كيف يمكن بناء مستقبل مصر من خلال إصلاح التعليم وتمكين الشباب وأدب الاختلاف؟
بناء مستقبل مصر يقتضي البدء بإصلاح الأمة قبل الدولة، والتربية قبل السياسة، مع تمكين الشباب في مواقع القيادة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة. ويستلزم ذلك ثورة حقيقية في التعليم تجعله أولوية الموازنة، وترسيخ أدب الاختلاف والشورى بديلًا عن التخوين والإقصاء.
- •
هل يمكن لمصر أن تستعيد مكانتها دون ثورة حقيقية في التعليم وتمكين الشباب في القيادة؟
- •
شهدت مصر في العقود الثلاثة الأخيرة تراجعًا حادًا شمل ضياع مكانتها في أفريقيا وهجرة شبابها وإغلاق مساجدها لأول مرة في تاريخها.
- •
منهج النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة يُرسي قاعدة النظر إلى المستقبل بالأمل الفسيح وتمكين الشباب في مواقع المسؤولية.
- •
الإصلاح الحقيقي يبدأ بالأمة قبل الدولة وبالتربية قبل السياسة، وفق منهج الإمام محمد عبده ودرس المرحلة المكية في صناعة الإنسان.
- •
إصلاح التعليم أولوية قصوى، وتجربة كوريا نموذج على خطة سباعية نقلت البلاد نقلة نوعية حين جعلت التعليم مرتكز كل شيء.
- •
أدب الاختلاف والشورى الحقيقية هما الضمان لوحدة الأمة ومنع تحول الخلاف المشروع إلى إقصاء وتكفير يُضعف مستقبل مصر.
- 0:00
مقدمة حلقة كلمة حق التي تستضيف كبار العلماء للحديث عن مستقبل مصر وآفاقه الواعدة.
- 2:07
الحديث عن مستقبل مصر يستلزم إطلالة على الماضي لتحديد معالم الإصلاح المطلوب واستشراف الآفاق.
- 3:02
مصر في العقود الثلاثة الأخيرة بلغت مستوى لا يليق بها، تجلى في وصف العدو لنظامها بالكنز الاستراتيجي وتفريط في مياه النيل.
- 3:56
النظام السابق أهان أفريقيا بعقد قمتها في آسيا، مما أضاع مكانة مصر التاريخية في القارة التي بنتها بدعم حركات التحرر.
- 4:49
الشباب المصري انتحر في البحر هربًا من الفقر وعمال ذهبوا لإسرائيل، فيما أُحرقت الكتب الإسلامية في عقد التسعينيات.
- 5:43
إغلاق مساجد مصر عقب الصلاة وتأميم المنابر لأول مرة في أربعة عشر قرنًا أفضى إلى هوان مصر في العالم.
- 6:31
البلاء الذي عاشته مصر فجّر ثورة شعبية لا نظير لها، ومصر كنانة الله ذُكرت في القرآن خمسًا وعشرين مرة.
- 7:26
فتح مصر استغرق خمس سنوات لأهميتها الفاصلة، ودخلها أكثر من مائة صحابي، مما يؤسس لضرورة ثورة إصلاحية.
- 8:08
منهج النبي في التغيير بعد فتح مكة يقوم على النظر للمستقبل بأمل فسيح واستخلاص دروس الماضي دون الاشتغال بمراراته.
- 9:17
الماوردي جعل الأمل الفسيح ركنًا في الدولة الصحيحة، وإزالة النبي للأصنام بعصاه معجزة أدخلت أهل مكة في الإسلام أفواجًا.
- 10:27
النبي ولّى عتاب بن أسيد مكة وعمره واحد وعشرون عامًا وأسند الأذان لأبي محذورة شابًا، تجسيدًا لمنهج تمكين الشباب.
- 11:32
أبو محذورة تحول من ساخر من الأذان إلى متولٍّ له في الحرم، وعتاب حكم مكة شابًا، دليلًا على تمكين الشباب في الإسلام.
- 12:31
غياب الجيل الثاني والثالث في جميع القيادات المصرية ورطة اعترف بها النظام السابق نفسه وتستوجب تمكين الشباب فورًا.
- 13:43
مستقبل مصر يرتكز على الأمل الفسيح والاستفادة من الماضي وتمكين الشباب الذي يُعدّ خطرًا داهمًا إن أُهمل.
- 14:53
النبي اعتمد على علي وأنس وأسامة وعتاب شبابًا في أعلى المهام، والشباب يمتلك فكرًا منفتحًا وطاقة تغييرية فريدة.
- 16:00
المسؤولية عن مستقبل مصر مشتركة بين الجميع، والحديث يجب أن يتجاوز السياسة إلى إصلاح الأمة وإعادة الهيكلة.
- 17:01
منهج محمد عبده يقوم على الأمة قبل الدولة والتربية قبل السياسة، مع التركيز على مؤسسات صناعة العقل المسلم.
- 18:07
دار الأرقم كانت أولى مؤسسات صناعة الإنسان في الإسلام، والدولة ثمرة للأمة لا العكس، والسياسة فرع لا أصل.
- 18:58
التغيير قرآنيًا لإزالة السلبي والإصلاح لإحلال الإيجابي، ورسالة الأنبياء كلها إصلاح، وهذا هو المنهج المطلوب لمصر.
- 19:48
الإصلاح الإسلامي تغيير جذري شامل هادئ متدرج يختلف عن الترقيع الغربي، ويسير وفق خارطة طريق لا تُغفل الأمة.
- 20:36
إصلاح الأمة يستلزم تفعيل دور المسجد والإعلام والمؤسسات التربوية لأنها القاعدة التي تُثمر السياسة والدولة.
- 21:24
المرحلة المكية ثلاثة عشر عامًا لصناعة الإنسان أثمرت دولة وفتوحات، وأول خارطة الطريق الحرية التي تفجر طاقات الإنسان.
- 22:12
الحرية في الإسلام مقيدة بحقوق الله والآداب العامة، وتختلف جذريًا عن الفوضوية الغربية التي لا تعرف ضوابط.
- 23:08
الحرية الحقيقية معرفة الحقوق والوقوف عند الحدود لا الحرية البهيمية، مع إتاحة التعددية في إطار هوية الأمة الإسلامية.
- 24:08
الحرية بمفهومها الإسلامي هي المناخ الوحيد الذي يفجر ملكات الإنسان ويتيح التجديد والاجتهاد والإبداع.
- 24:47
إصلاح التعليم وبناء الإنسان أساس النهوض لأن الإنسان قبل البنيان، والعلم هو ما يميز الإنسان ويرفعه.
- 25:55
القرآن يجعل غاية العلم معرفة الله وعمارة الأرض، وبناء الإنسان العالم المتواضع هو الرؤية الكلية للنهضة.
- 27:00
كوريا نقلت بلادها نقلة نوعية بخطة سباعية لإصلاح التعليم تقوم على خمسة أركان، نموذج يُحتذى به لمصر.
- 28:27
الفجوة في الإنفاق على التعليم صارخة: ثمانون ألف جنيه للطالب في إسرائيل مقابل ألف وخمسمائة في الأزهر، عشرة أضعاف فارق.
- 29:19
الإعلام منشغل بالسياسة وتخصيص ثمانين بالمائة للتعليم يُقابَل بالسخرية رغم أنه الأساس الذي أكده النبي بحديثه.
- 30:14
تشيلي أعادت مكانة المعلم بالقانون لا بالمال فأصبح أعلى من القاضي، وتخصيص الموازنة للتعليم يستلزم إسكات المطالب الفئوية.
- 31:09
إعادة مكانة العلم تحتاج إلى خمسة مسارات: الموازنة والقانون والثقافة والتكوين العقلي والقرار السياسي معًا.
- 32:02
بناء الإنسان يجعل بناء البنيان سهلًا والعالم يمد يده لمصر، لأن الإنسان المبدع هو الأساس الحقيقي للنهضة.
- 33:52
الاختلاف سنة إلهية واجتهاد المجتهد غير ملزم لغيره، لكن تحويله إلى تخوين وإقصاء خطر يهدد مستقبل مصر.
- 34:44
الأرض المشتركة من ثوابت الأمة وهويتها لا يجوز الخلاف حولها، وخريطة الطريق ترسم حدود الاختلاف المشروع.
- 35:45
تحويل الاختلاف في الجزئيات إلى إقصاء وتكفير مرض يعالجه تعليم حقيقي يُفقّه العقل المسلم ويُعيد الإدارة للمناهج.
- 36:27
الشورى الحقيقية تقضي على المعارك الوهمية، وفساد الجامعات أفضى إلى تخريج الدبلوماسيين من الجامعة الأمريكية.
- 37:24
النقابات المهنية العمود الفقري للأمة دُمرت في العهد السابق، والدولة الإسلامية الأولى قامت على مؤسسات لا أحزاب فقط.
- 38:08
الأوقاف كانت المؤسسة الأهلية الأم لتمويل الحضارة، والشورى من قواعد الشريعة ومن لا يستشير أهل العلم فعزله واجب.
- 39:03
التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني يحولها إلى أداة لتنفيذ أجندة الممول لا الأمة، لأن من يمولك يحدد جدول أعمالك.
- 40:10
التمويل الأجنبي يُبرز قضايا هامشية ويُغيّب قضايا الأمة الحقيقية كالمرأة البوسنية والفلسطينية والعراقية.
- 40:57
مواجهة الامتدادات السرطانية من الخارج تستلزم كامل الولاء للوطن والالتفاف حول هوية الأمة وثوابتها.
- 42:12
مثال القطار الخطأ يُجسّد خطورة الانشغال بالسياسة دون بناء الأمة، فيزيد البُعد عن الهدف بدلًا من الاقتراب منه.
- 43:21
الوقت الراهن علامة فارقة في تاريخ مصر وركوب القطار المعكوس بالتعصب والخلاف خطأ فادح يُضيّع الفرصة التاريخية.
- 44:11
التعصب والمصالح الشخصية ستُجفف كل الأزاهير وتجعلها جثثًا هامدة، وكل من يختزل مصر في مصلحته خطر عظيم.
- 45:03
أدب الاختلاف يفترض مشتركًا وهدفًا أعلى وقواعد للحوار، وقد افتقدنا الثلاثة بتدريب أنفسنا على عدم الاستماع للآخر.
- 46:06
فقدان المشترك يُفضي إلى الحرب ويُضيّع تنمية الإنسان، والحل في البحث عن المشترك وتعلم أدب الحوار.
- 46:49
هارون آثر وحدة بني إسرائيل على مواجهة عبادة العجل، وهو درس قرآني على تقديم وحدة الأمة حتى على أعظم القضايا.
- 48:04
إملاء الأقلية رأيها ديكتاتورية لا ديمقراطية، والأمة كجسد واحد يجب تقديم مصالحه العليا على الآراء الشخصية.
- 48:53
الشورى تعصم الأمة من الأحادية وتفتح قنوات الحوار، والمجتمع المصري يعرف تاريخيًا التنوع والتعدد والاختلاف.
- 49:49
ابن دقيق العيد والشافعي وأبو حنيفة نماذج على رحابة الصدر والتنوع الفقهي في تراثنا، درس يُلهم التعامل مع الاختلاف اليوم.
- 50:46
العلم والثقافة والإعلام يُشيعون قيم التنوع للأجيال، وصنع مستقبل مصر يستلزم تضافر الجهود والبحث عن المشتركات.
ما موضوع حلقة كلمة حق التي تجمع كبار العلماء للحديث عن مستقبل مصر؟
تتناول الحلقة موضوع مستقبل مصر من خلال حوار يجمع كبار علماء الأمة الإسلامية. يُرحَّب فيها بالمفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة عضو هيئة كبار العلماء، ومفتي الديار المصرية الدكتور علي جمعة، للحديث عن آفاق المستقبل لهذا الوطن.
لماذا يجب النظر إلى ماضي مصر العريق قبل استشراف آفاق مستقبلها؟
الحديث عن مستقبل مصر يحتاج إلى إطلالة على الماضي القريب؛ لأن تحديد معالم المستقبل والحاجة إلى ثورة إصلاحية تستلزم الإشارة إلى بعض المعالم دون الإغراق في التفاصيل. فمعرفة ما وصلت إليه مصر هي نقطة الانطلاق لرسم خارطة الطريق نحو المستقبل.
