معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم | خطبة جمعة بتاريخ 2006 02 17 | أ.د علي جمعة - خطب الجمعة, سيدنا محمد

معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم | خطبة جمعة بتاريخ 2006 02 17 | أ.د علي جمعة

26 دقيقة
  • الحمد لله نحمده ونستعينه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
  • النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان قبل البعثة يُدعى في مكة بالصادق الأمين لصدقه وأمانته التي عُرف بها.
  • تميز الرسول بالبركة والذكاء في التجارة والإدارة الحسنة، مما لفت انتباه السيدة خديجة.
  • ابتلاه الله بوفاة أبنائه الذكور، فصبر ولم يجزع أو يعترض على قضاء الله وقدره.
  • كان صلى الله عليه وسلم كريماً لا يبقي شيئاً من الغنائم والأموال التي تأتيه، بل يخرجها في سبيل الله.
  • تحمل الأذى من قومه وصبر عليهم، ودعا لهم بالهداية رجاء أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله.
  • وصفه الله في القرآن بقوله: "وإنك لعلى خلق عظيم"، وخاطبه: "ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون".
  • النبي محمد صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة للعالمين في الصدق والأمانة والصبر والرحمة والكرم.
محتويات الفيديو(26 أقسام)

خطبة الحاجة والثناء على الله تعالى والصلاة على النبي المصطفى

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله ونبيه وصفيه وحبيبه، بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح للأمة، وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين.

اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد في الأولين، وصلِّ وسلم على سيدنا محمد في الآخرين، وصلِّ وسلم على سيدنا محمد في كل وقت وحين، وصلِّ وسلم على سيدنا محمد في العالمين، وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأخيار، وأتباعه الأبرار إلى يوم الدين.

الآيات القرآنية في التقوى والأمر بالقول السديد

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلْأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]

أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم

أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وإن خير الهدي هدي سيدنا محمد رسول الله، وإن شر الأمور محدثاتها، فكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

وبعد، فإن الله سبحانه وتعالى من مَنِّه علينا اختار لنا خير الرسل وخاتمهم، وجعلنا أتباعًا لسيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم، ووصفه فقال:

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]

الله هو الفاعل على الحقيقة وقد جعل النبي خير خلقه ظاهرًا وباطنًا

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإذن الله وبإرادة الله وباصطفاء الله؛ ولأن الله سبحانه وتعالى هو الفاعل على الحقيقة، وهو الخالق على الحقيقة، ولا يكون في كونه إلا ما أراد، فقد خلقنا وما نفعل وما نعمل، وخلق مستقبلنا وماضينا وحاضرنا، سبحانه جلّ جلاله.

فإنه [سبحانه وتعالى] أذن أن يكون هذا الإنسان [محمد صلى الله عليه وسلم] خير خلق الله كلهم، ظاهرًا وباطنًا، خَلقًا وخُلُقًا، فكرًا ومنهجًا، ودينًا وأحكامًا، فكان أسوة حسنة للعالمين، آمن به من آمن، وكفر به من كفر، وضلّ عنه من ضلّ.

فالحمد لله على نعمة الإسلام، أن جعلنا أتباع النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وآله وسلم.

من هو رسول الله الذي جهله الناس وكيف عُرف بالصادق الأمين قبل البعثة

من هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي جهله الناس؟

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان قبل البعثة يُدعى في مكة بالصادق الأمين. تخيّل، وفي خضم الجاهلية رجلًا يرى الصدق من مكارم الأخلاق، وإن كان الكذب من عوائد الناس، ويرى الصدق فيصدق بإذن الله.

ولا يستطيع أحد أبدًا في تاريخ حياته أن يجد له كذبة، فسمّوه بالصادق. ائتمنوه على أماناتهم وأعراضهم وأنفسهم وإن كانوا مخالفين له، فسمّوه بالأمين، فصار هو الصادق الأمين صلى الله عليه وآله وسلم.

شهادة قريش بصدقه وردّ الودائع عند الهجرة إلى المدينة

ومرّ [صلى الله عليه وسلم] وهو يرى أنهم يكذّبونه فيما يمسّ حياتهم [من أمر الدعوة]، فصعد على تبّة أو تلّة صغيرة وقال:

«يا معشر قريش، إذا أخبرتكم أن جيشًا يأتي من خلف هذه التلة، أتصدّقونني؟»

قالوا: نعم يا أبا القاسم، فأنت الصادق الأمين.

