ما هي نظريات علم أصول الفقه السبع وكيف تتصل بمقاصد الشريعة وبناء الاجتهاد؟
علم أصول الفقه يقوم على سبع نظريات متتالية بناها الأصوليون بمنطق متسلسل: الحجية، والتوثيق، والفهم، والقطعي والظني، والإلحاق والقياس، والتعارض والترجيح، ثم مقاصد الشريعة وشروط الاجتهاد. كل نظرية تجيب عن سؤال منطقي طرحه الأصولي على نفسه وهو يسعى لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية. فهم هذا الترتيب يجعل دراسة الأصول أيسر وأوضح.
- •
كيف فكر الأصوليون حتى بنوا علم أصول الفقه، وما السر في ترتيب مسائله على هذا النحو؟
- •
أثبت علماء كالسنهوري وشلتوت أن الفقه الإسلامي قادر على الحضور في خريطة الفكر القانوني العالمي، حتى اعتمده مؤتمر لاهاي مصدرًا من مصادر القانون الدولي.
- •
بنى الأصوليون نظرية الحجية على إثبات أن الكتاب والسنة الصحيحة هما المصدر الموثوق لمعرفة مراد الله.
- •
نظرية الفهم في علم أصول الفقه تستلزم دراسة اللغة العربية بعمق، من حروف المباني إلى العموم والخصوص والإطلاق والتقييد.
- •
التمييز بين القطعي والظني في الدلالة يحمي الإجماع من المخالفة ويمنع الفوضى الفكرية في الاستنباط.
- •
مقاصد الشريعة وشروط الاجتهاد تمثل النظرية السابعة والأخيرة التي تُوِّج بها الأصوليون رحلتهم العقلية في بناء هذا العلم.
- 0:00
مبدأ الرحلة في عقول العلماء المسلمين الأوائل لفهم كيفية تفكيرهم في علم أصول الفقه والفقه والتفسير.
- 1:10
جهود أبو زهرة والزرقا في استخراج النظريات الفقهية الإسلامية كنظرية العقد والالتزام والضرورة من الفقه الإسلامي.
- 2:20
السنهوري وشلتوت أثبتا حضور الفقه الإسلامي على خريطة الفكر القانوني العالمي حتى اعتمده مؤتمر لاهاي مصدرًا للقانون الدولي.
- 4:00
رحلة في ذهن الأصولي تكشف كيف فكر الشافعي والغزالي والرازي في بناء علم أصول الفقه عبر أسئلة منطقية متتالية.
- 4:56
بنية علم أصول الفقه تعكس أسئلة منطقية متتالية طرحها الأصولي لوضع أدوات استنباط الأحكام الشرعية.
- 5:47
السؤال الأول للأصولي: ما الحجة لمعرفة مراد الله؟ وهو السؤال الذي أسس لنظرية الحجية في علم أصول الفقه.
- 6:55
المسلمون حافظوا على القرآن كتابةً بالخط العثماني وتلاوةً بقراءات عشر متواترة، مما يثبت توثيقه العلمي القاطع.
- 8:23
القرآن دالٌّ على صدقه بإعجازه اللغوي وموافقته للأسس المعرفية، مما يجعله حجة قاطعة في علم أصول الفقه.
- 9:16
القرآن مركَّب لا خطي لأن الحياة مركبة، فوافق الكتاب المسطور الكونَ والإنسان في تناسق معجز.
- 9:56
الأصوليون استدلوا على حجية السنة النبوية بآيات قرآنية صريحة تأمر بطاعة الرسول واتباعه.
- 10:51
السنة النبوية موثقة ومعتمدة، والنبي معصوم في التبليغ بدليل القرآن الكريم وشهادته صلى الله عليه وسلم على نفسه.
- 11:55
السؤال الثاني للأصولي: كيف وصل الكتاب والسنة إلينا؟ فبحثوا في القراءات المتواترة والحديث المرسل وأنواعه.
- 12:38
الحديث المرسل عند الأولين يشمل كل سقط في الإسناد، وعند المتأخرين يختص بسقوط الصحابي، وبحثه في الأصول من باب التوثيق.
- 13:19
النظريتان الأولى والثانية في علم أصول الفقه هما الحجية والتوثيق، وتظهران في مباحث الكتاب والسنة وأدلة نقلهما.
- 14:10
الأصوليون اهتموا بحروف المباني العربية الثمانية والعشرين لأن فهم الكتاب والسنة يستلزم إتقان اللغة العربية من أساسها.
- 15:16
الرسم القرآني في المصحف العثماني فريد لا يُقاس عليه، وإعجازه في رسمه دليل إضافي على حجيته وصون نقله.
- 16:10
الأصوليون بحثوا في حروف المعاني القرآنية لفهم السياق ودلالات الألفاظ بهدف استنباط الأحكام الفقهية بدقة.
- 17:29
النظرية الثالثة في علم أصول الفقه هي الفهم عبر العموم والخصوص والإطلاق، وهي أعمق مما قاله النحاة وأهل اللغة.
- 18:29
النظرية الرابعة تميز بين قطعي الدلالة الذي لا خلاف فيه وظني الدلالة الذي يجوز الاختلاف فيه وفق ضوابط مقاصد الشريعة.
- 20:09
الإجماع قطعي لا يجوز مخالفته، وهو الفيصل بين اختلاف التنوع المثري واختلاف التضاد الهدام في الفقه الإسلامي.
- 21:27
الإجماع يُبطل الاستدلال اللغوي الخاطئ، ومن يخالفه يكشف عن غياب التخصص الشرعي وعدم بناء الذهن بالتدريج.
- 22:38
العلم الشرعي منهج وقواعد لا مجال للخواطر، والفكر المشوش الذي يبيح المحرمات نتيجة مباشرة لغياب التخصص الشرعي.
- 23:37
تحويل الدين إلى مجال للخواطر واستعمال الشغب ضد العلماء أداتان لهدم العلم الشرعي ومنهجه المنضبط.
- 24:15
النظرية الخامسة هي الإلحاق والقياس، نشأت لسد الفراغ التشريعي بإلحاق ما لم يرد فيه نص بما ورد وفق الشبه والعلة.
- 25:38
القياس يُلحق المسكوت عنه بالمنصوص عليه عند اشتراك العلة، كإلحاق الإيجار بالبيع في النهي عن التعدي على حق الأخ.
