محاضرة كلية الدعوة 22 مارس 2016 | أ.د. علي جمعة
- •يستهل المتحدث بالحديث الشريف "الراحمون يرحمهم الرحمن" كأول حديث يجاز به.
- •تعرض النص لجهود علماء الأزهر منذ القرن السابع عشر للنهوض بالأمة، مثل الشيخ عبد القادر البغدادي الذي ركز على اللغة العربية.
- •أضاف المرتضى الزبيدي لهذه الجهود منهج التوثيق ومنظومة الأخلاق، وألف كتاباً موسعاً للقاموس المحيط في أربعين مجلداً.
- •بدأت محاولات تقنين الشريعة الإسلامية في القرن العاشر الهجري بالهند عبر الفتاوى العالمكيرية (الهندية).
- •ظهرت المجلة العدلية العثمانية سنة 1290هـ كمحاولة لتقنين الشريعة.
- •سعى إسماعيل باشا للاستقلال بمصر مع التمسك بالإسلام.
- •كلف قدري باشا بترجمة القانون الفرنسي مع مراجعته شرعياً بواسطة الشيخ مخلوف المنياوي.
- •جاء السنهوري ليكتب القانون المدني المصري مراعياً الفقه الإسلامي.
- •دعا المتحدث للعمل الجاد والتمسك بالشريعة وشروطها الصحيحة دون تكفير أو تفسيق المخالفين.
- •ختم بالتأكيد على أن مصر بلاد مسلمة في دستورها وقضائها.
افتتاح المجلس بالدعاء والثناء على كلية الدعوة وعميدها
بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، شكرًا لكلية الدعوة ولعميدها الأستاذ الدكتور جمال فاروق على هذه الدعوة المباركة وعلى هذا المجلس الطيب.
الذي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعله من مجالس العلم التي تحفها الملائكة، وأن يكون في ميزان حسناتنا يوم القيامة، وأن يغفر لنا به ذنوبنا، وأن يستر عيوبنا، وأن ينور به قلوبنا، آمين.
وصلاة وسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
تلاوة حديث الأولية وروايته عن عبد الله بن عمرو بن العاص
كما بدأنا تبركًا بالكتاب ببسم الله الرحمن الرحيم، نبدأ بتلاوة حديث الأولية الذي يعلمه كل شيخ يبدأ في تعليم الحديث لأبنائه أو حاضريه، وهو ما رُوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
قال رسول الله ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»
بسكون الميم على سبيل الشرط، وفي رواية: «يرحمكُم من في السماء» بضم الميم على الدعاء.
معنى حديث الأولية وسبب تسميته وإجازة الحاضرين به
وهذا كان أول حديث يحدثنا به مشايخنا عندما نطلب منهم صلة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسُمي بحديث الأولية. وأوليته تنتهي عند سفيان بن عيينة؛ فبينه وبين الصحابي الجليل لم تكن هناك أولية.
ثم بعد ذلك اختاره العلماء ليكون أول حديث يُروى، وليكون أول حديث يُجاز. وقد أجزتكم والحاضرين به أول ما أُجيز في بداية هذا المجلس، الذي نرجو من الله سبحانه وتعالى أن يتقبله منا.
فرحة طلاب العلم بأخذ السند واتصالهم بالنبي صلى الله عليه وسلم
وعندما أخذنا السند من مشايخنا كنا نفرح ويقول بعضنا لبعض: اليوم يوم ولادتنا الجديدة، يوم نبدأ فيه الصلة؛ حيث إننا قد سمعنا من سمع من سمع من سمع من سمع إلى منتهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والذي بيننا وبين الخلق هو رسول الله ﷺ، والذي بيننا وبين أهل الأديان إنما صدقنا به نبيًا إنسانًا كاملًا، صدقنا به كما أخبر ربنا عنه بأنه أسوة حسنة:
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
ولم يصدقوه [أي أهل الأديان الأخرى].
إيمان أهل السنة بفضل الصحابة وتربيتهم في مدرسة النبوة
والذي بيننا وبين فرق المسلمين هو رسول الله ﷺ؛ فهناك من ادعى أنه -حاشاه- لم يُرَبِّ أبناءه وأصحابه، ولكننا نؤمن بأن الصحابة الكرام قد تربوا في مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن فضلهم يفوق فضل آحاد الأمة، وأنهم قد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ.
عدد رواة الحديث من الصحابة وأهمية فهم وصول الدين إلينا
والذي بين أيدينا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه نحو ألف وسبعمائة من الصحابة الكرام، من مائة وأربعة وعشرين ألف صحابي رأوه بأعينهم والتقوا به في حجة الوداع.
والذي بين أيدينا من أسماء الصحابة الكرام من الرواة وغير الرواة تسعة آلاف وخمسمائة، بما فيهم الرجال والنساء.
كل ذلك أقوله حتى نفهم أين نحن في هذا العصر، وكيف وصل إلينا هذا الدين، وكيف نطبق هذا الشرع الشريف في واقعنا.
نهضة علماء الأزهر في القرن الثامن عشر ودور عبد القادر البغدادي
بداية من القرن السابع عشر الميلادي وفي أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، ظهر في الأزهر الشريف علماء أرادوا أن ينهضوا بهذه الأمة.
منهم الشيخ عبد القادر البغدادي الذي رأى أن النهضة لا تكون إلا بالتمسك باللغة العربية، وأن اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة، وأنه لا يصح لك أن تنطلق في العلوم شرعيها وكونيها إلا إذا تمكنت من العربية تمكنًا يليق بك أن تفكر به.
فألف كتبه على هذا النحو، ومنها كتاب الماتع خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، وألف شرحًا لـ«بانت سعاد»، تلك البردة التي خلع رسول الله صلى الله عليه وسلم للشاعر كعب بن زهير عباءته، فسُميت بالبردة قبل بردة البوصيري.
تمني مشايخ الأزهر لو شرح عبد القادر البغدادي صحيح البخاري
ألف [عبد القادر البغدادي] مؤلفاته في شرح الشواهد وفي غيرها، حتى كان مشايخنا في الأزهر الشريف يتمنون لو أنه قد شرح البخاري؛ لأنه لو شرحه بمثل ما كتب خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب لأبدع ولبيّن لنا جانبًا مهمًا من إدراك السنة النبوية المشرفة، نستطيع به أن نعيش حياتنا في مصرنا وفي عصرنا.
