مداخلة فضيلة أ.د علي جمعة في الملتقى العالمي لعلماء أهل السنة والجماعة لعام 2022
- •يتمسك الأزهر الشريف بمذهب أهل السنة والجماعة المتمثل في الأشاعرة والماتريدية اللذين لا يختلفان إلا في ثماني مسائل من أصل أكثر من 1500 مسألة عقدية.
- •يعتمد المنهج الأشعري في تفسير الصفات الخبرية إما بالتفويض أو التأويل بما يليق بجلال الله تعالى، منزهاً له عن التجسيم والتشبيه.
- •يلتزم الأزهر بالمذاهب الفقهية الأربعة ويرفض الاجتهاد غير المنضبط الذي يمارسه من يدعون السلفية، ويضع ضوابط للاختيار الفقهي مراعياً المقاصد الشرعية والمصالح المرعية.
- •يهتم الأزهر بعلم التصوف كمنهج للإحسان ومرتبة عالية من الدين، ويتبناه كطريق للوصول إلى الله تعالى.
- •يرى أن مفهوم البدعة ينحصر فيما أُحدث مما ليس من الدين، ولا يشمل ما يخدم الدين ويساعد على تطبيقه.
- •يعارض تكفير المسلمين ومنع التوسل بالنبي والاحتفال بمولده، مستنداً على أدلة شرعية صحيحة.
مقدمة الملتقى والتعريف بفضيلة الشيخ الدكتور علي جمعة
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
المحترم فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور علي جمعة محمد عبد الوهاب، أهلًا وسهلًا ومرحبًا بكم يا فضيلة الشيخ بملتقى العالم لعلماء أهل السنة والجماعة لعام ألفين واثنين وعشرين، أهلًا وسهلًا بكم مرحبًا.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الحمد لله على هذه الفرصة الذهبية.
يا فضيلة الدكتور، أستأذن من حضرتكم أن أوضح للمشاهدين لهذا البرنامج نبذة تاريخية عن حياتكم: الشيخ البروفيسور الدكتور علي جمعة محمد بن عبد الوهاب مبارك، ولادته في مصر، ومفتي مصر السابق، تولى الفتوى في دار الإفتاء المصرية.
موضوع المحاضرة: جامعة الأزهر وأساس قوة عقيدة الأمة
تفضل يا فضيلة الشيخ، بمناسبة هذا الملتقى، معنا موضوع يحتاج إلى التوضيح والبيان، ألا وهو موضوع: جامعة الأزهر أساس قوة عقيدة الأمة: دراسة مقارنة بين الأشاعرة والماتريدية وبين الوهابية.
تفضل يا فضيلة الشيخ.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أحييكم بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وأقدم الشكر للمنظمين لهذا اللقاء عبر هذه الوسيلة لنلتقي سويًا على الخير، وندعو الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا اللقاء في ميزان حسناتنا جميعًا يوم القيامة، وأن ينفع به المسلمين يا رب العالمين، آمين.
الأزهر يدرّس مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه جماهير الأمة
الأزهر عبر تاريخه يُدرِّس مذهب أهل السنة والجماعة، وهو هذا المذهب الذي عليه جماهير أمة الإسلام، والحمد لله رب العالمين.
هذا المذهب الذي عليه الإمام البيهقي، والإمام العز بن عبد السلام، والإمام النووي، والإمام الرافعي، والإمام ابن حجر العسقلاني، وابن حجر الهيتمي، والإمام الرملي، وكل أئمة الإسلام: الإمام الجويني، الإمام الغزالي.
كل هؤلاء على مذهب الأشاعرة وعلى مذهب أبي منصور الماتريدي، وهما لا يختلفان إلا في بعض المسائل القليلة جدًا. فالخلاف الحقيقي بينهما لا يتجاوز ثماني مسائل من أكثر من ألف وخمسمائة مسألة في العقيدة؛ ولذلك عُدَّ الأشاعرة والماتريدية كالشيء الواحد، والخلاف بينهما يحدث في مذهب واحد.