- 26:24
النظرية السادسة هي التعارض والترجيح، وتُحل بالتوقيت أو النسخ أو الجمع بين النصوص وفق قواعد تفصيلية دقيقة.
- 26:56
مقاصد الشريعة وشروط الاجتهاد هي النظرية السابعة الختامية التي تُتوِّج الرحلة في عقل الأصولي وتُكمل بناء علم أصول الفقه.
ما الهدف من دراسة طريقة تفكير علماء الأصول والفقه والتفسير؟
الهدف هو الغوص في عقول العلماء المتقين لمعرفة كيف توصلوا إلى نتائجهم، لا مجرد حفظ تلك النتائج. يشمل ذلك فهم طريقة تفكير الأصولي والفقيه والمحدث والمفسر، إضافة إلى المعلومات الأساسية التي كانوا يتصورون بها الكون.
ما إسهامات العلماء المعاصرين في استخراج النظريات الفقهية من الفقه الإسلامي؟
أسهم علماء كمحمد أبو زهرة ومصطفى الزرقا في استخراج النظريات الضابطة من الفقه الإسلامي، كنظرية العقد ونظرية الالتزام ونظرية التعسف في استعمال الحق ونظرية الضرورة. علّموا مدرسة كبيرة من الفقهاء المعاصرين البحث والتنقيب عن هذه النظريات التي تتشابه في كثير من الأحيان مع الفكر العالمي.
كيف أثبت السنهوري وشلتوت مكانة الفقه الإسلامي في القانون الدولي؟
سعى عبد الرزاق السنهوري لإيجاد موطئ قدم للتشريع المصري عالميًا فاطلع على أكثر من ستة عشر تشريعًا دوليًا، مؤكدًا أن الجميع يتوخى العدل وأن الفقه الإسلامي قادر على تحقيقه. وأيده الشيخ محمود شلتوت بتقديم بحثه عن المسؤولية إلى مؤتمر لاهاي، فاعتمد المؤتمر الفقه الإسلامي مصدرًا من مصادر القانون الدولي.
كيف فكر الأصوليون حتى أنتجوا كتب الأصول من الشافعي إلى الغزالي والرازي؟
الأصوليون طرحوا على أنفسهم أسئلة منطقية متتالية أرادوا الإجابة عنها بأدوات دقيقة، وهذا ما أنتج كتاب الرسالة للشافعي ثم تطور العلم عند الغزالي والرازي والإسنوي وغيرهم. الرحلة في ذهن الأصولي هي محاولة لفهم لماذا أثاروا هذه الموضوعات بالذات في علم أصول الفقه.
ما البنية الأساسية لعلم أصول الفقه وكيف تعكس منطق الأصولي في التفكير؟
يتناول علم أصول الفقه في بنيته: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والتعارض والترجيح، وينتهي بالاجتهاد. هذه البنية تعكس أسئلة منطقية متتالية طرحها الأصولي على نفسه وأراد أن يضع الأدوات التي يستطيع بها الإجابة عنها.
ما السؤال الأول الذي طرحه الأصولي على نفسه وكيف أجاب عنه؟
السؤال الأول كان: ما الحجة التي يمكن الاعتماد عليها لمعرفة مراد الله؟ طرحه الأصولي وهو يدرك أنه يفصله عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو مائتي عام. أخذ يبحث في هذا السؤال ليضع الأساس الأول لعلم أصول الفقه.
كيف حافظ المسلمون على القرآن الكريم بما يجعله حجة موثوقة؟
حافظ المسلمون على القرآن بكل الوسائل: كتابةً بالخط العثماني، وتلاوةً بأسانيد متواترة عبر عشرة قراء معتمدين. وُجدت أكثر من تسعين قراءة غير معتمدة لعدم موافقتها خط المصحف أو العربية أو الرواية، مما يدل على أن الكتاب نُقل بصورة لافتة للنظر موثقة علميًا.
كيف يدل القرآن الكريم في ذاته على صدقه وإعجازه؟
القرآن دالٌّ على صدقه بلغته المعجزة التي ليست لغة البشر المعتادة لا في عصره ولا بعده. كل ما تكلم عنه صدق فيه، وكل عبارة فيه توافق جميع الأسس المعرفية. وهو معجز في صياغته وأسلوبه وترتيبه وعرضه.
لماذا يُقال إن القرآن ليس خطيًا وكيف يوافق طبيعة الحياة والكون؟
القرآن ليس خطيًا يسرد الأحداث بتسلسل زمني، بل هو مركَّب لأن الحياة أمامه مركبة وليست خطًا، والإنسان مع الواقع في تغير وجدلية مستمرة. فوافق هذا الكتاب المسطور الكتابَ المنظور وهو الكون، ووافقهما الكتابُ المقدور وهو الإنسان.
كيف استدل الأصوليون على حجية السنة النبوية من القرآن الكريم؟
بعد إقامة البرهان على أن القرآن كتاب الله ونُقل بصورة موثقة، وجد الأصوليون فيه الأمر بطاعة الرسول واتباعه في آيات صريحة كقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ و﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني﴾. فأخذوا من هذا أن السنة حجة.
ما الأدلة على أن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم في التبليغ عن ربه؟
السنة نُقلت بصورة معتمدة موثوق بها، والنبي صلى الله عليه وسلم أكد أنه لا يقول إلا حقًا. وأيده القرآن بقوله: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾، مما يبين أنه لا يخطئ في التبليغ عن ربه.
ما السؤال الثاني الذي طرحه الأصوليون بعد إثبات حجية الكتاب والسنة؟
بعد الإجابة عن السؤال الأول بأن الحجة هي الكتاب والسنة الصحيحة، انتقل الأصوليون إلى السؤال الثاني: كيف وصل إلينا الكتاب والسنة؟ ولذلك بحثوا في القراءات المتواترة والمشهورة والشاذة، وبحثوا في الحديث المرسل ومدى حجيته.
ما الفرق بين تعريف الحديث المرسل عند الأولين والمتأخرين من علماء الحديث؟
عند الأولين من علماء الحديث، المرسل هو ما سقط من إسناده راوٍ من أي مكان كان. أما عند المتأخرين فالمرسل خاص بسقوط الصحابي من الإسناد. وكان علماء الأصول يبحثون في هذه المسألة من باب التوثيق والتثبت من وصول السنة.