كيف وصفت مصر في العقود الثلاثة الأخيرة وما أبرز مظاهر تراجع مكانتها؟
وصلت مصر في العقود الثلاثة الأخيرة إلى مستوى لا يليق بها ولا بشعبها؛ إذ وصف العدو الصهيوني النظام المصري بأنه كنز استراتيجي للأمن الإسرائيلي، وهو وصف يُعدّ عارًا. فضلًا عن ذلك شهدت مصر مشكلة عطش رغم أنها بلد النيل، مع تفريط في مياه النيل لم يحدث على مر تاريخها.
كيف أضاع النظام السابق مكانة مصر في أفريقيا وما أثر ذلك على دورها القاري؟
شهد الكاتب إهانة من النظام السابق لقارة أفريقيا حين عُقد مؤتمر القمة الأفريقي في شرم الشيخ، أي في آسيا، وهو ما اعتُبر إهانة للقارة. وبذلك ضاعت مكانة مصر في أفريقيا التي كانت قد اكتسبتها بمساعدة حركات التحرر الوطني، في حين كان محمد علي وعبد الناصر يحظيان بمكانة رفيعة في القارة.
ما أبرز مظاهر البلاء الذي عاشه الشباب المصري في عهد النظام السابق؟
شهد المصريون الذين لم يألفوا الهجرة تاريخيًا موجة من الشباب ينتحرون في البحر الأبيض المتوسط طلبًا للرزق في أوروبا، بل ذهب عمال مصريون للعمل في إسرائيل وهو ما وُصف بالعار. وفي عقد التسعينيات جُمعت الكتب الإسلامية من مكتبات المدارس والأندية وأُحرقت، وهو ما وُصف بأنه عار في التاريخ.
ما الذي حدث للمساجد والمنابر في مصر لأول مرة في تاريخها منذ أربعة عشر قرنًا؟
أُغلقت مساجد مصر عقب الصلاة لأول مرة في تاريخها منذ أربعة عشر قرنًا، وأصبح المنبر مؤممًا وخاضعًا لأمن الدولة. وقد أدى ذلك إلى هوان مصر في العالم العربي والإسلامي والعالم، وكان النظام يحضر مباريات الكرة ولا يحضر مؤتمرات القمة، وهو أمر لم يسبق له مثيل في تاريخ مصر.
ما الذي فجّر الثورة الشعبية المصرية وما مكانة مصر في القرآن الكريم والسنة النبوية؟
ما وصلت إليه مصر من بلاء هو الذي فجّر الثورة الشعبية التي لا نظير لها في التاريخ، إذ نزل عشرات الملايين إلى الشوارع من كل الطبقات والتوجهات. ومصر تُسمى كنانة الله في أرضه، وذُكرت خمسًا وعشرين مرة في القرآن الكريم، ووصى بها النبي صلى الله عليه وسلم وبرجالها ونسائها بأنهم خير أجناد الأرض وهم في رباط إلى يوم القيامة.
لماذا استغرق فتح مصر خمس سنوات وما دلالة دخول الصحابة أرضها على ضرورة الإصلاح؟
استغرق فتح مصر خمس سنوات بينما فُتحت الشام والعراق والخليج وفارس في سنة واحدة، لأن مصر كانت معركة فاصلة لإزالة الروم والبيزنطيين الذين سيطروا على الشرق عشرة قرون. ودخل أرض مصر أكثر من مائة من صحابة رسول الله وحاربوا على أرضها لتحريرها، مما يؤسس لضرورة ثورة إصلاحية تعيد مستقبل مصر إلى ما يُرجى لها.
ما منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التغيير وكيف يُلهم استشراف مستقبل مصر بعد الثورة؟
للنبي صلى الله عليه وسلم منهج في التغيير يقوم على النظر إلى المستقبل ووضع أسسه بدلًا من الاشتغال بمرارة الحساب الماضي. فبعد فتح مكة نظر إلى المستقبل ولم ينظر إلى الماضي، مع الاستفادة من دروسه لترشيد العمل. والنفس يجب أن تكون واثقة ولديها أمل، وهو ما يُلهم استشراف مستقبل مصر بعد ثورتها.
كيف جعل الماوردي الأمل الفسيح ركنًا من أركان الدولة الصحيحة وما معجزة إزالة الأصنام؟
جعل الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية الأمل الفسيح ركنًا من أركان الدولة الصحيحة، لأن الأمل يتحقق غدًا ويدفع إلى العمل. وبعد فتح مكة أزال النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وستين صنمًا كانت مؤسسة تأسيسًا متينًا، وكان يضرب الصنم بعصاه فيسقط، وهو ما رآه أهل مكة معجزة كبيرة فدخلوا في دين الله أفواجًا.
كيف جسّد النبي صلى الله عليه وسلم تمكين الشباب بعد فتح مكة في اختيار عتاب بن أسيد وأبي محذورة؟
بعد فتح مكة عيّن النبي صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد واليًا على مكة وعمره واحد وعشرون عامًا قمريًا، دون أن يُتهم بقلة الخبرة. وجعل الأذان في الحرم بيد أبي محذورة الذي كان شابًا أيضًا وكان في بداية الأمر يسخر من الأذان، ثم أصبح يتولى هذه المهمة العظيمة. وهذا يدل على وجوب النظر إلى المستقبل وتمكين الشباب.
ما قصة أبي محذورة مع الأذان وكيف تدل على أن الشباب يُمنح المهام الكبرى في الإسلام؟
أبو محذورة كان في بداية الأمر ضد رسول الله وضد الإسلام ويسخر من الأذان، حتى ضُرب على صدره فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أي أحد. ثم تولى مهمة الأذان في الحرم وهي من كبار المهام العظيمة في الدولة الإسلامية لما يترتب عليها من أمور. وعتاب بن أسيد أصبح حاكمًا لمكة دون أن يُتهم بقلة الخبرة أو التجربة.
ما خطورة غياب الجيل الثاني والثالث في القيادات المصرية وكيف أثّر على مستقبل مصر؟
افتُقد الجيل الثاني والثالث والرابع في جميع القيادات في كل مكان، سواء في الوزارات أو الهيئات أو المؤسسات الدينية أو المصالح الحكومية. وكان النظام السابق نفسه يشكو من هذه الورطة ويعترف بصعوبة إيجاد من يتولى القيادة. وهذا الغياب وُصف بأنه غُيِّب بفعل فاعل، مما يجعل تمكين الشباب ضرورة ملحة لبناء مستقبل مصر.
ما الهيكل الذي يجب أن يقوم عليه مستقبل مصر من حيث تمكين الشباب وبناء الأجيال؟
يجب أن يقوم مستقبل مصر على ثلاثة محاور: النظر إلى المستقبل بالأمل الفسيح، والاستفادة من تجارب الماضي، وتمكين الشباب تمكينًا حقيقيًا. وتمكين الشباب لا يظهر بالقدر الكافي ولا يُتحدث عنه بالقدر الكافي، وهو خطر داهم لأن شباب الأمة هم شبابها، وبناء الجيل الثاني والثالث والرابع أمر لا غنى عنه.
من هم الشباب الذين اعتمد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم في القيادة وما دلالة ذلك لمستقبل مصر؟
اعتمد النبي صلى الله عليه وسلم على علي بن أبي طالب وأنس بن مالك وأسامة بن زيد وعتاب بن أسيد وكلهم كانوا شبابًا، بل جعل أسامة قائدًا للجيوش. وقال النبي لهم: جئتكم فكذبني شيوخكم وصدقني شبابكم. والشباب يمتلك فكرًا منفتحًا وطاقة تستطيع التأثير في أمور كثيرة، ولا يتجاهل المقترحات لأنه يستطيع تنفيذها.
على من تقع مسؤولية النهوض بمصر ووضع خارطة الطريق لمستقبلها؟
المناخ السائد يركز الحديث عن الإصلاح والتغيير في الجوانب السياسية فقط من أحزاب ودستور وانتخابات، بينما المسؤولية مشتركة بين الدولة والمؤسسات ورجال الدين والمثقفين والشعب. وإعادة الهيكلة وتمكين الشباب أمر تعلمناه من ديننا ويجب إعادته إلى واقع الحال.
ما منهج الإمام محمد عبده في الإصلاح وكيف يُطبَّق على واقع مصر اليوم؟
درس الإمام محمد عبده الحركة الإسلامية الإصلاحية في القرن التاسع عشر وأرسى منهجًا يقوم على البدء بالأمة قبل الدولة وبالتربية قبل السياسة. وكان يركز على المؤسسات التي تصنع العقل المسلم كالأوقاف والمساجد والمدارس والقضاء والتعليم والأزهر. وهذا المنهج غائب عن الخطاب الإعلامي الراهن الذي يكتفي بالحديث السياسي.
ما دور دار الأرقم بن أبي الأرقم في المرحلة المكية وكيف تُجسّد منهج صناعة الإنسان قبل الدولة؟
دار الأرقم بن أبي الأرقم كانت المؤسسة الأولى للصناعة الثقيلة وهي صناعة الإنسان في المرحلة المكية. والدولة تأتي ثمرة للأمة، فإذا ركّزت على إصلاح الأمة والمؤسسات التي تصنع العقل المسلم جاءت السياسة والدولة ثمرة طبيعية. وأهل السنة والجماعة الذين يمثلون تسعين بالمائة من الأمة يرون السياسة من الفروع لا من الأصول.
ما الفرق بين مصطلح التغيير والإصلاح في المنهج القرآني وأيهما يناسب مسيرة مصر؟
التغيير مصطلح قرآني يُستخدم لما هو سيء وسلبي كما في قوله تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. أما الإصلاح فهو إيجابي كما في قوله: إن أريد إلا الإصلاح، وهو رسالة كل الأنبياء والمرسلين. والمطلوب إزالة السلبي بالتغيير والإتيان بالإيجابي بالإصلاح.
كيف يختلف مفهوم الإصلاح في المنهج الإسلامي عن المفهوم الغربي وما خصائصه؟
الغربيون يرون الإصلاح مجرد ترقيع وأمور سطحية، بينما الإصلاح في المنهج الإسلامي هو تصحيح هادئ متدرج وتغيير جذري شامل لكل ميادين الحياة دون أسلوب مفاجئ أو تحريضي. ولا يُراد به العجلة ولا القفزات غير المحسوبة، بل خارطة طريق لا تُغفل الأمة وتسير بها نحو الأهداف بثبات.
ما دور المسجد والإعلام والمؤسسات التربوية في إصلاح الأمة وبناء قاعدة الدولة؟
الإيمان بإصلاح الأمة يستلزم تفعيل دور المسجد والإعلام والصحافة والثقافة والمؤسسات التربوية جميعًا. فهذه الآليات والأدوات هي التي تؤسس القاعدة التي تُثمر السياسة والدولة. وهناك جمهور واسع يتصرف بغرائزه يحتاج إلى إصلاح حقيقي عبر هذه المؤسسات.
ما درس المرحلة المكية في صناعة الجيل القرآني وما أول بنود خارطة الطريق لمستقبل مصر؟
المرحلة المكية استغرقت ثلاثة عشر عامًا في صناعة الإنسان وتربية الجيل القرآني الفريد، فلما تربى هذا الجيل جاءت الدولة والفتوحات والمؤسسات. وأول بنود خارطة الطريق هي الحرية التي تفجر طاقات وملكات الإنسان، لأن الإنسان في المجتمع المستعبد يصبح سلبيًا يتواكل ويهرب من المسؤولية ويفقد الانتماء.
كيف يختلف مفهوم الحرية في الإسلام عن الفوضوية الغربية وما ضوابطها؟
الحرية في الإسلام تختلف عن الفوضوية والعدمية واللاأدرية التي جاءت في الحداثة وما بعدها. فحقوق الإنسان في الإسلام محكومة بحقوق الله سبحانه وتعالى، وكل دستور في العالم يتضمن بابًا للآداب العامة التي تحكم الإنسان. فالحرية لها ضوابط ولا تعني أن يفعل الإنسان ما يريد دون قيود.
ما تعريف الحرية الحقيقية في الإسلام وكيف تتعامل مع التعددية والتنوع في المجتمع؟
الحرية الحقيقية كما عرّفها عبد الله النديم تلميذ محمد عبده هي معرفة الحقوق والوقوف عند الحدود، لا الحرية البهيمية التي تعني فعل ما يريده الفرد دون قيد. والحرية الحقيقية لا تعني إقصاء أحد أو حجب حريته أو تكفيره، بل تعني أن يأخذ كل تيار حجمه ويحتكم إلى صندوق الاقتراع في إطار التيار الإسلامي الذي هو هوية الأمة.
