مسند طلحة بن عبيد الله | مسانيد الإمام أحمد بن حنبل | برنامج مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة
- •تحدثت الحلقة عن مسند طلحة بن عبيد الله، أحد العشرة المبشرين بالجنة ومن السابقين الأولين للإسلام.
- •أسلم طلحة وهو شاب في الخامسة عشرة تقريباً، وكان من الثمانية السابقين إلى الإسلام، ومن الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق.
- •لم يحضر طلحة غزوة بدر لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله إلى الشام، لكنه ضرب له بسهم فيها.
- •روى الإمام أحمد في مسنده عن طلحة اثنين وعشرين حديثاً فقط، مما يدل على دقته في نقل الحديث.
- •ذكر ربيعة بن الهدير أنه لازم طلحة ولم يسمعه يحدث عن النبي إلا حديثاً واحداً عن قبور الشهداء.
- •من أحاديث طلحة حديث عن السترة في الصلاة، وأنها تكون بمقدار مؤخرة الرحل.
- •جمع الإمام أحمد مسنده من سبعمائة وخمسين ألف حديث، واختار منها حوالي أربعين ألفاً فقط بعد تدقيق شديد.
- •يظهر هذا حرص الصحابة والتابعين على الدقة في نقل الحديث النبوي.
افتتاح حلقة جديدة من مجالس طيبين مع مسند الإمام أحمد بن حنبل
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا وسهلًا بكم في حلقة جديدة من مجالس طيبين مع مسند الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
نعيش سويًا مع الصحابة الكرام، مع الأكابر الذين نقلوا لنا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم غضةً طريةً.
ترتيب مسند الإمام أحمد من أبي بكر إلى بقية العشرة المبشرين بالجنة
تكلم الإمام أحمد أول ما تكلم عن مسند أبي بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي رضي الله تعالى عنه وعليه السلام، ثم بعد ذلك عن بقية العشرة المبشرين بالجنة، منهم طلحة بن عبيد الله.
طلحة بن عبيد الله من السابقين الأولين والمبشرين بالجنة
كان طلحة [بن عبيد الله] من السابقين الأولين للإسلام، وكان مُبشرًا بالجنة مع العشرة الذين بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه من أهل الجنة، لكنه [أسلم] في مكة.
وقد توفي في سنة ستة وثلاثين من الهجرة عن أربعة وستين سنة. عندما نطرح ستة وثلاثين من الهجرة من أربعة وستين سنة، يكون عمره وقت الهجرة ثمانية وعشرين سنة.
الهجرة حدثت في أوائل سنة أربع عشرة [من البعثة]، أي بعد ثلاث عشرة سنة، فعندما نخصم ثلاث عشرة سنة من ثمانية وعشرين، يكون عمره خمسة عشر عامًا عندما أسلم، ستة عشر سنة إذا كان أسلم في السنة الثانية من البعثة. إذن فهو كان شابًا لكنه شابٌ نشأ في طاعة الله.
طلحة بن عبيد الله من الثمانية السابقين ومن الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر
كان [طلحة بن عبيد الله] واحدًا من الثمانية الذين قيل عنهم أنهم السابقون بالإسلام: عبد الله بن مسعود، وطلحة بن عبيد الله، وأبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وهكذا سبقوا إلى الإسلام كانوا ثمانية.
وأيضًا هو من الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وليس مباشرةً على يد النبي صلى الله عليه وسلم.
طلحة بن عبيد الله لم يحضر بدرًا لكن النبي ضرب له بسهم فيها
أيضًا تذكرنا مع عثمان [بن عفان] أنه لم يحضر بدرًا لأنه كان يُمرِّض السيدة رقية عليها السلام بنت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن ضرب النبي لعثمان بسهم في بدر وهو لم يحضرها.
وطلحة بن عبيد الله كذلك؛ لم يحضر بدرًا ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب له بسهمٍ في بدر.
ولماذا [لم يحضر طلحة بدرًا]؟ لأن النبي هو الذي أرسله حينئذٍ إلى الشام، وحينما عاد طلحة حزن أنه لم يحضر هذا الجهاد العظيم في بدر، فعزّاه النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما دام في مهمة فكأنه قد حضر معهم في هذا المقام.