ما النظريتان الأولى والثانية في علم أصول الفقه وأين تظهران في مباحثه؟
النظرية الأولى هي نظرية الحجية، والنظرية الثانية هي نظرية التوثيق. مباحث التوثيق موجودة ومبثوثة في علم أصول الفقه سواء في الكتاب والسنة باعتبار البرهان والعقيدة والأدلة على أنهما الحجة، وقد اطمأن الأصولي لنقلهما.
لماذا اهتم الأصوليون باللغة العربية وحروف المباني في سياق فهم الكتاب والسنة؟
لأن الكتاب باللغة العربية، فلا بد من الاهتمام بها على مستوى الحرف والبناء للكلمة. حروف المباني ثمانية وعشرون حرفًا، وستة منها تختص بها العربية دون اللاتينية والعبرية. فهم هذه الحروف ضروري لفهم النصوص الشرعية واستنباط الأحكام.
ما خصائص الرسم القرآني في المصحف العثماني وما علاقته بإعجاز القرآن؟
الرسم القرآني رسم قياسي فريد لا يُقاس عليه، وجد فيه الأصوليون عجائب كتابية كاختلاف كتابة كلمة إبراهيم في سورة البقرة عن سائر القرآن، وتنوع كتابة التاء في كلمات كامرأة ورحمة وشجرة. حافظوا على هذا الرسم كما كان وقالوا إن القرآن معجز في رسمه كما هو معجز في لفظه.
ما علاقة حروف المعاني بعلم أصول الفقه واستنباط الأحكام الشرعية؟
حروف المعاني في العربية نحو ثمانين حرفًا، والمذكور في القرآن منها نحو ثلاثين، وبحث الأصوليون في نحو أحد عشر حرفًا منها بتعمق. الهدف هو فهم السياق ودلالات الألفاظ والمجاز والحقيقة والاشتراك وخصائص اللغة لاستنباط الأحكام الفقهية.
ما النظرية الثالثة في علم أصول الفقه وكيف تختلف عما قاله أهل اللغة؟
النظرية الثالثة هي نظرية الفهم، وتشمل العموم والخصوص والإطلاق والتقييد والاستثناء والمخصصات. الأصوليون لم ينقلوا هذا المجال من اللغة نقلًا، بل فكروا بما يلائم أدوات استنباط الأحكام، فجاؤوا بأشياء لم يتحدث عنها أهل اللغة ولا النحاة.
ما النظرية الرابعة في علم أصول الفقه وما معيار التمييز بين القطعي والظني؟
النظرية الرابعة هي نظرية القطعي والظني في الدلالة. قطعي الدلالة هو ما لا يختلف عليه اثنان ولم يخطر في بال أحد إلا معنى واحد. أما ظني الدلالة فهو ما يمكن الاختلاف فيه بطريقة علمية محترمة، بشرط ألا يخالف اللغة ولا يضر بمقاصد الشريعة ولا يضيع مصالح الناس وأن يراعي المآلات.
ما الفرق بين اختلاف التنوع واختلاف التضاد وما دور الإجماع في حسم الخلاف؟
اختلاف التنوع يُثري ويُمكِّن للمسلمين في الأرض، أما اختلاف التضاد فيهدم بعضه بعضًا وينقض بعضه بعضًا. جعل الأصوليون الإجماع قطعيًا ومنعوا مخالفته منعًا باتًا حتى لا يدخل المسلمون في جدالات لا طائل منها، ومن أمثلته: الصلوات خمس، والوضوء قبل الصلاة لا بعدها.
كيف يُبطل الإجماع الاستدلال اللغوي الخاطئ في مسائل كالوضوء؟
من يستعمل الأدوات اللغوية وحدها قد يصل إلى نتائج خاطئة كالقول بأن الوضوء بعد الصلاة، لكن النظرية الرابعة تلزمه بالالتزام بالقطعي وإجماع الأمة الذي لا يجوز مخالفته. هذا الخطأ ينتج من عدم بناء الذهن بالتدريج عبر الدراسة الأكاديمية المتخصصة.
لماذا لا يجوز التعامل مع العلم الشرعي كالفنون والآداب بلا ضوابط منهجية؟
العلم الشرعي له منهج وقواعد تحوِّل الفكر إلى ضوابط وقوالب يمكن نقلها لمن بعدنا، وليس مجالًا يُبدع فيه بلا ضوابط كالفنون والرياضة. الفكر المشوش الذي يبيح ما لا يجوز نتج من عدم التخصص وعدم بناء الذهن بطريقة علمية منهجية.
كيف يُستعمل الشغب على العلماء أداةً لهدم العلم الشرعي ومنهجه؟
يحاول بعضهم تحويل الدين إلى مجال للخواطر يتحدثون فيه كيف يشاؤون ثم يغيرون آراءهم. وكلما نوقشوا لجأوا إلى تصنيفات جاهزة كعلماء السلطان وعلماء القرآن، وهو شغب لا نهاية له يُستعمل في هدم العلم وهدم المنهج.
ما النظرية الخامسة في علم أصول الفقه وكيف نشأت آلية القياس؟
النظرية الخامسة هي الإلحاق، نشأت لأن الأصولي لم يجد في الكتاب والسنة حكمًا لكل فعل بشري. فبدلًا من إباحة كل ما لم يُذكر بغض النظر عن المصلحة والمقاصد والمآلات، اختار الأصوليون إلحاق الشبيه بشبيهه والنظير بنظيره، فنشأت آلية القياس كمنظومة ضخمة توسعوا فيها.
كيف يعمل القياس في إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه مع مثال تطبيقي؟
القياس يعمل بإلحاق حكم المسكوت عنه بالمنصوص عليه عند اشتراكهما في العلة. مثاله: النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الخطبة على خطبة الأخ والبيع على بيعه، فهل يُلحق به الإيجار على إيجار الأخ؟ هذا هو القياس بعينه.
ما النظرية السادسة في علم أصول الفقه وما طرق حل التعارض الظاهري بين النصوص؟
النظرية السادسة هي التعارض والترجيح، وتنشأ عندما يجد المجتهد تعارضًا ظاهريًا بين النصوص. طرق حله أربع: جعل لكل نص زمنًا مختلفًا، أو جعل أحدهما ناسخًا والآخر منسوخًا، أو الجمع بينهما بأن كل منهما لحالة مختلفة، أو غير ذلك مع وضع القواعد التفصيلية.