كيف تكون الحرية مناخًا لتفجير الملكات والطاقات وتحقيق التجديد والاجتهاد؟
الحرية هي المناخ الذي يفجر ملكات الإنسان وطاقاته، فالإنسان جرم صغير فيه انطوى العالم الأكبر، وعندما تتاح له الحرية يفكر ويبدع. والتجديد والاجتهاد والإبداع في الحياة لا تتوفر إلا إذا وُفرت الحرية بمفهومها الإسلامي الذي يعطي كل ذي حق حقه دون إقصاء أو مصادرة.
لماذا يُعدّ إصلاح التعليم وبناء الإنسان أساس النهوض بمصر وما معنى الإنسان قبل البنيان؟
بناء الإنسان لا بد أن يتقدم على بناء البنيان لأن البنيان مهم لكن الإنسان أهم. والذي يميز الإنسان عن البهيمة هو العلم، فالإنسان حيوان ناطق أي مفكر ولا بد فيه من العلم. وإصلاح التعليم هو الكامن الذي يدفع بالأمة إلى ما تطمح إليه، وفق هذه القاعدة الراسخة.
كيف يُحدد القرآن الكريم غاية العلم وما علاقته ببناء الإنسان وعمارة الأرض؟
القرآن الكريم يجعل العلم لا يعرف الكلمة الأخيرة بقوله: وقل رب زدني علمًا، ويدعو إلى التواضع بقوله: وفوق كل ذي علم عليم. وجعل للعلم غاية هي معرفة الله، وعمارة الأرض واجب شرعي بقوله: إني جاعل في الأرض خليفة وهو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها. فالرؤية الكلية هي بناء الإنسان الذي يبدأ بقضية العلم.
ما تجربة كوريا في إصلاح التعليم وما أركان التعليم الخمسة التي تحتاج إلى ثورة؟
كوريا بدأت ثورتها بالتعليم ووضعت خطة سباعية لتغييره جذريًا تقوم على خمسة أركان: الأستاذ والطالب والمنهج والكتاب والجو العلمي المحيط. وعند التطبيق استغرقت الخطة السباعية إحدى عشرة سنة، لكنها نقلت البلاد والعباد نقلة نوعية من النقيض إلى النقيض، وهو نموذج يُحتذى به لإصلاح التعليم في مصر.
ما حجم الفجوة في الإنفاق على التعليم بين مصر وإسرائيل وما دلالة هذه الأرقام؟
نصيب طالب الأزهر من الموازنة ألف وخمسمائة جنيه في السنة، بينما نصيب طالب جامعة عين شمس ستة آلاف جنيه وجامعة جنوب الوادي ثمانية آلاف جنيه. في المقابل يُنفق في إسرائيل ثمانون ألف جنيه على الطالب الواحد في العام، أي ما يعادل عشرة أضعاف على الأقل من الموازنة المصرية، وهو ما يكشف حجم الإهمال الحقيقي للتعليم.
لماذا يُعدّ تخصيص ثمانين بالمائة من الموازنة للتعليم ضرورة وليس خيالًا؟
الزخم الإعلامي منصبّ على الفروع والسياسة فقط دون إصلاح الأمة الذي يبدأ بالإنسان والتعليم. ومن يقترح تخصيص ثمانين بالمائة من الموازنة للتعليم يواجه سخرية الساخرين، رغم أن التعليم هو الأساس المتين الذي لا غنى عنه. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة.
كيف أعادت تشيلي مكانة المعلم وما علاقة ذلك بإسكات المطالب الفئوية لصالح التعليم؟
تخصيص ثمانين بالمائة للتعليم يعني إسكات المطالب الفئوية لأجل تعليم الأجيال والخروج من الأكذوبة الراهنة. وفي تشيلي وضعوا قانونًا جعل المعلم أعلى من القاضي والقائد العسكري، فعادت ثقته بنفسه وأصبح محترمًا ذا حصانة لا يُهان من الطلاب وأولياء الأمور والشارع، دون منحه أموالًا كثيرة.
ما المسارات المتعددة اللازمة لإعادة مكانة العلم والمعلم في مصر؟
إعادة مكانة العلم تحتاج إلى خمسة مسارات متوازية: الموازنة والاقتصاد، والقانون، والثقافة العامة والإعلام، والتكوين العقلي، والقرار السياسي الذي يجعل مرتكزه التعليم. والتمادي في بناء الإنسان سيقود إلى الاهتمام بالصحة وتكوين العقل والثقافة السائدة لما لها من تأثير في الخدمة العامة.
كيف يؤدي بناء الإنسان إلى سهولة بناء البنيان وانفتاح العالم على مصر؟
حين يتفق الجميع على نهضة البلد وبناء الإنسان يصبح بناء البنيان في منتهى السهولة، ويمد العالم كله يده لهذا البناء لأنه يعني دراهم معدودة أمام قيمة الإنسان المبدع. والأساس هو الإنسان الذي يُراد منه إبداع واستفادة من التراث ومستقبل فسيح وعمل صحيح.
ما الفرق بين الخلاف والاختلاف وكيف يؤثر الجدل والتخوين على مستقبل مصر؟
هناك فرق جوهري بين الخلاف والاختلاف؛ فالاختلاف سنة من سنن الله لأن التنوع ضرورة، واجتهاد المجتهد غير ملزم للمجتهد الآخر وهذا مُسلَّم به في التراث الإسلامي. أما الجدل والتخوين والإقصاء الذي شهدته مصر في الشهور الأخيرة فهو خطر يهدد مستقبلها إذا استمر بهذا الشكل العنيف.
ما الأرض المشتركة التي لا يجوز الخلاف حولها وكيف ترسم خريطة الطريق للوحدة؟
الأرض المشتركة التي لا يجوز الخلاف حولها تشمل ثوابت الأمة وهويتها ومصلحتها، تمامًا كأصول الدين التي لم يختلف فيها المسلمون. وخريطة الطريق تقتضي رسم المساحة المشتركة والمساحة التي فيها الاختلاف المشروع، لأن جعل بأسنا بيننا شديدًا سيجعلنا رحماء على أعدائنا عكس الصورة القرآنية.
كيف يتحول الاختلاف في التفاصيل إلى إقصاء وتكفير وما دور التعليم في معالجة ذلك؟
بعض الناس يجعلون التناقضات الثانوية تناقضات عدائية ويحولون الاختلاف في الجزئيات إلى إقصاء وتكفير. والعلاج يكمن في أن يفقه العقل المسلم هذه الأمور، وهو ما يرتبط بإصلاح التعليم الذي تعرض للتخريب، إذ كانت مدرسة الألسن التي أنشأها رفاعة الطهطاوي تُدرّس الإدارة في ثلاثينيات القرن التاسع عشر.
كيف تقضي الشورى الحقيقية على التناقضات الوهمية وما علاقة فساد الجامعات بذلك؟
الشورى الحقيقية وتعميمها في مؤسسات الأمة هو الذي يقضي على التناقضات والخلافات التي تفجر المعارك الوهمية. وقد غابت الشورى ليس فقط عن الدولة بل عن الأمة كلها. وفساد الجامعات جعل الجامعة الأمريكية تخرّج الدبلوماسيين بدلًا من كليات الحقوق والاقتصاد والعلوم السياسية.
ما أهمية النقابات المهنية والعمالية ومنظمات المجتمع المدني في بناء مستقبل مصر؟
النقابات المهنية والعمالية تمثل العمود الفقري للأمة وقد دُمرت في العهد السابق، بينما الحديث كله ينصبّ على الأحزاب السياسية. والدولة الإسلامية الأولى بُنيت على مؤسسات: مؤسسة المهاجرين والنقباء الاثني عشر ومجلس السبعين. والشورى هي التي تفتح قنوات الحوار بين مكونات الأمة وتمنع الأحادية في الرأي.
ما مكانة الأوقاف في تمويل مؤسسات الأمة وما حكم من لا يستشير أهل العلم والدين؟
الأوقاف كانت المؤسسة الأهلية الأم التي تمول مؤسسات الأمة وصناعة الحضارة حين كانت الدولة محدودة الحجم. والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب وهذا مما لا خلاف فيه. والشورى تبعث روح الحرية والحوار البناء في كل مؤسسات الأمة.
ما خطورة التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني وكيف يحوّلها إلى أداة لتنفيذ أجندة الخارج؟
التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني يتحول إلى ارتزاق يجعل هذه المنظمات تنفذ أجندة الممول لا أجندة الأمة. فالذي يمولك هو الذي يحدد جدول الأعمال، والناس الذين ليس لهم جذور في الشعب تُموَّل أنشطتهم فيصبحون أدوات في يد الخارج. وهذا يُضعف الولاء للوطن ويُدخل أجندات غريبة.
كيف يُغيّب التمويل الأجنبي قضايا الأمة الحقيقية ويُبرز قضايا هامشية بدلًا منها؟
التمويل الأجنبي يجعل الممولين يُقيمون الدنيا حول قضايا كختان الإناث التي ليس لها علاقة بالشريعة الإسلامية، بينما يتجاهلون ستين ألف امرأة بوسنية اغتُصبن في معسكرات صربية منظمة، والمرأة الفلسطينية في الانتفاضة، والمرأة العراقية والأيتام والأرامل. فالذي يمولك هو الذي يحدد جدول الأعمال.
كيف تواجه مصر الامتدادات السرطانية من الخارج وتحافظ على وحدتها الداخلية؟
المطلوب أن يكون كامل الولاء وكامل الانتماء للوطن والأمة والهوية، ومواجهة الأجندات الخارجية التي تخترق البلد. وإسرائيل تعمل في الفتنة الطائفية، وكنائس فصلت جنوب السودان وتيمور الشرقية، وهذه عبر يجب الاعتبار بها. والحل هو الالتفاف حول هوية الأمة وثوابتها لإحجام هذه الامتدادات السرطانية.
ما مثال القطار الخطأ وكيف يُجسّد خطورة الانشغال بالسياسة دون بناء الأمة؟
من ذهب إلى محطة مصر ليركب إلى الإسكندرية فركب قطار الصعيد وصل إلى أسوان، فبدلًا من أن يكون على بعد مائتي كيلومتر من هدفه أصبح على بعد ثمانمائة إلى تسعمائة كيلومتر. وهكذا إذا اهتممنا بالسياسة دون بناء الأمة وحولنا الاختلاف إلى خلاف وعصبية دون الأمل الفسيح والعمل الصحيح، فقد ركبنا القطار الخطأ وستطول المسافة.
لماذا يُعدّ الوقت الراهن علامة فارقة في تاريخ مصر وما خطورة ركوب القطار المعكوس؟
الوقت الراهن علامة فارقة في تاريخ مصر تستحق منا أن نتجنب ركوب القطار المعكوس، وهو خطأ بسيط لكنه فادح. ومصر لا تُختزل في رأي أو حزب أو شخص، بل يجب أن تتفتح فيها كل الأزاهير. والانشغال بالتعصب والخلاف في هذا الوقت الحساس يُبعد مصر عن مستقبلها ويُضيّع الفرصة التاريخية.
ما مصير الأزاهير إذا استمر التعصب والمصالح الشخصية على حساب مصالح الأمة العليا؟
إذا استمر التعصب والمصالح الشخصية وضيق الأفق ستُصاب كل الأزاهير والأزهار بالجفاف وستكون جثثًا هامدة. وبلدنا عزيز علينا وهويتنا عزيزة، ومعنا كنوز من المفاهيم التي إذا لم تكن برنامج الحديث والعمل فسنركب القطار الخطأ وستتسع الفجوة. وكل من أراد اختزال البلد بمصلحة شخصية فهو خطر عظيم.
ما أدب الاختلاف في الإسلام وما الأمور التي يفترضها للحوار البناء؟
أدب الاختلاف في الإسلام يفترض ثلاثة أمور: أولًا وجود مشترك بين المتحاورين، وثانيًا وجود هدف أعلى، وثالثًا قواعد للحوار والاستماع للآخر. وقد درّبنا أنفسنا كثيرًا على ألا نستمع للآخر، ففقدنا الهدف ففقدنا البوصلة، ثم تغافلنا عن المشترك، وهذا هو جذر الأزمة.
ما العلاقة بين فقدان المشترك والحرب وكيف يُعيق ذلك تنمية الإنسان؟
إذا فُقد المشترك تحركت الطائرات كما يقول الدكتور المسيري، أي أن حالة السلم تذهب وتُستبدل بحرب نهايتها الدم. وحالة السلم هي الحالة التي تتحقق فيها تنمية الإنسان، فإذا دخلنا في الحرب ضاعت التنمية. لذا يجب البحث عن المشترك وتعلم أدب الحوار وتحديد أهداف عالية لا تُختزل في أهداف الأشخاص.
