مكونات العقل المسلم | بتاريخ 2-7-2002 | أ.د. علي جمعة
- •يركز النص على استكشاف مكونات العقل المسلم وخصائصه المميزة التي تشكل رؤيته للعالم.
- •التوحيد هو المكون الأول والأساسي للعقل المسلم، ويتجاوز مجرد الإيمان بوحدانية الله ليشمل وحدة النبي والكتاب والأمة والقبلة.
- •يمتاز المسلم بعقل غائي يؤمن بأن الحياة خُلقت لهدف وغاية، وأن الإنسان مخاطب بالوحي الذي يمتد عبر الزمان والمكان.
- •الإيمان باليوم الآخر عنصر أساسي في الغائية يؤثر في سلوك المسلم وأخلاقه ويجعله يضحي بحياته في سبيل مبادئه.
- •الأمة تمثل مكوناً محورياً في عقل المسلم، حيث يشعر بامتداد تاريخي منذ آدم حتى محمد صلى الله عليه وسلم، وامتداد أفقي يشمل المسلمين جميعاً.
- •يؤمن المسلم بالفطرة والمطلقات الثابتة في القيم والأخلاق، وباللغة العربية كآلية للتفكير والإدراك.
- •هذه المكونات مترابطة ومتكاملة وتشكل نسقاً معرفياً فريداً يميز المسلم في فهمه للكون والحياة والإنسان.
مقدمة الرحلة في عقل المسلم وأهدافها ومنطلقاتها
والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. نريد أن نرحل رحلةً في عقل ذلك المسلم الذي قد لا يعرفه الكثيرون في العالم، أو يعرفون عنه صورةً مشوهةً لا علاقة لها لا بدين الله ولا بتاريخ المسلمين ولا بواقعهم.
ويتحيرون ويسألون: كيف يفكر المسلم؟ وفيمَ يفكر؟ وما تلك القضايا التي تشغله؟ ورحلة في عقل ذلك المسلم أحاول فيها استبطان مواطن لا أقول مواطن الخلاف، وإنما مواطن الارتكاز التي أيضًا قد تتفق وقد تختلف مع غيرنا من الأمم، إلا أنها في النهاية تميز في مجملها وفي علاقاتها البينية عقلًا للمسلم يتميز عن عقل غيره من البشر.
أهداف الرحلة في تلخيص مكونات عقل المسلم وإظهارها للآخرين
ولعل هذا يكون سبيلًا لإظهار أمر المسلم عند من جهل به، ولتلخيص مكونات عقله عند المسلم نفسه حتى يستحضرها وحتى يشاغلها.
ففي رحلة نحاول بعد أن نتعدى تعريف العقل وما هو وماهيته وما إلى ذلك، حتى نتجاوز كونه مناطًا للتكليف أو أنه عليه بنية الشريعة أو أنه يُستدل به على وجود الله إلى آخر ما يقال في قضية العقل، فإن العقل قد عُرِّف بأكثر من ألف تعريف في تراثنا.
لكن المقصود اليوم هو عمل تلك الرحلة في عقل المسلم لإدراك تلك المرتكزات والمنطلقات والمبادئ والعناصر التي نستطيع بها أن نفهم أكثر وأن يفهم عنا الآخرون أكثر.
معنى التميز في مكونات عقل المسلم ليس الانفراد بل الأساسية
ما الذي يميز المسلم؟ وعندما أقول مرة ثانية وأؤكد عليها أنه عندما أقول يميز المسلم لا أعني نقاط اختلاف بينه وبين سائر البشر، بل إنني أقول أن هذه عناصر أساسية في عقل المسلم قد يتفق كثير من البشر معه فيها وقد يختلفون، وقد يزداد الخلاف حتى التضاد والتناقض أو يتفق تمامًا معها.
فليس المقصود بالتميز هنا الانفراد، ولكن المقصود بالتميز هنا أنها مسألة أساسية عند المسلم لا يستطيع أن يفكر بدونها ولا يستطيع أن يخرج من هويته ويلغي هذا الجانب من فكره.
التوحيد أول مكونات عقل المسلم وامتداده إلى ما وراء الوحدانية
أول هذا الذي يميّز المسلم بهذا التحديد والتعريف هو التوحيد. ومفهوم التوحيد في الحقيقة ليس قاصرًا أيضًا على نسبة الوحدانية للإله الخالق، فإن نسبة الوحدانية للإله الخالق كثيرًا ما نجدها، بل قد نجدها عند غالب الإلهيين من أهل الأرض الآن.