ما النظرية السابعة في علم أصول الفقه وكيف تكتمل بها الرحلة الأصولية؟
النظرية السابعة هي مقاصد الشريعة وشروط الاجتهاد، إذ لا بد للمجتهد أن يكون واعيًا بمقاصد الشريعة والمآلات المرعية والمصالح الإنسانية، وأن تتوفر فيه شروط الاجتهاد. هذه النظريات السبع هي رحلة في عقل الأصول تجعل دراسة الأصول بترتيبها الموروث أيسر وأخف على الطالب.
علم أصول الفقه يقوم على سبع نظريات متتالية تبدأ بالحجية وتنتهي بمقاصد الشريعة وشروط الاجتهاد.
علم أصول الفقه لم يُبنَ عشوائيًا، بل نشأ من أسئلة منطقية متتالية طرحها الأصولي على نفسه: ما الحجة؟ كيف وصلت إلينا؟ كيف نفهمها؟ ما القطعي وما الظني منها؟ وكيف نلحق ما لم يرد فيه نص؟ وكيف نرجح عند التعارض؟ وما المقاصد التي تحكم كل ذلك؟ هذه الأسئلة السبعة هي هيكل الأصول.
مقاصد الشريعة تمثل التاج الذي يُتوِّج الرحلة الأصولية، إذ لا يكفي المجتهد أن يتقن أدوات الفهم اللغوية وحدها، بل لا بد أن يكون واعيًا بالمصالح الإنسانية والمآلات المرعية. وقد أثبت علماء كالسنهوري وشلتوت أن هذا المنهج الأصولي المتكامل قادر على الحضور في الفكر القانوني العالمي، حتى اعتمد مؤتمر لاهاي الفقه الإسلامي مصدرًا من مصادر القانون الدولي.
أبرز ما تستفيد منه
- علم أصول الفقه يقوم على سبع نظريات: الحجية، التوثيق، الفهم، القطعي والظني، القياس، التعارض والترجيح، ومقاصد الشريعة.
- الكتاب والسنة الصحيحة هما الحجة الأولى التي اعتمدها الأصوليون لمعرفة مراد الله.
- الإجماع قطعي لا يجوز مخالفته، وهو الضامن لوحدة الأمة في المسائل المتفق عليها.
- مقاصد الشريعة وشروط الاجتهاد هي النظرية الختامية التي تضبط عمل المجتهد وتحمي الفقه من الفوضى.
مقدمة المحاضرة ومبدأ الغوص في عقول العلماء المسلمين الأوائل
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
من مبادئنا أن نغوص في عقول الأولين من العلماء المتقين والمفكرين المسلمين، في رحلة نحاول فيها استكشاف كيف يفكرون. إنهم كتبوا نتاج فكرهم كنتائج توصلوا إليها، لكننا نطمع في أن نعلم كيف توصلوا إليها؛ الطريق الذي سلكوه، كيف فكروا.
كيف فكر الأصولي، وكيف فكر الفقيه، كيف فكر المحدِّث، وكيف فكر المفسِّر؟ بالإضافة إلى المعلومات الأساسية التي كان يتصور بها الكون.
جهود العلماء المعاصرين في استخراج النظريات الفقهية الإسلامية
وللإجابة عن السؤال الأول [كيف فكر العلماء المسلمون]، نظر كثير من الناس في الفقه الإسلامي وحاولوا أن يستخرجوا منه النظريات الضابطة. وكان المحدثون من أمثال الشيخ محمد أبو زهرة والأستاذ مصطفى الزرقا قد ساهما كثيرًا في التأمل في الفقه.
ونرى في كتبهما هذا المعنى: نظرية العقد، نظرية الالتزام، نظرية التعسف في استعمال الحق، نظرية الضرورة، وهكذا. عَلَّموا مدرسة كبيرة من الفقهاء المعاصرين للبحث والتنقيب عن النظريات التي جاء بها الفقهاء المسلمون، وهي كثيرة، وفي كثير من الأحيان تتشابه مع الفكر العالمي.
جهود السنهوري وشلتوت في إثبات مكانة الفقه الإسلامي دوليًا
وهذا هو الذي شعر به القانوني العظيم عبد الرزاق السنهوري عندما أراد للتشريع المصري أن يجد موطئ قدم في العالم مع التشريعات الأخرى، فأخذ يطالع أكثر من ستة عشر تشريعًا. وفي هذه التشريعات أخذ من التشريع الهندي والبلجيكي والفرنسي والأمريكي والإنجليزي وغير ذلك من التشريعات، سواء اعتمدت القانون أو على السوابق القضائية أو غير ذلك.
وإنما الجميع يتوخى العدل، فكيف نصل إلى العدل من خلال تفكيرنا الفقهي ومبادئنا الإسلامية؟ فنجد بذلك أننا استطعنا أن نضع أقدامنا على خريطة العالم الفكري؛ هذا كان مبتغاه.
وأيده في ذلك الاتجاه الشيخ محمود شلتوت عندما قدم بحثه عن المسؤولية وأتى بالجديد الذي لا يعرفه العالم في نظرة الفقه الإسلامي لهذا الموضوع، قدمه إلى مؤتمر لاهاي، وحينئذ اعتمدوا الفقه الإسلامي مصدرًا من مصادر القانون الدولي.
رحلة في ذهن العالم المسلم وكيف فكر الأصوليون في تأسيس علم الأصول
هذه الجهود التي تمت كانت فيها محاولة لما نريد أن نقوله من رحلة في ذهن العالم المسلم. فإذا ما تصورنا ذلك في علم الأصول فإننا سنجد أنفسنا أمام الرحلة التالية:
كيف فكر الأصوليون حتى يأتوا لنا بكتاب الرسالة من تحرير الشافعي؟ ونفس الكلام بصياغة مختلفة عند الغزالي، ثم عند الرازي، ثم عند الإسنوي، ثم عند [غيرهم]، وهكذا على مر التاريخ وإلى يومنا هذا.
