مكونات الواقع المعيش - درجات المعرفة #27 | د. علي جمعة - التفكير المستقيم, درجات المعرفة

مكونات الواقع المعيش - درجات المعرفة #27 | د. علي جمعة

28 دقيقة
  • تناول الدكتور علي جمعة أسباب انفصال بعض المسلمين عن الواقع، موضحاً أن الغرب أنشأ علوماً انطلقت من نموذج معرفي مختلف عن النموذج الإسلامي.
  • هذا الانفصال أدى إلى فجوة بين ما يعتقده المسلم وما يدرسه، فصار الإنسان منفصماً إما متجهاً للدنيا تاركاً الآخرة أو العكس.
  • المسلمون لم ينشئوا أدوات لفهم الواقع من داخل عقيدتهم، وهذا سبب فشلهم في التعامل مع المستجدات.
  • تطور عالم الأشياء بشكل متسارع، وظهرت الشخصيات الاعتبارية وأنظمة جديدة تحتاج إلى فهم.
  • الحل يكمن في التربية والتعليم والتدريب لإعداد الإنسان المسلم.
  • لا يمكن تغيير الواقع بل نتعامل معه بفهم قواعده.
  • بعض الشباب المتحمس يصطدم مع الواقع، وهذا يمثل مخالفة لمنهج النبي الذي ترك أربعة نماذج للتعامل مع مختلف البيئات.
محتويات الفيديو(29 أقسام)

مقدمة الحلقة حول أسباب انفصال المسلمين عن إدراك الواقع المعاش

[المذيع]: أهلًا بكم مرة أخرى مشاهدينا الكرام، وحلقة جديدة من برنامج درجات المعرفة، ونستكمل هذا الحديث مع فضيلة الدكتور علي جمعة حول مفهوم الإدراك.

وفي هذه الحلقة إن شاء الله سنتحدث ونستكمل الحديث مع فضيلته حول أسباب انفصال بعض المسلمين في هذا العصر الذي نعيش فيه عن الواقع، سواء واقع مجتمعاتنا العربية والمسلمة أو الواقع العالمي والكوني في الفترة الحالية.

أرحب بفضيلة الإمام العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا وسهلًا، أهلًا وسهلًا مولانا.

مولانا، حضرتك ذكرتَ في الحلقة السابقة سببًا من أسباب هذا الانفصال في عقلية المسلم عن إدراك الواقع المعاش، منها أننا انفصلنا عن تدريس العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية ولم نساير الغرب في هذا الأمر، نود أن نستكمل في هذه النقطة، وإن كانت هناك نقاط أخرى؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ليس فقط عدم التدريس بل الإنشاء؛ يعني هم أنشؤوا علومًا، وهذه العلوم التي نشأت، نشأت من وجهة نظر كلية للإنسان والكون والحياة خاصة بهم.

تنحية الغرب للوحي واليوم الآخر والتكليف عند إنشاء علومهم الإنسانية

قرروا فيها تنحية قضية الوحي، وقرروا فيها تنحية قضية اليوم الآخر الذي تحدثنا عنه في حلقات سابقة، قرروا فيها تنحية قضية التكليف، وأنشأوا نظمًا وأنشأوا علومًا لدراسة هذا الواقع بعيدًا عن هذه العقيدة وهذه النظرة للكون والإنسان والحياة.

نحن تشبثنا بهذه النظرة؛ نؤمن بالله، نؤمن باليوم الآخر، نؤمن بالوحي، نؤمن بالتكليف، نؤمن بالأنبياء، ثم إننا لم ننشئ أداة كما أنشأوا لفهم الواقع من خلال هذا الإيمان ومن خلال تلك الرؤية.

أين الصحيح من الخطأ؟ أين الحق من الباطل؟ أين المعيار الذي أقيس به القبول والرفض؟ ليس معي هذا.

استعارة العلوم من نموذج معرفي مختلف وحدوث الانفصام في شخصية المسلم

ولذلك سيحدث بعد ذلك أنني سأستعير هذه العلوم بالرغم من انطلاقها من نموذج معرفي مختلف، وأضعها هنا، فيصبح الإنسان منفصمًا مع نفسه؛ يؤمن بشيء ويدرس شيئًا آخر ليس بالضرورة يتواءم معه.

