مسند الحارث بن خزمة | مسانيد الإمام أحمد بن حنبل | برنامج مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة - مسند الإمام أحمد

مسند الحارث بن خزمة | مسانيد الإمام أحمد بن حنبل | برنامج مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة

13 دقيقة
  • يروي مسند الإمام أحمد حديثاً عن الحارث بن خزمة الذي أتى بآخر آيتين من سورة براءة "لقد جاءكم رسول من أنفسكم" و"فإن تولوا فقل حسبي الله" أثناء جمع القرآن.
  • شهد خزيمة أن هاتين الآيتين من آخر سورة براءة، وكان يلزم شاهدان لإثبات ذلك.
  • استشهد أبو بكر بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من شهد له خزيمة فهو حسبه"، فقُبلت شهادته كشهادة رجلين.
  • اكتسب خزيمة هذه المكانة عندما شهد للنبي في قصة شراء جمل من أعرابي، رغم عدم حضوره للبيع.
  • قال خزيمة للنبي: "نصدقك بالخبر ينزل عليك من السماء ولا نصدقك أنك اشتريت هذا البعير!".
  • هذه خاصية اختص الله بها خزيمة لحفظ القرآن، وليست دليلاً على أفضليته على الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي.
  • كذلك اختص الله بعض الصحابة بخصائص معينة كحذيفة أمين السر، ومعاذ أقضى الناس، وزيد أفرضهم.
محتويات الفيديو(18 أقسام)

افتتاح الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين.

العيش مع مسند الإمام أحمد وصحبة الصحابة الكرام في حفظ الدين

نعيش فيها هذه اللحظات في تلك الأيام المباركة مع مسند الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه، نعيش فيها من خلال ذلك المسند مع الصحابة الكرام الذين أكرمهم الله سبحانه وتعالى برؤية النبي المصطفى، وبالنقل عنه، وبتعليم الأمة من بعده، وبحفظ هذا الدين.

مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هديه وفي سنته وفي سيرته، في إرشاده وفي تعليمه، وقد تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

التعريف بالحارث بن خزمة ودوره في حفظ القرآن والسنة

اليوم ندرس مسندًا من مسانيد الإمام أحمد بن حنبل، وهو يتعلق بـالحارث بن خزمة. والحارث بن خزمة أحد الصحابة الكرام، لم يروِ إلا حديثًا واحدًا في مسند أحمد.

عاش حياته كلها، لكنه كان سببًا من أسباب حفظ القرآن والسنة. لم يتكلم كثيرًا في الرواية عن رسول الله، لكنه شهد شهادة الحق التي أيده الله سبحانه وتعالى بها. وفيها الحارث بن خزمة، احفظ هذا الاسم.

سند الحديث في مسند الإمام أحمد والتعريف بالعبادلة الخمسة

يقول الإمام أحمد: حدثنا علي بن بحر - شيخ الإمام أحمد، فالإمام أحمد لديه مشايخ كثيرون جدًا يصلون إلى المئات - حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير.

هنا نعلم أن عبادًا هذا هو ابن عبد الله بن الزبير. وعبد الله بن الزبير من العبادلة الخمسة:

  • عبد الله بن عباس
  • عبد الله بن عمرو
  • عبد الله بن عمر
  • عبد الله بن مسعود
  • عبد الله بن الزبير

الحارث بن خزمة يأتي بآخر آيتين من سورة التوبة عند جمع القرآن

قال [عباد بن عبد الله بن الزبير]: أتى الحارث بن خزمة بهاتين الآيتين من آخر سورة براءة. آخر آيتين في سورة براءة التي هي التوبة.

إذا فتحت سورة التوبة ونظرت إلى آخر آيتين فيها:

﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: 128]

في آخر سورة براءة، ستفتح وستجد الحديث هكذا. لكن "من أنفسكم" تعني [أن الآيتين لم يُذكر نصهما كاملًا في الرواية].

