محاولات معرفة الغيب | نور الحق | حـ 6 | أ.د علي جمعة - نور الحق

محاولات معرفة الغيب | نور الحق | حـ 6 | أ.د علي جمعة

23 دقيقة
  • يوضح الإمام علي جمعة أن الاستعانة بالجن للكشف عن الغيب أمر محرم شرعاً، فمن يتصل بالجن فاسق سواء كذب أو صدق.
  • الجن مخلوقون للعبادة وليسوا مخلوقين للاتصال بالإنس، وقد أثبت القرآن محدودية علمهم بالغيب كما في قصة سليمان عليه السلام.
  • شهادة من يدعي الاتصال بالجن مردودة شرعاً، ومن يدعي رؤيتهم فهو فاسق كما نص الإمام الشافعي.
  • كل أشكال التنجيم وقراءة الكف والفنجان والودع والتاروت وفتح المصحف للاستخارة العشوائية هي من الدجل والخرافات المحرمة.
  • هذه الممارسات تمثل هروباً من التفكير والتدبير المنطقي، والفرق بين الهرب والطلب هو السلامة.
  • الإسلام يدعو إلى التخطيط والأخذ بالأسباب مع التوكل على الله، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في ادخاره لقوت أهله وتخطيطه في صلح الحديبية.
  • على المسلم اتخاذ الأسباب بطريقة علمية وعقلانية تتوافق مع ما أراده الله، وليس الاعتماد على الخرافات.
محتويات الفيديو(28 أقسام)

مقدمة الحلقة وسؤال هل الجن يعلمون الغيب واستعانة بعض الناس بهم

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم نور الحق مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.

في الحلقة الماضية يا مولانا تحدثنا عن الفرق بين علم الفضاء وبين التنجيم، وكنا نريد يا مولانا أن نتحدث اليوم عن: هل الجن يعلمون الغيب؟ في بعض الناس ممن يدّعون التقوى، يقولون نحن نستعين بالجن لكي نعرف غيب الماضي، أو غيب الحاضر، يعرف من الذي قتل فلانًا، من الذي سرق هذا، لكن حدود الله نحن لا نعرفها، أو لا نحاول أن نعرف غيب المستقبل لأنه في يد الله. هل الجن يعلمون غيب الماضي أو غيب الحاضر؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه عليه الصلاة والسلام. الذي يستعين بالجن خرج عن مراد الله في خلق الجن، ومراد الله في خلق الإنس، الله جميل؛ فلذلك هو على غير التقوى.

حكم الاستعانة بالجن وعدم جواز بناء أحكام شرعية على أقوالهم

وسواء حصّل شيئًا صادف به الحقيقة أو خالف الحقيقة فهو على غير التقوى، ولذلك فهو غير موفق، هذا مخذول.

وبناءً عليه فإننا لا نستطيع أن نبني على ما يقول أيَّ حكم شرعي، أيَّ حكم يوافق الشريعة، أو يوافق الحق، أو يوافق العدل. لا يستطيع القاضي وليس مسموحًا له أن يستمع إلى هذا فيبني حكمه على أن فلانًا قتل، أو أن فلانًا ذهب، أو جاء إلى آخره.

لماذا؟ لأنه فاسق تُردّ شهادته؛ لأن هذا الشاهد الذي يحكي عن الجن فاسق. ولماذا هو فاسق؟ لأنه اتصل بالجن. هو يقول إنني اتصلت بالجن، فإن كان كاذبًا فهو فاسق لكذبه، وإن كان صادقًا فهو فاسق لاتصاله بالجن.

شهادة من يدّعي الاتصال بالجن مردودة في الحالتين كذبًا أو صدقًا

[المذيع]: يعني في الحالتين شهادته مردودة.

[الشيخ]: شهادته مردودة في الحالتين، نعم. حسنًا، القضية الثانية هذه: أولًا، أنا كمسلم، أو كقاضٍ، أو كمفتٍ، أو كذا إلى آخره، فأنظر: هل أقبل شهادة هذا الولد أم لا أقبل؟ أنا لا أقبلها.