ومن هنا تحدث فجوة في نفسه، هذه الفجوة مردودها إما أن يترك عقيدته وإما أن يترك هذا النظام ويخرج عليه.

فعدم اتساق ما ندرسه مع ما نعتقده، عدم اتساق أساسي في البداية، أي جذري، جعل هذه الحالة إما أننا سنجد أناسًا يتجهون إلى الدنيا ويتركون الآخرة ويكونون بذلك في نطاق العرج الفكري، وإما أناس يتجهون إلى الآخرة وإيمانهم ويتركون الدنيا ويكرهونها ويملونها حتى أنه يصل إلى العرج الفكري أيضًا.

انفصال القراءة الكونية عن القرآنية وأثره على المتدينين في فهم الواقع

وبذلك انفصلت القراءة الكونية والقرآنية، وأصبح هناك عدم إدراك وليس نزاعًا؛ ليس هناك نزاع أصلًا لأنهما من عند الله، ولكن لم يعد هذا يدرك هذا ولم يعد هذا يدرك هذا عند الكبير والصغير.

فحدثت هذه الحالة التي تشكو منها، والتي فيها أن المتدينين؛ إذا تعمق في دينه ترك الدنيا وحاربها وعاداها، وأصبحت تُعَدُّ مشكلة عنده حتى لو لم تكن كذلك.

لماذا؟ لأنه فقد هذا التواؤم الذي يكون بين النظام وبين العقيدة. لماذا؟ لأنه لم يُنشئ ما يُدرك به الواقع الذي أنشأه غيره، وهذا الغير لم يُنشئه من داخل عقيدته ولكن من داخل نموذج معرفي آخر هو متبنيه وهو عليه.

تطور عالم الأشياء وظهور التحسر على الماضي بسبب تسارع الاكتشافات

وقد ذكرت لك في حلقة سابقة أن عالم الأشياء تطور حتى لم يعد في مقدورنا أن نعيش يومنا في غدنا، ولا أن نعيش أمسنا في يومنا. ومن هنا بدأ ظهور التحسر على الماضي، الزمن الجميل؛ لأننا كلما تقدمنا تتصارع علينا اكتشافات عالم الأشياء وتركيباته.

ليس المقصود بالاكتشافات معناها الإبداع؛ الإبداع تم من ألف وثمانمائة وثلاثين إلى ألف وتسعمائة وثلاثين، ولكن تجليات هذا الإبداع [هي التي تتسارع].

هاتفًا [مثلًا]، حصل وتراه في الأفلام الأسود والأبيض قديمًا بمقبض هكذا لكي يتصل بمركز يقول له أوصلني بمصر، لكن أصبح الآن الهاتف فيه تصوير وتسجيل وفيديو وراديو وإنترنت وهاتف ومخزن للمعلومات، وفيه ألعاب يلعب بها وهي قطعة حديدية في جيبه بهذا الشكل.

تحول الثروة من النفط إلى البرمجيات وضرورة فهم الواقع الجديد وقواعده

وأصبح الأغنياء ليس هم الذين يمتلكون البترول، بل أصبح الأغنياء هم الذين يمتلكون البرمجيات والبرامج، من دون الحاجة إلى شركات، فقط غرفة في شقة، وهذا يكسب مليارات الدولارات أكثر مما يكسبه صاحب النفط.

فإذن هنا واقع مختلف ينبغي علينا:

  1. أن نفهمه أولًا.
  2. ثم أن ندرك قواعده ثانيًا.
  3. ثم أن نُحسن التعامل معه ثالثًا.
  4. ثم أن ندرك النص الشريف في إطلاقه الذي هو صالح للتطبيق في كل الوقائع، وكيف نُطبقه على هذا الواقع بتلك المفاهيم أو بهذه القواعد.

وكل ذلك هو الذي يُحدث هذه الفجوة التي تراها.

خطورة إعطاء الظهر للواقع ومحاولة تطبيق النص دون فهم الواقع الحقيقي

إن أناسًا لثقل فهم الواقع عليهم يعطون ظهورهم له ولا يريدون أن يفهموه، لا يريدون أن يروا الواقع كما هو واقع أبدًا، بل بما في مخيلاتهم، بما في مخيلتهم.

فيذهب إلى النص الشريف ويستنبئه فينبئه بما قد فهمه، ويحاول أن يطبقه من وراء الواقع؛ يعني الواقع لا يراه ولا هو يرى الواقع، ولذلك هم في فشل مستمر إلى يوم الدين.