ما الدرس المستفاد من قصة هارون وموسى في تقديم وحدة الأمة على كل شيء حتى التوحيد؟
هارون لم يفرق بين بني إسرائيل حين عبدوا العجل حفاظًا على وحدتهم، فلما لامه موسى قال: خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل. فاقتنع موسى بهذه الحجة وذهب إلى السامري ليحقق معه. وهذا يدل على أن الهدف الأسمى وهو وحدة الأمة كان مقدمًا على التوحيد الذي هو كل شيء في حياتنا، وهو درس عظيم في أدب الاختلاف.
كيف تتعارض إملاء الأقلية رأيها على الأغلبية مع الديمقراطية وما علاقة ذلك بمصالح الأمة؟
إملاء الأقلية رأيها على الأغلبية هو قمة الديكتاتورية لا الديمقراطية. والأمة ينبغي النظر إليها كجسد واحد فيه أعضاء تتمايز لكنها تتفاعل معًا. ويجب تقديم مصالح الأمة العليا على الآراء الشخصية وإلا سيُركب قطار الخطأ وتزداد الفجوة بين الواقع والمأمول.
كيف تعصم الشورى الأمة من الأحادية وما خصوصية المجتمع المصري في التعامل مع التنوع؟
الشورى تفتح قنوات الحوار والتفاعل بين مكونات الأمة وتعصمها من الأحادية في الرأي والفكر. والمجتمع المصري على مر تاريخه يعرف التنوع والتعدد والاختلاف، بخلاف مجتمعات يضيق صدرها بالآخر. وكل عضو في جسد الأمة له قدر وإسهام وحقوق وواجبات دون إقصاء أو عزل.
ما نماذج التنوع الفقهي ورحابة الصدر في تراثنا الإسلامي وكيف تُلهم التعامل مع الاختلاف اليوم؟
ابن دقيق العيد كان يفتي بمذهب ويقضي بمذهب ويدرّس بمذهب، محتضنًا مدارس الفقه الإسلامي. وأبو حنيفة تعلم على يد جعفر الصادق، والقرافي الإمام المالكي تعلم على آخرين. والإمام الشافعي كان يتبع رأي أبي حنيفة حين يصلي في مسجده تأدبًا معه. وهذه النماذج تُجسّد رحابة الصدر والتنوع الفقهي الذي يجب أن يُشاع في ثقافتنا.
ما دور العلم والثقافة والإعلام في صنع مستقبل مصر وما الرسالة الختامية للحلقة؟
العلم والثقافة والإعلام مسؤولون عن إشاعة قيم التنوع والتعدد والاختلاف الصحيح لكي تتعلمها الأجيال. وصنع مستقبل مصر يحتاج إلى تضافر كل الجهود والبحث دائمًا عن المشتركات التي يُتوافق عليها، والابتعاد ولو مؤقتًا عن مواطن الخلاف. والحلقة كانت قرع جرس إنذار لكيفية بناء مستقبل مصر بأيدي أبنائها.
مستقبل مصر لن يتحقق إلا بإصلاح التعليم وتمكين الشباب وترسيخ الشورى وأدب الاختلاف انطلاقًا من هوية الأمة.
مستقبل مصر يرتكز على إصلاح الأمة قبل الدولة والتربية قبل السياسة، وهو المنهج الذي أرساه الإمام محمد عبده وجسّدته المرحلة المكية حين أمضى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عامًا في صناعة الإنسان قبل أن تقوم الدولة. وتجربة كوريا خير شاهد على أن خطة سباعية للتعليم تستغرق أحد عشر عامًا قادرة على نقل بلد من النقيض إلى النقيض.
تمكين الشباب ليس ترفًا بل ضرورة دينية وحضارية؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم ولّى عتاب بن أسيد مكة وعمره واحد وعشرون عامًا، واعتمد على علي وأنس وأسامة شبابًا في أعلى المهام. وفي المقابل، فإن أدب الاختلاف والشورى الحقيقية هما الضمان لوحدة الأمة، إذ إن تحويل الاختلاف المشروع إلى إقصاء وتكفير يشبه ركوب قطار الصعيد بدلًا من قطار الإسكندرية، فتتسع الفجوة بدلًا من أن تضيق.
أبرز ما تستفيد منه
- إصلاح التعليم أولوية قصوى لأن الإنسان قبل البنيان وبه تُبنى الأمة.
- تمكين الشباب في القيادة سنة نبوية مؤكدة وضرورة حضارية ملحة.
- الشورى الحقيقية تعصم الأمة من الأحادية وتفتح قنوات الحوار البناء.
- الاختلاف المشروع ثروة والإقصاء والتكفير خطر يُبعد مصر عن مستقبلها.
مقدمة الحلقة والترحيب بالضيوف للحديث عن مستقبل مصر
[المذيع]: الرسل عليهم السلام، وميلاد موسى وميلاد عيسى ذُكرت في القرآن الكريم في مواضع عدة، وكذلك أوصى بها المصطفى صلى الله عليه وسلم وبأهلها خيرًا. ماضٍ عريق، وحاضر مجيد، ومستقبل واعد بإذن الله. في هذه الحلقة من "كلمة حق" نتحدث عن مستقبل مصر.
في مستهل هذا اللقاء مشاهدينا الكرام، يسعدني دائمًا الترحيب بالضيوف الأجلاء، كبار علماء الأمة الإسلامية. في هذه الحلقة من "كلمة حق" فضيلة الأستاذ الدكتور محمد عمارة المفكر الإسلامي وعضو مجمع البحوث الإسلامية أو هيئة كبار العلماء، نرحب بفضيلتكم دكتور عمارة، أهلًا بكم.
[الشيخ محمد عمارة]: شكرًا لكم، شكرًا.
[المذيع]: ودائمًا ضيفنا الجليل الكريم، الداعية الإسلامي، مفتي الديار المصرية الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا بفضيلتكم دكتور.
[الشيخ]: مرحبًا.
[المذيع]: أعني طلبت مني كالمعتاد أن نبدأ بضيوفكم وضيوفي، كبِّر كبِّر، أخرجه البخاري. نعم.
ملامح الماضي العريق لمصر واستشراف آفاق المستقبل
[المذيع]: أعني نتحدث عن مستقبل مصر. فضيلة الأستاذ الدكتور محمد عمارة، قبل أن نتحدث عن استشراف آفاق المستقبل والمستقبل في أعني محاوره المختلفة، أود أن أتوقف مع فضيلتكم عند ملامح الماضي العريق حتى نستشرف معه آفاق المستقبل لهذا الوطن الكريم.
[الشيخ محمد عمارة]: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلاةً وسلامًا على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحابته أجمعين. بالطبع الحديث عن المستقبل يحتاج إلى إطلالة على الماضي القريب؛ لأن تحديد معالم المستقبل والحاجة إلى ثورة إصلاحية تستلزم أن نشير، دون أن نُغرق السادة المشاهدين في الماضي، إلى بعض المعالم.
تراجع مكانة مصر في العقود الأخيرة وضرورة الإصلاح
[الشيخ محمد عمارة]: يعني على سبيل المثال، نحن في حاجة إلى أن ننتبه إلى أن مصر في العقود الثلاثة الأخيرة وصلت إلى مستوى لا يليق بمصر ولا بشعب مصر. يعني عندما يقول العدو الصهيوني إن النظام في مصر هو كنز استراتيجي للأمن الإسرائيلي، هذا عار لا يليق بمصر. مطلوب إصلاح وضع مصر في هذا المجال.
مصر فيها النيل أطول أنهار العالم، شهدت مشكلة عطش في بلد النيل! حدث تفريط في مياه النيل الذي لم يحدث تفريط فيه على مر تاريخ مصر؛ لأن مصر هبة النيل.
إهانة النظام السابق لأفريقيا وضياع مكانة مصر فيها
[الشيخ محمد عمارة]: أنا شهدت إهانة من النظام السابق لقارة أفريقيا، عندما يُعقد مؤتمر القمة الأفريقي في شرم الشيخ، أي يُعقد مؤتمر قمة أفريقيا في آسيا، وهذه إهانة لأفريقيا. وبذلك ضاعت مكانة مصر في أفريقيا.
كانت لمصر مكانة لأنها ساعدت حركات التحرر الوطني في أفريقيا. لقد قرأت تقريرًا لبعثة مترنيخ في عهد محمد علي يقولون عن محمد علي أنه يعيد دولة الخلفاء الراشدين. في أيام عبد الناصر كانوا أيضًا ينظرون إلى أن عبد الناصر يجمع أفريقيا ويجمع العرب وما إلى ذلك. لكن عندما نفرط في هذه الكنوز التي صنعتها مصر وصنعها التاريخ...
هجرة الشباب المصري وبلايا النظام السابق على الأمة
[الشيخ محمد عمارة]: أقول إن المصريين عادةً لم يكونوا يألفون الهجرة وترك البلاد، لكن شهدنا الشباب من أجل لقمة العيش ينتحرون في البحر الأبيض المتوسط لكي يذهبوا إلى أوروبا. لماذا يفعلون ذلك؟ بل لقد ذهب عمال مصريون إلى إسرائيل للعمل في إسرائيل! هذا عار.
إذا كان هذا النظام الذي كان يمثل كل هذه البلايا، أنا في عقد التسعينيات جُمعت الكتب الإسلامية من مكتبات المدارس ومن الأندية وأُشعلت فيها النيران! هذا نحن نقول أنه عار في التاريخ أن يُحرق كتاب، وناس تتحدث عن مكتبة ابن رشد ومكتبة أبي حيان التوحيدي.
إغلاق المساجد وتأميم المنابر وتراجع مكانة مصر عالميًا
[الشيخ محمد عمارة]: إنما هذا الذي حدث، كان أن تُغلق مساجد مصر عقب الصلاة لأول مرة في تاريخ مصر منذ أربعة عشر قرنًا، أن يصبح المنبر مؤممًا وخاضعًا لأمن الدولة.
أنا أقول إن هذا بلاء، سواء من الناحية السياسية، من الناحية الاجتماعية، من الناحية الاقتصادية، من حيث مكانة مصر. هانت ما كانت مصر في العالم العربي وفي العالم الإسلامي وفي العالم. كان نظامًا يحضر مباريات الكرة ولا يحضر مؤتمرات القمة! يعني هذه أمور لم يسبق لها مثيل في تاريخ مصر.
الثورة الشعبية المصرية ومكانة مصر في القرآن والسنة
[الشيخ محمد عمارة]: ولذلك دون أن نطيل في هذا البلاء، أقول إن ما وصلت إليه مصر هو الذي فجّر هذه الثورة الشعبية التي لا نظير لها في التاريخ. عشرات الملايين ينزلون إلى الشوارع من كل الطبقات، من كل التوجهات، من كل التوجهات الفكرية.
إذن أنا أقول إننا أمام نقطة فاصلة تنقل هذا البلد، كنانة الله في أرضه، ذُكرت خمسًا وعشرين مرة في القرآن الكريم.
وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي بها وبرجالها ونسائها، وأنهم «خير أجناد الأرض وهم في رباط إلى يوم القيامة»
تُسمى كنانة الله في جميع كتب التاريخ الإسلامي، تُفرد بابًا لفضائل مصر. بل لقد قرأت عن بعض المؤرخين يقولون إن آثار مصر هي أفضل الآثار والتماثيل، يعني هذه المكانة لهذا البلد الأمين.
فتح مصر واستغراقه خمس سنوات ودخول الصحابة أرضها
[الشيخ محمد عمارة]: الشام والعراق والخليج وفارس يفتحها الصحابة في سنة واحدة، ويستغرق فتح مصر خمس سنوات؛ لأنها معركة فاصلة بين الروم وإزالة الروم والإغريق والبيزنطيين الذين سيطروا على الشرق عشرة قرون وقهروه لعشرة قرون.
أنا أقول إن هذا البلد الذي دخله أكثر من مائة من الصحابة، صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاربوا على أرضه لتحريره، يُصنع به هذا الذي أشرنا إلى بعضه. هذا يؤسس لضرورة ثورة إصلاحية تعيد مستقبل مصر إلى ما نرجوه لها إن شاء الله.