ولمّا جاء يهاجر من مكة إلى المدينة ابتعادًا عن أذيتهم للمؤمنين، وتمهيدًا لبناء الدولة التي ستخرج إلى العالم أجمعين، ردّ الودائع التي كانت عنده للمشركين. إذن فالمشركون كانوا يضعون عنده الودائع [لشدة ثقتهم بأمانته].

ذكاء النبي التجاري وبركته في تقليب المال في رحلات الشام

أضاف [صلى الله عليه وسلم] إلى الصدق والأمانة البركة. خرج في التجارة مع عمه، فكان ذكيًّا فطنًا، يأخذ السلعة من مكة وهي تأتيها من رحلة الشتاء من اليمن ليخرج بها إلى الشام.

لا يخرج بمحض نقود يشتري بها ثم يعود، بل إنه يأخذ تلك النقود بتقليب التجارة والإدارة الحسنة، ليأخذها إلى الشام، وعندما يأخذها إلى الشام يبيعها فيربح.

فكان من المعتاد أن يشتري ويعود، لكنه كان يقلّب المال هناك في دورة أفقية أخرى، ويشتري ويبيع وهو في الشام، حتى إذا ما زاد المال وربا، اشترى سلعًا بعينها تكون أكثر نفعًا لذويه، ويكون أهل بلده أكثر انتفاعًا بها، فيعود فيربح بها أضعافًا كثيرة.

لفت انتباه السيدة خديجة وزواج النبي منها ورزقه بالأولاد

ويزداد المال في يده من حسن ذكائه وفطنته، وإدارته وتوفيق الله له، وعلوّ شأنه عنده أضعافًا كثيرة لا يراها الناس مع أقرانه والمتدربين على هذا [العمل التجاري] من ذويه وأهله.

حتى لفت هذا الأمر انتباه السيدة خديجة عليها السلام، وهي أمّ فاطمة الزهراء، أصل أهل البيت الكرام. وتزوّجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ورزقه الله منها الأولاد بنين وبنات.

حكمة الله في عدم بقاء أبناء النبي الذكور وتفريغ قلبه لذكر الله

إلا أن الله سبحانه وتعالى، وعلى عادته مع أولئك الذين هم من أهله — أهل الله — يريد أن يُفرّغ قلوبهم له سبحانه، فلم يبقَ له [صلى الله عليه وسلم] ولد ذكر؛ لأمرٍ يريد الله أن يكون [عليه] أبناء الأنبياء على هذه الصفة.

ومع ذلك العلوّ يكونون من الأنبياء، وهو خاتم المرسلين، حتى يخلو قلبه لذكر رب العالمين.

فصبر ولم يجزع، ولم نسمع منه كلمة فيها اعتراض على قضاء الله وقدره، والله سبحانه وتعالى جعله مثالًا للصابرين المحتسبين.

يُتم النبي وصبره على ضيق الرزق ثم إنفاقه كل ما فُتح عليه في سبيل الله

فكان [صلى الله عليه وسلم] يتيمًا، وضُيّق عليه في رزقه في أول الأمر. ولمّا جاء الرزق بعد ذلك وفُتحت عليه الغنائم، لم يبقَ منها في يده شيء؛ لأنه كان يُخرجها كلها لله رب العالمين.

صادق أمين مبارك، إذ هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

عفو النبي عمن سبّه وشفاعة عثمان ذي النورين يوم الفتح

رسول الله [صلى الله عليه وسلم] سبّه السفلة، وأحدهم جاءه تائبًا وهو في فسطاطه يوم الفتح [فتح مكة]، فدخل معه عثمان ذو النورين [رضي الله عنه]؛ لأنه قد تزوّج رقية وتزوّج أم كلثوم ابنتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ماتت هذه [رقية] عنده، وماتت هذه [أم كلثوم] عنده.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«لو كان عندي ثالثة لزوّجتُكها يا عثمان»

كان [صلى الله عليه وسلم] يحب عثمان لحيائه، لهدوئه النفسي، لكرمه، لإيمانه.

تجهيز عثمان لجيش العسرة واستشهاده وهو يقرأ القرآن الكريم

ومرة عندما جهّز [عثمان رضي الله عنه] جيش العسرة قال [رسول الله صلى الله عليه وسلم]:

«ليفعل ابن عفان ما شاء فقد غُفر له»

فلم يفعل [عثمان] شيئًا إلا أنه استُشهد وهو يقرأ القرآن الكريم، وسال دمه الشريف على مصحفه، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

كان عثمان تستحي منه الملائكة؛ لأنه كان حييًّا مع الله.