خطورة انفصال المسلم عن الواقع وضرورة بناء أداة فهم من النموذج المعرفي الإسلامي

[المذيع]: ما خطورة هذا يا مولانا؟ يعني إذا كانت في أمور شخصية أو في أمور حياتية قد يتقبل الإنسان ذلك، ولكن حينما يكون الأمر مرتبطًا بأمور الدين، والدين هو أمر غالب بالنسبة لنا نحن كعرب وكمسلمين، لابد أن نسير [وفق ذلك].

[الشيخ]: بسُنَّةِ الله الإلهية في كونه؛ واقعٌ مختلفٌ فيجب أن تكون أداة فهمه مختلفة، والأداة لا بدَّ أن تنشأ من نموذجنا المعرفي.

لم تَتِمَّ هذه الخطوة إلى الآن، وما دامت لم تَتِمَّ إلى الآن سيظلُّ الحال على ما هو عليه؛ على مستوى الأفراد، وعلى مستوى الأسرة، وعلى مستوى المجتمع، وعلى مستوى الأمة. والأداة غير موجودة، ماذا ستفعل!

إذ إن الأداة غير موجودة فيصبح هذا طريقٌ مسدود.

بناء الأداة المعرفية للخروج من الطريق المسدود وتفسير الواقع بأدوات إسلامية

إذا أردنا أن نخرج منه علينا أن نرجع إلى أنفسنا وأن نبدأ في بناء الأداة مرة أخرى، فتُحل كل المشكلات؛ لأنه سيكون معي أداة قادرة على تفسير الواقع، فأكون قادرًا على فهمه وفهم قواعده، فأكون قادرًا على تطبيق المطلق عليه.

لكن الذي حدث أنني أجد هذا الواقع موصوفًا بأدوات أخرى لا تمت لي بصلة، وهذا هو النزاع الضخم الذي نراه فيما نشاهده من أبنائنا.

عندما نقول هذا الكلام للدواعش مثلًا أو للإخوان أو ما شابه ذلك، فيقول: ماذا تريد؟! أنا الآن لن أترك النص. قلت له: أنا لا آمرك أن تترك النص. قال لي: ليس لي شأن بالواقع النجس. قلت له: لا يوجد شيء اسمه ليس لي شأن بالواقع النجس.

فشل من يتصرف من خلف الواقع وأهمية التأسيس كما فعل الآباء الأوائل

فهو مريض لا يريد تناول الدواء، ولذلك يتصرف من خلف الواقع وهو معطٍ له ظهره، ولذلك هو فاشل، كلهم سيفشلون.

لماذا؟ لأنهم لم يؤسسوا كما أسس الآباء الأُول. الآباء الأُول عرفوا هذه الخريطة.

من هم هؤلاء الآباء الأُول؟ الشافعي وأحمد والبخاري وأبو حنيفة وأتباعهم وغيرهم إلى آخره، فهموا وعملوا عليها.

تعامل الصحابة مع واقع فارس ومصر وفهمهم للواقع بقواعده وتطبيق المطلق عليه

[المذيع]: فضيلتك أخبرتنا قبل ذلك أن حتى الصحابة حينما دخلوا إلى بلاد فارس وجدوا الأمور تسير هكذا حتى في زيهم، فتعاملوا مع هذا الواقع مباشرةً، لماذا؟

[الشيخ]: لأنه فاهم هذا الواقع بقواعده، فاستطاع أن يُطبّق عليه المطلق.

ويقول ابن الجوزي في كتاب [تلبيس إبليس]: ودخلت الصحابة فارس فصلّوا في سراويلهم مباشرةً ببساطة. ولما دخلوا مصر تزوجوا من عائلاتهم، لم يدخلوا مستعمرين، ولم يدخلوا مفسدين، ولم يدخلوا منفصلين.

خطاب سيدنا علي بن أبي طالب للأشتر النخعي حول فهم الواقع والتعامل مع أهل مصر

وفي الخطاب القوي الذي أرسله علي بن أبي طالب للأشتر النخعي، وكان الأشتر النخعي من أشد المؤيدين له، فأراده أن يكون بعد الفتنة التي حدثت في عصر سيدنا عثمان أن يتولى مصر. كان على مصر عبد الله بن سعد بن أبي صرح، فأرسل الأشتر النخعي من أجل أن يتولى مصر.