ظهور من خالف منهج الأمة وسُمّوا بالمجسمة والمشبهة
ولكن هناك من أراد أن يفهم النصوص فهمًا مخالفًا لما عليه الأمة، وهؤلاء سُمّوا مرة بالمجسمة، ومرة بالمشبهة، ومرة بالمعطلة، وسُمّوا بأسماء كثيرة تخالف منهج أهل السنة والجماعة.
الأزهر تمسك بما عليه العلماء الذين درسوا اللغة العربية واختاروا منها ما يستطيعون به أن يفسروا النصوص تفسيرًا واضحًا جليًا، تفسيرًا يتوافق مع العقل ومع النقل، تفسيرًا نستطيع به أن نجيب على جميع أسئلة العالمين من الفلسفات والأديان والمذاهب الأخلاقية المختلفة التي تشيع في الأرض.
ابتغاء الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وابتغاء إزالة الحيرة عن الناس، وابتغاء توضيح مراد الله سبحانه وتعالى.
مذهب أهل السنة مذهب علمي واقعي يجيب على جميع الأسئلة
توضيح مراد الله سبحانه وتعالى من العالمين، ومن عبادته، ومن عمارة الكون، ومن تزكية النفس، ومن كل ذلك. فهذا المذهب مذهب علمي ومذهب واقعي ومذهب يجيب على جميع الأسئلة، سواء الأسئلة الكلية أو الأسئلة الجزئية.
وبذلك استطاع الأزهر أن يُسهم في تكوين الروح الدينية الوسطية، واستطاع أن يكون هو المنبر الأول في انتشار الدين الإسلامي في ربوع العالم، واستطاع أن يكون حصنًا للأمة من الأفكار المنحرفة، واستطاع أن يحمي الدين والحمد لله رب العالمين.
وأن يكون كل ذلك في سلسلة مباركة ممتدة إلى العلماء الأجلاء، ثم إلى الصحابة الكرام، فإلى سيدنا [رسول الله] صلى الله عليه وآله وسلم.
ظهور جماعة أنكرت المجاز في اللغة وحملت النصوص على ظاهرها
الآن ظهرت جماعة أنكروا المجاز في اللغة وأرادوا حمل النصوص على ظاهرها، وأصبحت مسائل الصفات الخبرية مشكلة عندهم.
ومالوا إلى عدم الالتزام بالمذاهب الفقهية، ومالوا إلى الأخذ من القرآن والحديث من غير الرجوع إلى كلام الأئمة، ومالوا إلى الاختيار الفقهي الذي يوافق أهواءهم وليس الذي يوافق تحقيق المقاصد الشرعية والمصالح المرعية والمآلات المعتبرة.
هؤلاء الناس الذين ضلوا وأضلوا وسمّوا أنفسهم بالسلفية.
إقرار أهل السنة بالأشاعرة والماتريدية والمذاهب الفقهية وعقيدة التوحيد
ونحن نُقرّ بما عليه الأشاعرة والماتريدية، ونُقرّ باتخاذ المذاهب الفقهية، ونُقرّ بأن عقيدة التوحيد الخالص هي عقيدة المسلمين، ونُقرّ بما عليه أعلام الأمة ونقلة الكتاب والسنة في خدمة دين الله سبحانه وتعالى.
وذلك على النحو التالي:
أولًا في باب العقيدة:
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]
كيف نفهم هذه الكلمة؟ وكلمة "استوى" لها أكثر من معنى في لغة العرب، حتى عدّوا لها خمسة عشر معنى في لغة العرب، منها: جلس، ومنها: قعد، ومنها: قفز، ومنها: استولى، ومنها: قهر، ومنها: نضج، وهكذا.
المنهج الأشعري في اختيار المعنى اللائق بجلال الله من صفاته
المنهج الأشعري أن نختار من هذه المعاني معنى يليق بجلال الله سبحانه وتعالى.
ربنا سبحانه وتعالى وصف نفسه في القرآن الكريم بنحو مائة وخمسين صفة، ووصفه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأكثر من مائة وستين صفة، وهذه الصفات عند جمعها تربو على مائتين وأربعين صفة.
هذه الصفات له سبحانه وتعالى ذكرها لنا من أجل أن نعرفه؛ حتى إذا ما عرفناه ذكرناه، وإذا ما ذكرناه عبدناه عن يقين وعن علم، وهذا هو مراد الله سبحانه وتعالى.
تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات وأصل الفارق بين الخالق والمخلوق
هذه الصفات وضّحها ربنا سبحانه وتعالى بأنه:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]
ووضّح ربنا سبحانه وتعالى وقال:
﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ [الأنعام: 103]
وعندما طلب كليم الله موسى عليه السلام أن يراه، قال له: لن تراني.
الله سبحانه وتعالى وضّح لنا كل هذا وجعل الأمر واضحًا أن الرب ربٌّ والعبد عبدٌ، وهناك فارق بين المخلوق والخالق. إذن فلا بد أن نفهم صفات الله سبحانه وتعالى بأنه مخالف للمخلوقات، وأن كل ما خطر على بالك فالله بخلاف ذلك.
طريقة الأشاعرة في التعامل مع نصوص الصفات بين التفويض والتأويل
ومن هنا يأتي الأشاعرة ويقفون عند ذلك النص على طريقين:
إما أن يفوّضوا معناه وينكروا ظاهره، فيقولون: الاستواء هنا لا يمكن أن يكون معناه الجلوس؛ لأن الجلوس من صفات الأجسام، والله سبحانه وتعالى منزّه عن الجسمية ومنزّه عن العرضية. إذن فهذا الإله استوى، معناها نفوّضه له سبحانه وتعالى.
فإذا كان المقابل السامع لا يرضى بهذا التفويض ويقول: أريد أن أعرف ما معنى الاستواء؟ فيقول له: استوى أي استولى وقهر؛ فالله سبحانه وتعالى هو القاهر فوق عباده؛ ولذلك الاستواء معناها القهر.
الاستدلال على معنى الاستواء بالقهر والاستيلاء من القرآن والشعر العربي
قال [الله سبحانه وتعالى] للسماء والأرض:
﴿ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: 11]
فهو سبحانه وتعالى استوى على العرش أي استولى عليه قهرًا.
وقد استُدلّ بقول الشاعر:
«لقد استوى بِشْرٌ على العراق من غير سيف أو دم مُهراقِ»
فهذا البيت يدل على أن الشاعر استعمل كلمة "استوى" بمعنى استولى؛ استولى بِشْرٌ على العراق من غير حرب ومن غير دم مُهراق.
الرد على المشبهة الذين يصرون على معنى الجلوس في الاستواء
الآخرون من أولئك المشبهة يصرّون على أنه بمعنى جلس. ونقول لهم: أبدًا، هو بمعنى استولى.
فيقولون: وهل هناك من ينازع ربنا سبحانه وتعالى حتى يقهره؟ هذا نص كلام ربنا:
﴿ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: 11]
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]
يعني استولى وقهر، وهذا وصف الله به نفسه في شأن السماء والأرض.
منهج الأشاعرة في التعامل مع النصوص الموهمة للتشبيه بين التأويل والتفويض
هذا منهج الأشاعرة: وكل نص أوهم تشبيهًا أوّله بأن تقول: استولى، أو فوّض بأن تقف بتأويل إجمالي، أو فوّض ورُم تنزيهًا.
وهذا كلام الجوهرة للّقاني الذي يعبّر عن الأشاعرة الأكارم، والذي شرحه شيخ الإسلام في شرح الجوهرة البرهان إبراهيم الباجوري، شيخ الجامع الأزهر في منتصف القرن التاسع عشر، توفي سنة ألف ومائتين وسبعة وسبعين هجريًا، أي في أواسط أو بعد الثلث الأخير من القرن الثالث عشر الهجري.
إنكار المجسمة لمنهج الأئمة وما يترتب عليه من سوء اعتقاد وفتنة
إذن هؤلاء الناس ينكرون كل ما عليه الأئمة دفاعًا عن الدين وشرحًا له، ويتمسكون بأمور يلزم منها قطعًا تجسيم الله، وهذا أمر مردود عليهم ونرفضه؛ لأنه يترتب عليه سوء اعتقاد.
ويترتب عليه أمر آخر وهو الفتنة بين المسلمين وعدم احترام العلماء. وكل أهل البدعة عبر القرون إما أن يشككوا في المصادر وإما أن تشكك في العلماء؛ ولذلك فمن يفعل ذلك فهو مبتدع.