ولكن كان العلماء يعزفون عن ذلك، كما قال الشوكاني: «لا هجرة بعد الفتح»؛ فلما ألف ابن حجر العسقلاني الحافظ كتابه [فتح الباري شرح صحيح البخاري] استوفى، وكأنهم رأوا أنه استوفى، لكنهم كانوا يريدون أن يذوقوا مذاق عبد القادر البغدادي بشيء آخر.
تطبيق الشريعة الإسلامية ودور تلاميذ عبد القادر في بناء النهضة
هذا الكلام الذي نتحدث فيه إنما يتعلق بـتطبيق الشريعة الإسلامية ومعناها ومغزاها. معنى هذا التطبيق أنه ينظر إلى المفاصل والمفاتيح التي بها قوام الأمة.
ولذلك فإن تلاميذ عبد القادر [البغدادي] استمروا في العطاء وفي الكتابات الموسعة، ولفت الانتباه إلى تحويل اللغة إلى ملكة عند الإنسان في مصر، وإلى البحث المتعمق في ذلك جدًا.
المرتضى الزبيدي وإضافة التوثيق والأخلاق إلى أركان النهضة
حتى إن الله أنعم علينا بـالمرتضى الزبيدي، فأضاف إلى أركان النهضة ركنين آخرين، وقال إن الاهتمام بالعربية هو الذي تكون فيه عودة الأمة إلى حالها، وتتمكن هذه الأمة من دينها ومن عصرها ومن مصرها.
ولكن أضاف لها منهج التوثيق، وأضاف لها ثالثًا وهو منظومة الأخلاق. فرأيناه يشرح شرحًا موسعًا القاموس المحيط -يشرح القاموس المحيط والقاموس الوسيط فيما ذهب من لغة العرب شماطيط شماطيط- للفيروز آبادي في أربعين مجلدًا.
شرح الزبيدي لإحياء علوم الدين وأهمية طلب العلم بلا نهاية
سنرى الآن أنه [المرتضى الزبيدي] شرح أيضًا في نحو هذه الأربعين، وطُبعت في عشر مجلدات، فكتب اتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين.
كان العراقي يقول: «لم أجده»، فيقول [الزبيدي]: بل أخرجه البيهقي في الزهد، ويأتي بسنده، ويعلمنا أن العلم لا يعرف الكلمات الأخيرة، وأن:
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]
وأنه:
﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: 114]
وأنه «لا بارك الله لي في يوم لم أزدد فيه علمًا». هكذا ورد في الكتاب والسنة أن طريق العلم لا نهاية له؛ فمع المحبرة إلى المقبرة، والعلم من المهد إلى اللحد.
وفاة المرتضى الزبيدي ومدرسته في بناء النهضة قبل الحملة الفرنسية
التوثيق واللغة والأخلاق -مات المرتضى الزبيدي سنة ألف ومائتين وخمسة [هجرية]- في محاولة جادة، وليست في محاولة مشبوهة، ولا في هروب من المسؤوليات، ولا في نوع خلط خبيث بين المصلح والمفسد.
بل إنه في جهد صامت وجهد تام في بناء عودة الأمة إلى ريادتها، وفي بناء عودة هذه الأوطان إلى مكانتها.
توفي عام ألف ومائتين وخمسة هجرية، قبل دخول حملة الفرنسيين الملعونين بثماني سنوات. دخلت فرنسا مصر عام ألف ومائتين وثلاثة عشر، وهو توفي عام ألف ومائتين وخمسة.
وترك مدرسة كبيرة في بناء الشرق مبناها منظومة أخلاقية ومنهج توثيقي ولغة هي صنوان مع الفكر.
منهج النهضة الحقيقي عند عبد القادر والزبيدي مقابل الشعارات الجوفاء
من أجل أن ننطلق انطلاقًا صحيحًا مؤسسًا على هذا التطبيق العملي الواضح: لم يدعُ عبد القادر [البغدادي] إلى تطبيق الحدود، ولا إلى صياغة المسائل، ولا إلى تغيير القوانين، ولا إلى أي شيء من هذا.
ولم يدعُ المرتضى الزبيدي إلى ذلك، بل إنه وضع أيدينا على الباب الصحيح الذي تنثال بعده الأمور شيئًا فشيئًا، في بناء تراكمي معتبر وفي اتجاه صحيح.
تجسس الفرنسيين على نهضة مصر وقرار لويس بغزوها
سمع لويس بهذه النهضة وتدبرها، وأرسل أتباعه إلى مصر. ولما أرسل أتباعه إلى مصر يقول عبد الرحمن الجبرتي: إنهم -يعني الفرنسيين- كانوا يأتون إلى أبي من أجل أن يتعلموا الرياضيات العليا واللوغاريتمات، وأنهم قد ملكوا بيتًا، لكنهم في الوقت نفسه كانوا جواسيس يتعلمون علمنا ويأخذون من فضلنا ويرصدون نهضتنا.
فقرر لويس أن يقضي على هذا الخطر الدائم الذي سيأتينا من الشرق، من مصر أم الدنيا، فقرر غزوها وأرسل الفرنسيين ليرسموا سواحلها ويضبطوا خرائطها، حتى إنهم فعلوا ذلك.
تنفيذ نابليون لخطة لويس وغزو مصر وقتل علماء الأزهر
ووجد نابليون بعد ذلك -بعد قيام الثورة [الفرنسية] في سنة ألف وسبعمائة وتسعة وثمانين- وبعد ذلك بكثير، وفي سنة ثمانية وتسعين [وسبعمائة بعد الألف]، تحرك نابليون بخطة لويس التي وجدها في الخزائن، وجاء إلى مصر.
فقضى فيها ثلاث سنين: تسعة وتسعين وثمانمائة وثمانمائة وواحد، وانتهت الحملة. هو بقي سنة واحدة.
فما الذي فعل؟ كما يقول هو في مذكراته: كان يقتل كل يوم خمسة من علماء الأزهر. خمسة في ثلاثمائة وخمسة وستين يصبح ألفًا وثمانمائة واحدًا قتلوا. وقال في مذكراته إنه لا يصلح مع هؤلاء إلا هذا، وقُتلت النهضة.