فأرسل له خطابًا يشرح له كيفية التعامل في هذه الخطة. للأسف الأشتر النخعي لم يصل إلى مصر، لكن وصلنا الخطاب. الخطاب بقي في التاريخ، وممن أصدره وأكد عليه الشيخ محمد عبده، مما يدل على وعي الرجل العميق بمشاكلنا الحقيقية.

فيقول له سيدنا علي: واعلم أنك تأتي على أقوام إما أن يكون شبيهًا لك في الخلق أو أخ لك في الدين. شبيه لك في الخلق يعني انتبه إلى ما هو المشترك الذي بينك وبينه؛ إنسان مثله مثلك، إنسان مثلك مثله، ولذلك ستبني معاملتك معه على هذا الأساس.

الدفاع عن السلف الصالح وبيان أنهم قاموا بواجب وقتهم في فهم الواقع

لا، هؤلاء الناس فاهمون الواقع الذي عاشوه، ولذلك نحن قلنا عنهم ماذا؟ عندما نسمع الناس تشتم السلف الصالح من الصحابة إلى الأئمة وغيرهم: يا جماعة، هؤلاء قاموا بواجب وقتهم، وأنتم الذين قصرتم في واجب وقتكم.

هم قاموا بالواجب فلا تشتموهم، وإن كنا لا نقف عند مسائلهم؛ فالدنيا تغيرت، هذا صحيح.

لكنه كان يريد الإصلاح، ويريد عمارة الدنيا، ويريد عبادة الله، ويريد تزكية النفس، يريد عرض الدعوة على ما هي عليه من غير إكراه ومن غير تدخل. أنا أريد هذا، حسنًا كيف؟ بأساليب مختلفة تمامًا، بكلام مختلف تمامًا.

سؤال حول تغيير الواقع المتعارض مع المعتقدات والأهداف الإسلامية

[المذيع]: هل تنتبه كيف يختلف [الأمر] باختلاف الجهات الأربعة التي تحدثنا عنها؟ حسنًا، بعد الفاصل نتحدث في يعني تغيير الواقع؛ يعني مفهوم يردده كثيرون ويفكر فيه كثيرون.

كيف نغير هذا الواقع خاصة إن كان هذا الواقع يتعارض مع بعض معتقداتنا وأفكارنا أو حتى مع أهدافنا؟ بعد الفاصل إن شاء الله.

أهلًا بكم مرة أخرى. مولانا، إذا أراد المسلم أن يغير الواقع الذي يعيشه أيًّا كان شكل ومستوى هذا الواقع، هل هذا يتعارض مع السنن الإلهية؟ هل هذا يتعارض مع العقل بالتعريف الذي عرفناه؟

[الشيخ]: لا يمكن تغيير الواقع، لا يمكن تغيير الواقع، لا يمكن تغيير الواقع. الواقع نتعامل معه وليس نغيره.

تعريف الواقع بعوالمه الأربعة وعلاقة الإنسان بعالم الأشياء ودائرة الحرمة فيه

التعريف الذي عرفناه أننا نتكلم عن عالم الأشياء، وعن عالم الأشخاص، وعن عالم الأحداث، وعن عالم الأفكار.

حسنًا، عالم الأشياء، ما العلاقة بيني وبينها؟ هي علاقة التناول؛ فلديّ دائرة للحرمة يَحرم عليّ أن أتناولها. ودائرة الحرمة في عالم الأشياء شيئان أو ثلاثة أو أربعة: الخمر، والميتة، والخنزير، والشيء المغصوب، هذه الأشياء فقط وانتهى الأمر.

وبقية الأشياء مثل الخاتم أو الساعة أو ربطة العنق أو أي شيء آخر حلال. إن دائرة الحرام في التناول قليلة جدًا، فإذا كان من الأشياء من عوالم الأشياء فإن المحرم فيها أشياء قليلة.

ظهور الشخصية الاعتبارية واستقلالها عن الشخصية الطبيعية في عالم الأشخاص

تعال الآن في عالم الأشخاص، ما الذي حدث في التغير في عالم الأشخاص؟ حدث بروز ما يسمى بـالشخصية الاعتبارية، فأصبح عندنا شخصية طبيعية هي التي كانت دائمًا موجودة والتي نعرفها.