كظم النبي غيظه وعفوه عن الرجل الذي سبّه وغضبه لله خوفًا على الدعوة

دخل ذلك السافل مع عثمان، وعثمان يتشفّع له، والنبي [صلى الله عليه وسلم] يكظم غيظه. قبل شفاعة عثمان وعفا عن الرجل.

وبعد أن خرج [الرجل] والضيق يملأ صدر النبي من كثرة سبّ هذا الوضيع له وافترائه عليه وعلى الدعوة وعلى كل شيء يتهكّم به الكافرون إلى اليوم، غضب لله خوفًا من أن تشوّش هذه الأخبار على بعض العقول الضعيفة فتصدّهم عن سبيل الله.

قال: «هلّا، ألم يكن منكم رجل رشيد يضرب عنقه قبل العفو؟» قالوا: ألم تُشِر إلينا بعينك يا رسول الله؟ يريدون أن يشير رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينه هكذا فيقتلوه كالجبابرة والأكاسرة والفراعنة ومن أرادوا البغي في الأرض والطغيان.

ما كان لنبي أن تكون له خائنة عين مع ربه في صدقه المطلق

قال [صلى الله عليه وسلم]: ما كان لنبي أن تكون له خائنة عين مع ربه. لم يقل لسانه كذبًا، ولم يقل فعله كذبًا، بل إن طرفة العين منه لم تكذب [صلى الله عليه وسلم].

حمل النبي همّ الناس ورفضه إهلاك قومه رجاء أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله

ومن حزنٍ [حمله صلى الله عليه وسلم]، وكم حمل على ظهره همّ الناس! جاءه ملك الأخشبين [الجبلين المحيطين بمكة] وقال له:

«مُرني أُطبق عليهم الجبال من كل ناحية»

فقال [صلى الله عليه وسلم]:

«لعل الله أن يُخرج من أصلابهم» — يعني ليس منهم هم — «من أصلابهم من يعبده»

فلبّى الله له ما أراد وزيادة.

إسلام وفد الطائف ومحاولتهم المساومة وردّ النبي عليهم بأنه لا خير في دين لا سجود فيه

فجاءه وفد الطائف فأسلموا، وأرادوا أن يتفاوضوا ويساوموا: يا رسول الله، خفّف عنا الخمر، خفّف عنا الزكاة، خفّف عنا الصلاة. لا يريدون أن يغيّروا ما بأنفسهم، ولا أن يدخلوا في مفهوم الدين الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى.

فقال لهم [صلى الله عليه وسلم]:

«لا خير في دين لا سجود فيه»

والحمد لله، الإسلام هو الذي يأمر أتباعه بالسجود فقط، ولا يسجد له سبحانه في العالمين إلا المسلمون.

وصف الله لحال النبي وحزنه على قومه وأمره بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة

رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفه ربه — وهو أعلم به منا — فيقول:

﴿فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]

ويُسلّي قلبه ويقول له:

﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: 125]

﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّـٰبِرِينَ * وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ﴾ [النحل: 126-127]

أمر الله نبيه بالصبر وتسليته بأن الله مع المتقين والمحسنين

بالله [يكون الصبر]؛ لأنه [سبحانه] يعلم أن طاقتنا قد لا تتحمل ذلك الصبر الذي تحمّله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما يقول له:

﴿وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِى ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: 127-128]

آيات وكأنها قد نزلت علينا الآن، وهذا هو إعجاز القرآن، يتكلم ويُسلّي قلوب المؤمنين، ويُثبّت الإيمان في قلوبهم.

فالحمد لله الذي جعلنا من أتباع ذلك النبي المصطفى.

سورة الشرح وتسلية الله لنبيه بأن مع العسر يسرًا وحمله أعباء الأمة

الذي [النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم] قال له [ربه]:

﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * ٱلَّذِىٓ أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَب﴾ [الشرح: 1-8]

أرأيت ماذا يقول له [ربه]؟ إنه [صلى الله عليه وسلم] يتحمّل أعباء الناس، وأنه وهو يقول لنا:

«أنا منكم مثل الوالد للولد»

قد حمل همّنا، فاللهم جازِه عنا خير ما جزيت نبيًّا عن أمته. اللهم أقمنا يا رب العالمين في سنته، فهّمنا منهجه في حياته، أقمه فينا نعيشه حتى ننال سعادة الدارين.

التعجب من عظمة خلق رسول الله وأبيات في مدحه صلى الله عليه وسلم

ماذا أقول في خلق رسول الله؟ وهل يستطيع أحد أن يستوفي حقه ولو أطال؟

يا خير من يمّم العافون ساحته سعيًا، وفوق متون الإبل الرَّسْم، ومن هو الآية الكبرى للمعتبر، ومن هو النعمة العظمى للمغتنم.