لماذا؟ لأنه فاسق، نعم حسنًا، ليس شاهدًا عدلًا، أي ليس شاهدًا عدلًا. جميل، بافتراض كذبه فهو فاسق لكذبه، وبافتراض صدقه فهو فاسق لاتصاله بالجن، أليس كذلك؟

هل الجن يعلم غيب الماضي والحاضر وقصة سيدنا سليمان دليل على محدوديتهم

القضية الثانية هي: هل الجن يعلم غيب الماضي وغيب الحاضر؟ طبعًا على درجات، ونحن نتحدث الآن عمّا يحدث في اليابان، أو في أمريكا وهو غيب عنّا إلا إذا نُقل إلينا عن طريق القمر الصناعي، فهذا غيب نسبي.

أما ما حدث بالأمس فقد يدركه الجن وقد يدركه الإنس أيضًا. نفترض أن فلانًا قتل فلانًا، وأن شاهدًا من الإنس شاهده يقتل، فما دام أنه عرف أن فلانًا هو القاتل، صحيح سواء تأخر في الشهادة أم تقدم بالشهادة.

إذن ما حدث في الماضي وما يحدث في الحاضر في مكان آخر فهو ليس من الغيب المطلق الذي لا يعرفه البشر ولا يعرفه الجن، قد يعرفه وقد لا يعرفه؛ لأن الجن أيضًا محدود لا يستطيع أن يعرف كل شيء.

قصة سيدنا سليمان والجن دليل على أن الجن لا يعلمون الغيب

ولم يعرف [الجن] أن سليمان قد مات وهو أمامه، ولم يعرف أنه -وهو سليمان- متكئ على منسأته -العصا- لم يدرك موته إلا عندما السوس أكل العصا. وطبعًا أجساد الأنبياء لا تبلى، هم يظنون سيدنا سليمان جالسًا هكذا.

واضح هذا أمامه، هذا ما فيه غيب ولا شيء، ما عرف أنه أمامه، أمام عينيه، أمام عينيه، أمام الجن يعني. فإذا كان [الجن لم يعرف موت سليمان وهو أمامه] فهو مكلّف محدود، الجن مكلّف محدود، فالإنس والجن مكلّفان برسل.

الاتصال بالجن حرام ومن ادّعاه فهو فاسق لا تُقبل شهادته

[المذيع]: فلكن يعني حدث استكثار من الجن والإنس بعضهم من بعض.

[الشيخ]: نعم، طلب الكثرة، يعني نعم.

[المذيع]: طيب، إذا كان الجن قد يعلمون ما حدث أمس وقد لا يعلمون، والاتصال بالجن حرام، ومن اتصل بالجن لا نصدّقه ولا نقبل شهادته؛ لأنه ادّعى شيئًا يدخله في دائرة الفسق، حسنًا، جاء شخص وقال لي: يا جماعة أنا لم أتصل بهم، بل هم الذين اتصلوا بي، أنا لم أتصل بهم، هم الذين اتصلوا بي، هم الذين اتصلوا بي، ورأيتهم على خلقتهم.

[الشيخ]: ما نحن نقول له: طيب، ومن الذي قال لك هكذا؟ إن الذي أنت [تدّعي أنه] اتصل بك هذا جنّ، نعم. اتصل بك في الهاتف؟ ما يمكن بشر. اتصل بك أنك سمعته؟ ما يمكن هذا مرض نفسي عندك، تتحدث به نفسك، هلاوس.

قول الإمام الشافعي فيمن ادّعى رؤية الجن وردّ شهادته بالفسق

فكيف اتصل بك؟ قال: هذا أنا رأيته. قال الإمام الشافعي: فإن ادّعى أنه رآه فَسَق. فقال هذا فسق هو الثانية فسق.

تخيّل أن شخصًا ما تُردّ شهادته عند الإمام الشافعي هكذا، هذا نصّ عليها: من يقول أنا رأيت الجن عند الإمام الشافعي أصبح فاسقًا وتُردّ شهادته.