نص الآيتين الأخيرتين من سورة التوبة اللتين جاء بهما الحارث

الآيتان [اللتان جاء بهما الحارث بن خزمة] لم يذكر [الراوي] ما هما، [وهما]:

﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]

﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾ [التوبة: 129]

جمع زيد بن ثابت للقرآن في عهد أبي بكر ولجنة التحقق من الآيات

عندما جاء زيد بن ثابت ليكتب القرآن ويجمعه ويرتبه على ما كان عليه في عهد [النبي ﷺ]، وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم كل آية في مكانها الصحيح، وهكذا إلى آخره.

فلما حدث هذا في عهد أبي بكر [الصديق رضي الله عنه] فجُمع القرآن، فجاءت لجنة للمصحف حتى تتأكد [من صحة ما يُكتب]. وكان من أعمال هذه اللجنة أنه يشهد اثنان على ما يأتي به الصحابة [من الآيات].

الحارث بن خزمة يشهد بالآيتين وعمر يصدقه ويُطلب شاهد آخر

الحارث بن خزمة كان يعرف هاتين الآيتين؛ سمعهما [من] رسول الله وهو في الصلاة، سمعهما من رسول الله وهو في الدرس، سمعهما من رسول الله في مواقف عدة.

فأتى بالآيتين وقال: يا جماعة، هاتان الآيتان من القرآن. فصدقه عمر [بن الخطاب رضي الله عنه]، بل وشهد معه وقال: نعم.

فقال [زيد بن ثابت]: من معك على هذا؟ بعد عمر ما صدقوا [أي طلبوا شاهدًا آخر]. قال له: لكن هل يوجد أحد آخر أيضًا؟ أنا سمعته من رسول الله فعلًا.

لو كانت ثلاث آيات لصارت سورة مستقلة كسورة الكوثر

ولو كانت هذه ثلاث آيات لكانت ستصبح مثل سورة [مستقلة]، كسورة:

﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: 1]

وسورة:

﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ﴾ [النصر: 1]

وسورة:

﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]

نجعلها سورة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ بهما في الصلاة كثيرًا. فلو كانت ثلاث آيات لقلت إنها سورة، لكنهما آيتان فقط.

خزيمة بن ثابت يشهد بموضع الآيتين من آخر سورة براءة

فقام رجل يُدعى خزيمة [بن ثابت] - أي أن الذي جاء بالآيتين هو حارث بن خزمة - لكن قام خزيمة وقال: أنا أشهد أنهما من آخر سورة براءة، لقد سمعت النبي يذكرهما في آخر سورة براءة.

نعم، هذا معنى آخر؛ أي أنَّ هذه الآيات من القرآن، لكن أين مكانها؟ هذه شهادة ثانية. فخزيمة عندما جاء أقرَّ بأنهما آخر سورة براءة.

أبو بكر يشهد بأن شهادة خزيمة تعادل شهادة رجلين بحكم النبي

[قالوا:] نريد شاهدًا آخر على أنهما آخر سورة براءة. فقام أبو بكر [الصديق رضي الله عنه] وقال: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

«من شهد له خزيمة فهو حسبه»

شهادة خزيمة بشهادة رجلين. سيدنا رسول الله، ومن توفيق الله لحفظ المسلمين لكتاب ربهم كما أنزله وكما أراده سبحانه وتعالى.

قصة خزيمة بن ثابت مع النبي في شراء البعير من الأعرابي

ما قصة خزيمة هذا؟ كان النبي صلى الله عليه وسلم دخل المدينة مرة فوجد أعرابيًا ومعه جمل، فقال له: أتبيعه؟ فقال له: نعم، أبيعه. فباع واشترى وسلّم له الثمن.

وأصبح النبي يمشي والبعير وراءه، وخلف البعير الأعرابي الذي باعه، والبيع انعقد وانتهى الأمر. ولم يكن خزيمة حاضرًا لهذه الواقعة.