حتى إن النصارى وكأنهم قد تنازلوا في أدبياتهم عن التثليث في عقيدتهم، ما زال التثليث موجودًا ولكن في أدبياتهم قد تخلوا عنه، فأضافوا عبارة كُرَّت عليه بالبطلان في قولهم: باسم الآب والابن والروح القدس، وكذا إله واحد آمين. مرة ثانية يعني يؤكدون أنهم من أهل التوحيد أو نسبة الوحدانية لله.
تخلي بعض النصارى عن ذكر التثليث في أدبياتهم عند مخالطة المسلمين
وحتى أن بعضهم لما خالط المسلمين يقول: بسم الإله الذي نعم، الواحد الأحد الذي نعبده جميعًا، وتوقف عن ذكر قضية التثليث في أدبياته.
مما يدل بدلالة واضحة على أن قضية التوحيد بمعنى نسبة الوحدانية إلى الإله الخالق مسألة يشترك معه فيها كثير من الخلق، بل قد تكاد تكون هي الشائعة بين الإلهيين، أي من يؤمن بالإله دون الملاحدة الذين ينكرون الله سبحانه وتعالى.
امتداد مفهوم التوحيد عند المسلمين إلى وحدة النبي والكتاب وخاتمية النبوة
مفهوم التوحيد ليس قاصرًا على هذا عند المسلمين. مفهوم التوحيد امتد ليؤكد على نبي واحد، وتجعل العقيدة الإسلامية ذلك النبي نبيًا خاتمًا. ومعنى خاتمية النبوة عدم وجود نزاع في الأمة بين نبيين بعد ذلك أبدًا، ولكن رسول الله وخاتم النبيين.
وبذلك أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، فليس هناك نبي يأتي من بعده فتفترق عليه الأمة كشأن كل نبي جاء لكل أمة. كلما جاء نبي صدقه بعض الناس وكذبه آخرون حسب القناعات والأدلة والحجج والبراهين التي تقوم عند كل فريق من أولئك المصدقين، أو خفاء هذا على المكذبين.
افتراق الأمم مع تتالي الأنبياء وإلغاء هذه الخاصية عند المسلمين
فتفترق دائمًا الأمة التي تتتالى فيها الأنبياء دائمًا على فريقين. فإن جاء نبي ثالث، فإن هذه الفرقة المؤمنة عند الله التي آمنت بالرسول الأول والثاني تفترق مرة ثانية مع الرسول الثالث إلى فرقتين: فرقة تكفر وفرقة تؤمن.
﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: 253]
هذه الخاصية تمامًا أُلغيت عند المسلم وفي ذهنه، ووحَّد النبي فليس هناك نبي ولا رسول بعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
واحدية الكتاب وحفظه على مستوى الأداء الصوتي والتجويد
يترتب على ذلك واحدية الكتاب. فالتوحيد ليس معناه فقط أن الله واحد، بل أيضًا أن الكتاب الذي هو مصدر التشريع ومصدر الحياة ومصدر الهداية وقائم بحياة ذلك المسلم واحد.
وإذ به يأتي بخصيصة أخرى وهي:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
فيُحفظ لا على مستوى السور ولا على مستوى الآيات ولا على مستوى الكلمات ولا على مستوى تشكيل تلك الكلمات، بل أيضًا على مستوى الأداء الصوتي. حتى أن الحاء وهي مرققة لا تنطق حاءً مفخمة، إلى هذا المستوى الصوتي في التجويد: المهموس مهموس، والمطبق مطبق، والمرقق مرقق، والمفخم مفخم. على مستوى الأداء الصوتي حُفِظ ذلك الكتاب وصار كتابًا واحدًا.
امتداد التوحيد من المستوى العقائدي إلى المستوى التشريعي ووحدة الأمة
وإذ بنا إذا ما نزلنا من هذا المستوى العقائدي -إله واحد، نبي واحد، كتاب واحد- إلى المستويات التشريعية، فنجد أننا نصوم شهرًا واحدًا، وأننا نتوجه إلى قبلة واحدة، وأننا قد أُمرنا بأن نكون على سبيل الخبر، فكان ذلك الخبر قائمًا مقام القدر أو مقام ليس فقط الفرد بل الكينونة أمة واحدة.
