مسند جعفر بن أبي طالب | مسانيد الإمام أحمد بن حنبل | برنامج مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة
- •جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه من أصحاب الهجرتين، هاجر من مكة إلى الحبشة ثم إلى المدينة.
- •استشهد في معركة مؤتة وكان قائداً لقوات المسلمين، وهو والد عبد الله بن جعفر الذي ولد أثناء الهجرة للحبشة.
- •أوصى النبي المسلمين بالهجرة إلى الحبشة لأن فيها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، فكان النجاشي خير جار للمسلمين.
- •أمِن المسلمون في الحبشة على دينهم وعبدوا الله دون أذى.
- •أرسلت قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة بهدايا للنجاشي وبطارقته ليستردوا المسلمين.
- •وصفوا المسلمين بأنهم غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم وجاؤوا بدين مبتدع.
- •دافع جعفر عن المسلمين أمام النجاشي الذي استمع إليه وأقر كلامه.
- •أسلم النجاشي بعد ذلك، وعرض المسلمون الدفاع عن أرضه ضد الأعداء.
- •تمثل هذه المرحلة نموذجاً للمسلمين في البلاد غير الإسلامية وحقوق المواطنة.
مقدمة حلقة مجالس الطيبين مع مسند الإمام أحمد بن حنبل
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين مع مسند الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه تعالى عنه وأرضاه.
مع الصحابة الكرام يروون لنا حالة وشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال وتقرير وما حدث معه، بحيث أننا نأخذ منه الهداية ونستهديه في حياتنا ونحوّل ذلك إلى برامج عملية نعيشها.
التعريف بسيدنا جعفر بن أبي طالب صاحب الهجرتين إلى الحبشة والمدينة
اليوم مع مسند واحد ممن رضي الله تعالى عنهم، اليوم مع مسند سيدنا جعفر بن أبي طالب.
وسيدنا جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه كان صاحب الهجرتين؛ هاجر من مكة هجرة الأمن إلى الحبشة، وهاجر من مكة بعد ذلك إلى المدينة، فهو صاحب الهجرتين.
كان هناك من الصحابة من هو صاحب الهجرتين، هناك من هاجر من مكة إلى الحبشة ثم إلى المدينة، فجمع بين الهجرتين، وكان من هؤلاء أبو سلمة زوج أم سلمة رضي الله تعالى عنه، التي بعد ذلك تزوجها النبي فصارت أمًا من أمهات المؤمنين وعالمة وفقيهة من فقهاء المسلمين.
جعفر بن أبي طالب أبو عبد الله بن جعفر المولود في الحبشة
جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لم يجمع بين الهجرتين فقط، بل إنه أصبح أبًا لعبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
وعبد الله بن جعفر كما سنرى في حلقةٍ قادمة، هو ابن أسماء بنت عميس الخثعمية، وُلِدَ أثناء هجرتهم إلى الحبشة.
مناقب جعفر بن أبي طالب واستشهاده قائداً في معركة مؤتة
سيدنا جعفر له منقبةٌ عظيمة فوق ذلك كله؛ الهجرة إلى الحبشة من علامات الإيمان، الهجرة إلى المدينة من علامات الإيمان، السبق بالإسلام من علامات الإيمان، كونه هو وزوجته وابنه من المسلمين فضل من الله.
لكن ربنا توّج كل ذلك بأن جعله شهيدًا، فقد استُشهد وهو قائد من قواد المسلمين في معركة مؤتة. انتقل رحمه الله تعالى إلى الرفيق الأعلى شهيدًا، ومعلوم أنه ليس بين الإنسان وبين الجنة إلا أن يموت شهيدًا.
أثر هجرة الصحابة إلى الحبشة في انتشار الإسلام في أفريقيا
الصحابة الذين ذهبوا إلى الحبشة في أول الأمر في الهجرة الأولى، والصحابة الذين ذهبوا إلى الحبشة في الهجرة الثانية، كثير منهم بقوا في الحبشة. أكثر من ستين في المائة من الأحباش الآن هم من المسلمين، هؤلاء من أولاد الصحابة الكرام وممن دخلوا بعد ذلك الإسلام.
إذن فالحبشة وهي جزء من أفريقيا ومنبع من منابع النيل هي أيضًا [أرض إسلامية عريقة]، وينبغي أن يعلموا هذا في قلوبنا؛ لأن هؤلاء الناس هم أبناء الصحابة الذين آووهم ونصروهم على يد النجاشي رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
حديث أم سلمة عن هجرة الصحابة إلى الحبشة وجوار النجاشي
وكان جعفر يروي لأم سلمة عن كل شيء حدث. هذا الحديث الذي معنا وهو حديث واحد لكنه طويل، الذي أخرجه أحمد في مسنده، إنما يتحدث عن جعفر أثناء الهجرة؛ لأن جعفر ليست له رواية ينقلها التابعون حيث إنه استُشهد في مؤتة.
فعن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا فيها خير جار النجاشي، أمِنّا على ديننا وعبدنا الله لا نُؤذى ولا نسمع شيئًا نكرهه.
توجيه النبي الصحابة للهجرة إلى الحبشة لعدل ملكها النجاشي
عندما قال النبي لهم في مكة:
«اذهبوا إلى الحبشة فإن فيها ملكًا لا يُظلم عنده أحد»
هذا الملك [النجاشي] لم يكن مسلمًا، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجههم إلى هناك من أجل هذا المعنى، أن العدل أساس الملك.
