مسند عبد الله بن مسعود | مسانيد الإمام أحمد بن حنبل | برنامج مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة
- •عبد الله بن مسعود صحابي جليل يُكنى بأبي عبد الرحمن، كان حليف بني زهرة وأسلم شاباً.
- •كان سادس ستة في الإسلام، وهاجر إلى الحبشة مرتين ثم المدينة، وشهد بدراً وأحداً وكل المشاهد.
- •توفي في خلافة عثمان سنة 32هـ وعمره نحو 64 سنة، وكان نحيف الجسم لكن النبي ﷺ قال عن ساقيه أنهما أثقل في الميزان من جبل أُحد.
- •أوتي صوتاً جميلاً وكان أول من جهر بالقرآن بمكة بعد النبي ﷺ، وقرأ عند مقام إبراهيم أمام قريش دون خوف.
- •كان النبي ﷺ يحب سماع قراءته للقرآن ويقول: "إذا أردتم أن تسمعوا القرآن كما أُنزل فاقرؤوه بقراءة ابن أم عبد".
- •روى عنه الإمام أحمد 849 حديثاً، منها حديث رمي جمرة العقبة من بطن الوادي.
- •علّم الأمة الدقة في نقل الحديث، فكان ينسب ما سمعه من النبي ﷺ إليه وما استنبطه إلى نفسه.
- •نقل حديثاً عن مراحل خلق الجنين في الرحم وكتابة الملك لصفاته بأمر الله.
افتتاح الحلقة والتعريف بمسند الإمام أحمد وعبد الله بن مسعود
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس طيبين مع مسند الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
ومع سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه. عبد الله بن مسعود صحابي جليل كان يُكنى بأبي عبد الرحمن، وهو من مكة، لكنه كان حليف بني زُهرة ولم يكن من العائلات القوية في مكة.
إسلام عبد الله بن مسعود المبكر وكونه من السابقين الأوائل
لكنه أسلم وهو شاب، فعند الهجرة كان عنده بضع وثلاثون سنة، وكان قد أسلم قديمًا مع الثمانية الكبار، بل إنه قال:
«كنت سادس ستة لا أعلم مسلمًا على الأرض سوانا»
فهو من السابقين [إلى الإسلام]. هاجر إلى الحبشة مرة وثانية، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا، وشهد أحدًا، وشهد المشاهد كلها، وجاهد في سبيل الله في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاهدَ بعدهُ.
وفاة عبد الله بن مسعود في خلافة عثمان وعمره عند الوفاة
ومات [عبد الله بن مسعود] في خلافة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وأرضاه في سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة، وكان عمره بضعًا وستين سنة؛ لأنه إذا أضفنا واحدًا وثلاثين أو اثنين وثلاثين إلى اثنتين وثلاثين بعد الهجرة، فإنه يكون عنده أربعة وستون أو خمسة وستون سنة، في هذه الحدود.
شجاعة ابن مسعود وتقواه رغم ضعف جسمه ونحافة ساقيه
وكان [عبد الله بن مسعود] بحرًا في الجهاد، بحرًا في التقوى على ضعفٍ في جسمه، فكان نحيفًا. وكانت ساق عبد الله بن مسعود نحيفةً جدًا.
ففي مرةٍ، كما أخرج ابن ماجة، اعتلى شجرةً للأراك حتى يأتي منها بغصنٍ يجعله سواكًا، فشجر الأراك نأتي منه بالسواك، فانكشفت ساقه فبانت أنها رفيعةٌ جدًا، فضحك أصحابه والنبي صلى الله عليه وسلم على مقربة منهم.
فقال لهم: لم تضحكون؟ أو مم تضحكون؟ قالوا: يا نبي الله، من دقة ساقيه، هل يوجد أحد تكون رجله هكذا؟ فقال:
«والذي نفسي بيده، لهما أثقل في الميزان من جبل أحد»
النبي صلى الله عليه وسلم بشره بحسن الخاتمة وبشره أنه يوم القيامة هذه الساق التي يضحك منها بعضهم إنما هي عند الله سبحانه وتعالى أثقل من جبل أُحد.
جمال صوت ابن مسعود في قراءة القرآن وكونه أول من جهر به بمكة
كان ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قد أُوتي صوتًا جميلًا وأُوتي أيضًا أداءً أجمل، وكان عجيبًا في قراءة القرآن، وكان أول من جهر بالقرآن بمكة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قصة جهر عبد الله بن مسعود بالقرآن أمام قريش عند المقام
اجتمع [الصحابة] يومًا [فقالوا عند] رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن بصورة لافتة للنظر، فهل من رجل يُسمِعهم؟ فقال عبد الله بن مسعود: أنا. فقالوا: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلًا له عشيرة تمنعه من القوم إن أرادوه، يعني أرادوا أن يؤذوه، لكن أنت حليف بني زهرة، ممكن يتخلوا عنك أو لا ينصروك. فقال: دعوني فإن الله سيحميني، أنا حمايتي هي ربي.
فذهب عبد الله في الصباح حتى أتى المقام [مقام إبراهيم] في وقت الضحى، حول الكعبة، والناس جالسة، وقريش في مجالسها، فقام رافعًا صوته:
﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ * خَلَقَ﴾ [الرحمن: 1-3]
فاستقبلها يقرأ، فتأملوه وجعلوا يقولون: عليك [أي تعرفنا عليه]، هذا هو الذي نعرف أنه الذي سيسمع هذا [القرآن ف] سيؤمن، وهذا هو الذي نحن خائفون منه وخائفون عليك. فقال: ما كان أعداء الله قط أهون عليّ منهم الآن، يعني أصبح مثل الأسد أمامهم.
حب النبي لسماع القرآن من ابن مسعود وبكاؤه عند آية الشهادة
فعبد الله بن مسعود كان سيدنا [النبي] صلى الله عليه وسلم يحب أن يسمع منه القرآن ويقول:
«إذا أردتم أن تسمعوا القرآن كما أُنزل فاقرؤوه بقراءة ابن أم عبد»
ابن أم عبد الذي هو عبد الله بن مسعود. وكان [النبي صلى الله عليه وسلم] يقول: اقرأ عليّ، فقال [ابن مسعود]: يا رسول الله، أأقرأ عليك وعليك نُزِّل؟ فيقول صلى الله عليه وسلم:
«إني أشتهي أن أسمعه من غيري»
قال [ابن مسعود]: فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا بلغت:
﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]
قال لي: كف، امسك. ثم رأيت عينيه صلى الله عليه وسلم تذرفان [بالدموع]. هذا الحديث رواه البخاري.
النبي صلى الله عليه وسلم بكى لما سمع هذه الآية:
﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]
عدد أحاديث ابن مسعود في مسند الإمام أحمد مقارنة بغيره من الصحابة
الإمام أحمد أخرج لعبد الله بن مسعود مُسندًا كبيرًا: ثمانمائة وتسعة وأربعين حديثًا. تكلمنا عن عبد الله بن عباس ورأينا أنه أُخرج له ألف وستمائة ويزيد، وسنرى عبد الله بن عمر وهو قد أُخرج له أكثر من الألفين.
إذن ثمانمائة هذه تعني أنها على النصف من [مسند] عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه.
حديث رمي جمرة العقبة من بطن الوادي كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم
أمثلة لهذه الأحاديث التي أكرمنا بها عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه: يقول عبد الرحمن بن يزيد: قال: رأيت ابن مسعود رمى الجمرة، جمرة العقبة من بطن الوادي، ثم قال:
«هذا والذي لا إله غيره مقام الذي أُنزلت عليه سورة البقرة»
عندما نأتي إلى جمرة العقبة نجد أن الجبل يحدها وبطن الوادي منفتح أمامها.
فهل يجوز رمي جمرة العقبة من جهة الجبل؟ فالجمهور يقولون: لا يجوز، لا يجوز أن نلتف حولها هكذا، بل لا بد أن يكون البيت الحرام على يميني وأن تكون المزدلفة عن شمالي أثناء الرمي. من أتوا بهذه الهيئة من حديث عبد الله بن مسعود في مسند أحمد أنه رمى من بطن الوادي وليس بعد التفافه من عند الجبل.
حديث طلب النبي من ابن مسعود قراءة القرآن وحبه سماعه من غيره
وعن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«اقرأ عليّ من القرآن»
قال: فقلت له: أليس منك تعلمته يا رسول الله وأنت تقرئنا؟ فقال [ابن مسعود]: أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال:
«اقرأ عليَّ من القرآن»
فقلت: يا رسول الله، أليس عليك أُنزل ومنك تعلمناه؟ قال:
«بلى، ولكني أحب أن أسمعه من غيري»
يعني في هذا الحديث أن أيضًا تلاميذه [تلاميذ] عبد الله بن مسعود كانوا يسمعونه، كان عبد الله بن مسعود يسمعه [القرآن] من تلاميذه كما فعل فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا يدل على مزيد الاتباع، ويدل أيضًا على التواضع الذي كان فيه ابن مسعود.
دقة ابن مسعود في التفريق بين ما سمعه من النبي وما استنبطه بنفسه
سيدنا ابن مسعود يقول: خصلتان، يعني إحداهما سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأخرى من نفسي:
«من مات وهو يجعل لله ندًا دخل النار»
هو سمع النبي يقول هكذا. عندما جاء ينقل نقلًا بالدقة سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول:
«من مات وهو يجعل لله ندًا مشركًا دخل النار»
وأنا أقول: من مات وهو لا يجعل لله ندًا ولا يشرك به شيئًا دخل الجنة.
انظر إلى هذه الدقة: عندما سمع من رسول الله شيئًا أدّاه كما سمع، وعندما استنبط عكس ذلك أنه إذا كان المشرك يدخل النار فالمؤمن يدخل الجنة، نسبها لنفسه.
إذن هؤلاء الناس لم يكونوا يلعبون ولم يفتروا شيئًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلّموا الأمة الدقة والتحري.
حديث أطوار خلق الإنسان في الرحم وكتابة الملك لصفاته وأجله
النبي صلى الله عليه وسلم يقول بناءً على كلام ابن مسعود أن النطفة تكون في الرحم أربعين يومًا على حالها لا تتغير، فإذا مضت الأربعون صارت علقة، ثم مضغة كذلك، ثم عظامًا كذلك، يعني أربعينات: أربعين يومًا في أربعين يومًا في أربعين يومًا.
فإذا أراد الله أن يسوي خلقه بعث إليها ملكًا، فيقول الملك الذي يليه: أي ربي؟ أذكر أن أنثى أم ذكر، أشقي أم سعيد، أقصير أم طويل، يكتب صفاته، أناقص أم زائد في قوته وأجله، أصحيح أم سقيم. قال: فيكتب ذلك كله.
فقال رجل من القوم: ففيم العمل إذن وقد فُرِغ من هذا كله؟ قال:
«اعملوا فكل سيُوجَّه لما خُلق له»
ختام الحلقة والتوديع بالسلام
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