كيف فكروا؟ لماذا أثاروا هذه الموضوعات في هذا العلم؟
بنية علم أصول الفقه والأسئلة المنطقية التي طرحها الأصولي على نفسه
فإذا غصت في علم الأصول وحاولت أن تلملم أطرافه ومسائله، وهو يتحدث عن: الكتاب الأول في الكتاب، والكتاب الثاني في السنة، والثالث في الإجماع، والرابع في القياس، والخامس في التعارض والترجيح، وهكذا إلى أن ينتهي بكتاب الاجتهاد.
إذا تأملنا هذا وحاولنا أن نتتبع هذه الرحلة في ذهن الأصولي، نجد وكأنه قد سأل نفسه أسئلة منطقية متتالية، وأراد أن يضع الأدوات التي يستطيع بها أن يجيب على هذه الأسئلة.
السؤال الأول للأصولي: ما الحجة التي أعتمد عليها في معرفة مراد الله؟
سأل [الأصولي] نفسه أولًا: أنا هنا في القرن الثاني أو الثالث الهجري، بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو مائتي عام أو يزيد — الشافعي توفي سنة مائتين وأربع من الهجرة —
فما الحجة؟ أنا لم أتلقَّ الوحي عن الله، وأنا أريد أن أعلم ما الذي يرضيه عني وما الذي يغضبه عليّ، وأريد أن أكون في دائرة رضاه ولا أكون في دائرة سخطه.
فما الحجة التي يمكن أن أعتمد عليها في هذا المجال؟ السؤال الأول: ما الحجة؟ وأخذ يبحث فيه.
حفظ القرآن الكريم بالكتابة والتلاوة والأسانيد المتواترة
فوجد [الأصولي] أن المسلمين حافظوا على الكتاب بكل الوسائل: حافظوا عليه كتابةً، حافظوا عليه في شكل هذه الكتابة حتى سُمِّيت هذه الكتابة بـالخط العثماني، حافظوا على تلاوته، حافظوا عليه بصورة يستحيل معها الخطأ.
وجدنا في النقل قراءً عشرة أسانيدهم متواترة، ووجدنا أكثر من تسعين قراءة غير معتمدة؛ لأنها لا توافق خط المصحف، أو لأنها لا توافق العربية، أو لأنها لا توافق الرواية — تسعين بالمائة — ولكن هذه النسبة التسعينية في مواضع معينة.
فوجد [الأصولي] أمرًا واضحًا جليًّا أن الكتاب نُقل بصورة لافتة للنظر وبصورة موثقة علميًّا.
دلالة القرآن على صدقه بلغته المعجزة وموافقته للأسس المعرفية
فلما وجد [الأصولي] كذلك [أن الكتاب نُقل بصورة موثقة]، وهذا الكتاب دالٌّ في ذاته على صدقه؛ حيث إنه صِيغ بصيغة وكُتب بلغة ليست هي لغة البشر المعتادة، لا في عصره ولا فيما [بعده].
وكل ما تكلم عنه صدق فيه، وكل عبارة فيه فإنها توافق جميع الأسس المعرفية، وإن اختلفت [الظواهر]. فهو معجز في صياغته، ومعجز في أسلوبه، ومعجز في ترتيبه، ومعجز في عرضه.
القرآن ليس خطيًّا بل مركب يوافق الكتاب المنظور والمقدور
وهو [القرآن] ليس خطيًّا؛ بمعنى أنه يقول مثلًا: إنه في السنة الأولى حصل كذا، وفي السنة الثانية حصل كذا، وفي السنة العشرين سيحدث هكذا. أبدًا، هذا [الكتاب] مركَّب، وإن الحياة أمامه مركبة هي الأخرى وليست خطًّا؛ لأن الإنسان مع الواقع في تغيُّر وفي جدلية مستمرة.
فوافق هذا الكتاب المسطور هذا الكتاب المنظور [الكون]، ووافقهما الاثنان هذا الكتاب المقدور وهو الإنسان.
إقامة البرهان على حجية الكتاب والانتقال إلى حجية السنة النبوية
فكروا [الأصوليون] في أنه ليس بعد ذلك — وقيام البرهان على أن هذا كتاب الله، وإقامة البرهان على أنه نُقل إلينا بصورة لافتة للنظر موثقة معتمدة — [شكٌّ في] أنه حجة.
ثم تأملوا فيه فوجدوا قوله تعالى:
﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]
ووجدوا فيه الأمر بطاعة الله وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجدوا فيه الأمر باتباع النبي:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
ويقول [الله تعالى]:
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
فأخذوا من هذا أن السنة حجة.
توثيق السنة النبوية وأدلة عصمة النبي في التبليغ عن ربه
فوجدوا أن السنة قد نُقلت أيضًا بصورة معتمدة موثوق بها لافتة للنظر، وأنها هي تحكي عن نفسها أنها حجة.
قال [أحد الصحابة]: «والله إني لا أقول إلا حقًّا، أنا أكتب عنك في الرضا والغضب يا رسول الله»، قال ﷺ: «لا أقول إلا حقًّا»
وربنا يؤيده:
﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ۞ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ۞ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النجم: 3-5]
«ما ينطق عن الهوى» عبارة تبين أنه صلى الله عليه وسلم لا يقول شيئًا من عند نفسه، ولا يخطئ في التبليغ عن ربه.
﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ۞ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ۞ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الحاقة: 44-46]
إلى آخر ما هنالك من آيات:
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ﴾ [آل عمران: 128]
﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]
الإجابة عن السؤال الأول والانتقال إلى السؤال الثاني: كيف وصل إلينا الكتاب والسنة؟
أجابوا [الأصوليون] عن السؤال الأول: ما الحجة؟ وجعلوا المصدر الكتاب والسنة الصحيحة؛ الكتاب والسنة [هما] الحجة.
فسألوا أنفسهم سؤالًا ثانيًا: كيف وصل إلينا الكتاب والسنة؟ ولذلك تراهم يبحثون عن القراءات المتواترة والقراءات المشهورة والقراءات الشاذة، وتراهم يبحثون عن الحديث المرسل وعن مدى حجيته.
مفهوم الحديث المرسل بين اصطلاح الأولين والمتأخرين من علماء الحديث
والحديث المرسل في اصطلاح الأولين [من علماء الحديث]: ما سقط من إسناده راوٍ من أي مكان كان. وفي اصطلاح المتأخرين: المرسل — منه [مرسل] الصحابي — [هو ما] سقط [منه الصحابي]، إذا فهو خاص بسقوط الصحابي.