صحيح، وانتهينا من هذا الموضوع. فإذن باب الجن هذا مغلق تمامًا؛ لأنك إذا جاءك أحدهم وقد كذب فقد فسق، أو اتصل [بالجن] فقد فسق، أو اتصل به [الجن] فقد فسق، يعني هو فاسق في جميع الحالات، يعني انتهى، ليس له حلّ معنا.

كتاب كشف الران للإمام الشعراني وحقيقة أسئلة الجن للعلماء

يأتي أحد ويقول لي: حسنًا، هذا أنني قرأت في الكتاب أن سيدنا الإمام الشعراني له كتاب اسمه [كشف الران عن أسئلة الجان]، ماذا نفعل بهذا؟

فأقول له: أبدًا، هذه هي القصة التي تقول إن الجن حضروا إليه وسألوا، سألوا عن طريق وسيط وليس إقرارات من الذي قتل، ومن الذي ذهب، ومن الذي غاب. أسئلة الجن [هنا معناها أن الجن] يتعلّم من الإنس، وأسئلة الجن الصالح يريد أن يسألها، فذهب فأجابه الرجل بالكتاب، وعرف الجن الذي يحضر الدروس الإجابة على هذه الأسئلة.

يعني كأن الجن هؤلاء مخلوقات وموجودة؛ لأن نحن نقول هكذا: بعض الناس يقول نعم فتح الله عليك أن تنكر الجن، الحمد لله لا، نحن لا ننكر.

الجن ثابت بالكتاب والسنة وأغلبهم شياطين والصالحون لا يؤذون

الجن ثابت بالكتاب والسنة، وآثار الناس الذين تأذّوا من الجن [موجودة]. لكن الجن هؤلاء مخلوقون من أجل العبادة، أغلبهم شياطين، قليل منهم الصالحون.

والصالحون هؤلاء لا يؤذون، والصالحون هؤلاء يحضرون دروس العلم، يحضرون الصلاة، يحضرون كذا إلى آخره، وليس لهم بالإنس [شأن]. فإذا اتصلوا بالإنس يصبح [الإنسان] فاسقًا، يصبح فاسقًا، يصبح فاسقًا.

ويأتي [الشيطان] بمائة كذبة، ويأتي بمائة أمر صادق ويضع فيه الكذب الذي هو سمّ الزعاف؛ لكي يوقع بين الناس.

خلاصة حكم الجن لا يعلم الغيب والاتصال به يُخرج من الشهادة إلى الفسق

هذه هي الحكاية الخاصة بالجن: الجن لا يعلم الغيب، والجن مخلوق من أجل العبادة، وليس مخلوقًا من أجل الاتصال بالإنس. الاتصال بالجن، أو دعوة الاتصال بالجن، أو دعوى اتصال الجن بنا، كلها تُخرج الإنسان من حدّ الشهادة الصحيحة إلى حدّ الفسق.

[المذيع]: فيبقى فضيلتكم يا مولانا، أيّ أحد يأتي ويقول لي أنا أعرف شخصًا يؤاخي الجن، أنا أعرف واحدًا يفتح المندل، نقول له: فضيلة مولانا مفتي الديار المصرية لك إن هذا إنسان فاسق لا يُعتدّ بشهادته أصلًا.

ووضح في الآية القرآنية:

﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِى ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ﴾ [سبأ: 14]

سؤال عن قراءة الكف والطالع والمندل والفرق بينها وبين تفسير الأحلام

[المذيع]: نعم، طيب ننتقل يا مولانا إلى -يعني مع أننا هكذا كما نقول أغلقنا عليهم الطريق الأوسع- هناك أناس يقولون: أنا أعرف أن أقرأ قراءة الكف، هذا علم، أنا أعرف أن أقرأ الطالع، أنا أعرف أن أفتح لك المندل، أنا أعرف أن أقرأ الورق إلى آخره، والناس تصدّقه للأسف. ما الفرق يا مولانا بين هذه الأمور الخرافية وبين تفسير الأحلام؟ هل للأحلام تفسير، أم أنها أيضًا كما يقولون تضليل للعقل المسلم؟

[الشيخ]: كل هذه الأشياء أشياء كثيرة جدًّا، منها ما لم يتحدث عنه أحد. التاروت هذا تاروت الذي هو قراءة وليس الورق الذي يلعبون به، هذا ورق مصنوع بطريقة معينة.

