود] شلتوت؟ فلما تأكدنا وعملنا رجعنا إلى الحق الذي هو علم الطب.

أنا أفعل ذلك وسأظل أفعل ذلك، ولا بد لنا أن نفعل هذا، وإلا فلا خير فينا إذا لم نستمع، ولا خير فينا إذا لم ننطق ونقول بالحق. والله يتولى سواء السبيل، شكرًا لكم.