مكانة طلحة بن عبيد الله في مسند الإمام أحمد وقلة أحاديثه
طلحة [بن عبيد الله] بالرغم من فضله، فهو من الثمانية السابقين، ومن الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر أولًا، ومن العشرة المبشرين بالجنة، ويضعه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده المسند الخامس بعد الخلفاء الراشدين مباشرةً.
كان [طلحة] قليل الحديث، ولذلك الإمام أحمد روى له واحدًا وعشرين أو اثنين وعشرين حديثًا فقط. هذا الإمام الكبير، الصحابي الجليل، يتحرى جدًا [في رواية الحديث].
قصة ربيعة بن أبي عبد الرحمن مع ربيعة بن الهدير وقلة رواية طلحة للحديث
تعالَوا في مسند الإمام أحمد، في مسند طلحة بن عبيد الله، نرى ما الذي قاله هذا الإمام الكبير.
أخبرني داود بن خالد بن دينار أنه مرّ هو ورجل يُقال له أبو يوسف من بني تيم على ربيعة ابن أبي عبد الرحمن، قال: قال له أبو يوسف: إنا لنجد عند غيرك من الحديث ما لا نجده عندك.
أنت لماذا هكذا قليل الحديث؟
فقال [ربيعة بن أبي عبد الرحمن]: أما إن عندي حديثًا كثيرًا، ولكن ربيعة بن الهدير - قال: وكان يلزم طلحة بن عبيد الله - كان لطلحة تلميذٌ اسمه ربيعة بن الهدير.
ربيعة بن الهدير لم يسمع من طلحة إلا حديثًا واحدًا رغم ملازمته له
قال [ربيعة بن أبي عبد الرحمن] إنه سمع طلحة، فقال إنه لم يسمع طلحة يُحدِّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا قطُّ غير حديثٍ واحد، مع أن ربيعة بن الهدير كان ملازمًا لطلحة، فلم يسمعه يقول: قال رسول الله كل يوم وكل لحظة، أبدًا.
هو سمعه مرة واحدة فقط يقول: قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم].
قال ربيعة ابن أبي عبد الرحمن: قلت له - يقول لربيعة ابن الهدير -:
وما هو؟ هل سمعت حديثًا واحدًا فقط من سيدنا طلحة؟
قال له: نعم. قال له: ما هو؟
حديث طلحة عن خروجه مع النبي ومرورهم بحرة واقم ورؤية القبور
قال [ربيعة بن الهدير]: قال لي طلحة: خرجنا مع رسول [الله] صلى الله عليه وسلم حتى إذا أشرفنا على حرة واقم - الحرة التي نسميها نحن الهضبة، كما نقول في مصر هضبة المقطم، يعني شيء مرتفع عن الأرض، مرتفع عن الأرض لكن يمكن البناء عليه - ففي حرة واقم مكان يسمى هكذا، مكان مثلما نقول هكذا عندنا هضبة المقطم.
قال: فدنونا منها، دنا وهو في السهل هكذا إلى هذه الحرة، فإذا قبور بمحنية [أي بمنحنى الحرة]، فيها تجويف وفيها انثناء، فيها انحناء. فلما اقتربوا منها والتفوا حولها وجدوا قبورًا.
تفريق النبي بين قبور أصحابنا وقبور إخواننا الشهداء
فقلنا: يا رسول الله، قبور إخواننا؟ هذه هي القبور التي دُفن فيها الشهداء وكذا إلى آخره.
قال [النبي صلى الله عليه وسلم]: هذه قبور أصحابنا. لا، هؤلاء جماعة من المسلمين مدفونون هنا. كان سيدنا النبي يعرف كل شيء، فكانوا يسألونه لأنه مثل الخبير والعالم بهذه الأماكن.
ثم خرجنا وظللنا نمشي حتى وصلنا إلى قبور الشهداء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه قبور إخواننا.
فيكون إذا سمّى من ليسوا بشهداء «أصحابنا» - منّا، من جماعتنا - وسمّى الشهداء «إخواننا». هذا هو الذي يريد أن يقوله طلحة بن عبيد الله [في هذا الحديث].