أصول التاروت وأنواع وسائل الدجل المحرّمة شرعًا كالودع والفنجان والكف

نعم، فيه رسومات ونجوم وأشياء وهكذا إلى آخره، عندما أفتح الورق سمّوه تاروت باللغة العامية، ويبدو أن لها أصولًا قديمة يهودية من طالوت وجالوت، وكذلك يعني وفي تحريفات فيها، وأنها هذا يعني كأنه علم آتٍ من أنبياء بني إسرائيل.

لكن كل هذا الكلام هو كلام فيه نوع من أنواع التسلية أو الدجل. ولذلك فالعلماء نصّوا على حرمته: الودع، الكوتشينة، الطاروت، الفنجان، الكف، الطالع، وفي أيضًا أشياء أخرى.

أي لأن العقل البشري كثيرًا ما يعني يا عيني يريد أن يهرب من واقعه، وما هو في شيء اسمه الهروب وفي شيء اسمه الطلب.

الفرق بين الهروب والطلب ومثال النار والنزول من النافذة

[المذيع]: الهروب والطلب، طيب يمكن أن نعرف الفرق بين الهروب والطلب يا مولانا بعد الفاصل.

[الشيخ]: نعرف بعد الفاصل.

[المذيع]: فاصل ونعود إليكم فابقوا معنا، فاصل ثم نواصل.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم نور الحق مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. قبل أن نخرج إلى الفاصل يا مولانا، فضيلتكم أوضحتم لنا أن هناك أشياء كثيرة من أمور الدجل مثل الودع والفنجان، وفضيلتكم أوضحتم لنا أن هناك فرقًا بين الهروب والطلب. الناس يهربون إلى هذه الأشياء، أنا لا أعتقد أنهم يطلبونها طلبًا.

مثال الهروب من النار والفرق بين الهارب والطالب في التدبير والسلامة

[الشيخ]: لا، أبدًا، بل هم من ضيق أحوالهم يتعلقون بقشّة.

[المذيع]: نعم، مثل الغريق كذلك يتعلق بقشّة كما يقولون.

[الشيخ]: الهروب والطلب مثل ماذا؟ أنا الآن في دار وقامت فيها نار، فإذا ألقيت بنفسي أجد نفسي هاربًا من النار، فإلى أين أذهب؟ فأنا قد أجد نفسي إلى التهلكة.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: ولكنني لا أفكر.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: أنا لا أفكر في الانتحار، أنا أريد الهروب من النار، أنا أريد الهروب من النار، لا ولكنني لا أفكر أيضًا في مصيري إلى أين أذهب.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: ولكن لو أردت أن أنزل من النافذة، فلأدبّر الأمر وآتي بحبل وأربطه، وأعقده، وأنزل بهدوء، وأتسلّق على الشيء، وأنا أنزل، فأنا الآن طالب للنزول.

[المذيع]: جميل.

[الشيخ]: ولكن الأول هارب.

الفرق بين الهارب والطالب هو السلامة والهارب لا يفكر في العواقب

[المذيع]: ما شاء الله، مثال جميل جدًّا من النار. فرق بين الذي يهرب وبين الذي يطلب.

[الشيخ]: الطالب سيأتي بملاءة، يجلب حبلًا، يحاول أن ينزل ويتدلّى ويعمل. أما هذا فيهرب ويقفز ولا يفكر فيما سيحدث بعد ذلك.

الفرق بينهما السلامة.

[المذيع]: نعم، السلامة.

[الشيخ]: ففي الهرب لا توجد سلامة.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: ينزل إذن على عنقه، يموت أو يعيش أو ينكسر، الله أعلم هو ونصيبه.

[المذيع]: إذن نصيبه، قدر الله فيه إذن.

[الشيخ]: لكن في الطلب فيه سلامة.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: لأنني منظّم له، ومستعمل أدواته وفاعله بالثاني [بالطريقة الصحيحة].