مثال على انحراف المشبهة في فهم الصفات الخبرية كاليد والعين
هذا مثال نأخذه في قضية:
﴿يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: 10]
﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ﴾ [طه: 39]
إلى آخر تلك الصفات الخبرية التي تصوروا أن الله سبحانه وتعالى فيها كالبشر.
حتى قال قائلهم: إن الفرق بين صفات الله وصفات المخلوقين كالفرق بين لبن الدنيا ولبن الآخرة. وهذه مصيبة كبرى؛ لأن لبن الدنيا مخلوق، ولبن الآخرة وإن كانوا أتوا به متشابهًا وأنه مختلف في صفاته وطعمه، مخلوق أيضًا.
فهذا تشبيه مخلوق بمخلوق، قاس عليه أن يشبه الخالق بالمخلوق والعياذ بالله تعالى.
المنهج المنحرف يؤدي إلى مصائب في العقيدة والفقه وتكفير المسلمين
وهذا منهج يؤدي إلى مصائب في العقيدة وفي الفقه وفي الأخلاق.
ومن هنا استُدرجوا إلى تكفير المسلمين، واستُدرجوا إلى القول بأن هناك ما يُسمى بـتوحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الصفات؛ حتى يكون ذلك مدخلًا يستطيعون معه تكفير المسلمين.
عفوًا، إذن هذا هو الحاصل في باب العقيدة.
منهج الأزهر في الفقه مبني على دراسة المذاهب وكتبها المعتمدة
وفي باب الفقه أيضًا، الأزهر مبني على دراسة المذاهب؛ لأن كل مذهب له كتبه المعتمدة، وله درجات مختلفة من المستويات، ولكل مذهب المصطلحات الخاصة به، وله القواعد الفقهية الضابطة له، وله المعتمد والأقل اعتمادًا، سواء في الكتب أو في الاصطلاح أو في الأحكام، إلى غير ذلك.
إذن علينا أن نعلم أن التمذهب إنما هو شأن الدراسة؛ يجب علينا حينما نتعلم وحتى نتعلم تعلمًا صحيحًا يجب علينا أن نتخذ مذهبًا.
ابتعاد المبتدعة عن المذهبية جيلاً بعد جيل وضوابط الاختيار الفقهي
لكن بعد ذلك نرى هؤلاء، كل جيل منهم ينكر على من كان قبله ويبتعد شيئًا فشيئًا حتى ابتعدوا جدًا عن أهل السنة والجماعة. أجدادهم وأسلافهم كانوا يتمسكون بالمذهب، والآن هم ينكرون المذهبية ويأخذون ما يحلو لهم دون دراسة ودون قواعد للاختيار الفقهي.
ونحن على غير ذلك، نحن نقول حتى لو أخذنا من الفقهاء جميعًا حتى نواجه العصر الذي نعيش فيه ونحقق مقاصد الشرع، فلا بد من ضوابط الاختيار الفقهي. وضوابط الاختيار الفقهي نصّ عليها السلف الصالح والحمد لله رب العالمين.
تمسك الأزهر بالمذاهب الأربعة والتراث الفقهي الضخم في الإسلام
فالأزهر يتمسك بالمذهبية على المذاهب الأربعة. هناك نحو خمسة وثمانين مجتهدًا في الإسلام عبر التاريخ، منقولة مذاهبهم في الكتب في أكثر من مليون ومائتي ألف فرع فقهي.
هذا التراث الضخم شاع منه ثمانية: الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والجعفرية والزيدية والإباضية والظاهرية، ونُقلت إلينا مذاهبهم وكتبهم إلى عصرنا هذا.
لكن كثيرًا من الأئمة، كما قال الإمام الشافعي في شأن الليث: «كان أعلم من مالك إلا أن أصحابه ضيّعوه».
في الأزهر يدرسون كل هؤلاء، لكن على سبيل التخصص؛ فهناك شافعي، ومالكي، وحنفي، وهناك قليل جدًا من الحنابلة من أهل السنة والجماعة أيضًا.
منهج الأزهر في الإفتاء بين دراسة النص الشرعي والواقع المعاصر
في شأن الفقه لم يقف الأزهر جامدًا، بل درس الواقع وعرف أن الإفتاء يحتاج إلى دراسة النص الشرعي، سواء النص المقدس أو النص الاجتهادي.