ولكن الأولين من علماء الحديث كانوا يطلقون المرسل على كل ما سقط من سنده ولو في أي مكان فيه. أحدٌ يتكلم [هنا عن أن] علماء الأصول [يبحثون] عن التوثيق.
النظرية الأولى والثانية في ذهن الأصولي: الحجية والتوثيق
إذا فهذا هو السؤال الثاني الذي خطر في بال ذلك الأصولي وهو يحاول أن يضع أداة لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.
النظرية الأولى: نظرية الحجية، والنظرية الثانية: نظرية التوثيق.
فنرى مباحث التوثيق موجودة ومبثوثة في علم أصول الفقه، سواء كان [ذلك في] الكتاب والسنة باعتبار البرهان، وباعتبار العقيدة، وباعتبار الأدلة [على أنهما] الحجة. وقد اطمأن [الأصولي] لنقله.
النظرية الثالثة: الفهم ودراسة اللغة العربية على مستوى الحروف والبناء
إذن فما عليّ إلا أن أدرسهما [الكتاب والسنة]، فكيف نقرأ الكتاب والسنة؟ ويمكن أن نجعلها تحت كلمة واحدة: الفهم. أريد أن أفهم.
فتحت الكتاب [القرآن] وجدت أنه باللغة العربية، إذا فلا بد من الاهتمام باللغة العربية على مستوى الحرف [و] البناء للكلمة؛ لأن حروف المباني ثمانية وعشرون حرفًا.
كانوا يجمعونها قديمًا طبقًا للأبجديات العبرانية والسريانية وغيرها: أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ. وهذه الستة الأخيرة تختص بها العربية ولا وجود لها لا في اللاتينية ولا في العبرية، ويسمونها بـحروف المباني.
خصوصية الرسم القرآني وعجائب الكتابة في المصحف العثماني
ووجدوا الرسم القرآني رسمًا قياسيًّا فريدًا لا يُقاس عليه؛ يعني رسمًا هو في ذاته يحافظ على نفسه لكنه لا يُقاس عليه.
وجدوا «إبراهيم» في سورة البقرة ليس فيها ياء، ولها ياء في كل القرآن [الكريم]. وجدوا أن «امرأة» و**«رحمة»** و**«شجرة»** مرة تُكتب بالتاء المفتوحة ومرة بالتاء المربوطة. وجدوا أن «لا» مرة تُكتب مفصولة — «أن لا» — ومرة تُكتب «إلّا» من غير نون.
وجدوا عجائب في هذه الكتابة فحافظوا عليها كما كانت، وقالوا إن القرآن معجز في رسمه كما أنه معجز في لفظه.
بحث الأصوليين في حروف المعاني وعلاقتها باستنباط الأحكام الفقهية
الأصوليون بحثوا عن الحروف فوجدوا أن حروف المباني، وهناك حروف للمعاني. وهذه حروف المعاني في اللغة العربية نحو ثمانين حرفًا، لكنها كلها لم تُذكر في القرآن، والمذكور في القرآن منها نحو ثلاثين حرفًا، والبقية لا تُذكر.
فبحثوا في الحروف التي تتعلق باستنباط الفقه الواردة في الكتاب، فبحثوا نحو أحد عشر حرفًا — اثني عشرة أحرف — نجدهم يبحثون عنها بتعمق في أصول الفقه.
ما علاقة أصول الفقه بحروف المعاني؟ إنهم يريدون أن يفهموا السياق والسباق ودلالات الألفاظ والمجاز والحقيقة والاشتراك وخصائص اللغة الموجودة في أصول الفقه. لماذا؟ لأنهم يريدون أن يفهموا.
النظرية الثالثة: فهم الكتاب والسنة من خلال العموم والخصوص والإطلاق والتقييد
وعلى ذلك فـالنظرية الثالثة: كيف نفهم الكتاب والسنة؟ فتحدثوا عن العموم والخصوص والإطلاق، وعن الاستثناء، وعن المخصصات، وعن الخاص، عن العام وكيف يكون هذا التخصيص وما أحواله، وهكذا. لماذا؟ لأنهم يريدون أن يفهموا.
وأتوا بأشياء لم يتحدث عنها أهل اللغة. كان من المفترض أن ينقلوا هذا المجال من اللغة نقلًا، لا، وإنما فكر الأصوليون بما يلائم الأدوات التي يتمكنون منها من استنباط الأحكام وفقًا لمقولة اللغويين في العموم والخصوص والإطلاق والتقييد. هذا الكلام لا نجده في كتب النحاة ولا في كتب أهل اللغة.
النظرية الرابعة: التمييز بين القطعي والظني في الدلالة
كذلك بعد أن أصبحت الرحلة تعمل في ذهن الأصولي، والحجة واضحة من الكتاب والسنة، تأكد من النقل وكيفيته وأنواعه وموقفه منها، ثم تأكد من أدوات الفهم ففهم.
فوجد أمرًا غريبًا: [أن الناس] يفهمون فهمًا معينًا في مسائل معينة غير قابلة للنقاش، لم يخطر في بال واحد قط من أهل العرب ولا العجم ولا المجتهدين ولا العوام ولا غيرهم إلا معنى واحد.
ولذلك بدأ في النظر في نظرية القطعي والظني: قطعي الدلالة الذي لا يختلف عليه اثنان، وظني الدلالة الذي يمكن — وبطريقة علمية محترمة معتبرة — أن نختلف فيها؛ لأنها لا تخالف اللغة، ولأنها لم يُتَّفق على سواها، ولأنها لا تخالف ولا تضر بمقاصد الشريعة بالبطلان، ولأنها لا تضيع مصالح الناس، ولأنها تراعي المآلات.
اختلاف التنوع المثري واختلاف التضاد المهدم ودور الإجماع في حسم الخلاف
إذا فاختلافنا يُثري، واختلاف تنوع يُمكِّن للمسلمين في الأرض، وليس من قبيل اختلاف التضاد الذي يهدم بعضه بعضًا وينقض بعضه بعضًا.
فجاءوا بقضية الإجماع وجعلوه قطعيًّا، ومنعوا مخالفته منعًا باتًّا؛ حتى لا ندخل في جدال وفي نقاشات لا طائل من ورائها.