لكن نشأت شيئًا فشيئًا إلى أن استقلت استقلالًا تامًا الشخصية الاعتبارية عن الشخصية الطبيعية.

ورأينا أن مدير البنك الذي ظلمه نظام البنك ولم يعطوه الدرجة الخاصة به يذهب ليرفع قضية. من الذي يرفعها؟ حسن باعتباره ذمة طبيعية يرفعها على من؟ على البنك. أو يخاطب من في البنك؟ المدير الذي هو من؟ الذي هو حسن.

فشخص يرفع قضية على نفسه! الكلام هذا كان عبثًا قبل انفصال الشخصية الاعتبارية عن الشخصية الطبيعية.

مثال عملي على التقاضي بين الشخصية الطبيعية والاعتبارية وإنصاف القضاء

لكن الآن أنا ألجأ إلى القضاء حتى ينصفني من هذه الشخصية الاعتبارية التي أخَّرت حقي عندها، وإن كنتُ أنا أمثلها. هل تنتبه؟

ويأمر حسن الذي هو مدير البنك مدير الإدارة القانونية أن يذهب فيدافع عن البنك، هذا من واجبات وظيفته، وإذا لم يفعل ذلك سيُتهم بالفساد بشكل صحيح.

وتظل الأمور أمام القاضي ويحكم لهذا الطرف أو لذاك الطرف حكمًا يتماشى مع الحقيقة أو يتماشى مع العدالة، وهنا ترجع الأمور إلى نصابها.

خصائص الشخصية الاعتبارية وحكم التعامل المالي بين فروع الشخص الواحد

فحكاية الاعتبار، حكاية أن الشخصية الاعتبارية لابد متى كان لها وجود أن الشخصية اعتبارية ليس لها عمر، ويأتي المدير الذي بعده، ليست لها عمر، هذه لن تموت.

قضية أن الشخصية الاعتبارية لها جهات، فتجد أنها تقترض من نفسها؛ ففرع البنك في أسيوط يختلف عن فرع البنك في قنا، ويرد له المال وأحيانًا يرده له بالزيادة.

هل هذا ربا أم ماذا؟ فنص الفقهاء أنه لا ربا بين الشخص ونفسه. يعني أنا عندي شركتين (ألف) و(باء)، شركة (ألف) استلفت من شركة (باء) مليون جنيه وردته مليون ومئة، حرام؟ حرام ماذا؟ هذا مالي في الاثنتين.

تولد أفكار ومواقف جديدة من ظهور الشخصية الاعتبارية واستحالة تغيير الواقع بالدين

فأنا أريد أن أقول لحضرتك أنه تولدت أفكار وتولدت مواقف وتولدت أشياء من ظهور الشخصية الاعتبارية في أواسط القرن التاسع عشر، التي تمادت بعد واستقلت استقلالًا تامًا حتى عصرنا الحاضر.

القضية أنك تقول: أنا أريد أن أغير الواقع. هذه الرجل [يغيره بـ] القانون، لكن هذا ليس له علاقة بالدين. الرجل يقول: نحن هنا ننتقل بالحصان، هيا نغيره ونجعل أنفسنا ننتقل بالطائرة. أنا أجلس من هنا لكي أذهب إلى الحجاز شهرًا، وأريدها أن تصبح ساعتين، وهذا ليس له علاقة بالشريعة، هذا جيد.

توسيع التصرف البشري بالمؤسسات والشخصية الاعتبارية ودور الدين في التعامل مع الواقع

الثاني الذي يقول: لماذا نحن حاصرون التصرف البشري في الشخصية الطبيعية؟ ما المانع أن نضيف إليها مؤسسة في صورة شركات مساهمة، في صورة بنوك، في صورة بورصة، في صورة عقود عابرة للقارات، في صورة... وبدأ الفكر هكذا فتغير الواقع.

ليس له علاقة بالدين. الدين أصبح يأتي لكي يقول: حسنًا، كيف أتعامل مع هذا؟ لا أن يغير الواقع.

بمعنى أن الواقع فاسد، ما الذي هو فاسد؟ الواقع لم يكن فاسدًا قط. ما هو إذن الفاسد الذي أريد تغييره؟ الأشخاص القائمون في الواقع، وهي التعاملات أي تعاملي معهم.