ماذا أقول؟ كالزهر في تَرَف، والبدر في شرف، والبحر في كرم، والدهر في همم.

ماذا أقول؟ دع ما ادّعته النصارى في نبيهم، واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكم، وانسب إلى قدره ما شئت من شرف، وانسب إلى ذاته ما شئت من عِظَم، فإن فضل رسول الله ليس له حدّ فيُعرب عنه ناطق بفم.

فصلّى الله عليك وسلّم يا سيدي يا رسول الله.

الدعوة للنهل من سيرة النبي وإحاطة مولده الشريف بما يليق به

ننهل من فيض خلقه الكريم وسنته، من هنا إلى نهاية ربيع الآخر، حتى نحيط مولده الشريف بما يليق به صلى الله عليه وآله وسلم، من مِنّة في أعناقنا نذكرها فنصلّي عليه.

اللهم صلِّ عليك يا أسعد مخلوقات الله. صلّوا على النبي المصطفى وادعوا ربكم.

الخطبة الثانية والشهادتان والصلاة على النبي والدعاء بالإيمان والرشاد

ربكم [رب] العالمين وحده الباعث. الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده. وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله.

فاللهم صلِّ عليه صلاة وسلامًا دائمين، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وجازِه عنا خير ما جازيت نبيًّا عن أمته.

اللهم انفعنا به في الدنيا واشفعه فينا في الآخرة. اللهم افتح علينا فتوح العارفين بك، ثبّت الإيمان في قلوبنا وحبّبه لنا، وكرّه لنا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، ومن المتقين، ومع القوم الصادقين.

الدعاء بالرحمة والمغفرة ونصرة الإسلام والمسلمين وإظهار آيات الله

اجعل جمعنا هذا جمعًا مرحومًا، وتفرّقنا من بعده تفرّقًا معصومًا، ولا تجعل فينا شقيًّا ولا محرومًا. كن لنا ولا تكن علينا، ارحم حيّنا وميّتنا وحاضرنا وغائبنا يا أرحم الراحمين.

ارحمنا يا غياث المستغيثين أغثنا، ارفع أيدي الأمم عنا، اهدنا واهدِ بنا، بلّغ بنا دينك.

اللهم يا أرحم الراحمين، هذا حالنا لا يخفى عليك، وعلمُ ما يتلجلج في صدورنا بين يديك، فانصر الإسلام والمسلمين وائتنا بهم مهديين.

اللهم أظهر آياتك بالرحمة بنا ولنا يا أرحم الراحمين.

الدعاء بأن يكون القرآن ربيع القلوب والانتقال من دائرة السخط إلى دائرة الرضا

اللهم يا رب العالمين اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، وجلاء همّنا وحزننا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا، علّمنا منه ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا.

اللهم يا رب العالمين أنقلنا من دائرة سخطك إلى دائرة رضاك، وافتح علينا من خزائن فضلك ورحمتك ما تُثبّت به أقدامنا في الجهاد في سبيلك، وقلوبنا في الإيمان بك وبحبيبك.

واحشرنا تحت لواء نبيك صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا، ثم أدخلنا الجنة من غير حساب، ولا سابقة عقاب ولا عتاب، يا رب يا رحمن يا رحيم يا ذا الجلال والإكرام.

الدعاء الجامع بكل اسم لله أن يبدل الحال ويوحد قلوب المسلمين

يا جبار يا قهار، نسألك بكل اسم هو لك أنزلته في كتابك، أو علّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تبدّل حالنا إلى أحسن حال، وأن توحّد بين قلوب المؤمنين والمسلمين، وأن تجعلنا هداة مهديين نبلّغ دينك إلى العالمين، ولا تجعلنا حجابًا بينهم وبينك يا رب العالمين.

ارحم حالنا، ورقّق قلوبنا، واستر عيوبنا، وارزقنا رزقًا واسعًا وعلمًا نافعًا وقلبًا خاشعًا وعينًا دامعة ونفسًا قانعة وشفاءً من كل داء.

الدعاء بإصلاح الدين والدنيا والآخرة والختام بالصلاة على النبي وإقامة الصلاة

اللهم يا ربنا، ولعلها أن تكون ساعة الإجابة، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي فيها معادنا، ومتّعنا بالنظر إلى وجهك الكريم.

وكن لنا ولا تكن علينا يا أرحم الراحمين.

﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]

وأدخلنا الجنة مع الأبرار. وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.

أقم الصلاة:

﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45]