تحري الصحابة الشديد في رواية الحديث وعدم التساهل فيه
[طلحة بن عبيد الله] لا يروي عن رسول الله الحديث هنا، ماذا يعني؟ معناه أن هؤلاء الناس كانوا يتحرون جدًا، ولم يكونوا يروون مئات الأحاديث وعشرات الأحاديث ويخطئون ويهزلون أبدًا.
تخيل طلحة الذي أسلم مبكرًا، الذي لازم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدة الطويلة، منذ أن كان في مكة من الأوائل، من الثمانية الأوائل، حتى انتقال رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، هو لازمه اثنين وعشرين سنة، لم يسمع منه ربيعة بن الهدير إلا حديثًا واحدًا.
بالرغم من أن [الإمام] أحمد أورد له واحدًا وعشرين حديثًا، لكن المهم أن هذا يوضح لنا البيئة التي نشأت فيها هذه الثلة الصالحة، نشأت فيها هذه الجماعة، جماعة الصحابة وجماعة التابعين وجماعة النقلة لحديث رسول الله، كانوا حريصين جدًا.
ربيعة بن أبي عبد الرحمن يقتدي بطلحة في التقليل من رواية الحديث
جاؤوا إلى ربيعة ابن أبي عبد الرحمن: يا ربيعة، نحن نذهب إلى كل مكان والناس تروي أحاديث، أين أحاديثك أنت؟
قال لهم: أنا عندي أحاديث كثيرة، لكني عندما سمعت أن طلحة [بن عبيد الله] روى حديثًا واحدًا، فإنني في الحقيقة لم أعد أروي أحاديث كثيرة، بالرغم من أنني تلقيت أحاديث كثيرة.
الإمام أحمد بن حنبل وجهده الضخم في انتقاء أحاديث المسند
ولذلك قال الإمام أحمد بن حنبل: جمعت مسندي هذا من سبعمائة وخمسين ألف حديث، سبعمائة وخمسين ألف، اختار منهم خمسة وثلاثين ألفًا.
هؤلاء أو الأربعين ألف حديث الموجودين في مسند الإمام أحمد، أربعين ألف، يعني خمسة في المائة، وترك الباقي. دقّق في كل كلمة، دقّق في كل رواية، دقّق في كل سند.
وبالرغم من ذلك قال: يا جماعة، هذا هو الحجة؛ إذا وجدتم الحديث فيه فعليكم أن تنظروا فيه، وإذا لم تجدوا الحديث في المسند فلا تأخذوا به، لأنني بذلت فيه مجهودًا كبيرًا من أجل أن يكون معيارًا ومقياسًا للقبول والرد. مجهودات ضخمة قام بها هؤلاء الناس.
حديث طلحة عن سترة المصلي ومقدارها مثل مؤخرة الرحل
حديث آخر عن موسى بن طلحة عن أبيه [طلحة بن عبيد الله] قال: كنا نصلي والدواب تمر بين أيدينا، فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسولَ الله، بينما نحن نُصلي هكذا، الماعز والبقر والإبل تمرُّ بين أيدينا.
فقال [النبي صلى الله عليه وسلم]:
«مثلُ مؤخرة الرحل تكون بين يدي أحدكم»
مؤخرة الرحل هذه يعني طولها حوالي أربعين سنتيمترًا، يعني كرسي، يعني عندما يضع المرء كرسيًا هكذا ويصلي أمامه، فهذا يكفي لأن يكون سترةً له. ليس ضروريًا أن يكون أكثر من ذلك، لا يزيد عن الأربعين سنتيمترًا هكذا، ثم لا يضره ما مرَّ عليه.
دقة نقل الحديث النبوي والتعجب ممن ينكرون السنة المشرفة
وقال [الراوي]: عمر مرةً «بين يديه»، مرَّ عليه مرةً «بين يديه»، مرَّ عمر بن عبيد هذا، قال [مرة]: «بين يديه»، ومرةً ثانيةً قال: «عليه». دقة [في نقل ألفاظ الحديث].
ولذلك لا أعرف ولا أزال أتعجب لما ينكرون السنة المشرفة وقد نُقِلَت إلينا بهذا المستوى الرفيع من الدقة ومن السماحة والحلاوة.
إلى لقاء آخر، أستودعكم [الله] وبركاته.