أولوية التعليم والتربية في إصلاح الإنسان وتغيير الأحوال السيئة

وهذا يتحقق بـالتعليم والتربية التي نحن جالسون نرفع أصواتنا فيها، والتي الناس غير راضية بجعلها أولوية؛ لأن الأولوية لرغيف الخبز وللطعام، وبالخبز وحده يحيا الإنسان.

نحن نقول: لا، ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.

الاتجاه الثاني يقول: لا، وهل أنا سأدخل في فلسفتكم هذه؟ نقول: أول شيء تبدأ به هو الإنسان وتنميته. الإنسان هو الذي سيحل لك كل هذه المشاكل.

أنت تريد أن تغير ما تسميه أنت بهذا الواقع إلى مفهوم آخر، ليس الواقع الذي نتحدث عنه والذي هو عالم الأشياء والأشخاص والأحداث والأفكار. هذه هي كيفية التعامل معها قبولًا ورفضًا.

تغيير الواقع السيء بالتربية والتعليم وإعداد العناصر الخمسة للعملية التعليمية

ولكن ماذا؟ إن الناس غير راضية بالدين؛ بعضهم ألحد وبعضهم فسق وبعضهم لا يرضى بالصلاة وبعضهم كذلك إلى آخره، وأنا أريد أن أغير هذا، فيكون ذلك بـالتربية والتعليم والمناهج.

بإعداد الخمسة التي بحَّ صوتنا فيها:

  1. الأستاذ.
  2. والكتاب.
  3. والمنهج.
  4. والطالب.
  5. والجو العلمي.

بأن نرجع لنعلم الناس. فعندما وجد الرجل (كارتر) أن هناك انهيار التعليم في أمريكا، ذهب وأعد تقريره «أمة في خطر» وبدؤوا بالإصلاح بعض ما يستطيعون أنهم يصلحوه، و«أمة في خطر» ترجم إلى العربي.

الواقع لا يرتفع والحل في التربية والتعليم والوعي قبل السعي

فأنا أريد أن أقول لحضرتك أن الواقع لا يرتفع، الواقع الذي نتحدث عنه هذا، الواقع لا يرتفع.

إذن ما الذي نفعله نحن؟ نحن نريد التربية والتعليم والتدريب، نريد أن يعود الإنسان مرة أخرى. الوعي قبل السعي؛ قبل أن يسعى نفهمه، وإذا كان الوعي قبل السعي ستحل كل المشكلات وسيتغير الواقع إلى الأحسن.

الواقع بالمفهوم الذي تُقال فيه هذه العبارة «نريد أن نغير الواقع السيء»، نعم، الواقع السيء هذا هو نتائج وصلتنا إليها من انهيار الإنسان.

نموذج اليابان في التعليم والتربية وأثره في بناء الإنسان المنتج المنتمي لوطنه

أنا لا أريد الإنسان الكسول، أنا أريد العامل. أنا أريد الولد الذي هناك في اليابان، الذي يعمل ثماني ساعات - ثماني ساعات وليس ثمانية إلا دقيقة أو ثمانية ونصف - ورئيسه يلومه قائلًا له: هذه محسوبة، أنت يجب أن تعمل ثماني ساعات فقط.

وقد خرج الإمبراطور في اليابان مرةً، كنت في زيارة لليابان فوجدت الإمبراطور يناشد ويترجى اليابانيين أن يشتروا البضائع الأجنبية. تخيل! يشتري البضاعة الأجنبية فيسبب ذلك ضررًا لليابان من شدة حبهم لبلدهم.

إذن من أين أتى هذا؟ لقد أتى من التعليم.

التعليم الياباني وحبة الأرز نموذج لبناء الانتماء والمسؤولية من الصغر

ادخل إلى المدارس اليابانية، فالولد في سن الرابعة إذا سقطت منه حبة أرز تقوم الدنيا ولا تقعد عنده، هو الذي على الفور يوقف الأكل وينزل ليحضرها، وتصبح حكاية أمام نفسه؛ لأنه شعر أنه جزء من الكل.

وكذلك من أين جاء هذا؟ إنه جاء من التعليم بمفهومه الواسع الجميل، من التربية والأخلاق، فهي عندهم راسخة بقوة، مساحة قوية من التلقي.

فيكون إذا أردنا أن نغير أحوالنا:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]

انظر كيف، ليس الواقع «ما بقوم» حتى يغيروا ما بأنفسهم؛ إن سلبًا فسلب، وإن إيجابًا فإيجاب.