محمد علي باشا ومحاولته دخول العصر الحديث وإخفاقه في الحروب
وجاء محمد علي باشا -ألف وثمانمائة وخمسة- تولى الحكم ونظر، لا كما كان يفكر عبد القادر [البغدادي] في أسس النهضة الحقيقية. تكمن [النهضة الحقيقية] في أسس النهضة التي تخرج البلاد والعباد من ورطة الدوران محلك سر.
ولكنه أراد أن يدخل العصر الحديث بمعرفة الجانب المادي منه، وبذل في هذا جهدًا كبيرًا أفسده هو نفسه بالحروب التي خاضها فانهزم فيها.
يحدثنا إلياس الأيوبي في كتابه الماتع [عصر محمد علي] أنه لما ضُرب في هذه المعركة التي حاول أن يخرج فيها على الدولة العثمانية، كان يحكي عنه الخدم: كان يذهب ويجيء في القصر ويقول: أنا لم أعرف، الفرنسيون يضربون الفرنسيين، لا أفهم!
جهل محمد علي بالفارق بين التكتيك والإستراتيجية وتحذيرات آرنست رينان
يبدو أنه [محمد علي] لم يقرأ كتاب الأمير لميكيافيلي، ويبدو أنه لم يعرف أن هناك فارقًا بين التكتيك وبين الإستراتيجية، ويبدو أنه لم يدرك أنه في جانب منه كان يجب عليه أن يكون أوعى من ذلك.
مرت السنوات ورأينا آرنست رينان -كما في كتاب المملكة المستحيلة، مات ألف وثمانمائة واثنين وتسعين- إنه يقول: لو علم الناس ما دبرناه لمصر لشكرونا. لا شك أنهم سيثورون؛ لأننا إذا لم ندبر لهم هذا ونحن مهتمون بوضع أيدينا عليها فستكون الدماء بحارًا.
تهديد آرنست رينان بالسيطرة الفرنسية على مصر وإدراك المصريين لذلك
آرنست رينان يهدد من طرف خفي بأن هناك دماء كالبحار ستكون إذا لم تُتخذ الطريقة الفرنسية التي أُعدت، والتي فيها نوع من أنواع السيطرة بعيدة المدى من الخارج دون إراقة الدماء، ولكن سنلجأ إلى إراقة الدماء متى أردناها وتمكنا منها أو تحتم الأمر فيها.
يدركوا هؤلاء الناس -بعدما درسوا واحتكوا وسافروا وأخلصوا لمصر- هذه الحقائق. ولذلك حتى من أراد منهم أن يستقل بمصر لم يرد أبدًا أن يخرج عن الإسلام.
بداية تقنين الشريعة في الهند والفتاوى العالمكيرية بعد فتنة جلال أكبر
تقنين الشريعة بدأ مبكرًا في القرن العاشر الهجري في الهند: الفتاوى العالمكيرية التي تسمى الآن الفتاوى الهندية. وذلك بعد فتنة جلال أكبر.
وجلال أكبر رجل أمي كان معه شخص إيراني يسمى أبو فضل، وجلال أكبر مات سنة ألف وستة وعشرين من الهجرة. جلال أكبر هو السادس في السلالة المغولية من أولاد تيمورلنك، وكان مسلمًا وتزوج بهندوسية.
وهذه قصة الزواج تجدونها في المسلسل الشهير الذي يسمى جودا أكبر.
محاولة جلال أكبر إنشاء دين وسط ونشأة ديانة السيخ
وهذه قصة تتحدث عن جلال أكبر الذي أراد أن ينشئ دينًا يوحد به أديان الهند، فأنشأ دينًا وسطًا يأخذ من الإسلام شيئًا ويترك أشياء، ويأخذ من الهندوسية شيئًا ويترك أشياء، ونتج من هذا بعد ذلك السيخ.
جلال أكبر مات ولن يبقى له أثر، ولكن تنبه المسلمون إلى وجوب تقنين الشريعة في صورة مواد يحكم بها القاضي؛ حيث أن النظام القضائي قد انحط كفاءة منذ الظهور [ظهور هذه الفتن].
فاجتمعوا وأحد أبنائه [أي أحفاد جلال أكبر] وضع هذه العالمكيرية أو الفتاوى الهندية على المذهب الحنفي.
المجلة العدلية العثمانية وقوانين محمد علي التنظيمية في مصر
فالفكرة [فكرة تقنين الشريعة] موجودة، لكن العثمانيين احتاجوها فأنشأوا لجنة لوضع القوانين الإسلامية في صورة ما أسموه بـالمجلة العدلية، وصدرت المجلة العدلية [سنة] ألف ومائتين وتسعين [هجرية].
قبل ذلك كان محمد علي ينشئ قانون الفلاح، ينشئ قانون الأطيان، ينشئ قانون اللائحة -هي تنظيمية لا علاقة لها بالمواد المدنية ولا الجنائية، لكنها لها علاقة بترتيب الأمور الإدارية.
ثم بعد ذلك سعيد ينشئ اللائحة السعيدية، ثم بعد ذلك جاءت المجلة العدلية من أجل أن تحكم على جميع أطراف البلاد الإسلامية التي هي تخضع لتركيا حينئذ.
استقلال إسماعيل بمصر وتمسكه بالإسلام ورفضه الخروج عنه
أراد إسماعيل أن يستقل بمصر، واستقلال إسماعيل بمصر وإن كنا نختلف معه إلا أنه أظهر أن الرجل متمسك بالإسلام.
فهو يريد أن يتهرب من تطبيق المجلة العدلية حتى لا يشتد صلته بتركيا، ولا يريد أن يخرج عن الإسلام. هذه فرصة ذهبية كان بإمكان إسماعيل أن يخرج فيها عن الإسلام، لكنه لم يفعل، وأكد أنه يريد أن يكون على نهج المسلمين.
حينئذ كانت المذاهب في مصر ثلاثة: الحنفية والشافعية والمالكية، وليس هناك شيء للحنابلة في الأزهر الشريف إلا ما ندر. وكانت ثلاثة، وحتى يكملها أربعة على مذهب أهل السنة والجماعة، فإنهم كانوا يعينون اثنين حنفية وواحد شافعي وواحد مالكي فيصيروا أربعة.
اجتماع إسماعيل بالعلماء لحل مشكلة الاستقلال القانوني عن الأتراك
ظل الحال هكذا حتى استدعى إسماعيل الأربعة ومعهم رفاعة بك الذي أخبر ابنه علي أفندي -كما ورد في قصة رشيد رضا عن علي أفندي الذي حدثه بهذا الأمر- حتى يقترحوا له حل هذه المشكلة:
لا نريد الارتباط بالأتراك فهم يفعلون فينا ويفعلون بنا، نحن دول مستقلة، ولا نريد الخروج عن الإسلام، فماذا نفعل؟
وحاضر في الجلسة قدري باشا وزير الحقانية [وزير العدل]، يعرف التركية جيدًا ويعرف العربية جيدًا ويعرف الفرنسية جيدًا.
اختلاف العلماء حول تغيير المذهب الفقهي وغضب الخديوي إسماعيل
فواحد قال: أنا أرى تغيير المذهب، بدل الأخذ بالحنفية منها نأخذ المالكية. فقال آخر: إذا كان كذلك فيجب أن نأخذ بالشافعي؛ لأن الشافعي صاحب البلد -هو من دُفن هنا وليس مالك ولا أبو حنيفة ولا أحمد- فصاحب البلد أولى بها.
فجاء إخواننا الاثنان الحنفيان وقالا: حسنًا، ستخرجون عن الملة أم ماذا؟ الناس ظلت خمسمائة سنة معتادة على الحنفية، ماذا تقولون؟ هذا الكلام لا يصح!
يقول علي أفندي: وعلت أصواتهم في الحضرة الخديوية، صوتهم علا حتى ضاق الأمر بإسماعيل فطردهم، ثم أرسل لهم مرة أخرى بعدما هدأ.
اقتراح مقارنة القانون الفرنسي بالمذهب المالكي وتكليف رفاعة بالترجمة
وكانت هناك اقتراحات واضحة في الجلسة الثانية. بعضهم قال -وكان هذا أصبح شائعًا في العالم الآن وأساسيًا، وليس هناك شيء شائع في العالم- أن القانون الفرنسي كان نابليون أول وكان نابليون ثان مأخوذًا من لويس، ولويس مأخوذ من الأندلس، والأندلس مالكية.
فنريد مقارنة القانون الفرنسي بالمذهب المالكي. فأمر إسماعيل رفاعة بك أن يترجم القانون الفرنسي، ويعرض الترجمات على الشيخ مخلوف المنياوي العدوي مفتي الصعيد، يراجعها ويرى فيها ما يوافق أو يخالف في المذهب المالكي.
قدري باشا قال: وأنا أُعد قولًا ثانيًا، لننظر في المجلة [العدلية]، فتقول القول الأول، أقول القول الثاني في الحنفية حتى لا نخرج عن الحنفية.
عمل رفاعة ومخلوف المنياوي في المقارنات التشريعية بين الفقه والقانون الفرنسي
وقاموا على هذا الأساس، واستمر هذا العمل: كلما ترجم رفاعة وإخوانه في الألسن شيئًا من القانون الفرنسي يعرضونه على الشيخ مخلوف المنياوي من أجل أن يُحدث مقارناته.
فأحدث مقارناته في مذكرة طالت منه وسماها المقارنات التشريعية.
انتهى مجدي باشا من ترجمة القانون -يعني الذي يترجمه هو اسمه مجدي باشا- وطُبع القانون في المطابع الأميرية في مجلدين. ولم يُطبق أبدًا في مصر؛ القانون الفرنسي لم يُطبق في مصر أبدًا، وإنما الذي تُرجم هو القانون الفرنسي الذي نُشر في مجلدين.
اكتشاف مخطوطات مخلوف المنياوي وقدري باشا في دار الكتب ونشرها
وكانت توجد نسخة في مكتبتي، ونحن بينما نبحث في دار الكتب وجدنا كتابًا أو تقريرًا مخطوطًا لـمخلوف المنياوي فأصدرناه في مجلدين في دار السلام.
وفي البحث مرة أخرى في دار الكتب وجدنا الجهد الذي بذله قدري باشا -صحيح هذا الجهد له واقع- فأصدرنا مجموعة قدري باشا: دليل الحيران في معرفة أحوال الإنسان، العدل والإنصاف في الأوقاف، الأحوال الشخصية، أربعة مجلدات.
كل هذا طُبع مهم لكي نجدد صدق ما هو مكتوب في الكتب.
عزل الخديوي إسماعيل وضياع جهود المقارنات التشريعية في عهد توفيق
بعد ذلك ذهب مخلوف المنياوي بعد أن انتهى يُعلم الخديوي بالنتيجة، وأن هناك عدة مواضع مخالفة يمكن أن نغيرها، ويصبح صياغة القانون الفرنسي في أغلبه بعد الملاحظات والتعديلات موافقة [للشريعة].
وُجد [أن] الخديوي إسماعيل عُزل من الخديوية ونُفي إلى إسطنبول، ووُجد بعده واحد اسمه توفيق ابن إسماعيل. توفيق لا يعرف شيئًا عن هذه الحكاية.
قال له [مخلوف]: من حضرتك؟ فأخبره بما تم من عمل، فقال له: لا أدري ما هي الترجمة وما هي القرارات وهكذا، ما يعني! فتم وضعها في دار الكتب المصرية هكذا، والذي أودعها هو مخلوف المنياوي. وقد عرفنا أننا نخرجها لكي نوثق التاريخ.
قدري باشا يكتب القانون الأهلي باللغة الفرنسية ثم يترجمه إلى العربية
ماذا فعل قدري باشا؟ قدري باشا فقط أمسك بالورقة والقلم وكتب -كان لديه أشخاص فرنسيين- فكتب قانونًا باللغة الفرنسية وليس القانون الفرنسي. هذا القانون هو كتبه باللغة الفرنسية ثم تُرجم إلى العربية فسُمي بـالقانون الأهلي.
كتب ماذا في الأول والقانون الثاني؟ هذا لدي [مؤرخ بسنة] ألف وثمانمائة وثلاثة وثمانون. كل ما أقوله لدي في المكتبة حتى لا يقول أحد: لم نرَ ولم نفعل.
المادة الأولى في القانون الأهلي تحمي الشريعة الإسلامية من أي تعارض
سنة ثلاثة وثمانون [وثمانمائة بعد الألف] صدر القانون العربي، مؤكد في أن ذكر المادة الأولى: هذا القانون لا يؤثر على أي مبدأ أو حق مقرر في الفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية.