فتح الكتاب والمصحف من وسائل الدجل والخرافة المحرّمة شرعًا

فهذه الأشياء التي عددنا بعضها، في أشياء أخرى: يقول لك نحن قلنا الفنجان، وقلنا الودع، وقلنا الطالع، وقلنا الكوتشينة، وقلنا... لكن هذا في حاجات أخرى أيضًا.

يقول لك: فتح الكتاب، ما هو فتح الكتاب هذا؟ يقول: هيّا نفتح المصحف -لا حول إلا بالله- ونضع أيدينا لا أدري في السطر الفلاني، أيّ كلام كان السابع، ونعدّ الكلام ونقع في الكلمة السابعة.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: وننظر ماذا تقول الكلمة، ويكون هو ذلك الذي يجعلني أقول إنه سيحدث كذا، أو لن يحدث كذا، بفتح على آية عذاب أم آية رحمة، الله أعلم.

[المذيع]: إذن، نعم.

[الشيخ]: أيّ شيء.

السبحة والوردة من وسائل الخرافة وكلها أنواع من الهروب من التدبير

صحيح، في شيء آخر وهو السبحة، أي يأتي ممسكًا بالسبحة، أيّ شيء من هنا ومن هنا. وهناك الوردة، يأتي ممسكًا بالوردة مثل السبحة أيضًا: أذهب، لا أذهب، لا أذهب، وهو لا يعرف عدد أوراقها، هل هي فردية أم زوجية، إن كانت فردية فتكون كذا وإن كانت زوجية فكذا.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: أيّ أن كل هذا الكلام هو مثل فتح الكتاب، أو فتح السبحة، أو الوردة، أو حتى الفنجان، أو الطالع، أو التاروت الذي هو الورق، أو الكف، أو غير ذلك. كل هذا -يعني الودع- كل هذا عبارة عن نوع من أنواع الهروب.

فهو يهرب من الحكمة ومن التدبير، ومن التوكل على الله، ومن الثقة بالله ثم بالنفس، ومن احترام العقل، إنه يهرب.

فتح المصحف للتفاؤل دجل رغم استخدام القرآن وقد تمكّن من كثير من الناس

[المذيع]: صحيح، يستسهل، إنه يريد شيئًا سهلًا هكذا. حضرتك يا مولانا أوضحت لنا أمرًا مهمًّا جدًّا، أنا أعني أن هناك أناسًا كثيرين يستخدمونها ويظنون أنهم على الحق، أن يمسك المصحف ويقول: أنا المقولة المشهورة "إذا أراد ربنا يقول لك اقرأ قرآنًا، إذا أردت أن تكلّم ربك فصلِّ"، فيقول أنا سآخذ المصحف وأسمّي باسمها وأفتحه هكذا وأقرأ، فإذا وجدت الآية الأولى تتحدث عن شيء متفائل أو شيء خير أُقدم على هذا الأمر. هذا دجل بالرغم من أنه استخدم القرآن، إنه دجل.

[الشيخ]: وقد تمكّن من كثير من الناس حتى أن يفتح المصحف بهذه الطريقة، ولكنني أرى أنه بدأ يقلّ.

خرافة فتح الكتاب والبحث عن الشعرة في المصحف وبيان بطلانها

يعني هذا كان قديمًا منذ ثلاثين أربعين سنة يعني منتشرًا، بحيث إننا عندما سمعت هذه الكلمة لأول مرة "فتحت الكتاب" فلم أفهمها.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: يعني ماذا فتحت الكتاب، يعني ماذا فتحت الكتاب، وظللت أبحث عنها حتى فهمت ما يفعله وكيف يفعل وما إلى ذلك. وحينها أيضًا اكتشفت أن هذه عقلية خرافية كبيرة جدًّا.