اصطدام الشباب المسلم المتحمس مع الواقع في الشرق والغرب ورغبته في تغيير المجتمعات

[المذيع]: مولانا، بعض الشباب المسلم المتحمس يرغب في رؤية مجتمعه مجتمعًا فاضلًا أشبه بـاليوتوبيا التي في خياله أو في ذهنه، أو التي تخيلها في بعض القراءات والكتب، وبالتالي فهو يصطدم مع الواقع الذي نعيش فيه.

فضيلتك ذكرت قبل ذلك وتكرمت بالقول إن الإسلام هو نسق مفتوح يستوعب الجميع، خصوصًا في دولٍ ونماذج من المجتمعات الإسلامية يشترك فيها ويتعايش المسلمون مع غير المسلمين.

لكن هذا الشباب نراه يصطدم حتى وهو في بلاد الغرب بهذه المجتمعات الغربية التي يعيش فيها، يريد أن يغير واقع هذه المجتمعات الغربية، وحينما يأتي إلى الشرق يصطدم أبناء الشرق مع مجتمعاتهم الشرقية ويريدون أن يغيروا هذه المجتمعات وفقًا لعقليتهم أو لفهمهم للدين، هل هذه مناطحة للواقع ولا يمكن أن يغيروا الواقع؟

[الشيخ]: المصيبة أنها ليست مناطحة للواقع فقط، إنها مناطحة لسيدنا الرسول، لهذه الدرجة! هذه هي المصيبة.

النماذج النبوية الأربعة في التعامل مع الواقع المختلف في مكة والحبشة والمدينة

القضية أنه يفعل ضد ما يريد سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم. جعله الله أسوة حسنة:

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]

ولذلك فقد ترك لنا نماذج أربعة:

  1. نموذج كيف يعيش في مكة أقوام من المشركين أهل الوثن، وأنهم يكرهون هذا الدين ويحاربونه ويحذرون منه ويعذبون من انتمى إليه ويضايقونه ويضيقون عليه.
  2. ونموذج في الحبشة بلاد غير إسلامية تقبل المسلمين.
  3. ونموذج في المدينة أولًا مواطنة مجموعة مختلفة من العقائد؛ من المشركين، من اليهود، من المسلمين، من المنافقين، يعيشون تحت دستور المدينة الواحد، الصحيفة.
  4. والمدينة بعد طرد اليهود منها لجرائمهم وخروجهم على الدستور يتبقى ماذا؟ أربعة نماذج.

اصطدام الشباب مع النبي بسبب رفضهم تطبيق النموذج النبوي المناسب لواقعهم

فهو يصطدم مع النبي لأنه هو موجود في روسيا التي عذبت المسلمين، أو في التركستان حيث تعذيب المسلمين، أو في بورما حيث قتل المسلمين، وهم يعيشون في [نموذج] مكة. فيجب إذن أن نرى ماذا فعل النبي في مكة ونفعله.

ويقول: لا، أنا لن أرى ماذا فعل النبي في مكة. هذا يصطدم مع النبي وليس يصطدم مع واقعه.

فإذا جاء في [نموذج] الحبشة قال: أنا لن أفعل ما فعله النبي في الحبشة عن طريق أصحابه. في المواطنة كمصر مثلًا يقول: لا، أنا لا أريد هذه المواطنة، أنا أريد النبي الأخير الذي هو خاص بالمدينة.

وإذا جاء النبي الأخير الخاص بالمدينة يقول: لا، لكن أنا رغبتي هكذا، أنا رغبتي لا أعرف أين!

الاصطدام مع الواقع والنبي والخروج عن المحجة البيضاء وختام الحلقة

لا، هذا لا يصطدم مع الواقع فقط، بل يصطدم مع الواقع وفوق ذلك هو يصطدم مع سيدنا النبي في الأسوة الحسنة، وهو يخرج عن المحجة البيضاء التي تركنا عليها.

[المذيع]: بارك الله فيكم مولانا، شكرًا جزيلًا لحضرتك على هذه المعلومات وعلى هذا التحذير والتنبيه للشباب العربي والمسلم. أشكرك شكرًا جزيلًا مولانا، شكرًا لك، شكرًا جزيلًا لحضرتك، لحضراتكم.