معنى المادة أنك إذا وجدت أي خلل في هذا القانون يتعارض مع الشريعة تشتكي على الفور، يصبح لا ينفعك كأنه معدوم -الدستورية الذي هو باللهجة الدارجة الآن.
وذهب فصوّر القانون فيه هذه المادة، وظلت هذه المادة حتى ألف وتسعمائة وثمانية.
إلغاء المادة الأولى بعد خمس وعشرين سنة بحجة عدم الاعتراض عليها
ذهبوا إلى تغييرها [المادة الأولى]، قالوا: مضى خمسة وعشرين سنة من سنة ثلاثة وثمانين حتى ثمانية [وتسعمائة بعد الألف]، تحسب خمسة وعشرين سنة، ما يوجد ولا واحد اعترض، فتكون هذه مادة مقررة انتهى.
فيكون هذا قد جُرّب لمدة خمسة وعشرين سنة لم يكن فيها أحد من المزورين.
وما هؤلاء المزورون الذين كانوا يسمون المحامين مزورين؟ لأنه يحسن الكلام مثل الشيخ أحمد وهو يؤذن، قال: كنت قد زوّرت كلامًا في نفسي. زوّرت يعني جمّلت، فالمحامون يجملون الحجة للقاضي.
لم يتقدم أحد من المزورين الذين هم المحامون بالاعتراض عليها طوال الخمسة وعشرين سنة، وعليه فهذا هو موافق للشريعة الإسلامية حيث لا اعتراض، ما عرفنا نصيد فيه ولا كلمة مخالفة.
رفع المادة الأولى عام 1908 ومطالبة المصريين بقانون مصري إسلامي
ألف وتسعمائة وثمانية رُفعت المادة وعُدلت بعض المواد، ولكن بدأ الناس يطالبون بأن ينطلقوا من المصريين، لا بالعودة إلى العالم وإلى العالمية، قانون مصري بحت يعتمد على الشريعة الإسلامية.
وفي سنة ستة وثلاثين [وتسعمائة بعد الألف] شُكلت لجنة من اثني عشر شخصًا لكي تكتب القانون المصري هذا، فلم يستطيعوا كتابته، وظلوا يتجادلون فيما بينهم أربع ساعات ولا يعرفون كيف يتفقون على شيء.
السنهوري يتولى كتابة القانون المدني المصري بمفرده على ستة عشر نموذجًا
وفي ذلك الوقت كان رجع من فرنسا واحد اسمه عبد الرزاق السنهوري، وقال: يا جماعة اتركوا الأمر لي. بهذا ستعرف يا سنهوري، هل ستكتبه بمفردك؟ قال: نعم، وسأكتبه على ستة عشر نموذجًا.
أنا في عقلي الهندي والبلجيكي والأمريكي والفرنسي والإسباني والدول التي كذلك. وقال: عندما سأكتب سأراعي أننا نحكم بالحق بين كل هذه الدول.
قالوا له: حسنًا. أساس السنهوري ما هو؟ الفقه الإسلامي.
السنهوري يكتب القانون المدني في اثنتي عشرة سنة مراعيًا الفقه الإسلامي
كتب السنهوري باشا اثنتي عشرة سنة، من سنة ستة وثلاثين حتى سنة ثمانية وأربعين [وتسعمائة بعد الألف]، كتب ثمانمائة وخمسين مادة التي في القانون المدني، مع مراعاة ستة عشر تشريعًا؛ لكي يدخل التشريع المصري بالصبغة المصرية إلى العالمية، ولكن من منطلق مصري، ولكي يبرز الفقه الإسلامي بطريقة متمكنة.
قال: لكن هذا الكلام لا ينفع؛ القوانين في صياغتها تحتاج إلى تطوير، فيجب أن نربي عقولًا تكون قادرة على هذا التطوير. أنا بمفردي لن أستطيع، فأنا في يوم ما سأموت، فيجب أن نعمل جيلًا من بعدنا.
إنشاء معهد الدراسات العربية بالجامعة العربية لتخريج المجتهدين
فذهب [السنهوري] وقال هاتين الكلمتين لـعبد الرحمن عزام باشا. متى قالها له؟ عندما تولى عبد الرحمن عزام باشا الجامعة العربية.
لدينا شيء يسمى الجامعة العربية هناك في التحرير. قاله: يا عبد الرحمن باشا، لا بد من إنشاء مجتهدين يراعوا ربنا ويجدوا في الفقه وما نخرج عن هويتنا.
قال له: ماذا أفعل؟ قال له: أنشئ في الجامعة العربية معهدًا اسمه معهد الدراسات، درّس لهم على مستوى عالٍ جدًا، بحيث هؤلاء لو درسوا المائة وتخرج منهم ثلاثة أو أربعة مجتهدين يا للروعة! فيكون قد حققنا إنجازًا. ومعهم قالوا: انتهى الأمر.
إنشاء مكتبة فريدة لمعهد الدراسات وأبرز العلماء الذين درّسوا فيه
وأنشأ عبد الرزاق باشا [السنهوري] هو وعبد الرحمن عزام مكتبة لا مثيل لها -ولا دار الكتب نظير لها، لا المكتبة الأزهرية ولا مكتبة- لا مثيل لها.
أين هذه المكتبة؟ شارع القصر العيني، قبل دار الحكمة، الشارع الذي قبله على الناصية، وموجودة حتى الآن، وتجد أنه يكاد لا أحد يعرفها.
سنة ثمانية وأربعين [وتسعمائة بعد الألف] أُنشئ معهد الدراسات، ومعهد الدراسات كان يعمل فيه ويدرّس فيه: أبو زهرة، والسنهوري باشا، وعبد المنعم الصدة، وكذلك عبد الله العربي من الأكابر في الاقتصاد وفي الفقه وفي الأصول وفي التشريع وفي القانون وفي الصياغة وفي اللغة وفي كل شيء.
اندثار معهد الدراسات ووفاة السنهوري وضياع إرثه العلمي
وظل هذا موجودًا عندنا، كلما جيلًا يموت ويذهب فيذهب رونقه، ويبدأ أن يتأخر حتى أُغلق. لما أغلقوا هنا الجامعة العربية ورحلت [إلى] تونس، ومات السنهوري في السبعينيات.