﴿وَإِنَّ هَـٰذِهِٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: 52]
إذن قضية التوحيد التي تكوّن عقل المسلم أُيِّدت على المستويات المعرفية المختلفة عقيدةً وشريعةً، حتى صار ذلك التوحيد أمرًا لا ينفك عن هوية المسلم، وأمرًا ليس قاصرًا على نسبة الواحدية للإله الخالق.
التوحيد قصة كبيرة تحتاج إلى أساليب عرض جديدة للوصول إلى العالمين
بحيث أنه يقبل بعد ذلك مستوى لغير التوحيد في الجوانب المختلفة، بل التوحيد قصة كبيرة ينبغي الوقوف عندها والبحث فيها وكيفية عرضها على عقول العالمين ونفوسهم بأساليب أخرى لا تخرج عن العقيدة الموروثة التي قد اعتقدها كل المسلمين عبر التاريخ عبر الزمان والمكان.
ولكن الذي نطالب به اليوم هو أن يؤدي هذا المعنى أو تلك المعاني بأسلوب يكون أقدر على الوصول إلى شغاف القلوب، وعلى الوصول إلى بناء أسس لحضارة الإنسان، وعلى تبليغ ذلك الدين دين الله، تبليغ ذلك الدين للعالمين كما أمرنا. إذن التوحيد هو أول مكون من مكونات العقل المسلم.
أسماء الله الحسنى في القرآن والسنة ودورها في بناء مكون التوحيد
نستطيع أن نقول: فإذا ما ذهبنا نلتمس شيئًا آخر وجانبًا آخر من جوانب ذلك التوحيد، رأينا زخمًا كبيرًا في ذلك المصدر الثري وهو القرآن، ثم يليه السنة، تتعلق بذلك التوحيد في مفاهيمه المختلفة وجوانبه المتعددة.
وإذا أخذنا نسير في هذا الاتجاه وتلك الطرق لانتهى الوقت المحدد دون أن نصل إلى رؤية كلية، ولذلك فسوف نكتفي بإشارات ومضات لمعات اللمحات للنفحات، هكذا نرى رؤية كلية سريعة.
فنأخذ مثالًا لذلك ونحن ما زلنا في مكوّن التوحيد: أسماء الله الحسنى. فنحن نجد مائة وثلاثة وخمسين اسمًا لله في القرآن الكريم سمى بها نفسه، مما يجوز أن نطلقه عليه من غير إيهام نقص.
الأسماء التي لا تطلق على الله إلا مشاكلة وإحصاء الأسماء في القرآن والسنة
أما ماكر وخادع وأمثال هذه الكلمات فلا تطلق عليه إلا مشاكلة، مثل:
﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ﴾ [النساء: 142]
﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 54]
إلى آخره. لا، هناك مائة وثلاثة وخمسون اسمًا كالعليم والقدير والعلي والكبير، مائة وثلاثة وخمسين اسمًا في القرآن. وفي السنة مائة وأربعة وستين اسمًا، مجموع ما ورد من حديث صحيح أو حسن أو ضعيف منجبر يؤخذ بمثله في مثل هذا.
لو جمعنا وحذفنا المكرر لبلغت مائتين وعشرين اسمًا. فبين مصادرنا الثرية مائتان وعشرون اسمًا سمى الله بها نفسه.
أسماء الله الحسنى محور فريد للتربية الإسلامية بين التخلق والتعلق
نستطيع أن ننطلق منها لبناء محور فريد للتربية الإسلامية؛ لأن هذه الصفات التي ارتضاها الله أن يظهرها لنا وصفًا لنفسه وذاته سبحانه وتعالى إما أن تكون صفات تخلق أو صفات تعلق كما يقول التربويون المسلمون القدماء.
صفات التخلق هي صفة الجمال، وصفات التعلق هي صفة الجلال. وهناك صفات للكمال، وهناك صفات تصلح لأن تكون جمالًا أو جلالًا، فيدخل إليها المربي حيثما أراد وطبقًا للموقف الذي يتبناه أو يمر فيه.
صفات الجمال والرحمة أصل المحبة وجذور الأديان في دعوتها
فمن صفات الجمال الرحمن الرحيم، وتجلى [الله] على خلقه بصفات الجمال دون صفات الجلال، إشارة إلى أن الرحمة هي أصل تلك الصفات كلها.
وأبحاث كثيرة للمسلمين تؤكد أن أصل المحبة هو الرحمة، وأن الأديان التي دعت إلى المحبة قد قصرت في دعوتها حيث لم تمتد إلى جذور تلك المحبة وهي الرحمة. وأن أديانًا أخرى توقفت عند الكرم، فهي لم تدرك أن الكرم إنما هو مولد من المحبة، وأن المحبة مولدة من الرحمة.
