مصر أرض المجددين | ح 37 | الشيخ ابن الحاجب | أ.د. علي جمعة

الشيخ: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم. اللهم اجعل أول أيامنا صلاحاً وأوسطها فلاحاً وآخرها نجاحاً. نعوذ بك من يوم أوله فزع وأوسطه جزع وآخره وجع. يا رب،
المذيع عمرو خليل: هو شيخ المالكية الذي ساد زمانه بعلمه الواسع وبمعرفته، كذلك أقرانه بأنه هو أحد أذكى العالم في تلك الفترة الإمام ابن الحاجب في مصر أرض المجددين الشيخ: بُنِّيّ مشروعه التجديدي على اللغة وعلى الفكر وعلى صوغ النموذج المعرفي وعلى الموقف الواضح من التراث في الاستفادة من مناهجه وعدم الوقوف عند مسائله رحم الله ابن الحاجب رحمة واسعة المذيع: فضيلة الإمام الدكتور علي
جمعة أهلاً بفضيلتكم، الشيخ: مرحباً بك، المذيع: أهلاً بكم صاحب الفضيلة. نتحدث اليوم عن الإمام ابن الحاجب، وحضرتك كنت قد تفضلت بذكره في السابق بأنه كان يعيش في الإسكندرية بجوار سيدي المرسي أبي العباس، فأرجو من حضرتك أن تطلعنا بشكل أكبر وأوفى عن سيرة هذا الإمام. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه عليه الصلاة والسلام. ابن الحاجب وصفه من ترجم له بأنه من أذكياء العالم، وهذه صفة حقيقية إذا ما اطلعت على كم العلوم التي كتب فيها ابن الحاجب، وإذا ما اطلعت على ما كتب في هذه العلوم يعني كماً وكيفاً. ابن الحاجب لما وُلد خمسمائة وسبعين هجرية، في القرن السادس الهجري، وهو قرن مليء بالعلماء وقرن مليء بمحاولات
النهضة، لأن العالم الإسلامي كان يتعرض لهجمات الصليبيين الظالمة والتي تريد احتلال منطقة فلسطين. فحاول العلماء أن يقوموا بواجبهم في المشاريع التجديدية، فكان ابن الحاجب واحداً من هؤلاء، وله مشروع تجديدي. ولد سنة خمسمائة وسبعين، لكنه توفي في سنة ستمائة وستة وأربعين. سنة ستمائة وستة وأربعين هذه تعني أنها قبل دخول التتار بغداد، الذين دخلوها سنة ستمائة وستة وخمسين، أي بعد وفاته بعشر سنوات. في سنة دخول التتار بغداد توفي أبو الحسن الشاذلي. إذاً هو رأى أبا الحسن الشاذلي، لكن كان
لديه الآن ستة وأربعين، أي لديه ستة وسبعين سنة. فهو من العلماء الكبار الذين عاصروا هذه القضية كلها، عاصر العز بن عبد السلام، وعاصر أبا الحسن الشاذلي والأكابر كلهم. لكن عندما نرى ما ألَّف فيه وما وراء هذا التأليف، نجد أنه ألف كتاباً ماتعا اسماه "جامع الأمهات" جمع فيه. المذهب المالكي ورتبه ونقحه وأصبحت هذه الخطوة الأولى أنه إذا كنت تتذكر ونحن نتحدث عن خليل بن إسحاق الجندي، ذكرنا سيرة "جامع الأمهات" الذي وضعه ابن الحاجب، وكان غرض خليل الجندي هو نفس ذلك الغرض الذي بدأه ابن الحاجب وأكمله خليل الجندي بعد ذلك بسنوات طويلة وهو ألا يتشتت المذهب
حتى يصبح مذاهب، وأن يضع قانوناً يلجأ إليه هؤلاء المقلدون للإمام مالك، محرراً مرتباً مفرعاً على أبدع ما يكون. وكان هناك كما قلنا خليل الذي شرح جامع الأمهات هذا في كتاب التوضيح، ولذلك سنجد أن جامع الأمهات هذا كان علامة فارقة أيضاً في المذهب المالكي. سنجد أنه كتب في القراءات وكان من كبار القراء وكتب في اللغة، كتب في الأصول، ومختصره في الأصول هو الذي درسناه في الأزهر على سيدنا الشيخ عبد الجليل القرنشاوي وعلى سيدنا الشيخ مصطفى عبد الخالق. وهؤلاء إلى الآن ندرس مختصر ابن الحاجب في