النص المقدس: القرآن والسنة، والنص الاجتهادي: نتاج الأئمة.
ودراسة الواقع ووضع ضوابط لدراسته، ودرس كيف نُوقِع هذا المطلق في النص الشرعي على ذلك الواقع الذي ندرسه، مراعيًا في ذلك المقاصد الشرعية والمصالح المرعية والمآلات المعتبرة، وإجماع الأمة الذي هو هوية الإسلام، واللغة العربية التي بها التفسير وبها الفهم.
وهو منهج علمي منضبط لا يعرفه هؤلاء.
تطور المنحرفين إلى الجماعات الإرهابية ووصفهم بالخوارج
الذين عندما تطوروا تطوروا إلى الجماعات الإرهابية، وتطوروا إلى الفساد في الأرض، وتطوروا إلى تلويث أيديهم بالدماء المحرمة، وتطوروا إلى أن يكونوا ممن وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخوارج.
قال [رسول الله ﷺ]: «الخوارج كلاب أهل النار»
كنت وأنا صغير أتعجب من هذا الوصف. الخوارج لما سألوا عليًا رضي الله تعالى عنه عنهم: أكفار هم؟ قال: هم مسلمون. فكيف المسلم يكون هكذا؟
وعندما اصطدمنا بهؤلاء عرفنا أنهم يدعون إلى ما يشبه الدين الجديد؛ ولذلك يستعملون الإسلام في غير مراد الإسلام. وهنا تكمن خطورتهم، ويكونون أقرب ما يكونون إلى النفاق.
﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [النساء: 145]
الأمر خطير، ولا بد من التمسك بما عليه علماء الأمة عبر القرون.
مرتبة الإحسان والتصوف كجانب أخلاقي أصيل في الدين الإسلامي
الأمر الثالث هو الأخلاق، هو مرتبة الإحسان التي جاء جبريل عليه السلام ليعلمها الأمة.
ما الإيمان؟ ما الإسلام؟ ما الإحسان؟
قال [رسول الله ﷺ]: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك»
وهنا رأينا الأمة قد قامت وحفظت هذا الجانب فيما أسموه بالتصوف أو بعلم الأخلاق. وكتب فيه الإمام الغزالي كتابه الماتع إحياء علوم الدين الذي قسمه على أربعة أقسام:
- العبادات
- المعاملات
- المهلكات
- المنجيات
وكتب فيه القشيري الرسالة الماتعة التي ضبط فيها مصطلح هذا الجانب من الجوانب، ثم بعد ذلك كتب فيها كثيرون وتقدم وتصدر بها كثيرون.
العز بن عبد السلام وتحوله في موقفه من التصوف بعد لقائه بالشاذلي
وكان العز بن عبد السلام سلطان العلماء يظن في هذه الطائفة [الصوفية] أنها تتكلم بغير علم، حتى التقى بالسهروردي والتقى بأبي الحسن الشاذلي، فكتب في التصوف وعرف أنه حقيقة الدين وأنه جانب الإحسان فيه، وأنه هو المقصد الأعلى في هذا الجانب.
لأنه يدعو الناس إلى الخشوع في الصلاة وإلى الذكر وإلى الفكر كما أمر الله سبحانه وتعالى.
ومن هنا نرى أن الأزهر الشريف تبنّى هذا الجانب في مجال الإحسان، واعتمد علم التصوف واعتمده منهاجًا وطريقًا نصل به إلى الله سبحانه وتعالى.
﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 191]
المنهج الأزهري الأشعري المذهبي الصوفي يخالف منهج النابتة المبتدعة
من مجموع ذلك يتبين أن المنهج الأزهري الأشعري المذهبي الصوفي يخالف ما عليه النابتة المبتدعة الذين ينكرون اتباع المذاهب الفقهية وينكرون تقليدها، والذين يفتون بغير علم وبسرعة عجيبة.
يظن أحدهم أنه قد تعلم وأنه قد قرأ المغني لابن قدامة في شهر، وأنه يتصدر بذلك للفتوى، ولا يعلم أنه يورد الناس ونفسه المهالك.