الأعرابي ينكر بيع البعير للنبي ويطالبه بالشهود

وبعد ذلك كل فترة كان الناس لا يعرفون أن النبي اشترى هذا البعير، فيقولون للرجل: أتبيعه؟ هل تبيعه؟ يا أعرابي، هذا الشيء الذي معك، هذا الجمل جميل، هل تبيعه؟

فبدأ الأعرابي وكأن الشيطان وسوس له، هو يقول له: نعم، أبيعه. فقال له: نعم، أنا أريد أن أبيعه.

فالتفت إليه النبي وقال له: ما الأمر يا رجل؟ أنت هذا؟ أنا اشتريته منك! قال له: أين الشهود؟ هل يوجد أحد كان شاهدًا بيني وبينك ونحن خارج المدينة حتى تقول هكذا وتقول إنني بعته لك؟ أين الشهود؟

خزيمة يشهد للنبي بشراء البعير مستدلاً بيقينه في صدق الرسول

فقال له [النبي ﷺ]: أنا ليس معي شهود. قال له [الأعرابي]: حسنًا، هذا الأمر لن يثبت إلا بشاهدين أو أحد يشهد.

فقام خزيمة [بن ثابت] وقال له: أنا أشهد معك يا رسول الله. قال له: تشهد على ماذا؟ قال له: أشهد أنك قد اشتريت من هذا الرجل هذا البعير. قال له: لماذا؟

قال له: لأنني متأكد، أنصدقك بالخبر ينزل عليك من السماء ولا نصدقك أنك اشتريت هذا البعير من هذا الإنسان!

إعجاب النبي بمنطق خزيمة وجعل شهادته تعادل شهادة رجلين

أعجب النبي بهذا المنطق، منطق اليقين، منطق أن الشهادة لا تكون إلا عن يقين، وأن خزيمة عنده يقين بأن رسول الله صادق، وبأن رسول الله فعلًا اشترى من هذا [الأعرابي].

فقال [النبي ﷺ]:

«من شهد له خزيمة فهو كافيه»

شهادة خزيمة تعادل شهادة رجلين.

دور خزيمة بن ثابت في حفظ القرآن وشهادته بموضع الآيتين

تمضي الأيام وتأتي الأيام ونجمع القرآن، ويأتي خزيمة وهو الذي يشهد مكان رجلين بأن هذه الآية في هذا الموضع من القرآن.

فإذن الحارث بن خزمة أتى بالآيتين بتوفيق الله حتى لا تضيع هاتان الآيتان، وخزيمة بن ثابت شهد على موضعهما. وإذ به يأخذ وسامًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأخذ وضعًا قانونيًا من المشرع صلى الله عليه وسلم بأن شهادته تكفي، وبأننا لسنا في حاجة إلى شهادة من سواه.

خاصية خزيمة لا تعني أفضليته على كبار الصحابة بل هي فضل من الله

قال العلماء: هذه خاصية اختص الله بها خزيمة لأجل هذه المواقف، هذا الموقف من أجل حفظ القرآن.

وهذه الخاصية لا تعني أنه أفضل الصحابة، فيكونون أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، أو المبشرين بالجنة، أو أهل بدر، لا يكون كذلك. بل إنه صاحب فضل من الله عليه بهذا الفضل، من الله عليه بهذه الخاصية.

كما أنه ﷺ جعل حذيفة بن اليمان أمينًا لسره، وجعل معاذ بن جبل أقضى الناس، وجعل زيد بن ثابت أفرض الناس، وهكذا.

خلاصة الحلقة في بيان حفظ الله لكتابه وسنة نبيه والختام

يتضح إذن أن هذه أحاديث تُبيِّن لنا بالتفصيل وبالدقة ما الذي حدث في حفظ الله لقرآنه كتابه، ولحفظ الله لسنة نبيه [صلى الله عليه وسلم].

إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.