منهج النبي في التغيير والنظر إلى المستقبل بعد فتح مكة
[المذيع]: سنتحدث في كل هذه الأمور مع فضيلتكم ومع فضيلة العلامة الجليل الدكتور علي جمعة. وبالفعل إذا أردنا أن نؤسس مستقبلًا واعدًا فضيلة المفتي، فلا بد أن نستلهم دروس الماضي. لكن كيف ترى فضيلتك استشراف آفاق المستقبل، يعني بعد هذه الثورة التي تحدث عنها الدكتور محمد عمارة؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم له منهج في التغيير، هذا المنهج تعلمناه منه حتى لا نتجرع مرارة الحساب الماضي، أن ننظر إلى المستقبل وأن نضع له أسسًا.
أتذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة نظر إلى المستقبل ولم ينظر إلى الماضي. قد يكون كما قال الدكتور عمارة أن النظر إلى الماضي قد يرشدنا إلى ما نفعله في المستقبل، وهذا صحيح، ولكن النفس يجب أن تكون واثقة ويجب أن يكون لديها أمل.
الأمل الفسيح ركن من أركان الدولة الصحيحة عند الماوردي
[الشيخ]: والماوردي في كتابه [الأحكام السلطانية] جعل من أركان الدولة الصحيحة الأمل الفسيح. والأمل يتحقق غدًا، فماذا نفعل غدًا؟
فالنبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة أراد أن يجمع الحال، فوقعت على يديه معجزة لا يلتفت إليها كثير من الناس، وهو أنه أزال الأصنام. وكان صلى الله عليه وسلم، الأصنام هذه ثلاثمائة وستين صنمًا في الكعبة، مؤسسة تأسيسًا جيدًا وليس هشًّا.
نتذكر والأولاد حاولوا إنزال تمثال صدام حسين وهم يفشلون، فيأتي الأمريكي ويستعمل قاعدة الرافعة التي تعلمناها في إعدادي وينزل الصنم. كانت أصنامهم هكذا، ولكن كان رسول الله يضرب الصنم بمحجنه، يعني بعصاه، فيسقط.
معجزة إزالة الأصنام وعفو النبي عن أهل مكة يوم الفتح
[الشيخ]: رأى أهل مكة هذا، هذه معجزة ومعجزة كبيرة رآها أهل مكة، فدخلوا في دين الله أفواجًا. لما جلس معهم لاستشراف المستقبل قال:
«ماذا تظنون أني فاعل بكم؟» قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم. قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»
وعيّن على مكة عتاب بن أسيد، وعتاب بن أسيد كان عمره واحد وعشرون عامًا، واحد وعشرون عامًا، أي واحد وعشرون عامًا قمريًا، أي يكاد يكون عمره عشرون عامًا.
وعندما ترك وراءه من يؤذن في الحرم جعل ذلك بيد أبي محذورة، وأبو محذورة كان شابًا أيضًا. إذن لا بد من النظر إلى المستقبل كمنهج، ولا بد من تمكين الشباب.
تمكين الشباب في عهد النبي وتولي عتاب بن أسيد حكم مكة
[الشيخ]: كثيرًا ما نتحدث عن أحدهما ولا نتحدث عن الآخر. عتاب أصبح حاكمًا لمكة ولم يعد يُتهم بقلة خبرته أو بقلة تجربته في الحياة أو كذا إلى آخره.
أبو محذورة كذلك، وأبو محذورة في بداية الأمر كان ضد رسول الله وضد الإسلام ويسخر من الأذان، حتى ضُرب على صدره، قال: فلم يكن هناك أحب من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الأرض.
وأبو محذورة هذا تولى مهمة من كبار المهام العظيمة، الأذان. هذا كان يعني أمرًا عظيمًا في الدولة وركنًا ركينًا فيها، لما يترتب عليه بعد ذلك من أمور.
وجوب النظر إلى المستقبل وتمكين الشباب وافتقاد الجيل الثاني
[الشيخ]: نأخذ من هذا ونستخلص وجوب النظر إلى المستقبل بكمية كبيرة وبتركيز كبير، وتمكين الشباب؛ لأن تمكين الشباب قد افتقدناه.
إذا أردنا أن ننظر إلى الماضي أيضًا من أجل أن نتعلم، وإن كنت أكتفي بما قاله الدكتور عمارة، لكن أضيف إليه شيئًا كان غريبًا يتعلق بتمكين الشباب، وهو إننا قد افتقدنا الجيل الثاني والثالث والرابع في جميع القيادات في كل مكان.
وكانت هذه مشكلة يشكو منها النظام السابق، أي أن النظام السابق يقول هذا، إننا في ورطة. هم أنفسهم شعروا بأن هذه ورطة كبيرة، أن نبحث عن أحد يتولى قيادة كذا وكذا. هذه افتحها في كل مكان: في الوزارة، في الهيئات، في المؤسسات الدينية، في المصالح الحكومية، في كذلك. الجيل الثاني مفتقد تمامًا، غُيِّب بفعل فاعل.
تغييب الجيل الثاني وضرورة تمكين الشباب لبناء المستقبل
[المذيع]: فضيلتكم يعني أيضًا، داخل عام، لا أعرف. هذا يحتاج إلى دراسة، هل غُيِّب بفعل فاعل؟ هل هذا بناءً على ذلك النظام فينتج مثل هذه النتائج حتى لو لم يلتفت إليها بعد؟
[الشيخ]: قد يكون، ولكن القضية هي أننا عندما نضع عيوننا على الشباب وضعًا معينًا واهتمامًا بليغًا حتى نمكنهم، حتى نبني الجيل الثاني والثالث والرابع، فإن الذي أنظر إليه في مستقبل مصر هو هذا الهيكل، وهو أنه يجب علينا أن ننظر إلى المستقبل، أن تكون هذه النظرة بالأمل الفسيح، نعم، أن نستفيد من تجارب الماضي، أن نمكن الشباب.
نعم، وتمكين الشباب هذا أمر أراه حتى الآن لا يظهر بالقدر الكافي، بل ولا يُتحدث عنه بالقدر الكافي، وهذا خطر داهم؛ فإن شباب الأمة في شبابها. صحيح.
اعتماد النبي على الشباب في القيادة ودور الشباب في الثورة
[الشيخ]: وهكذا علمنا رسول الله عليه الصلاة والسلام، اعتمد ووضع علي بن أبي طالب وكان شابًا، أنس بن مالك وكان شابًا، أسامة بن زيد وكان شابًا وجعله قائدًا لجيوش، عتاب بن أسيد وكان شابًا.
يعني إذا تحدثنا عن شباب المسلمين، وقال لهم:
«جئتكم فكذبني شيوخكم وصدقني شبابكم»
وهذا الشباب، وثورتنا فجّرها الشباب حتى واشترك فيها كل [فئات المجتمع]. يعني فيه نوع من أنواع الجِدّة، واجد شيئًا في نوع من الأنواع، الفكر المنفتح الأقدر على فهم ما يحيط بنا، فيه طاقة تستطيع التأثير في أمور كثيرة جدًا.
كبير السن عندما تأتيه المقترحات يتجاهل منها ما لا يستطيع تنفيذه، وهذا أمر طبيعي، ولكن الشاب لأنه يستطيع لا يتجاهلها ويكون هو الأهم.
مسؤولية النهوض بالأمة ووضع خطط الطريق لمستقبل مصر
[الشيخ]: إذن قضية تمكين الشباب هذه وقضية إعادة الهيكلة لا بد منها، وهو أمر تعلمناه في ديننا، ولكن يجب علينا أن نعيده إلى واقع الحال.
[المذيع]: هذا يدفعنا لسؤال فضيلة الدكتور عمارة: على من تقع مسؤولية هذا الأمر؟ أي أن النهوض بالأمة ووضع خطط الطريق للمستقبل لتعود مصر إلى مكانتها فضيلة الدكتور، هل هي مسؤولية الدولة؟ المؤسسات؟ رجال الدين؟ المثقفين؟ الشعب؟ كيف ترى هذا الأمر؟
[الشيخ محمد عمارة]: انظر، يعني أنا أشعر أنه في المناخ الذي نعيش فيه، كل الحديث عن الإصلاح والتغيير والمستقبل يقف عند الجوانب السياسية. نتحدث في الأحزاب، في البرامج، في الدستور، الانتخابات، في كل هذه الأمور.
منهج الإمام محمد عبده في إصلاح الأمة قبل الدولة والتربية قبل السياسة
[الشيخ محمد عمارة]: أنا درست دراسة موسعة والحمد لله الحركة الإسلامية الإصلاحية التي تبلورت في القرن التاسع عشر، وخاصة حول الإمام محمد عبده، فتعلمت من منهج الإصلاح في هذه المدرسة، دراسة الإحياء والتجديد، ضرورة البدء بالأمة قبل الدولة، وبالتربية قبل السياسة.
أنا لا أرى فيما يُطرح في الصحف والمجلات والإذاعات والتلفزيونات حديثًا عن ضرورة إصلاح الأمة ومؤسسات الأمة والاهتمام بالتربية. يعني مثلًا الإمام محمد عبده كان يركز على المؤسسات التي تصنع العقل المسلم: الأوقاف، المساجد، والمدارس، والقضاء، التعليم، والقضاء، التعليم، الأزهر. وهي المؤسسات التي تصنع العقل المسلم، العقل.
دار الأرقم بن أبي الأرقم المؤسسة الأولى لصناعة الإنسان
[الشيخ محمد عمارة]: انظر أنت إلى المرحلة المكية، ونحن نريد منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم في صناعة الإنسان. أنا دائمًا أقول إن دار الأرقم بن أبي الأرقم كانت المؤسسة الأولى للصناعة الثقيلة، صناعة الإنسان.
الدولة تأتي ثمرة للأمة، يعني أنك إذا ركزت على إصلاح الأمة والمؤسسات التي تجمع الأمة وتصنع العقل المسلم، تأتي السياسة والدولة، أو الدولة ثمرة.
نحن أهل السنة والجماعة الذين يمثلون تسعين في المائة من الأمة، عندهم السياسة من الفروع. نحن جميعًا الآن نعمل في الفروع وليس هناك أحد يتحدث في الأصول. أعني أنني أريد أن نعدل البوصلة هذه، في أن لدينا حديثًا عن إصلاح الأمة تربويًا.
الفرق بين مصطلح التغيير والإصلاح في المنهج القرآني والإسلامي
[الشيخ محمد عمارة]: نحن لدينا تعليم بدون تعليم [حقيقي]. نحن نقول أمريكا لما تأخر التعليم قالوا: خطر، الأمة في خطر! فأين الحديث عن التعليم؟ هذا أنا أرى المدارس الأجنبية في مصر كلها مدارس غربية.
نحن أمام مصطلحات: مصطلح التغيير ومصطلح الإصلاح. والتغيير مصطلح قرآني لما هو سيء وسلبي:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]
لكن الإصلاح إيجابي:
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَـٰحَ﴾ [هود: 88]
رسالة كل الأنبياء والمرسلين هي الإصلاح، يعني الإيجاب والأمور الخيّرة. نحن نريد أن نغير، يعني نزيل السلبي، ونأتي بالإصلاح الذي هو الأشياء الإيجابية.
الإصلاح في المنهج الإسلامي تغيير جذري شامل لا ترقيع سطحي
[الشيخ محمد عمارة]: وأنا أريد أن أقول أنه حتى منهجنا القرآني والإسلامي يختلف في هذه النظرة عن المنهج الغربي. فالغربيون يرون أن مصطلح الإصلاح هذا ترقيع وأمور سطحية، بينما نحن نرى أن الإصلاح هو تصحيح بشكل هادئ وبشكل متدرج.
ونحن لا نريد عجلة ولا نريد القفزات غير المحسوبة، وإنما الإصلاح هو تغيير جذري شامل لكل ميادين الحياة، لكن ليس بالأسلوب المفاجئ ولا بالأسلوب التحريضي والأسلوب غير المضمون والفتن وما إلى ذلك.
إذن أنا أقول نحن نريد أن يكون لدينا كما تفضلتم خارطة الطريق التي لا تُغفل الأمة.
ضرورة إصلاح الأمة ودور المسجد والإعلام والمؤسسات التربوية
[الشيخ محمد عمارة]: أنا أحيانًا أتحدث بصراحة أمام السادة المشاهدين. نحن نقول عن البلطجية في حديث حولها إن هناك نصف مليون بلطجي كانوا في خدمة الداخلية وفي خدمة النظام. أريد أن أقول إن هناك جمهورًا واسعًا يتصرف بغرائزه كأنه بلطجي، للأسف الشديد.
أنا أؤمن بالإصلاح للأمة، وهنا دور المسجد، وهنا دور الإعلام، وهنا دور الصحافة، وهنا دور الثقافة، وهنا دور المؤسسات التربوية.