وأبحاث كثيرة مكتوبة فعلًا في مثل هذا المعنى. يمثل ذلك المحور من أسماء الله في الكتاب والسنة محورًا للتربية.
أسماء الله بين ما لا شريك له فيه قهراً وما يُمنع اختياراً في التربية
من المنتقم الجبار، فكيف نربي أبناءنا على أن لا ينتقموا لأن هذه من صفات الله التي لا شريك له فيها، أو ينبغي أن يكون كذلك؟ فهناك من لا شريك له قهرًا مثل كلمة "الله" لا يتسمى بها أحد.
وهناك اختيارًا فلا أكون منتقمًا ولا جبارًا ولا متكبرًا لأن الله قد منع ذلك. وأخنع الأسماء ملك الملوك، من تسمى -يستطيع الإنسان أن يتسمى- فقد تسمى بها بعضهم فأذلهم الله، وسمى نفسه شاهنشاه أو ملك الملوك باللغة العربية، فلم يصر لا ملكًا ولا ملكًا للملوك ولا للصعاليك.
إذن هناك من هو على الإجبار وهناك ما هو على الاختيار.
الأسماء الحسنى محور عميق للتربية بين التخلق والتعلق والجمال والجلال
قصة الأسماء الحسنى تمثل قصة عميقة تتعلق بمكون التوحيد في أذهان الناس، ويمكن أن تتحول هذه الأسماء الحسنى إلى محور من محاور بناء التربية والانطلاق منها تخلقًا وتعلقًا، جمالًا وجلالًا إلى آخره.
أما الأسماء التي بين بين [أي تصلح للجمال والجلال]، يجوز أن تنقلب هنا وهنا. الجبار فإنه قد يكون قد جبر كسر الخواطر فهو جبار، أي أنه يكثر جبر كسر المحتاجين، أو أنه جبار المنتقم من الجبارين.
أثر التوحيد في التجريد والتفريد على الفنون والإبداع عند المسلم
هذا التوحيد لما تفاعل في عقل المسلم أدى به إلى حالة من التجريد والتفريد أثرت في الفنون. جعلت المسلم فنانًا ومبدعًا بطريقة مميزة تختلف عن ذلك الإبداع المنفلت.
فقد كان إبداع الفنان المسلم تحت سقف التوحيد: منه ينطلق وإليه يعود، وحوله يلف وله يخدم، وبه يعاير أو يقايس، يجعله معيارًا للقبول والرد.
فالتوحيد أنشأ باعثًا عند المسلم، ومع هذه الموهبة التي كانت عند المسلم فإذا به يخط الخط ويفتن في أداءات مبدعة كلها قد انطلقت من ذلك الباعث. وإذ بنا عند التأمل والرجوع مع التجريب والتسليم نصل للتوحيد.
الهدف من البحث في مكونات العقل المسلم هو إعادة بناء المسلم ومعيشة التوحيد
إذا كلامنا ليس موعظة وإن كانت الموعظة هي المطلوبة في النهاية لترقيق القلوب وتغيير الإنسان ليبدأ العمل، إلا أن كلامنا هذا إنما هو يبحث عن أسس قوية لإعادة بناء المسلم مرة ثانية.
لا مجرد معلومات يتعلمها ولا مجرد تصديقات يصدقها لتلك المعلومات، بل إننا نريد أن يعيش وعلى هذا المستوى -مستوى المعيشة- بأن يرجع مرة أخرى يعيش التوحيد.
أما أن يفهم أن الله واحد فهذا اختزال لقضية التوحيد، أما أن يصدق بذلك فالحمد لله الكل مصدق، ولكن نحن نريد أن ينتقل إلى مرحلة أخرى نسميها مرحلة المعيشة، فلا بد عليه أن يعيش التوحيد. لو جلسنا في ذلك المكون ما انتهينا.
المكون الثاني للعقل المسلم الغائية والإيمان بأن الحياة لها غاية وهدف
ولكن مكون آخر عند الغوص والرحلة في عقل المسلم نجده غائيًا، له غاية. يؤمن بأن هذه الحياة لم تخلق عبثًا، وأن هذه الحياة لها غاية، وأن هذه الحياة لها فائدة، وأنه في هذه الحياة مخاطب وليس متروكًا.