مفهوم البدعة في المنهج الأزهري والفرق بين البدعة المذمومة وما يخدم الدين
في هذا المنهج الأزهري حددوا مفهوم البدعة. ومفهوم البدعة:
قال رسول الله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فإنه يُردّ»
فإذا كان الحدث ليس من الدين في شيء فإنه يكون بدعة. أما إذا كان من الدين ولخدمة الدين فلا يكون بدعة.
ولذلك اخترع المسلمون أشياء من أجل تطبيق الدين، كالمنبر العالي، وكالمحراب، وكفرش المساجد بالسجاد، وخلع النعال. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يفرش مسجده، وكان يصلي في نعاله؛ لأنه كان يصلي على الحصباء ونحو ذلك كثيرًا.
لكنهم [أي المبتدعة] يبدّعون كل شيء، ثم بعد ذلك إذا ثقل عليهم تركوه، حتى أنهم حرّموا في عصر من العصور استعمال الملاعق واستعمال أدوات الطعام، إلى نحو هذا الهراء والحمق.
مفهوم البدعة الصحيح في الإسلام والفرق بين المحدثات والمبتدعات
في الفقه مفهوم البدعة في الإسلام لدينا هو أنه يُحدِث ما ليس من الشريعة. فإذا كان المُحدَث كالطائرات وكالأشياء المماثلة وعالم ضبط المواقيت والاتصالات والمواصلات، فليست ببدعة قطعًا، وإنما هي تساعد على تطبيق الدين.
تحريم التوسل بالنبي عند المبتدعة والرد عليهم بالأدلة الشرعية
رأيناهم وهم يحرّمون التوسل بالنبي والعياذ بالله تعالى، وهذا أمر عجيب؛ فالأئمة على خلافه.
فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«اللهم إني أسألك بحقي وحق النبيين من قبلي، اغفر لأمي فاطمة»
والنبي صلى الله عليه وسلم عندما جاءه الضرير علّمه أن يذهب فيتوضأ ويصلي ركعتين ويقول:
«اللهم إني أستشفع بك بمحمد، يا محمد إني أستشفع بك إلى ربي، اللهم رُدّ عليّ بصري»
فردّ الله عليه بصره. والأدلة كثيرة مسطورة في كتب العلماء.
تحريم الاحتفال بالمولد النبوي والرد عليهم بحديث صيام يوم الاثنين
وهذا نوع من أنواع المشاكسة والشغب الذي يتخذونه مع المسلمين.
يحرّمون الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي عندما سُئل عن صيام يوم الاثنين:
قال [رسول الله ﷺ]: «هذا يوم وُلدت فيه»
والفرحة بمولد النبي صلى الله عليه وسلم كانت سببًا في التخفيف عن أبي لهب الكافر في النار، كما في حديث العباس أخرجه الإمام البخاري.
قال: إن أحدًا من أهل العباس وهو أخوه، أن العباس رأى أخاه أبا لهب وسأله: ماذا فعل الله به؟ قال: يُخفَّف عني كل يوم اثنين بعتقي لثويبة التي أعتقتها عندما سمعت بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
اضطراب المبتدعة في تقسيم التوحيد وكونهم العائق الأكبر لتقدم المسلمين
كذلك عندهم اضطراب كبير في قضية توحيد الألوهية والربوبية والصفات، وهو كلام لم يقله العلماء، بل ابتدعه ابن تيمية غفر الله له.
هم في الحقيقة العائق الأكبر والحقيقي لتقدم المسلمين ولتجديد الخطاب الديني. يخلقون الصدام من غير أي إثم عندهم ولا تأثّم، بالرغم من أنه من أكبر الكبائر.
الدعاء بالهداية والختام بالصلاة والسلام على المرسلين
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يهديهم إلى سواء السبيل، وأن يرجعهم إلى أهل السنة والجماعة، إنه على ذلك قدير.
وندعو الله سبحانه وتعالى أن ينفع بتلك الكلمات، وأن نجعلها ديدنًا لنا، وأن يُبقي لنا علماء الأزهر الشريف في نقل العلم بصورة لافتة للنظر لمن بعدنا.
اللهم آمين، وصلاة وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