وذلك لا بد من الاهتمام بآليات وأدوات ومؤسسات إصلاح الأمة؛ لأن هذا هو الذي يؤسس القاعدة التي تُثمر السياسة والدولة.
المرحلة المكية وصناعة الجيل القرآني الفريد وخارطة الطريق
[الشيخ محمد عمارة]: وإذا نظرنا إلى المرحلة المكية، ثلاثة عشر عامًا صناعة الإنسان، عندما تربّى الجيل القرآني الفريد وعددهم قليل، جاءت الدولة وجاءت الفتوحات وجاءت الجيوش وجاءت المؤسسات وجاءت العقوبات وجاءت كل هذه الأمور التي هي السياسة والدولة.
وأيضًا أنا أقول في خارطة الطريق رقم واحد: حرية. نحن نريد الحرية التي تفجر طاقات وملكات الإنسان؛ لأن الإنسان في المجتمع المستعبد إنسان سلبي، يقول لك: هل هذه بلدنا؟ يتواكل، يهرب من المسؤولية، يفقد الانتماء بالتأكيد.
مفهوم الحرية في الإسلام وضوابطها بخلاف الفوضوية الغربية
[الشيخ محمد عمارة]: انظر إلى بني إسرائيل الذين تربوا في عبودية فرعون، عصوا سيدنا موسى، وبعد زوال هذا الجيل تغير الوضع بالنسبة لهم.
[المذيع]: يعني أنا أريد أقول فقط إن الحرية التي نعيشها الآن يا فضيلة الدكتور، الحرية التي يصنع الناس بها كل ما هو مخالف الآن في الشارع؟
[الشيخ محمد عمارة]: لا، نحن هنا مفهوم الحرية عندنا في الإسلام غير الفوضوية وغير العدمية وغير اللاأدرية والأمور التي جاءت لنا في الحداثة وما بعد الحداثة.
نحن عندنا حتى حقوق الإنسان هذه حرية، نعم، حقوق الإنسان محكومة بحقوق الله سبحانه وتعالى. أي دستور في العالم فيه الباب الأول الذي هو الآداب العامة، هذه التي تحكم الإنسان. وأنا آتي أمارس الجنس على قارعة الطريق وأقول أنا حر! نعم هو حر. الولد يضرب أباه بالقلم ويقول أنا حر! لا، هنا الحرية لها ضوابط.
الحرية في الإسلام معرفة الحقوق والوقوف عند الحدود لا الحرية البهيمية
[الشيخ محمد عمارة]: ولذلك عبد الله النديم وهو تلميذ محمد عبده وأحد المجددين والمجتهدين، يتحدث عن الحرية بمعناها الغربي بأن الإنسان يفعل ما يريد كفرد، يقول إن هذه حرية بهيمية.
الحرية هي معرفة الحقوق والوقوف عند الحدود. لكن بالطبع عندما نقول الحرية فمعنى ذلك أننا لا نريد إقصاءً لأحد، لا نريد حجب الحرية عن أحد، لا نريد تكفيرًا لأحد.
إنما نريد التيار الجارف العظيم الكبير، تيار الإسلام؛ لأن الإسلام هو هوية الأمة، والعروبة هي هوية الأمة. هذا هو التيار الرئيسي، إلى جانبه لا نحجر على فكرة. نريد لكل الأزهار أن تتفتح في مصر، وكل واحد يأخذ حجمه، وكل واحد يحتكم إلى صندوق الاقتراع.
الحرية مناخ تفجير الملكات والطاقات والحاجة إلى التجديد والإبداع
[الشيخ محمد عمارة]: إنما أن واحدًا يمحو الآخر ويصادر الآخر، لا نريد هذا؛ لأنني أريد أن أقول إن الحرية هي المناخ الذي يفجر الملكات والطاقات.
فالإنسان الذي هو جرم صغير فيه انطوى العالم الأكبر، عندما تكون هناك حرية وهناك إتاحة فرصة أمام أن يفكر ويبدع. هل نحن محتاجون إلى تجديد؟ إلى اجتهاد؟ إلى إبداع في الحياة؟ كل هذا لا يتوفر إلا إذا وفرنا الحرية بهذا المفهوم الإسلامي الذي يعطي كل ذي حق حقه.
إصلاح التعليم أساس بناء الإنسان والأمة وأولوية الإنسان قبل البنيان
[المذيع]: ما رأي فضيلة المفتي فيما طرحه الأستاذ الدكتور محمد عمارة والاهتمام بالأمة حتى ننهض بالدولة؟ فضيلة الدكتور، لقد كان لكم دائمًا رأي تؤكدون عليه وهو أن إصلاح حال التعليم يدفع بالأمة إلى ما تطمح إليه.
[الشيخ]: بدون شك، هو هذا الكامن في الإنسان. وكما قالوا: الإنسان قبل البنيان. فبناء الإنسان لا بد أن يتقدم على بناء البنيان. البنيان مهم ولكن الإنسان أهم.
وطبقًا لهذه النظرة أن الإنسان قبل البنيان، تأتي عدة قواعد. الإنسان ما الذي يميزه عن البهيمة؟ الذي يميزه عن البهيمة هو العلم. نعم، فالعلم هذا هو خاصية الإنسان. ولذلك لما عرّفوا الإنسان بأنه حيوان ناطق، وناطق عندهم أي مفكر، فلا بد فيه من العلم.
العلم خاصية الإنسان وغايته معرفة الله وعمارة الأرض
[الشيخ]: وهذا الذي نراه في القرآن وفي السنة في ملامح ذلك العلم:
﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: 114]
يعني العلم لا يعرف الكلمة الأخيرة.
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]
يعني العلم يدعو إلى التواضع وإلى مسألة نفسية في بناء شخصية الإنسان، من ناحية بناء عقليته وبناء نفسيته. فبناء شخصيته مبني على العقلية والنفسية.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]
﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]
وجعل للعلم غاية وهي معرفة الله؛ لأن هذا الكون له غاية وعمارته واجب شرعي:
﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]
﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]
يعني طلب منكم عمارتها إلى آخر ما هنالك. فالرؤية الكلية هي بناء الإنسان الذي يبدأ بقضية العلم.
تجربة كوريا في إصلاح التعليم والخطة السباعية لتغيير التعليم جذريًا
[الشيخ]: تمامًا عندما أرادت مثلًا تجربة مثل تجربة كوريا، ففي تجربة كوريا لما قامت ثورتها وتغييرها بدؤوا بالتعليم. إن التعليم هو أهم جانب من جوانب بناء الإنسان، ووضعوا خطة.
هذه الخطة كانت خطة سباعية لتغيير التعليم جذريًا. التعليم له خمسة أركان: الأستاذ، والطالب، والمنهج، والكتاب، والجو العلمي المحيط من مدرسة ومن أدوات ومن امتحانات وما إلى ذلك، نظام التعليم.
قالوا إن كل ذلك يحتاج إلى ثورة، وبدؤوا في تلك الثورة. فماذا نفعل إذا كان المدرس دون المستوى؟ فماذا نفعل إذا كان المنهج دون المستوى؟ والكتاب دون المستوى؟ وليست هناك إمكانيات للجو العلمي حتى يتم على الوجه المرضي؟
فحلوا هذه المشكلة ووضعوا خطة للتعليم سباعية سبع سنوات، ولما جاؤوا يطبقون الخطة السباعية استغرقت معهم إحدى عشرة سنة، ولا شيء في ذلك، ولكنهم نقلوا البلاد والعباد نقلة نوعية، نقلة نوعية إلى النقيض، من النقيض إلى النقيض.
ضعف الإنفاق على التعليم في مصر مقارنة بإسرائيل وجامعات أخرى
[الشيخ]: التعليم في بلادنا يأخذ من الموازنة الشيء القليل. عندما نأتي للطالب في الأزهر نجد الجامعة مثلًا، نحن لدينا نصف مليون طالب نصيبه ألف ونصف في السنة.
نصيب طالب جامعة عين شمس ستة آلاف جنيه، جامعة جنوب الوادي ثمانية آلاف جنيه، أي جامعة متعبة. في إسرائيل ثمانون ألف جنيه ما يُنفق في العام على الطالب، على الطالب الواحد.
أنا أطرح هذه الأرقام لأن الإحصاء عادة لا يكذب إلا إذا تُلوعب به. فثمانون ألف جنيه معناها ماذا؟ معناها عشرة أضعاف على الأقل، على الأقل من الموازنة [المصرية].
الزخم الإعلامي حول السياسة فقط وإهمال إصلاح الأمة وبناء الإنسان بالتعليم
[الشيخ]: عندما تأتي الآن وتطرح قضية الزخم الإعلامي الموجود حول الفروع، حول السياسة فقط، وليس حول إصلاح الأمة التي تبدأ بالإنسان، والبدء بالإنسان يبدأ بالتعليم.
وتطرح مثلًا شيئًا ما كأن نقول مثلًا: هيا بنا نجعل ثمانين في المائة من الموازنة للتعليم، يثور أمامك الثائرون ويضحك الضاحكون ويسخر الساخرون! هذا عجيب غريب.
هذا لو عرف أن هذا التعليم هو الأساس، وأنه لا بد من الأساس أن يكون متينًا، وأن هذا التعليم يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا» أي علم يعني، «سهّل الله له طريقًا إلى الجنة»
يعني آخر هذا الطريق هو الجنة.
تخصيص الموازنة للتعليم وإسكات المطالب الفئوية من أجل بناء الأجيال
[الشيخ]: حتى ابتداءً من تخصيص ثمانين في المائة [للتعليم] يقول لك: لا، هذا خيال. الثمانون في المائة معناها أن تُسكت كل المطالب الفئوية؛ لأنني أريد أن أعلّم أولادي، أريد أن أخرج من هذه الأكذوبة.
كفانا، وهيا بنا ننطلق، ولا يمكن أن ننطلق إلا بالتعليم.
المدرس في تشيلي وضعوا له قانونًا وجعلوه أعلى من القاضي ومن القائد العسكري، يا للعجب! ومن غيره. فعادت ثقته بنفسه. لم يعطوه أموالًا كثيرة، ولكن أصبح محترمًا، أصبح لديه حصانة، أصبح يمشي وهو يشعر أن لديه حصانة، أنه لا يُهان من الطلاب ومن أولياء الأمور ومن الشارع.
إعادة مكانة العلم والمعلم بالموازنة والقانون والثقافة والقرار السياسي
[الشيخ]: وكم تحدثنا عن علاقتنا مع أساتذتنا، إذا رأيناه يسير اختبأنا! يا سلام، مهابة من المعلم، حبًا واحترامًا وكذا إلى آخره، وفي النهاية إجلالًا للعلم.
لا بد للعلم أن يعود مرة أخرى:
- •مرة في الموازنة والاقتصاد
- •ومرة بالقانون
- •ومرة بالثقافة العامة والإعلام
- •ومرة بالتكوين العقلي
- •ومرة بالقرار السياسي الذي يجعل مرتكزه التعليم
إذا ما تمادينا في بناء الإنسان سندخل في مجال الصحة، إذا ما تمادينا في مجال الإنسان سندخل في مجال تكوين العقل والثقافة السائدة؛ لأن هذا له تأثير في الخدمة العامة.
بناء الإنسان أساس بناء البنيان والعالم سيمد يده لمن يبني إنسانه
[الشيخ]: صحيح، عدم وجود عوائق، الكل متفق على نهضة البلد وعلى بناء الإنسان. حينئذ أنا أؤكد لك أن بناء البنيان سيكون في منتهى السهولة، وسيمد إلينا العالم كله يمد يده من أجل هذا البناء الذي يعني أنه عبارة عن دراهم معدودة.
لكن الأساس هو الإنسان. نحن نريد إبداعًا ونريد استفادة من تراثنا ونريد مستقبلًا فسيحًا وعملًا صحيحًا.
[المذيع]: والإنسان قبل البنيان كما أوضح فضيلة المفتي، والحديث يتواصل عن مستقبل مصر وكيف يكون هذا البناء، على من المسؤولية؟ بعد هذا الفاصل، تابعونا.