والغائية تشتمل على عناصر كثيرة، منها إيمانه بالوحي. فهو بعد أن آمن أن الله قد خلقه، آمن أن الله لا يمكن أن يتركه سبهللًا لا ضابط ولا رابط له، وأن الأمر قد انقطع في صلته مع ربه، بل إنه يؤمن بالوحي.
إيمان المسلم بالوحي الشامل الذي يكون برنامج حياة وإنارة للطريق
ولا يؤمن [المسلم] بوحي قاصر خاص يخبر الناس أن هناك ربًا واحدًا متصفًا بالصفات العلى، لا، هو لا يقف عند هذا الحد. هو يجعل الوحي برنامج حياة، يجعل الوحي برنامج حياة، يجعل الوحي أساس سلوك، يجعل الوحي إنارة لطريقه.
وكأنه يسير في طريق إلى الله -مقصوده الله- وأن الذي ينير له ذلك الطريق هو ذلك الوحي. إذن فهو وحي يمتد عبر المكان والزمان والأشخاص والأحوال، وهي الجهات الأربعة التي بها يتم العموم.
عموم الوحي في الزمان والمكان والأشخاص والأحوال وتميز إيمان المسلم به
فإذا كان ذلك الوحي قد تحكم في الزمان كله وفي المكان كله وفي كل شخص كان في أي حالة كانت، فذلك هو ما نسميه بالعموم؛ حيث لا يترك وقتًا ولا مكانًا لأي مكين ولا حال لأي شخص إلا وله ارتباط به.
ذلك العموم يميز إيمان المسلم بالوحي. وهذا الوحي يكون ويُؤكد مرة بعد مرة في علاقات بينية شديدة التعقيد والتركيز.
قضية الغائية أن هذا الكون له غاية وله هدف، هدفه مطلق خارج عن الإنسان، خاطبه الله سبحانه وتعالى به ونقل ذلك الوحي إليه بصورة لافتة للنظر، يؤسس ذلك الوحي طريقه ويتحكم أيضًا في سلوكه.
إيمان المسلم باليوم الآخر ورفض تناسخ الأرواح كعنصر من عناصر الغائية
من عناصر تلك الغائية إيمان المسلم باليوم الآخر. إذا المسألة يُنكر فيها أقوال [القائلين بأن] تتناسخ الأرواح، وأن الإنسان قد يعيش مرات في هذه الحياة الدنيا على ما عليه عقائد الهند والدروز وغيرهم من البشر.
وأن الحساب إنما هو في هذه الحالة في الدنيا لا يتعداها، وحينئذ لا نعرف من نحن أصلًا: هل أنا هو أنا أو أنا كان في الماضي أو كذا إلى آخره.
ولكن الغائية لتلك الحياة الدنيا يؤكدها في إيمان المسلم الإيمان بيوم آخر يرجع فيه المسلم إلى ربه، وغير المسلم يرجع فيه الإنسان إلى ربه للحساب والعقاب والثواب.
أثر الإيمان باليوم الآخر في التحكم بسلوك المسلم حتى في أدق التفاصيل
ما رأيك أن هذا الإيمان [بالحساب والعقاب والثواب] سوف يتحكم في كل صغيرة وكبيرة مما يصدر من الإنسان، وسيكون الأمر بين افعل ولا تفعل وهو يخاطب نفسه أو يتلقى عن غيره.
ما رأيك أن هذا الإيمان سوف يؤثر حتى في خائنة العين، سوف يتحكم فيها هذا المعتقد أو هذه العقيدة. عندما ينظر في كتاب أخيه من غير إذنه وهو يعلم أن ذلك قد مُنع في الشرع، فإنه يتأثم من ذلك، أي يبتعد عن ذلك الإثم ويلوم نفسه ويراجعها ويحاول ألا ينظر في كتاب أخيه، فما بالك فيما وراء ذلك.
يوم القيامة مكون فرعي من الغائية يدفع المسلم لطلب الشهادة ورفض الذل
يوم القيامة وهو عقيدة أساسية ومكون فرعي من مكونات الغائية يكوّن العقل المسلم ويتحكم فيه، ويجعله يطلب الشهادة في سبيل الله لأن الشهادة تدخله الجنة.