وفي العقد ما بين السبعين والثمانين تغيرت الأحوال في هذا المكان وأصبح أثرًا من بعد عين.
فهل يُقال عن السنهوري كافر؟ وجدنا أوراق السنهوري عندما وجدنا أوراقه وجدناها شعرًا، فأنشأنا له ديوانًا شعريًا. اتضح أنه يمدح في الإسلام والمسلمين، أي أنه شعر يمدح الإسلام والمسلمين.
فأُصدر. هل قرأه أحدكم؟ هل سمعتم به؟ فهو منشور في الهيئة المصرية العامة للكتاب منذ عشرين سنة.
التحذير من تكفير الآباء والدولة والدعوة إلى البحث والتوثيق
ستذهبون فتجدونه قد انتهى، عشرون سنة. أي أن هناك أطفالًا هنا عندنا معنا الآن، هو طُبع قبلها.
أليس حرامًا عليكم أن تقولوا إن هذه الدولة كافرة، وتقولوا عن آبائكم أنهم كفار؟ أليس حرامًا عليكم أن تسمعوا من هنا وهناك ثم لا تبحثوا في التوثيق الذي أفادنا به الشيخ المرتضى الزبيدي؟
أليس حرامًا عليكم أن تسمعوا للكاذبين ولا تسمعوا لما تشاهدونه بأعينكم؟ أليس حرامًا يا إخواننا؟ والله حرام.
قصة السنهوري باشا وكتابته للقانون المدني العراقي المتقدم
هؤلاء الناس لا يريدون أن يخرجوا عن الإسلام، بل على العكس. السنهوري باشا تكلم على واحد من المسؤولين -ربنا يعفو عن الجميع- فمسكوه فضربوه، فعزت عليه نفسه وهو رجل كبير ومحترم.
فأخذ بعضه وذهب إلى العراق، فالعراقيون عرفوا بوجود السنهوري باشا عندهم، حبسوه لكتابة القانون المدني العراقي.
فكتبه في خطوات متقدمة عن القانون المدني المصري، وقال: هذا ما كنت أريد أن أطور القانون المصري، أي يكون أقرب إلى الفقه الإسلامي.
مشاركة السنهوري في القانون الأردني ومقالته عن ضرورة استمداد القوانين من الفقه
عبد العزيز الخياط في الأردن -الله يرحم الجميع- عمل لجنة لكي يكتب القانون. فقط يا للوقت! وأنت سددت المدح هذا، أنت سمعته هكذا وهكذا، لا يحكي إلا من يشاء الله، لا يحكي إلا من يشاء الله.
ذهبوا، عبد العزيز الخياط رحمه الله شكّل لجنة لصياغة [القانون] الأردني. قالوا: عيب، الرجل [السنهوري] عائش، أبو القوانين كلها، لازم نستشيره.
فأرسلوا له، قالوا له: الحقنا يا سنهوري باشا وتعال انظر الخطة التي نحن عاملوها. فجاء السنهوري باشا للأردني، وأنا وجدته في الأضابير، بحثت في الأضابير هناك في الأردن، فوجدت اسمه موجودًا في اللجنة، لكن لم يشترك في الصياغة النهائية.
ووجدت أن الأردني هو الخطوة الثانية متوجهًا ومتمسكًا بالفقه الإسلامي.
مقالة السنهوري في العراق عن ضرورة استمداد القوانين من الفقه الإسلامي
وجاء [السنهوري] وكتب مقالًا، كتب مقالًا في القوانين في العراق، قال فيها: لا صلاح لنا إلا أن تكون قوانيننا من فقهنا، ولكن الكتب لا تصلح لأن يؤخذ منها هذا بسهولة.
ولذلك فيجب علينا أن نطور الصياغة، وتكلم عن هذا كلامًا بديعًا يبين: إذا ما أردت أن تكون جادًا في التطبيق فكن جادًا في البذل.
تقديم القانون المدني والجنائي عام 1948 ونقد حسين التيدي للسنهوري
في هذا الوقت -ثمانية وأربعين [وتسعمائة بعد الألف]- تقدم السنهوري باشا وتقدم غيره بالقانون الجنائي والقانون المدني. السنهوري [كتب] المدني، والجنائي كان فيه أحمد أمين باشا وكان فيه صبري أبو علم وكان فيه مجموعة.
أحس بذلك حسين عبد الله التيدي -هذا يكون زميل للشيخ عبد السميع إمام والشيخ محمد أبو النور الزهيري- انتبه! هذا شعر أن هناك شيئًا يُدبر هكذا، ليس مزاجه هكذا، هو مزاجه أنه يأتي بالفقه كما هو مثل العالمكيرية هكذا.
فذهب مؤلفًا كتابًا من أربعة مجلدات ينتقد فيها السنهوري باشا -هو لم يأت باسمه- وطبعه عند عيسى الحلبي في عام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين.
كتاب المقارنات التشريعية للتيدي ووجهة النظر الأخرى في التقنين
يبقى لا يزال السنهوري مسلمًا أو سيسلم [أي سيظل على إسلامه]، وهذا الكتاب مطبوع. فإذا لم يكن له [للتيدي] دعوة به [بالتكفير]، فهو له دعوة بالفكر.
لم يكفروا ولم يفسقوا ولا أي شيء آخر. يقول: والله لي وجهة نظر ثانية، لا مانع من أن نسمع وجهة النظر الأخرى ما دامت في مصلحة بلدنا.
أين هذا الكتاب الذي لا أحد يعرف عنه شيئًا؟ اسمه المقارنات التشريعية، أربعة مجلدات، لعبد الله بن حسين التيدي. وفي آخره في الجزء الرابع تقريظ لـعبد السميع إمام -كان من مشايخنا في الحرم- ومحمد أبو النور زهير صديقه الذي هو شيخنا نحن الذي قرأت عليه الأصول، مواليد ألف وتسعمائة وستة.
ثمانية وأربعون كان عمره اثنان وأربعون سنة، عالم كبير.
ضياع كتاب المقارنات التشريعية وجهل الناس به وإعادة طبعه
ذهب الكتاب ولا أحد يعرف عنه شيئًا. وإذا سألت أمناء المكتبة عنه: هل عندك المقارنات التشريعية للتيدي؟ يقول لك: من التيدي؟ من حسين؟ من حسين عبد الله التيدي يا رجل! من حسين التيدي؟ هذا أول مرة أسمع عنه!