عندما ذهبوا إلى هناك مارسوا دينهم وصلاتهم وقراءتهم وذكرهم مِن غيرِ أذيةٍ بحريةٍ.
تآمر قريش وإرسال رجلين بالهدايا إلى النجاشي لاسترداد المسلمين
فلمّا بلغَ ذلك [خبر استقرار المسلمين في الحبشة] قريشًا تشاورُوا وقالوا: والله حسنًا، هؤلاء سيذهبون ويُنشئون لنا هناك دينًا جديدًا، فلا بُدَّ أن نُحضِرهم.
تشاوروا أن يبعثوا إلى النجاشيِّ فيهم [في شأن المسلمين] رجلينِ جَلدينِ (أي أشدّاء)، وأن يُهدوا النجاشيَّ هدايا ممّا يُستطرفُ من متاعِ مكةَ، الأشياءَ الغاليةَ اللطيفةَ التي يُحبُّها الأحباشُ من مكةَ.
ومن أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم - الأدم يعني الجلد -.
شهرة مكة بصناعة الجلود بسبب وفرة جلود الهدي في الحج
كانت مكة إذن مشهورة بصناعة الجلود. هذه الجلود كانوا يستعملونها ملابس، ويستعملونها في الأثاث، ويستعملونها في البيوت لتغطية البيوت من الحر وغير ذلك، وكانوا يستعملونها للزينة.
أهل مكة مختصون بدباغة الجلود وبصناعتها وتلوينها؛ لأن الناس الذين يأتون للحج إلى بيت الله الحرام يذبحون الهدي، وهذا الهدي كثير جدًا، ولذلك كانت هناك وفرة في الجلود في مكة، فنشأت حول هذه الوفرة صناعة.
إرسال قريش عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص بالهدايا للنجاشي
فجمعوا له [للنجاشي] أدمًا كثًا (جلودًا كثيرة جدًا)، ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا له هدية، والناس من حاشيته كل واحد أخذ هديةً من الجلود التي هي غالية الثمن.
ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة ابن المغيرة المخزومي وعمرو بن العاص ابن وائل السهمي. إذن عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص هما هذان الاثنان اللذان ذهبا.
خطة قريش في رشوة حاشية النجاشي قبل مخاطبته لتسليم المسلمين
وأمروهما وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هدية قبل أن تكلموا النجاشي، قبل أن تكلموا النجاشي وزعوا على الحاشية، ثم قدموا للنجاشي هداياه، ثم اسألوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم، على الفور.
ذهبوا للنجاشي، وزعوا على الحاشية، وأعطوه الهدايا وقالوا: هؤلاء الناس مارقون، سلمهم لنا الآن فورًا ونذهب، وأنت لست متفرغًا لسماع كلامهم.
مخاطبة مبعوثي قريش للنجاشي وبطارقته لتسليم المسلمين دون سماعهم
قالت [أم سلمة]: فخرجنا فقدمنا على النجاشي ونحن عنده بخير وعند خير جارٍ، فلم يبقَ من بطارقته بطريقٌ إلا دفع [عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة] إليه هديته قبل أن يكلم النجاشي.
ثم قال لكل بطريق: إنه قد صبا إلى بلد الملك منا غلمانٌ سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم.
يبقى إذا [وصفوهم بأن] هؤلاء أناس إرهابيون لا رحمة لهم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم لنردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فأشر عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أكثر معرفة بهم وأعلم بما عابوا عليهم، والملك ليس متفرغًا، فاجعلوهم هكذا سريعًا.
تقديم الهدايا للنجاشي ومخاطبته بنفس الادعاءات ضد المسلمين
فقالوا [البطارقة] لهما: نعم. ثم إنهما قرّبا هداياهما إلى النجاشي فقبلها منهما، ثم كلماه فقال له [عمرو بن العاص]: أيها الملك، إنه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاءوا بدين مبتدع.
دفاع جعفر بن أبي طالب عن المسلمين وإسلام النجاشي وحقوق المواطنة
قصة طويلة ذكرتها سيدتنا أم سلمة، ولكن بطلها هو جعفر بن أبي طالب الذي قام فدافع عن المسلمين، واستمع النجاشي وأقر النجاشي ما هنالك [من حق المسلمين في البقاء] وأسلم النجاشي بعد ذلك، وعاش الصحابة الكرام هناك.
ماذا فعلوا [الصحابة بعد استقرارهم]؟ عرضوا على النجاشي أن يحاربوا معه بعد ذلك فأبى، ثم وافق، وأصبحت هناك ما يسمى بحقوق المواطنة، وأصبح الإنسان يدافع عن وطنه ضد الأعداء حتى ولو اختلف مع النظام بأن كان غير مسلم، كما هو حاصل الآن في بقاء المسلمين في أمريكا أو في بلاد أوروبا أو نحو ذلك.
أهمية المرحلة الحبشية وحفظ الإمام أحمد لتفاصيلها في مسنده
المرحلة الحبشية مرحلة مهمة للغاية. لقد حفظ لنا الإمام أحمد جزءًا كبيرًا منها، نستنبط منه كل هذه المعاني.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم.