ويجعله وبكل بساطة -والمسألة محسومة عنده- لا يقبل الذل، والمسألة محسومة عنده لا يقبل التفريط في المقدسات. وبمنتهى السهولة ليس عن غباوة ولا عناد ولا نوع من أنواع الصدام الغبي، بل عن رؤية واضحة للأمر أن هذه الحياة فانية وأننا إلى ربنا راجعون، وأن المسألة لا تساوي كل هذا، وأستشهد في سبيل الله واطلب الشهادة.
فهم الآخرين لموقف المسلم من الحياة والموت وأثره في النقاشات معهم
حتى يفهمنا الآخرون، فلعل فهمهم لنا يوقع في قلوبهم الرعب؛ لأنه في الحقيقة المسلم واضح وسهل، ولكنه لا يقبل الذل ولا يقبل الظلم، ولا يقبل الظلم من دينه، من وضوح الأمر، من بساطة الحق.
فأحد مكونات [عقل] المسلم التي يعني يقولون لنا في النقاشات: ألا تريدون الحياة؟ أن فلانًا وعلانًا سيمنحكم الحياة. فإذا بالرد الغريب الذي يجعلهم يفتحون أفواههم ولا يغلقونها أنه: لا، نحن لا نريد الحياة [الدنيا على حساب الكرامة والدين].
فتصبح هذه صدمة إذا لم تُفهم في إطار مكونات العقل المسلم بحالها، وأن هذا موقف في غاية التنور والحضارة قبل أن يكون في غاية الصدام والخلاف بين البشر.
المقاصد الشرعية والمصلحة المرعية ودائرة المباح في التشريع الإسلامي
وإذا ما نزلنا من قضايا العقيدة إلى الشريعة، وجدنا أن المقاصد الشرعية والمصلحة المرعية تتحكم تقريبًا في كل الفقه الإسلامي والتشريع الإسلامي على مر التاريخ.
وأن دائرة المباح هي أكبر دوائر الفعل الإنساني المحكوم عليه. فإن الفعل الإنساني محكوم عليه بالوجوب، بالحرمة، بالندب، بالكراهة، ومحكوم عليه أيضًا بالإباحة، وهي ما تسمى بالأحكام الخمسة.
إلا أن هذه الأحكام الخمسة أكبر دائرة فيها هو دائرة المباح. وهنا تلعب أو تقوم المقاصد الشرعية بدورها في توجيه ذلك المباح في الإيقاع وعدمه؛ لأنها تريد أن تحقق المصلحة التي تختلف باختلاف الأمم والأزمان والأحوال.
التوحيد والغائية ينبثان في كل مجالات الحياة من التربية إلى السياسة والاقتصاد
هذا حتى في موقف المفكر. مثلًا نحن أخذنا مثالًا في قضية التوحيد في التربية، نقدم مثالًا هنا في التفكير. وأبدًا التوحيد ستراه في السياسة، ستراه في الاقتصاد، ستراه في علم النفس، ستراه في الاجتماع البشري، ستراه في الفكر، ستراه في كذا وكذا إلى آخره، في التربية.
وكذلك الغائية، وكذلك ما سوف نذكره. كل واحدة من هذه ستكون أيضًا منبثة في كل ما أراد أن يعالجه المسلم أو يخالطه.
الغائية في مجال الفكر واختلاف التنوع المؤدي إلى التكامل لا الصراع
فنجد الغائية هذه لو أخذناها في مجال الفكر، نجد أن المسلم يدّعي ويؤمن ويتعامل مع الكون باعتباره قد بُني على اختلاف التنوع الذي يؤدي إلى التكامل: بين الرجل والمرأة، بين الليل والنهار، بين الحاكم والمحكوم، بين الإنسان والكون، بين أي ثنائية من ثنائيات الفكر التي نتجت عند فكر الإنسان، بينهما التكامل واختلافهم اختلاف تنوع.
فليس هناك صراع في أصل المسألة. الصراع طارئ موجود والصدام حاصل، ولكنه خلاف الأصل؛ لأن هذا الكون له غاية.
يشعر المسلم بأن الكون يسبح حوله وبأنه يسجد لربه، وأنه عند عبادته يسير في تيار الكون. هذا سيؤثر في الاجتماع البشري، سيؤثر في العلاقة بينه وبين ابنه وبينه وبين زوجته وبينه وبين جيرانه وبينه وبين حاكمه ومحكومه.
المكون الثالث للعقل المسلم الشعور بالأمة كرابطة ومعيار وامتداد تاريخي
ثالثًا من مكونات العقل المسلم ومركوز في شعوره: الأمة. فالأمة تمثل الرابطة وتمثل المعيار بينه وبين العالمين.
وهذه الأمة يشعر فيها المسلم أنه ممتد في رتل من الرسل من آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم أمة واحدة. ويشعر أن كل من على وجه الأرض قد وحَّد ربه واستقبل قبلته وآمن بكتابه وختم النبوة بنبيه فإنه منهم، له ما له وعليه ما عليه.
ذلك الشعور بالامتداد التاريخي عبر العصور والخلق والامتداد الأفقي يسيطر على المسلم ويجعل عنده معيارًا للتقويم آخر غير أي معيار من مصلحة دنية أو حزب سياسي أو غير ذلك.
شعور المسلم بالخيرية والامتداد يخالف ما يريده الأعداء من تفريق الأمة
ولعلنا إذا ما أردنا أن نفهم أعداءنا فإن هؤلاء الأعداء لا يريدون كذلك، ويرون أن هذا الشعور عبر التاريخ بالأفضلية:
﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ [آل عمران: 110]
هذا الشعور بالخيرية وبالامتداد:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُوا مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَٱعْمَلُوا صَـٰلِحًا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَـٰذِهِٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوٓا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 51-53]
مخالفة شعور الأمة لما يريده العدو ومباركتهم لكل تفريق بين المسلمين
إذن شعور المسلم هذا يخالف ما يريده منا العدو إن صح التعبير، ولا يريد منا هذا الشعور. هو يريد أن نحن نختلف كما اختلفوا ويصبح زبرًا قطعًا متفرقة، كل حزب بما لديهم فرحون.
لذلك كلما كان تصرف المسلم يتجه إلى ذلك التقطيع كلما أكدوه وباركوه وطنطنوا عليه وعضدوه وساعدوه، وكلما كان على عكس ذلك كلما حاربوه وأقاموا الدنيا ولم يُقعدوها عليه.
الإجماع كمصدر تشريعي متولد من الشعور بالأمة وعصمتها
إذا ما جئنا في شعور الأمة هذا ونزلنا به إلى مستويات التشريع نجد الإجماع؛ الأمة معصومة. فكرة الإجماع هذه متولدة من قضية الشعور بالأمة.
فمجتهدو الأمة إذا ما اتفقوا جميعًا -ولا يُعقد الإجماع إذا ما خالف واحد، لا ينعقد- فإذا اتفقوا جميعًا على أمر معين صار حجة.
فإن الله لا يُخلي أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الحق:
قال رسول الله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم إلى يوم القيامة»
موقف الشافعي من الإجماع والفرق بين الدليل والاستشهاد في إثباته
والشافعي لا يستدل [بالآية]:
﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ﴾ [النساء: 115]
ولكن لا توجد هناك فكرة... هو الشافعي لما سُئل عن الإجماع قال: أمهلوني حتى أفكر. يعني ما عنده الآية، يعني هو قائل بالإجماع قبل الدليل.
فيبقى لما أتى بالآية لم يأتِ بها دليلًا، لقد أتى به استشهادًا. وهناك فرق بين الأمرين: أما الدليل فيولد في قلبه الحكم، لكن هذا الحكم ثابت قبل الدليل، فهو يبحث عن الاستشهاد، سيستشهد به.
شيء كل المسلمين هويتهم، مكون عقلهم، أن الأمة معصومة. فقالوا له: ما الدليل؟ قال: حسنًا، انتظروا حتى أفكر. وجلس يقرأ القرآن ستين مرة.
ظهور فكرة الإجماع كمكون من مكونات العقل المسلم لا يحتاج إلى دليل
حسنًا، أمثال الشافعي المتمكن من اللغة، المتمكن من قراءة القرآن، الذي كان يقرأه وهو نائم، يخفى عليه هذا الخفاء وتحتاج إلى هذه الصعوبة؟ أبدًا!
هذا من شدة ظهورها واعتبارها مكونًا من مكونات العقل، فهي لم تحتج إلى دليل من شدة الظهور.
ثم بعد ذلك طالبه أحدهم بالدليل فأتى له بآية قد تكون في ظاهرها أبعد ما تكون على الدلالة على الإجماع. وأخذوا يردون أحاديث كلها آحاد وفيها ضعف كبير، وما زال الإجماع مصدرًا من مصادر التشريع المتفق عليها، حتى أن من أنكره أثبته للصحابة. يعني من أنكر الإجماع قال: لا ليس بالحجة، قال: لا، لكن إجماع الصحابة حجة.
المكون الرابع للعقل المسلم الإيمان بالفطرة والمطلق في مقابل النسبية الحديثة
إذن لو جلست نتحدث في الأمة سيكون الأمر واسعًا. من مكونات العقل المسلم لا يمكن أن نسميه بالفطرة. هو يؤمن بالفطرة، يؤمن بالفطرة خلقًا.
يؤمن بالفطرة في إيمانه بالمطلق. والمطلق في جانب الفكر يكون هو الله، والمطلق في جانب الاجتماع يكون هو الأخلاق، والمطلق في جانب الفكر يكون وهكذا. ما المطلق؟
في حين أن الاتجاهات الحديثة تحاول أن تقدح في المطلق وتقول إن الكون كما نرى، كما رأينا طرفًا من ذلك في سمات العصر. نحن الآن كأننا -يعني- هذا الوجه الآخر لسمات العصر: مكونات العقل المسلم.
إيمان المسلم بالموروث واللغة كآلية ضرورية للتفكير والإدراك
يؤمن [المسلم] في إيمانه بالفطرة بالموروث، وفي إيمانه بالموروث يؤمن باللغة فيجعلها أحد الآليات الضرورية للتفكير والإدراك، سواء كان إدراك النص أو إدراك الواقع أو الجمع بينهما.
فإن النص محفوظ. تُرجم القرآن إلى مائة واثنتين وثلاثين لغة، وتُرجم إلى اللغة الإنجليزية مائتين وستة وسبعين مرة، تراجم كاملة أو ناقصة أجزاء، يعني أكثر من مائتين وستة وسبعين مرة.
أغلب هذه الترجمات مضحكة: مرةً يجعلوننا نعبد النبي، ومرة يجعلوننا نعبد الكعبة، ومرة يجعلوننا لا نعبد شيئًا على الإطلاق. وشراكي في الفرنسية كتب: بسم الله الرحمن الرحيم "الإله الذي له رحم خلق الدنيا من رحمه"، وبلاوي من أولها إلى آخرها.
القرآن مرجع واحد موروث يُفسر باللغة العربية وقوانينها الثابتة
ويبقى القرآن قرآنًا مرجعًا واحدًا موروثًا يُفسر بتلك اللغة التي نقبل دلالات لفظها، نقبل قوانين ضبطها، نقبل من غيرنا. يعني نحن ليس لي تدخل في رفع الفاعل ونصب المفعول، هذا أمر وُلدت فكان قبلي.
هذا الإيمان بالمطلق، هذا الإيمان بالفلسفة اللغوية إن صح التعبير، يحتاج منا إلى شرح طويل عريض.
تأثير مكونات العقل المسلم في موقفه من الكون والأسئلة الكبرى وخاتمة الإطلالة
هذا يؤثر تأثيرًا بليغًا في موقف الإنسان من الكون والناس والحياة، ويؤثر في الإجابة على الأسئلة الكلية الفلسفية الكبرى، ويؤثر في علاقاته في هذا العالم، ويؤثر في تفاعله معه وفي قبوله ورده وفي تقويمه.
هذه إطلالة سريعة؛ لأنه في الحقيقة المكونات أكثر من خمسة عشر. الوقت سمح أن نضرب مثالًا بالأربعة هؤلاء [التوحيد والغائية والأمة والفطرة]، وهذه الأربعة دالة على ما سواها.
وتحتاج إلى تعميق في كل عنصر ذكرناه، وتحتاج إلى ربط بيني بين كل واحدة والأخرى: ما العلاقة بين التوحيد والغائية؟ ما العلاقة بين الغائية ومفهوم الأمة؟ ما العلاقة بين التوحيد والفطرة؟ ما العلاقة بين الفطرة والغائية؟ وهكذا.
الدعوة إلى رسم منظومة مكونات العقل المسلم لعرض الدين بطريقة يفهمها المعاصرون
فإذا ما رسمنا هذه المنظومة إن صح التعبير -أساتذتنا أصحاب اللغة يمكن أن يعترضوا على منظومة ونسق والكلام هذا الذي لا أعرفه، لا أعرف من أين جاء لنا- لكن على كل حال:
إذا صحت هذه المنظومة والنسق، أمكن لنا أن نفهم أكثر وأن نعرض ديننا بطريقة يفهمها المعاصرون الذين قُطعت بهم السبل عن أن يفهموا عنا، فاتهمونا بكل شيء قبيح.
شكرًا لكم.