سألت كل الكتبية، فذهبنا نأتي بنسخة -فأنا عندي نسخة- وذهبنا وطبعناه مع المجموعة الخاصة بنا عند دار السلام.
يمكن جدًا أن تذهبوا لتشتروها. وأصبح هناك مقارنتين: المقارنة التابعة لـمخلوف المنياوي والمقارنة التابعة لـحسين عبد الله التيدي. حسين التيدي لا يعرف أن مخلوف المنياوي فعل شيئًا، لم يرها. هذا نحن الله جعلنا نعثر فيها عندما نشرناها.
وجوب عدم الكلام بغير علم والفرق بين العمل الجاد والغوغائية
فإذا يا جماعة، أي والله عليكم، يجب علينا ألا نتكلم من غير علم، ولا نخوض في الكلام. عيب عندما لا نعمل شيئًا ونأتي نقول: مشروع النهضة، ونكتشف أن مشروع النهضة كذب!
انظر الفرق بين شغل عبد القادر [البغدادي] وبين الخوض في الكلام. أصل هؤلاء هم الذين يدافعون عن الإسلام الوحيدون؟ اصمت يا ولد، اصمت! أهؤلاء الذين يدافعون عن الإسلام والمسلمين؟ إذن ماذا؟ وما إلا شيخ الإسلام وحفظة القرآن؟ إذن ماذا يفعلون؟ اصمت يا ولد!
هؤلاء الناس يضلون بعضهم بعضًا، به في علم لا يوجد علم، في تقوى لا توجد تقوى. هذه دنيا فاسدة.
التمسك بالمحجة البيضاء وموقف البرلمان من الحدود في القانون الجنائي
فهل نترك الآخرة وأترك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ترك لنا المحجة البيضاء التي كان ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك؟
وعندما عرضوا الحاجة [القانون الجنائي في البرلمان] قالوا: هذا القانون الجنائي لا توجد به حدود. في البرلمان قالوا لهم: إن الحدود نسكت عنها كما سكت سيدنا عمر عنها في عام الرمادة.
والسكوت ليس إنكارًا لأحقيتها، وإنما هو مراعاة لـضعف القاضي وفقدان الشاهد. فنحن في عصر شبهة، والقاعدة المقررة المأخوذة من الروايات: درء الحدود بالشبهات.
شهادة التنوخي على ضعف الشهادة وظهور فكرة السجل العقاري
بحثنا عن هذا الأمر: هل صحيح أن هناك شيئًا يسمى عصر شبهة؟ صحيح أن الشهادة قد لا تكون موجودة المعتبرة الشرعية المرعية.
وجدنا التنوخي في القرن الرابع الهجري يقول: كنا ندخل القرية فنجد أربعين شاهدًا، والآن ندخلها فلا نجد إلا شاهدين.
ومن هنا جاءت فكرة السجل العقاري؛ فالناس أصبحت ذممها واسعة. «يحدث لكم من الأمر بقدر ما تحدثون» كما قال سيدنا عمر بن عبد العزيز.
ولذلك لا بد من التوثيق، ولا بد من التوثيق أن يكون مأمورًا من القاضي. ولذلك حولوا الشهادة إلى مؤسسة تسمى الشهر العقاري.
فساد الشهادة في العصر الحديث ووجوب إيقاف الحد عند فقدان شرطه
هل يحدث شيء إن وثقنا؟ لا يحدث شيء. طيب، من الذي سيشهد في الشهر العقاري أن هذا الشخص قد سرق أو قتل أو عمل أو سوّى؟ هو يأخذ يا عيني الطريحة كما يأخذها في أقسام البوليس، يقول لك: ما الذي تريد وأنا أوقع عليه.
فأين إذن الاعتراف [الصحيح]؟ فأصبح العصر عصر شبهة.
ومن هنا وجب علينا أن نوقف الحد عند فقدان شرطه تطبيقًا للشريعة. هذه الشريعة هي التي تقول لنا هكذا. لا أريد أن أرى أيدي مقطعة هكذا [بغير وجه حق].
قصة قنصوة الغوري ومحاولته تطبيق حد الرجم على غير مستحقه
قنصوة الغوري -دخل عليه سليم الفاتح سنة تسعمائة وخمسة وعشرين- كان له مجالس تسمى المؤيدية، صدر منها كتاب في جامعة القاهرة قديمًا.
قال لهم [للعلماء]: أيها العلماء. فقالوا له: نعم. قال: يعني لم أسمع برجم أحد، أليس هذا الرجم كان النبي يطبقه؟ قالوا له: آه طبعًا، فهذا حد من الحدود للزاني المحصن. فلتأتوا بأحد لكي نقيم السنة.
قالوا له: لكن هذا له شروط والشروط صعبة. قال لهم: لكن انظروا فقط أحدًا هكذا، لأجل أن يقولوا قنصوة طبق السنة؛ لأن هذه حاجة ستُكتب لي في التاريخ.
مسكين ولد زانٍ غير محصن قبضوا عليه. قال: لكن طيب، أرأيت ما هذا؟ انفرج الأمر، فاحكم عليه بالرجم لكي نحيي سنة الرجم.
رفض القضاة تطبيق الرجم على غير مستحقه وقنصوة يرجم الولد بنفسه
البداية: قالوا له: لا يصلح، لا يصلح! الشريعة تقول له هذا جلد فقط.
قال لهم: دعونا نحكم عليه [بالرجم]. قال القاضي: لن أحكم بشيء [مخالف للشرع]. فذهب فعزل القاضي وأتى بقاضٍ آخر. القاضي الآخر مسكين، لا يأخذان بالهم الحدود أو هذا هنا.
فقال له: لو سمحت ارجم هذا. هذا قال له: يا مولانا، هذا لا تنطبق عليه شروط الرجم بعد. قال له: فقط ارجمه. قال له: لن أفعل.
فذهب [قنصوة] بنفسه وأخذ الولد من محبسه ورجمه.
عاقبة قنصوة الغوري وضياع جثته بسبب ظلمه في تطبيق الشرع
فتحدث الناس أنه قد قتل الولد مظلومًا. فلما دخل سليم خان [الفاتح]، جثة قنصوة ضاعت في مرج دابق، لا أحد يعلم أين هي.
فتحدث الناس وقالوا: إن هذا بدم المظلوم. تركوا كل التحليل السياسي -ولماذا أتى سليم؟ وماذا تفعل المماليك؟- وأمسكوا في جزئية أنه طبق الشرع على غير مراد الله.
الاختلاف في الاجتهاد لا يبيح التكفير والتفسيق وشروط تطبيق الحدود
فهذا اجتهاد، أنت ستختلف مع هذا الاجتهاد وتقول: لا، أنا أريد أيضًا أن أفعل هذه الأشياء، حتى في العصر الذي فقدنا فيه الشاهد، حتى في العصر الذي ضعف فيه القضاء عن رتبة الاجتهاد.
حسنًا، ولكن لا تكفّر ولا تفسّق؛ لأن هذا رأي نتناقش فيه. ولكن أنت تقول: الذي لا يفعل هذا هو كافر أو فاسق أو ظالم، أو أنا أطبق وهو لا يطبق.
كذبت ورب الكعبة! من الذي قال لك هذا الكلام؟ الشريعة لها شروطها، وهو التطبيق فقط في الحدود.
تشبيه تطبيق الحدود بدون شروطها بالصلاة بدون وضوء
ولكن طب ما يمكن أن تطبق فتطبق على عقلك كما طُبق على قنصوة الغوري؛ لأنه أخل بالشرع الشريف المحترم المعتبر.
انتبه: الصلاة يلزم لها أن تتوضأ، لو صليت مائة ركعة من غير وضوء غير مقبولة، ولو توضأت باللبن غير مقبول، حرام؛ لأنك فعلت شيئًا على غير منهج الشريعة.
وإذا لم نفهم ذلك فلا تظنوا أنه لا يوجد فرق عندنا بين مجلس العلماء ومجلس الغوغاء، وهذا لا ينفع.
خطورة الأمر وأهمية التوثيق العلمي في إثبات حقائق تطبيق الشريعة
فإذا الأمر جلل وخطير، وما ذكرته مجرد رؤوس أقلام. لما لم أذكر اثني عشر مجلدًا من أجل إثبات هذا الكلام إثباتًا علميًا معتبرًا.
أخذًا بنظرية التوثيق من سيدنا مرتضى الزبيدي الذي وثق ما هنالك في الإحياء، فعلمنا بالمقبول والمردود. أخذًا بالحجة التي تركها علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي هي بيننا وبين الخلائق، وافق من وافق وخالف من خالف.
الدعوة إلى تقوى الله والتأكيد على أن مصر دولة مسلمة دستورًا وقضاءً
يا جماعة الخير:
قال النبي ﷺ: «اتقوا الله حيثما كنتم، واتبعوا السيئة الحسنة تمحها، وخالقوا الناس بخلق حسن»
هذه بلاد دستورها أنها مسلمة، قضاؤها أنها مسلمة، خطابها السياسي أنها مسلمة.
كان قديمًا لدينا شيء يسمى هيئة الاستعلامات، وكانت تطبع خطب الرؤساء. فكانت تطبع الخطب الخاصة بعبد الناصر في المولد النبوي، أو الخاصة بالسادات، أو الخاصة بحسني مبارك.
كل هذا موجود في مكتبتي، والله لو قرأته والله ما يكون لديك أي برنامج أفضل من هذا الخطاب نفسه. هو هذا الذي نريده.
نقد من يريدون الحكم بلا علم وقلب الفتاوى لأجل المصالح الشخصية
أنت يا فقيه لن تجد أفضل، لن تعرف شيئًا أفضل. لماذا إذن يريدون أن يمسكوا الحكم؟ لماذا؟ ولا شيء، فقط يريدون التمسك بالحكم.
وأول ما أمسكوه أصبحت الفوائد حلالًا! كيف وأنتم كنتم تقولون إن الفوائد حرام؟ ونحن نقول إن الفوائد حلال. أنتم قلبتم الأدوار.
ووجدت واحدًا غيّر كلامه المؤلف، يعني عمل مؤلفًا وغيّره إلى مؤلف آخر. الله طيب! نحن قلناه لوجه الله لكي نحل للناس أزمتها، واعتبارًا بكلام الأئمة الأربعة أنه ولا ربا في الفلوس ولو راجت رواج النقدين.
الفرق بين الفتوى لوجه الله والفتوى لغير وجه الله في الأجر والثواب
لماذا تفعل ذلك ضلالًا؟ أنا سأُثاب عليها وأنت لا تُثاب عليها وإن اتفقت الفتوى؛ لأنني أقولها لوجه الله بالقواعد المعتبرة والمحترمة.
أظنها كذلك، فآخذ أجرًا أو آخذ أجرين. لكن أنت تقولها لوجه غير الله، فلن تأخذ شيئًا، ستأخذ عملًا [أي وزرًا].
فافهم أن الحكاية كبيرة، والأولاد يحسنون الكلام ويسيئون الأفعال.
الدعاء الختامي بالمغفرة والهداية والعلم النافع والحشر تحت لواء النبي
لكن اتق الله في نفسك ولا تسلم سمعك إلا بعد أن تبحث أو ترى أو تشعر أو يفتح الله عليك.
اللهم يا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار، وأرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم. اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت.
اللهم علمنا العلم النافع، اللهم افتح علينا فتوح العارفين، اللهم علمنا الأدب معك واسلك بنا الطريق إليك، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
واحشرنا يوم القيامة تحت لواء نبيك ﷺ، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا، ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب.
تتمة الدعاء الختامي والصلاة على النبي والسلام على الحاضرين
كن لنا ولا تكن علينا، وارحم حينا وميتنا وحاضرنا وغائبنا، ومتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم.
واجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همنا وحزننا ونور أبصارنا وصدورنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا، علمنا منه ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وأقمنا في الحق وأقم الحق بنا.
اللهم أحينا مسلمين وأمتنا مسلمين، غير خزايا ولا مفتونين. استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك يا أرحم الراحمين.
واجعل جمعنا هذا جمعًا مرحومًا، وتفرقنا من بعده تفرقًا معصومًا، ولا تجعل فينا شقيًا ولا محرومًا.
اللهم يا أرحم الراحمين أيدنا بمدد من عندك، نوّر قلوبنا واغفر ذنوبنا واستر عيوبنا ويسر غيوبنا. وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
شكرًا لكم لحسن استماعكم، وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