وهذا الإجماع تحقق في هذا الذي ذكرناه: الصلوات خمس، الظهر أربع، الوضوء قبل الصلاة وليس بعدها. لا يأتيني شخص يحاول أن يتعالم ويستعمل الأدوات اللغوية فيخرج بأن الوضوء بعد الصلاة؛ هذا كلام لا يسمعه المسلمون ولا يريدون أن يسمعوه أبدًا، ولهم الحق كل الحق في هذا.
الرد على من يستعمل الأدوات اللغوية لمخالفة الإجماع في مسألة الوضوء
﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6]
[يقول المتعالم:] «قمتم» فعل ماضٍ، إذا فالصلاة تمت، والفاء للتعقيب، يبقى الغسل بعد الصلاة! آه، هذا [الشخص] يستعمل الأدوات اللغوية، ولكن نسي هذا الرابع [النظرية الرابعة] الذي يقول له فيه أنه لا بد من الالتزام بالقطعي، وأن اتفاق الأمة وإجماع الأمة لا يجوز مخالفته.
وهذا الذي يخالف فيه الآن بعض الناس المساكين الذين لم يذهبوا إلى الأكاديميات [العلمية المتخصصة]، ويقولون: ما الحاجة إلى أن ندرس؟ لأنك سوف تعلم ما لم تكن تعلم، وسوف يُبنى ذهنك بالتدريج بطريقة تجعله قادرًا على العطاء.
الفرق بين العلم الشرعي المنضبط والفكر المشوش الذي يفتقر إلى التخصص
ليس هو [العلم الشرعي] أمرًا [أو] مجالًا كالفنون والآداب والرياضة والسياسة، تفكر فيها كيفما تشاء وتبدع كلما أطلقنا لك العنان وتركناك متفلتًا من غير ضوابط. الأمر ليس كذلك.
هذا علم، والعلم له منهج وله قواعد، وهذا العلم هو الذي يحوِّل الفكر إلى ضوابط وقوالب يمكن نقلها لمن بعدنا.
وهنا الصراع الحادث الآن الذي ترونه فيمن يريد أن يبيح القبلة، أو أن يبيح التدخين في نهار رمضان، أو أن يبيح كذا وكذا من هذا الفكر المشوش. وهذا الفكر المشوش نتج من عدم التخصص؛ لأنه لم يَبْنِ ذهنه بطريقة يتعلم فيها آدابه [العلمية].
خطورة تحويل الدين إلى مجال للخواطر والشغب على العلم والمنهج
بل أراد [هذا المتعالم] أن يحوِّل الدين إلى مجال تأتيه الخواطر فيتحدث كيف يشاء، ثم يغير رأيه في اليوم التالي، ثم يتأثر به أو لا يتأثر به بعضهم.
وكلما كلمناه فإن التصنيف جاهز: «علماء السلطان» و«علماء القرآن»، وهكذا من الشغب الذي لا نهاية له، واستعمال هذا الشغب في هدم العلم وفي هدم المنهج.
النظرية الخامسة: الإلحاق والقياس لاستنباط أحكام ما لم يرد فيه نص
أثناء الرحلة في ذهن الأصولي، وبعد أن استقر على الفرق بين الظني وبين القطعي وتكلم عن الإجماع، انتقل إلى مسألة خامسة وهي الإلحاق.
لما أراد [الأصولي] أن يستنبط لكل فعل بشري حكمًا من الكتاب والسنة لم يجد، وكان بين أمرين: إما أن يجعل كل شيء مباحًا بدون النظر إلى المصلحة ولا المقاصد ولا المآلات — ما دام ليس مذكورًا في الكتاب والسنة — بمعنى بسيط: أنني أذهب إلى الكتاب وإلى السنة، فإن لم أجد هذا النص فهو مباح، بغض النظر عن حكمته وعلته ومآله ومقصده ومصلحته وأي شيء. هذا طريق.
والطريق الثاني: أن نلحق الشبيه بشبيهه والنظير بنظيره. ومن هنا جاءت آلية منظومة ضخمة توسعوا فيها جدًّا في كل مراحلها، وهي آلية القياس.
القياس كمصدر للاستنباط وتطبيقه في إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه
فتحدثوا عن القياس باعتباره مصدرًا من مصادر الاستنباط، وذلك بإلحاق الحكم المسكوت عنه بالمنصوص عليه.
فعندما يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم منا أن نمتنع عن الخصام والنزاع فيقول:
قال رسول الله ﷺ: «لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه، ولا يبيع على بيع أخيه، حتى يدع أو يترك»
وهل يُؤجَر على إيجاره؟ غير منصوص عليه، فهل نلحقه به؟ هذا هو القياس.
النظرية السادسة: التعارض والترجيح بين ظواهر النصوص الشرعية
بعد ذلك فكروا [الأصوليون] في التعارض الذي يحدث عندما نقرأ ظواهر النصوص، فيحدث في عقل المجتهد تعارض ظاهري، يفكر في كيفية حله:
-
بأن يجعل لهذا زمنًا ولهذا زمانًا.
-
أو ليجعل هذا ناسخًا وهذا منسوخًا.
-
أو أنه يجمع بينهما بأن هذه حالة وهذه حالة.
-
أو شيء من هذا القبيل.
ووضعوا له القواعد التفصيلية في التعارض والترجيح.
النظرية السابعة: المقاصد الشرعية وشروط الاجتهاد وخلاصة الرحلة الأصولية
وبعد ذلك أيضًا توصل هذا الذهن [الأصولي] إلى أن الذي يقوم بكل هذا لا بد له أن يكون واعيًا بـالمقاصد الشرعية وبالمآلات المرعية وبالمصالح الإنسانية، وأن يكون لديه من الأدوات ومن العلم ما يمكِّنه من أن يكون مجتهدًا، فوضعوا شروط الاجتهاد.
نظريات سبع، إنما هي محاولة لرحلة في عقل الأصول: كيف كُتبت الأصول؟ إذا سمعناها وفهمناها خفَّت علينا دراسة الأصول بترتيبها الحالي وبترتيبها الموروث.