يقول لك: افتح الكتاب فقط، تفتحه عدة مرات حتى تجد شعرة، حتى أجد شعرة، حتى تجد شعرة.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: فإذا وجدت شعرة فتكون هي الصفحة المقصودة لهذا الأمر. فلماذا شعرة؟ وما هذه الشعرة؟ وبعد ذلك ما الشعرة التي جاءت بها؟

سقوط الشعرة أثناء القراءة وتصديق الناس لها وكل ذلك حرام ودجل

طبعًا إنسان وهو يقرأ سقطت شعرة من رأسه، سقطت شعرة من لحيته، المرأة وهي تقرأ سقطت شعرة من شعرها وهي تقرأ. قم، ماذا يقول لك؟ ابحث. قوموا يبحثون يا عيني عن الشعرة فلا يجدونها.

المصيبة تكون عندما يجدها.

[المذيع]: أجل، الذي يجد الشعرة فسيصدّق أن الشعرة موجودة.

[الشيخ]: نعم، الشعرة موجودة.

[المذيع]: أجل.

[الشيخ]: كل هذا حرام، لا حول ولا قوة إلا بالله، وخطأ. وكل هذا دجل، ولا علاقة له بدين، ولا بدنيا، ولا بعقل. وكل هذه الأشياء منهيّ عنها.

أمر النبي بالتدبر والتدبير ولبسه درعين يوم أحد رغم عصمة الله له

لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نتدبّر القرآن كله، يأمرنا بالتفكّر والتدبّر، وأمرنا بالتدبير. ولذلك قال:

قال النبي ﷺ: «لو توكّلتم على الله حقّ توكّله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا»

ما شاء الله، وهي تذهب هكذا. فالنبي عليه الصلاة والسلام أمرنا بالتدبير، فلبس درعين وهو يخرج إلى أُحد. ربنا يقول:

﴿وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ [المائدة: 67]

أي معصوم تمامًا ولا يوجد أحد يستطيع أن يناله من البشر، ومع ذلك لبس درعين عليه الصلاة والسلام، ارتدى درعين والمغفر الخاص به عليه الصلاة والسلام.

وجوب الأخذ بالأسباب والتدبير والتفكير في المقاصد والمآلات

أي أنه يتخذ احتياطاته رغم أنه معصوم عليه الصلاة والسلام. يجب الأخذ بالأسباب، ويجب التدبير، ويجب التفكير في المقاصد والمآلات، إلى ما سيؤول إليه الأمر.

وهكذا، حُسن التوكل على الله سبحانه وتعالى، والثقة بالله سبحانه وتعالى مؤدّاها أن نكون مقدّرين فيما خلقنا من أسباب، فنتخذ هذه الأسباب بطريقة علمية، يعني بطريقة عقلية، بطريقة تتوافق مع ما أراده الله لنا من خلق.

هو وضعنا في هذه الأسباب، فيجب علينا أن نتخذ الأسباب.

طرفة الرجل الذي يدعو الله بالولد وهو غير متزوج ودرس الأخذ بالأسباب

يفعلون ذلك مزاحًا، أو يعني هذه المزحة نريد أن نأخذ منها درسًا.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: لأنها مزحة مؤثرة جدًّا في أخذ الدرس، فأنا أتلوها الآن على هذا السبيل أن نأخذ منها درسًا. يقول لك: واحد جالس يدعو الله: يا رب ارزقني ولدًا، ارزقني ولدًا، حتى يعني ضجّت منه ملائكة السماء فنزلت، قالت له: يا أخي نحن نريد أن نخدمك وأن يرزقك الله وكل شيء، لكن تزوّج أولًا!

أي أنه ليس متزوجًا أصلًا لكنه يريد ولدًا! والله إن بعض الناس يفعلون هذا بدون [أخذ بالأسباب].

[المذيع]: لقد ضحكنا من الدهشة ومن المفارقة.

[الشيخ]: يا أخي، أنت الآن لست متزوجًا وتجلس تدعو الله أن يرزقك بالولد ثلاثين سنة، أليس كذلك؟ فلماذا لا تتزوج أولًا، ألا تتزوج؟

نحن نفعل هذا في كل المجالات ورسول الله علّمنا التخطيط والتدبير

نحن نفعل هذا يا أستاذ محمد في مجال التعليم، نحن نفعل هذا في مجال الاقتصاد، نحن نفعل هذا في مجال السياسة، نحن نفعل هذا في مجال الدين، نحن نفعل هذا في مجال الطب، نفعل هكذا.