الجدل والتخوين والإقصاء في مصر والفرق بين الخلاف والاختلاف
[المذيع]: مشاهدينا الكرام، هذا الأمر يقلق الجميع، وهذا هو تكملة سؤالي للأستاذ الدكتور محمد عمارة، أنه في الشهور الأخيرة شهدت مصر في الحقيقة جدلًا كبيرًا واشتباكًا وتخوينًا وإقصاءً، وفضيلتكم حذرتم من هذا الأمر. فكيف يمكن لهذا الخلاف أن يؤثر على مستقبل مصر ونهضتها، يعني إذا استمر بهذا الشكل العنيف؟
[الشيخ محمد عمارة]: هناك فرق بين الخلاف والاختلاف. نعم، يعني الاختلاف سنة من سنن الله سبحانه وتعالى؛ لأنني دائمًا أقول لو كنا على رأي واحد لاكتفينا بواحد وانتهى، وكل واحد يدخل إلى بيته وينتهي الموضوع.
ولذلك يعني حتى علماؤنا، وهذه قضايا مُسلّم بها في تراثنا الإسلامي: اجتهاد المجتهد غير ملزم للمجتهد الآخر. تعدد، تنوع، اختلاف. إنك عملت كتابًا عن الإسلام والتعددية.
الأرض المشتركة وثوابت الأمة ومساحة الاختلاف المشروع
[الشيخ محمد عمارة]: التنوع والاختلاف في إطار الوحدة، فيه أرض مشتركة لا يجوز الخلاف حولها: مساحة ثوابت الأمة، هوية الأمة، مصلحة الأمة. هذه أرض مشتركة تمامًا مثل أصول الدين.
المسلمون لم يختلفوا في العقائد، وإنما اختلفوا في السياسات وفي الفروع والفقهيات. إذن لا بد من رسم خريطة الطريق للمساحة التي هي أرض مشتركة، والمساحة التي فيها الاختلاف والتنوع والتميز والآراء التي يلقح بعضها بعضًا.
أما التناقضات، فإن نحن نجعل بأسنا بيننا شديدًا، فهذا سيؤدي بنا إلى أن نكون رحماء على أعدائنا؛ لأن الصورة القرآنية:
﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]
خطورة تحويل الاختلاف إلى إقصاء وتكفير وضرورة فقه العقل المسلم
[الشيخ محمد عمارة]: هناك أناس يجعلون التناقضات الثانوية تناقضات عدائية، يجعلون الاختلاف حول التفاصيل والجزئيات يعني هذا إقصاء وهذا تكفير وإلى آخره.
إذن لا بد من أن العقل المسلم يفقه هذه الأمور. وأنا أقول إن العقل السياسي، مثل موضوع التعليم الذي أشار إليه فضيلة المفتي، وأشار إلى موضوع الإدارة.
فنحن كان لدينا في مدرسة الألسن التي أنشأها رفاعة الطهطاوي في ثلاثينيات القرن التاسع عشر تُدرَّس الإدارة. فأين الإدارة التي يدرسها التعليم عندنا؟ نحن لدينا تخريب حدث للتعليم.
تخريب التعليم وفساد الجامعات والشورى الحقيقية لمواجهة التناقضات
[الشيخ محمد عمارة]: كانت الدولة المصرية والدبلوماسية المصرية تتخرج من كلية الحقوق، ثم انتقلت إلى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية. الآن الجامعة الأمريكية هي التي تخرّج الدبلوماسيين؛ لأن الجامعات قد فسدت.
لقد أشرت إلى موضوع الحرية. أقول إن الشورى الحقيقية وتعميم الشورى في مؤسسات الأمة هو الذي يقضي على التناقضات والخلافات التي تفجر المعارك الوهمية بين الناس وتجعلنا شراذم وممزقين.
أعني خذ على سبيل المثال، الشورى قد غابت، ليس فقط عن الدولة التي غابت عن الأمة؛ لأن الأمة ليست عبارة عن أحزاب سياسية فقط.
تدمير النقابات المهنية وغياب مؤسسات الأمة وأهمية بناء المجتمع المدني
[الشيخ محمد عمارة]: أعني أنني أريد أن أقول إننا كان لدينا أحزاب سياسية كرتونية وهي عبارة عن لافتات، ولكن دُمرت النقابات المهنية والعمالية التي تمثل العمود الفقري للأمة.
ولذلك أشير الآن إلى أن جميع الناس يتحدثون في السياسة ويتحدثون في الأحزاب، لا أحد يتحدث في بناء النقابات وبناء الروابط والاتحادات ومنظمات المجتمع المدني التي أشار إليها فضيلة المفتي.
أعني أنني أريد أن أقول إن الشورى، شورى الأمة، هذه الأمة عاشت بالمؤسسات. الدولة الإسلامية الأولى بُنيت على مؤسسة المهاجرين الأولين الذين هم الأمراء، مؤسسة النقباء الذين هم اثنا عشر، الوزراء، مجلس السبعين.
الأوقاف المؤسسة الأهلية الأم والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام
[الشيخ محمد عمارة]: غابت المؤسسات عن الدولة، كانت الدولة حجمها محدود، ظلت المؤسسات في الأمة. والأوقاف كما أشار فضيلة المفتي كانت هي المؤسسة الأهلية الأم التي تمول مؤسسات الأمة وصناعة الحضارة.
هذه الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين، ليس العلم وحدهم وليس الدين وحدهم، ليس الخبراء فقط أو المشايخ فقط، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، وهذا مما لا خلاف فيه.
نحن نريد الشورى تبعث روح الحرية والحوار البناء في كل مؤسسات الأمة، وما هذا الذي يجعلنا روحانيين فيما بيننا ويمنع هذه التناقضات الوهمية.
خطورة التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني وتنفيذ أجندات الآخر
[الشيخ محمد عمارة]: أشرت إلى موضوع التخوين وموضوع الإقصاء والتكفير. أنا أريد أن أقول إن كل متمسك برأيه إلى حد التعصب، نعم. أعني أريد أن أقول إن لدينا منظمات مجتمع مدني ويدور جدل كثير حول هذه المنظمات من قبل الثورة، والأمريكيون يمولون.
أنا أحدثكم، يعني حسنًا، أنا مرة دعوني في منظمة من منظمات التي يسمونها المجتمع المدني التي تعقد مؤتمرات وأجندات وغيرها. قالوا لي إن لدينا مؤتمرًا وفيه أشخاص إسلاميون وأشخاص علمانيون ونخشى أن يتضاربوا ويتشابكوا، فنحن نريد رئيس جلسة أي يحكم المسألة.
فذهبت إلى المؤتمر فوجدت يافطة قماش على المنصة: "مَوَّل هذا المؤتمر السفارة الفلانية". هل هذا يصح؟ الناس الذين ليس لهم جذور في الشعب تُمَوَّل أنشطتها، يتحول التمويل الأجنبي إلى ارتزاق يصنعه، ينفذ أجندة الآخر.
فضح قضايا الأمة الحقيقية وتجاهل المرأة البوسنية والفلسطينية والعراقية
[الشيخ محمد عمارة]: أنا أريد أن أقول لك شيئًا، نحن قد فضحونا وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها بسبب ختان الإناث، وهذه قضية ليس لها علاقة بالشريعة الإسلامية، هذا من أيام الفراعنة.
في الوقت الذي كانت فيه ستون ألف امرأة بوسنية في معسكرات صربية منظمة تم اغتصابهن بشكل منظم، ليس هناك كلمة قيلت لأجلهم. المرأة الفلسطينية في الانتفاضة وغيرها لم يتكلم أحد عنها. المرأة العراقية، الأيتام، الأرامل، المهاجرون، كل هذا لا أحد يريد أن يتحدث عنها.
هذه قضايا الأمة. لماذا؟ لأن الذي يمول... كان قديمًا من أيام الحروب الصليبية يقول لك: الذي يأكل خبز الأجنبي يضرب بسيفه. فالذي يمولك هو الذي يحدد جدول الأعمال.
ضرورة الولاء الكامل للوطن ومواجهة الامتدادات السرطانية من الخارج
[الشيخ محمد عمارة]: لذلك أنا أريد أن أقول إن هذه التناقضات، هذه الأشياء التي مطلوب ضبطها. نحن أمة مطلوب أن يكون كامل الولاء وكامل الانتماء لهذا الوطن ولهذه الأمة ولهذه الهوية.
إنما الناس الذين يصطنعون أجندات خارجية، لا نريد لبلدنا أن تُخترق. وهذا الامتداد، هذه الامتدادات السرطانية من الخارج إلى داخل بلدنا، نحن نرى تأثيرات هذه الأمور.
نرى إسرائيل أنها تتكلم أنها تعمل في الفتنة الطائفية منذ سنة كذا، وأنها تفعل كذا وكذا. ترون كنيسة فصلت جنوب السودان، ترون كنيسة فصلت تيمور الشرقية. ألا نعتبر بهذه الأمور ونلتف حول هوية الأمة وحول ثوابت الأمة لكي نحجم هذه الامتدادات السرطانية التي تأتينا من الخارج؟
ولكي يبقى الذي بيننا خلاف اختلاف مشروع ومقبول عن تنوع في الاجتهادات، وليس التناقضات العدائية التي تفجر الوضع الداخلي في بلادنا.
خطورة الاشتباك في الماضي وتشبيه ركوب القطار الخطأ بالابتعاد عن المستقبل
[الشيخ]: خطورة الارتكان إلى الماضي والاشتباك الذي يحاول أن يعطل القفز نحو المستقبل وبناء الإنسان الذي تفضلتم بالحديث عنه فضيلتكم، يبعده كثيرًا.
تخيلوا بمنتهى البساطة أن رجلًا ذهب إلى محطة مصر من أجل أن يذهب إلى الإسكندرية، فركب الصعيد وظن أنه يعني يبحث عن الإسكندرية، فلم يفعل هذا حتى وصل إلى أسوان.
القضية هنا أنه عندما كان في القاهرة كان على بعد مائتي كيلومتر من الإسكندرية، ولكن عندما ذهب إلى أسوان أصبح على بعد أكثر من ألف كيلومتر أو ما يقارب ثمانمائة إلى تسعمائة كيلومتر من الإسكندرية.
فهذا هو الذي سيحدث إذا اهتممنا بالسياسة دون بناء الأمة، إذا اهتممنا بالاختلاف وحولناه إلى خلاف وإلى عصبية وإلى كذا إلى آخره، دون الأمل الفسيح والعمل الصحيح، فإننا قد ركبنا وأخذنا القطار الخطأ، وهذا سيطول علينا المسافة.
التحذير من ركوب القطار المعكوس وضرورة تقديم مصالح الأمة العليا
[الشيخ]: نحن لسنا في الإسكندرية، بل نحن في القاهرة ونريد أن نذهب إلى الإسكندرية لهدف. فإذا فعلنا ذلك ببساطة، كلما ركبنا هذا القطار المعكوس، وإن كان الاثنان في محطة مصر أمام بعضهما البعض هكذا يعني، ولكن هذا متجه شمالًا وذاك متجه جنوبًا. خطأ بسيط لكنه خطأ فادح.
خاصة أنه يتعلق بوقت حساس؛ لأن هذا الوقت الفارق هو علامة فارقة في تاريخ مصر، ومصر تستحق منا ذلك.
نعم، عدم اختزال مصر في رأي أو حزب أو شخص أو ما إلى ذلك. وكما يقول الدكتور عمارة في كلامه البليغ الأديب: نحن نريد لكل الأزاهير والأزهار أن تتفتح.
تحذير من جفاف الأزاهير وضرورة تقديم مصالح الأمة على المصالح الشخصية
[الشيخ]: هكذا أظن أن كل الأزاهير والأزهار سوف تصاب بالجفاف وستكون جثثًا هامدة. وبلدنا عزيز علينا جدًا، وهويتنا عزيزة علينا، ونحن معنا كنوز كل هذه المفاهيم التي ذُكرت معنا الآن.
إذا لم تكن هي برنامج الحديث والعمل فأظن أننا سوف نركب القطار الخطأ وستتسع الفجوة.
فليتق الله فينا وفي نفسه كل من أراد اختزال هذا البلد بمصلحة شخصية أو بضيق أفق مع جهل عميق وعدم الرؤية الواضحة للحال والمآل. وهذا خطر عظيم.
أدب الاختلاف في الإسلام وضرورة البحث عن المشترك والاستماع للآخر
[المذيع]: يا فضيلة مفتي الديار المصرية، ليس التعصب فقط والتخوين والإقصاء لرأي، ولكن الإصرار على الرأي، كل متمسك برأيه لا يريد أن يلتقي في نقاط اتفاق كما تفضل الدكتور عمارة. هل هذا من الإسلام يعني؟ وما يؤدي وما يمكن أن يؤدي إليه هذا الاختلاف الذي تفضلت عنه حضرتك؟
[الشيخ]: نحن لدينا شيء اسمه أدب الاختلاف. نعم، وأدب الاختلاف يفترض أمورًا:
-
أولًا: أن هناك مشتركًا بيني وبينك.
-
ثانيًا: أن هناك هدفًا أعلى.
-
ثالثًا: أن هناك قواعد للحوار والاستماع للآخر.
درّبنا أنفسنا كثيرًا على ألا نستمع للآخر. نعم، الحقيقة درّبنا أنفسنا كثيرًا على ألا نستمع للآخر، ثم فقدنا الهدف ففقدنا البوصلة، ثم تغاضينا أو تغافلنا عن المشترك.
فقدان المشترك يؤدي إلى الحرب وضرورة تعلم أدب الحوار وتحديد الأهداف
[الشيخ]: وكان المرحوم الدكتور المسيري يقول: إذا فُقد المشترك تحركت الطائرات. يعني إذا لم يكن هناك مشترك بيني وبين أي دولة ستضربني بالطيران وسأضربها بالطيران. يعني أن حالة السلم قد ذهبت، وهي الحالة التي بها تنمية الإنسان، وسندخل في حرب نهايتها الدم.
لكن القضية هي أنه يجب نبحث عن المشترك، يجب علينا أن نتعلم أدب الحوار، يجب علينا أن نحدد الأهداف وأن تكون هذه الأهداف عالية لا تُختزل في أهداف الأشخاص.
قصة هارون وموسى وتقديم وحدة الأمة على كل شيء
[الشيخ]: انظر إلى ما فعل سيدنا هارون مع سيدنا موسى. سيدنا موسى جعل هارون قائدًا حاكمًا ضابطًا على بني إسرائيل وذهب إلى خلوته مع ربه، فإذا ببني إسرائيل يخرج منها ولد يتخذ العِجل بحكمة [السامري].
هارون لا يفرق بين بني إسرائيل، يلومه موسى فيقول:
﴿خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى﴾ [طه: 94]
فتركه موسى واقتنع بهذه الحجة، وذهب إلى السامري حتى يحقق معه. أي كان الهدف الأسمى وهو وحدة الأمة مقدمًا على التوحيد الذي هو كل شيء في حياتنا.
الذي يعني أن هذا يجب أن نقف ونتأمل. صحيح أن كل هذا مكتوب في كتب أدب الاختلاف والاستدلال، هذا بهارون وموسى موجود في هذا.
﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ [يوسف: 111]
﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]
تقديم مصالح الأمة العليا وعدم ركوب قطار الخطأ بسبب التعصب
[الشيخ]: ولذلك يجب علينا أن نقدم مصالح الأمة العليا على مثل هذه الأمور. وأنا رأيي لم يتغير، هذا الرأي أو ذاك أو كذا إلى آخره، ولكن يجب علي تقديم مصالح الأمة، وإلا سأركب قطار الخطأ وتزداد الفجوة.
[المذيع]: الختام معك يا دكتور عمارة. ألا تعني الديمقراطية أن يخضع الفرد لرأي الأغلبية، أم أن تُملي الأقلية رأيها على رأي الأغلبية؟
[الشيخ محمد عمارة]: دكتور، لا، بالعكس، إن الأقلية أملت رأيها، إذن هذه قمة الديكتاتورية.
أعني أنني أقول إن الأمة ينبغي أن ننظر إليها كجسد واحد، وهذا الجسد فيه أعضاء، وهذه الأعضاء تتمايز في المخ وفي الإصبع الصغير.
الأمة كالجسد الواحد والشورى تفتح قنوات الحوار بين مكوناتها
[الشيخ محمد عمارة]: فإذا كان الجسد لا بد أن يتفاعل كالجسد الواحد:
قال النبي ﷺ: «إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»
لكن كل له قدر وله إسهام، له إسهام معين، يعني له عليه واجبات معينة وله حقوق معينة، دون إقصاء، دون عزل، دون قطع لهذه الروابط بين أعضاء الأمة.
لكن الشورى هي التي تفتح قنوات الحوار والتفاعل بين هذه المكونات للأمة، وتعصم الأمة من هذه الأحادية في الرأي وفي الفكر.
أنا أريد أن أقول إن هناك مجتمعات لا تعرف الآخر، نعم، يضيق صدرها بالآخر. لكن مجتمعًا مثل المجتمع المصري على مر تاريخه يعرف التنوع والتعدد والاختلاف.
نماذج من التنوع الفقهي في تراثنا الإسلامي ورحابة الصدر بين العلماء
[الشيخ محمد عمارة]: أنا قرأت ابن دقيق العيد أحد علمائنا الكبار، يفتي بمذهب ويقضي بمذهب ويدرّس بمذهب، يحتضن مدارس الفقه الإسلامي.
عندما تقرأ القرافي وهو إمام مالكي تعلّم على آخرين، تقرأ أن أبا حنيفة يتعلم على يد جعفر الصادق. يعني أنني أريد أن أقول، وهذه مهمة الثقافة، حين نشيع السمات المشرقة في تاريخنا حول التنوع والتعدد والاختلاف ورحابة الصدر.
ورأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب. انظر إلى الإمام الشافعي، له رأي في القنوت، لكن عندما يصلي في مسجد الإمام الأعظم [أبي حنيفة] يتبع رأي أبي حنيفة. فيُسأل، يقول: في حضرة أبي حنيفة يتأدب، فيعني يسير [على مذهبه]. وأبو حنيفة ميت! أجل، نعم.
خاتمة الحلقة وأهمية العلم والثقافة والإعلام في صنع مستقبل مصر
[الشيخ محمد عمارة]: يعني إذن أنا أريد أن أقول هنا إذن أهمية العلم والثقافة والإعلام أنها تشيع هذا الخير لكي تتعلم هذه الأجيال. هذا الذي نريده.
[المذيع]: مستقبل مصر والحالة الآنية تحتاج إلى أن نتحدث أكثر من حلقة. فضيلة الدكتور عمارة أشكر لفضيلتكم هذه المشاركة، شكرًا جزيلًا للأستاذ الدكتور محمد عمارة عضو هيئة كبار العلماء، وللعلامة مفتي الديار المصرية الأستاذ الدكتور علي جمعة، شكرًا جزيلًا لفضيلتكم.
إلى اللقاء بإذن الله على خير أن نلتقي مشاهدينا الكرام في حلقة أخرى من "كلمة حق". كنا هنا نقرع جرس إنذار ونوجه إلى كيفية صنع مستقبل مصر بأيدي أبنائها، وأن الأمر يحتاج إلى تضافر كل الجهود والبحث دائمًا عن كل المشتركات نتوافق عليها، ونبتعد ولو مؤقتًا عن مواطن الخلاف.
نراكم في حلقة قادمة من "كلمة حق"، ونترككم في أمان الله ورعايته، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما الذي وصف به العدو الصهيوني النظام المصري السابق مما اعتُبر عارًا على مصر؟
كنز استراتيجي للأمن الإسرائيلي
كم مرة ذُكرت مصر في القرآن الكريم وفق ما ورد في الحلقة؟
خمسًا وعشرين مرة
كم استغرق فتح مصر من السنوات مقارنة بفتح الشام والعراق والخليج وفارس؟
خمس سنوات
ما الكتاب الذي جعل الماوردي فيه الأمل الفسيح ركنًا من أركان الدولة الصحيحة؟
الأحكام السلطانية
كم كان عمر عتاب بن أسيد حين ولّاه النبي صلى الله عليه وسلم حكم مكة؟
واحد وعشرين عامًا قمريًا
ما المنهج الإصلاحي الذي أرساه الإمام محمد عبده في القرن التاسع عشر؟
الأمة قبل الدولة والتربية قبل السياسة
ما الأركان الخمسة للتعليم التي تحتاج إلى ثورة وفق تجربة كوريا؟
الأستاذ والطالب والمنهج والكتاب والجو العلمي المحيط
كم يُنفق على الطالب الواحد في إسرائيل سنويًا مقارنة بطالب الأزهر وفق الأرقام المذكورة؟
ثمانون ألف جنيه مقابل ألف وخمسمائة جنيه
ما تعريف الحرية الحقيقية كما صاغه عبد الله النديم تلميذ محمد عبده؟
معرفة الحقوق والوقوف عند الحدود
ما الفرق بين مصطلح التغيير والإصلاح في المنهج القرآني؟
التغيير لما هو سيء والإصلاح للأمور الإيجابية
ما الذي قاله هارون لموسى مبررًا عدم تفريقه بين بني إسرائيل حين عبدوا العجل؟
خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل
ما المؤسسة التي وصفها الدكتور محمد عمارة بأنها أولى مؤسسات الصناعة الثقيلة لصناعة الإنسان؟
دار الأرقم بن أبي الأرقم
ما الوصف الذي أطلقه المؤرخون الإسلاميون على مصر في كتب التاريخ؟
تُسمى مصر كنانة الله في أرضه، وتُفرد لها كتب التاريخ الإسلامي بابًا خاصًا لفضائلها.
ما الحديث النبوي الذي يصف أهل مصر وما مكانتهم؟
أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بأهل مصر وقال إنهم خير أجناد الأرض وهم في رباط إلى يوم القيامة.
ما الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم بأهل مكة بعد الفتح وكيف تعامل معهم؟
قال لهم: ماذا تظنون أني فاعل بكم؟ فقالوا: أخ كريم وابن أخ كريم. فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، وعفا عنهم جميعًا.
من كان أبو محذورة قبل إسلامه وما المهمة التي أُسندت إليه بعده؟
كان أبو محذورة يسخر من الأذان ويعارض الإسلام، ثم أحب النبي وتولى مهمة الأذان في الحرم المكي وهي من أعظم المهام.
ما الخطة التي وضعتها كوريا لإصلاح التعليم وكم استغرق تطبيقها فعليًا؟
وضعت كوريا خطة سباعية لتغيير التعليم جذريًا، لكن تطبيقها استغرق إحدى عشرة سنة، ونقلت البلاد نقلة نوعية من النقيض إلى النقيض.
ما القاعدة التي أرساها الإمام محمد عبده في منهج الإصلاح الإسلامي؟
البدء بالأمة قبل الدولة وبالتربية قبل السياسة، مع التركيز على المؤسسات التي تصنع العقل المسلم كالأوقاف والمساجد والتعليم.
ما المؤسسات التي كانت الأوقاف تموّلها في الدولة الإسلامية؟
الأوقاف كانت المؤسسة الأهلية الأم التي تمول مؤسسات الأمة وصناعة الحضارة حين كانت الدولة محدودة الحجم.
ما حكم من لا يستشير أهل العلم والدين في الشريعة الإسلامية؟
الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب وهذا مما لا خلاف فيه.
ما الثلاثة أمور التي يفترضها أدب الاختلاف في الإسلام؟
أولًا وجود مشترك بين المتحاورين، وثانيًا وجود هدف أعلى، وثالثًا قواعد للحوار والاستماع للآخر.
ما الذي قاله الدكتور المسيري عن نتيجة فقدان المشترك بين الأطراف؟
قال إذا فُقد المشترك تحركت الطائرات، أي أن حالة السلم تذهب وتُستبدل بحرب نهايتها الدم.
كيف تصرف الإمام الشافعي حين صلى في مسجد أبي حنيفة وما تعليله؟
اتبع الشافعي رأي أبي حنيفة في القنوت حين صلى في مسجده، وقال إنه في حضرة أبي حنيفة يتأدب ويسير على مذهبه.
ما الذي حدث للمساجد المصرية لأول مرة في تاريخها منذ أربعة عشر قرنًا؟
أُغلقت مساجد مصر عقب الصلاة لأول مرة في تاريخها منذ أربعة عشر قرنًا، وأصبح المنبر مؤممًا وخاضعًا لأمن الدولة.
ما الآية القرآنية التي تُميّز بين العالم وغير العالم وتُثبت فضل العلم؟
قوله تعالى: قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وقوله: إنما يخشى الله من عباده العلماء.
ما الذي فعلته تشيلي لإعادة مكانة المعلم دون منحه أموالًا كثيرة؟
وضعت تشيلي قانونًا جعل المعلم أعلى من القاضي والقائد العسكري، فأصبح محترمًا ذا حصانة لا يُهان من الطلاب وأولياء الأمور.
ما الشباب الذين اعتمد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم في القيادة وفق ما ذُكر في الحلقة؟
اعتمد النبي على علي بن أبي طالب وأنس بن مالك وأسامة بن زيد وعتاب بن أسيد، وكلهم كانوا شبابًا في مواقع قيادية عليا.