شكرًا لكم، وإلى لقاء.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما النظريات السبع التي يقوم عليها علم أصول الفقه وفق الترتيب المنطقي للأصولي؟
الحجية، التوثيق، الفهم، القطعي والظني، القياس، التعارض والترجيح، مقاصد الشريعة
ما الذي قدمه الشيخ محمود شلتوت إلى مؤتمر لاهاي وما نتيجته؟
بحثًا عن المسؤولية في الفقه الإسلامي فاعتمد المؤتمر الفقه الإسلامي مصدرًا للقانون الدولي
ما الفرق بين الحديث المرسل عند الأولين والمتأخرين من علماء الحديث؟
عند الأولين: ما سقط منه راوٍ من أي مكان، وعند المتأخرين: ما سقط منه الصحابي تحديدًا
كم عدد حروف المعاني في اللغة العربية وكم منها ورد في القرآن الكريم؟
نحو ثمانين حرفًا في العربية، ونحو ثلاثين منها في القرآن
ما الشرط الذي يجعل الاختلاف في ظني الدلالة مقبولًا في علم أصول الفقه؟
ألا يخالف اللغة ولا يضر بمقاصد الشريعة ولا يضيع مصالح الناس ويراعي المآلات
ما الحروف التي تختص بها العربية ولا وجود لها في اللاتينية ولا العبرية؟
الستة الأخيرة من الأبجدية: ثخذ ضظغ
ما الخيارين اللذين كان أمامهما الأصولي عند عدم وجود نص في الكتاب والسنة لفعل بشري؟
إباحة كل ما لم يُذكر بغض النظر عن المصلحة، أو إلحاق الشبيه بشبيهه عبر القياس
ما الذي يميز القرآن الكريم عن غيره من الكتب في طريقة عرضه للمعلومات؟
هو مركَّب لا خطي لأن الحياة مركبة، فيوافق الكون والإنسان في تناسق
ما الذي يجعل الإجماع قطعيًا لا يجوز مخالفته في علم أصول الفقه؟
لأنه يمنع الدخول في جدالات لا طائل منها ويحفظ وحدة الأمة في المسائل المتفق عليها
ما الذي أراد عبد الرزاق السنهوري تحقيقه من خلال اطلاعه على أكثر من ستة عشر تشريعًا دوليًا؟
إيجاد موطئ قدم للتشريع المصري المستند للفقه الإسلامي في خريطة العالم الفكري
ما سبب وجود أكثر من تسعين قراءة قرآنية غير معتمدة؟
لأنها لا توافق خط المصحف أو لا توافق العربية أو لا توافق الرواية
ما الذي يميز نظرية العموم والخصوص عند الأصوليين عن ما قاله أهل اللغة والنحاة؟
الأصوليون فكروا بما يلائم أدوات استنباط الأحكام فجاؤوا بأشياء لم يتحدث عنها النحاة
ما هدف الغوص في عقول العلماء المسلمين الأوائل؟
الهدف هو معرفة كيف توصل العلماء إلى نتائجهم، أي الطريق الذي سلكوه في التفكير، لا مجرد حفظ نتائجهم.
ما النظريات الفقهية التي استخرجها أبو زهرة والزرقا من الفقه الإسلامي؟
استخرجا نظريات عدة منها: نظرية العقد، ونظرية الالتزام، ونظرية التعسف في استعمال الحق، ونظرية الضرورة.
كيف أثبت الفقه الإسلامي حضوره في القانون الدولي؟
قدم الشيخ محمود شلتوت بحثه عن المسؤولية إلى مؤتمر لاهاي، فاعتمد المؤتمر الفقه الإسلامي مصدرًا من مصادر القانون الدولي.
ما السؤال الأول الذي طرحه الأصولي على نفسه في بناء علم الأصول؟
سأل: ما الحجة التي يمكن الاعتماد عليها لمعرفة مراد الله؟ وهو ما أسس لنظرية الحجية.
بكم قراءة متواترة نُقل القرآن الكريم؟
نُقل بعشر قراءات أسانيدها متواترة، وهي القراءات المعتمدة الموافقة لخط المصحف والعربية والرواية.
ما معنى قول الأصوليين إن القرآن ليس خطيًا؟
يعني أنه لا يسرد الأحداث بتسلسل زمني، بل هو مركَّب لأن الحياة مركبة، فيوافق الكون والإنسان في تناسق معجز.
ما الآية التي استدل بها الأصوليون على حجية السنة النبوية؟
من أبرزها قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾، وقوله: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني﴾.
ما النظرية الثالثة في علم أصول الفقه وما موضوعها؟
نظرية الفهم، وتتناول كيفية قراءة الكتاب والسنة من خلال العموم والخصوص والإطلاق والتقييد والاستثناء والمخصصات.
ما الرسم القرآني وما خصائصه؟
هو رسم قياسي فريد لا يُقاس عليه، يحافظ على نفسه لكنه لا يُقاس عليه، وفيه عجائب كتابية تدل على إعجاز القرآن في رسمه.
ما الفرق بين اختلاف التنوع واختلاف التضاد؟
اختلاف التنوع يُثري ويُمكِّن للمسلمين في الأرض، أما اختلاف التضاد فيهدم بعضه بعضًا وينقض بعضه بعضًا.
ما مثال القياس الذي ذُكر في سياق النهي عن الخصام والنزاع؟
النبي نهى عن الخطبة على خطبة الأخ والبيع على بيعه، فهل يُلحق به الإيجار على إيجار الأخ؟ هذا هو القياس.
ما طرق حل التعارض الظاهري بين النصوص الشرعية؟
أربع طرق: جعل لكل نص زمنًا مختلفًا، أو جعل أحدهما ناسخًا والآخر منسوخًا، أو الجمع بينهما بأن كل منهما لحالة مختلفة، أو غير ذلك وفق القواعد التفصيلية.
ما الشروط التي يجب توفرها في المجتهد وفق النظرية السابعة؟
أن يكون واعيًا بمقاصد الشريعة والمآلات المرعية والمصالح الإنسانية، وأن تتوفر فيه شروط الاجتهاد من أدوات وعلم.
لماذا لا يجوز التعامل مع العلم الشرعي بلا منهج وضوابط؟
لأن العلم الشرعي له منهج وقواعد تحوِّل الفكر إلى ضوابط قابلة للنقل، والفكر المشوش بلا ضوابط ينتج إباحة المحرمات.
ما عدد حروف المعاني التي بحث فيها الأصوليون بتعمق في علم أصول الفقه؟
بحثوا بتعمق في نحو أحد عشر إلى اثني عشر حرفًا من حروف المعاني المذكورة في القرآن الكريم.