الأصول لأنه كتاب بديع، كتاب جمع فأوعى. كان سيدنا الشيخ مصطفى عبد الخالق أنه من كثرة إعجابه بالكتاب نقول له: ألا تؤلف لنا كتاباً مثل هذا لأن كلامك جميل، وكان قد وصل تقريباً إلى مرتبة الاجتهاد، فيقول: أنسرق أبناء الناس، يعني إذا كان الكتاب موجوداً بالفعل، فماذا سأقول بعد ذلك؟ ماذا سأقول بعد ذلك؟ هذا هو مصطفى عبد الخالق رحمه الله تعالى. كان من بيت علم وكان من كبار العلماء، لكن ابن الحاجب هو الذي ألّف في الأصول في الفقه في اللغة في القراءات وفي شتى العلوم. ألّف ابن الحاجب ومؤلفاته نقطة فارقة. نبدأ من جديد، فهذا كان مشروعه
التجديدي الذي نستطيع أن نقول عنه أنه مشروعه التجديدي محوره التعامل الصحيح. مع التراث أتذكر كلمة أمين الخولي التي لن ننساها: "من أراد التجديد فليقتل التراث بحثاً ودرساً وإلا كان تبديداً". هم فاهمون وفاهمون، ليسوا مجرد ظاهرة صوتية تنكر وترفض وتهدم فحسب، بل هم يعملون ليل نهار، ستة وسبعين سنة بذلوا فيها من الجهد والعلم والتاني ومن الدقة ما يُذكر فيُشكر، فأول ملامح المشروع أو محور المشروع هو التعامل الصحيح مع التراث. ثانياً: النموذج المعرفي وكيفية نشوئه. ثالثاً: المنهجية،
علَّمنا في هذه الكتب المنهجية، يكفي كتابه في مختصر الأصول هذا، وهو مختصر ابن الحاجب. إنه يُعلّم المنهجية، يُعلّم المنهجية والمعرفية، يُعلّمك كيف تفكر ويُعلّمك. كيف تفهم ويعلمك كيف تؤدي ويعلمك كل هذه العلوم التي نحتاجها في مشاريعنا التجديدية، وكثيرًا جدًا نجد في مختصر الأصول ما لا نجده في كتب الفقه. يعني نقول هذا لأن ابن الحاجب قال في الأصول كذا وكذا حسنًا، اذهب وابحث عنها في كتب الفقه، لن تجدها، لكنك وجدت وهو يعطيني المفتاح كأنه دلّني على الباب حقاً، فابن
الحاجب صاحب مشروع تجديدي بمعنى الكلمة، وكان عصره يسمح بهذا، وكان العالم الإسلامي في عصره تحت وطأة الاستغلال ووطأة الهجوم من الشرق التتار ومن الغرب الصليبيون، وهذا كان يحفزهم على العمل ويحفزهم على بناء المشاريع التجديدية. المذيع: أستاذن فضيلتك، بعد الفاصل ننتقل إلي جزءٌ آخر في ملامح شخصيته وهو ما يتعلق بالإبداع في مجال النحو
والصرف، كان كذلك فقيهاً وكان من أبدع وأذكى النحاة في التاريخ. المذيع: على كورنيش مدينة الاسكندرية وتحديدا بمنطقة الأنفوشى اعلم أنك فى رقعة مباركة أمواج البحر هنا يمتزج ببركة أولياء الله الصالحين، لأنك في جوار مقام الإمام ابن الحاجب. مقام الإمام ابن الحاجب يقع في الطابق السفلي لمسجد سيدي المرسي أبي العباس المسجد الذي يُعَدُّ من أكثر المساجد جمالاً وروعةً، فتصاميمه فريدة ومختلفة تفوح منها روائح المسك والبركة، ويقع داخل ساحة كبيرة مباركة تُسمى بساحة المساجد، يتردد عليها كل امرئ يحب الإمام ابن الحاجب وغيره من أولياء الله الصالحين الذين سكنوا هذا المكان الطاهر، ففي منطقة الأنفوشي بمدينة الإسكندرية التي تتميز
بموقع مميز وفريد تجد مشهد البحر الأبيض المتوسط هناك ولن ترى مثيله سوى عند زيارة الإمام ابن الحاجب. فضيلة الدكتور علي جمعة، أرحب بفضيلتك مرة أخرى. الشيخ: أهلاً وسهلاً بكم، المذيع: فضيلة الإمام ابن الحاجب كان من الأذكياء كما تفضلت وذكرت. الشيخ: لا، أنا قلت من أذكياء العالم أنا أحبه لأنه كان موضوع أطروحتي في الدكتوراة. فهو يعني له مكانة خاصة في قلبي، وقد ذهبت إلى ضريحه أسفل مسجد المرسي أبي العباس، وفُتح لي المكان حينها، فذهبت وسلمت عليه ودعوت له وما إلى ذلك، لكي يكون
هناك مثل بركة الاتصال، فالحمد لله كانت رسالة الدكتوراه في تحقيق كتاب "بيان المختصر في شرح مختصر ابن الحاجب" للإمام شمس الدين الأصبهاني. فابن الحاجب هو مشروعي في الدكتوراه المذيع: وبالتأكيد كانت الدكتوراه كافية وشافية كما كان كتابه في النحو "الكافية"، وفي الصرف الشافيه الشيخ: هذه كتبه هو المذيع: بالظبط "الشافية والكافية". وبالتأكيد كانت الدكتوراة شافية وكافية، الشيخ: نسأل الله أن يتقبلها. ولكن الإمام ابن الحاجب كان رائعاً في مشروعه النهضوي أو التجديدي، حيث اهتم باللغة اهتماماً بليغاً، وهو أيضاً مهتم بالقراءات،
والقراءات معين لا ينضب للغة سواء كانت نحواً أو صرفاً أو بلاغة، وحتى أيضاً في أحكام الشريعة، وهو متخصص في ذلك كله أي الأصول والفقه واللغة والقراءات، فألَّف الكافية في النحو، وشرحت شروحاً كثيرة، وطُبعت أيضاً، وكانت مقررة في العالية من الأزهر، أي في المرحلة الأولى والثانية وما بعدها. ويقال لك "العالية"، أي الدرجة العالية أو التهيؤ للعالمية العليا، فكانت الشافية متناً من المتون المُدرَّسة في الأزهر وحتى الآن: الكافية الشافية. كانت الكافية في
النحو والشافية في الصرف. النحو يهتم بالتشكيل، بالضم والفتحة والكسرة وما إلى ذلك، هذا هو النحو. أما الصرف فيهتم بقضايا تتعلق بصوت الكلمة، وليس بتشكيلها، وليس بتحديد أن هذه فاعل وهذه مفعول وهذه مجرور. وهذا منصوب، هذا هو النحو. وبعد ذلك، ما هو اسم الفاعل من ضرب؟ نقول: ضارب. وهذا هو الصرف. كيف نصوغه هكذا؟ ضرب - وهل كل فعل نجعله على وزن فاعل هكذا؟ أم من الممكن أن يكون أكثر من ذلك وهو ما زال اسم فاعل أو اسم مفعول؟ الصرف الذي هو بنية الكلمة نفسها،
كيف نصوغ منها المشتقات المختلفة. ابن الحاجب في كتابيه "الكافية" و"الشافية" لهما من اسميهما نصيب، يعني هو حقاً كافية فعلاً. لو قرأت "الكافية" وتعمقت فيها وفهمتها، خلاص أصبحت نحوياً. ولو قرأت "الشافية" فلن تقرأ كتاباً آخر في الصرف، انتهى الأمر هكذا. أنهينا علم التصريف وأنهينا علم النحو فهي كافية وهي شافية ومن هنا عُدّت في المرتبة العليا من ناحية ووُصفت بأنها العمدة من ناحية ثانية فهي النهاية وهي الحجة والعمدة والمرجع إليها، المذيع: هل هذه ثقة في النفس لن أقول زائدة فهي في محلها حقا أنه يسمي كتبه
في النحو وفي الصرف الكافية والشافية وكأنها يعني لا يوجد أحد آخر، ويتأكد أن لا يوجد أحد آخر سيصل إلى هذه المرتبة في العلم؟ الشيخ: كثير من المشايخ في هذا المجال الذين يسمون هذه الكتب، التلامذة. أي من الذي سمى الكافية. كافية أو هو سماها لماذا؟ الطلبة أطلقوا عليها هكذا قرؤوها وبعد ذلك انبهروا بها وقالوا: ما هذا؟ هذه كافية هكذا، فسميت كافية وهو قال: الكافية كثير لما يقرأ الشافية. هذه تأتي من أين؟ أن يخطر في ذهني سؤال ثم أذهب لأبحث عنه فلا أجده في الكتاب ولا الثاني وما وجدته في الكتاب الثالث، وبعد ذلك
سؤال آخر فلم أجده إلا هنا، سؤال ثالث ولم أجده إلا هنا. أقول: "الله، إنها شافية لكل الأسئلة التي تحيرني أو التي تخطر في ذهني". فأسميها شافية المذيع: من التكرار، تكرار المواقف، الشيخ: من تكرار الإنقاذ. فهو أنقذني مرة والثانية والثالثة حتى قلت عنه الله هذه شافية. وله كتاب اسمه "الأمالي النحوية". قصة الأمالي هذه كانت وضعية معينة في التدريس، وهي أن يجلس الشيخ ويتكلم ويلقي من عنده هكذا المذيع: عفوا مولانا، الأمالي أو الإملاء ما معناها؟ الشيخ: معناها الإملاء أن يملي شخص على آخر. كانت لدينا مادة، لا أعرف إن كانت لغاية الوقت، ولا ما اسمها،
الإملاء فأقول له: "ذهب كمال إلى الحديقة"، فيكتب الولد أو البنت: "ذهب كمال إلى الحديقة". هذه تسمى إملاء. عندما أفعل ذلك اليوم وغداً وبعده تصبح جمع إملاء: أمالي، فالأمالي هذه معناها أنه جلس وحوله طلابه كل واحد ممسكٌ ورقة أو قلمًا وراح يتكلم وهم يكتبون، وهم يكتبون إملاءً، ومن الممكن أن يقول له أحدهم: "يا سيدنا الشيخ، هل من الممكن أن نعيد هذه الكلمة مرة ثانية لأنها فاتته؟" فيقوم بإعادة هذه الكلمة مرة ثانية. فيكون معنى ذلك أن سيدنا الشيخ هذا يحفظ كل هذا العلم في ذهنه، الذي كتبوه والذي
أصبح بعد ذلك كتاباً هو يحفظه وهو يعرفه وهو الذي أنشأه، ليس نقلاً عن شيء، ليس كتاباً، ليس اقتباساً من شيء، هذا من إملائه هو، وهذا يدل على ماذا؟ يدل على أنه أكبر مما كُتبه يعني هو أكبر من الكتاب الخاص به، المذيع: علمه لا تستوعبه الكتب الذي ألّفها. الشيخ: الكتب الموجودة هو يعرف أكثر مما هو مدوّن فيها، ويعرف أكثر منها، ولذلك ما يعرفه أكثر مما في الكتب يذكره في الأمالي. فالأمالي لها ميزة، والأمالي يعني كان آخر شخص أملى في الحديث عندنا هنا في مصر في مسجد كان اسمه مسجد الكخية، تجده في شارع الجمهورية هكذا، أحمد بن
الصديق الغماري كان يجلس ويذكر الحديث ويذكر أسانيده ويذكر الرجال الذين رووا هذه الأحاديث ومن هم، ويذكر شرح الحديث. ثم يأتي في اليوم التالي ليفعل الشيء نفسه في حديث آخر وثالث ورابع. فهذا هو ما يسمى بالأمالي. والأمالي هذه موجودة في كل العلوم، ففي الأدب توجد أمالي علي القالي عمل، يقول ماذا؟ يقول شعراً ويقول نثراً ويتحدث عن الأدب ويتحدث عن الخطابة ويتحدث عن النثر ويتحدث عن الشعر ويتحدث هكذا. فحاشية الخضري على ابن مالك إملاء، ماذا يعني ذلك؟ الشيخ الخضري جلس في الأزهر وأخذ يملي كل هذين المجلدين اللذين ندرسهما الآن
ونبهر، والله من أين أتى بهذا هذا حفظه ففي تلك كانت عادة العلماء القدماء أنهم يعملون شيئاً اسمه الأمالي وتدل على أنه أكبر من الكتب وأكبر من كتبه المذيع: ما شاء الله. أنا شاكر لفضيلة العلامة الأستاذ الدكتور علي جمعة على هذا الإبحار في سيرة عالم كبير بحجم الإمام ابن الحاجب. أشكرك جداً لفضيلتك. الشيخ: مصر أرض المجددين المذيع: بارك الله فيكم فضيلة الدكتور، شكراً جزيلاً لفضيلتكم، والشكر موصول لحضراتكم مشاهدينا الكرام، وإلى اللقاء. الشيخ: من السلوكيات الخاطئة نزول المرأة إلى الصالات الرياضية المختلطة، وقد انتشر هذا السلوك في الآونة الأخيرة، فهل يجوز للمرأة أن تنزل لمثل هذه
الصالات التي بها رجال ونساء؟ نص الفقهاء على أن ذلك لا يجوز لما فيه من انتهاك الحرمات والبعد عن العفاف الذي أمر به الدين افعلوا هذا لوجه الله تجدوه أمامكم اللهم نعوذ بك من الشر واهله اللهم آتنا خيرهم واصرف عنا شرهم وحصنا بحصنك الحصين من كل ذي شر طمَّنَ قلوبنا وهدَّأ بالنا وأنزل السكينة علينا اللهم آمين.