ما هذا؟ صحيح، يا رب أنجح وهو لا يذاكر، يعني يا رب هذا يا ليت لا يذاكر، هذا هو ليس في المدرسة.

[المذيع]: نعم، ليس في التعليم أصلًا.

[الشيخ]: ويقول: يا رب آه أنجحني هذه السنة في الإعدادية، وهو أصلًا لم يدخل الابتدائية أصلًا! لا يذاكر، هذا هو ليس في... لست طالب المدرسة أصلًا.

فنحن نعمل أشياء عجيبة غريبة. سيدنا رسول الله علّمنا شيئًا آخر تمامًا، علّمنا كيف نخطّط، كيف ندبّر، كيف نرتّب.

تدبير النبي في ادخار قوت أهله وتعليمه الأمة التخطيط والتدبير

والكلام أصبح في التخطيط عند رسول الله، وفي كيفية تعليمنا له كلام طويل عريض. لكن يكفي أنه كان يدّخر سنة لقوت أهله، قوت سنة لزوجته.

ثم صحيح كان لا يردّ سائلًا، وكان إذا أتى رمضان كان أجود الناس، فإذا أتى رمضان كان كالريح المرسلة. ولذلك كان يا عزيزي هذه السنة لا تبقى عنده شهرًا؛ لأنه كان يعطيها للناس وللمسلمين، لكن كان يدبّر ويعلّمنا التدبير.

صلح الحديبية نموذج في التخطيط الاستراتيجي وفك الكماشة عن المدينة

الحديبية هذه تحتاج درسًا منفردًا، وكلامًا وحلقات مطوّلة ندرسها. ما الذي حدث في الحديبية؟ هذه صحيح، كيف استطاع [النبي ﷺ] أن يفكّ الكماشة هذه؟ لديه كماشة واحدة في خيبر [من] اليهود، وواحدة في مكة [من المشركين]، هذه شمال وهذه جنوب، وسيعملون كماشة على المدينة ويقضون على الدعوة.

سيحارب على جبهتين، لا لن يقدر هذا، هو سيحطّمونه هكذا. فذهب نازلًا وفكّ الكماشة التي تحت [أي صالح أهل مكة]، الذي سيصالح مع أهل مكة. مع أهل مكة عمر لا يفهم هذه المسألة ما عليها، ولكن سيدنا رسول الله يقول: اسكت يا عمر، انتظر قليلًا.

فتح خيبر ثم مكة وتعليم النبي الأمة التفاوض والتدبير وعمق الرؤية

أنا تعال، وذهب فاتحًا خيبر، فكّ القيد الأعلى. وأول ما المشركون بعداوة قلبهم أخطأوا وخالفوا الأمر وضربوا هوازن وكذا، ذهب نازلًا وفاتح مكة.

خطة يعلّمنا التفاوض، يعلّمنا التدبير، يعلّمنا العمق في الرؤية، يعلّمنا أشياء كثيرة جدًّا، وبالهدوء وبالجمال، وبالإنسانية، وبالمعاهدات، وبالمفاوضات، وبالسلام.

فالقراءة هنا [في السيرة النبوية] تبيّن لنا أن الاعتماد على الفنجان، وعلى الكف، وعلى التاروت، وعلى الكوتشينة، وعلى الطالع، وعلى كذا وكذا، كل هذا كلام يعني الحقيقة خرافة، والإسلام دعانا إلى التعقّل والتدبّر والعلم.

خاتمة الحلقة والفرق بين الهرب والطلب والسلامة في الطلب

[المذيع]: ربنا يفتح عليك يا مولانا، وفضيلتك قلت لنا مقولة جميلة وهي: الفرق بين الهرب والطلب، والطالب [المدبّر] والهارب، الفرق بينهما السلامة.

ما شاء الله، في الهرب ليس هناك سلامة، وفي الطلب هناك عين السلامة. في الهرب ليس هناك سلامة، وفي الطلب توجد عين السلامة.

نعم، اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على هذا العلم، وعلى وعده باللقاء مع فضيلته في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم نور الحق. فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله.