منظومة القيم | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة
- •رمضان محطة للتدبر في كتاب الله الذي أنزل فيه، ومناسبة لمذاكرة القيم الأخلاقية التي بُعث النبي صلى الله عليه وسلم لإتمامها.
- •كتاب "أنشطة القيم الحية للأطفال" الذي تبناه تقرير اليونسكو يتناول القيم الفعالة التي ينبغي تعليمها للأبناء مثل الاحترام والصدق والنزاهة والتواضع.
- •هذه القيم موجودة في ديننا، وموسوعة "نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم" التي تقع في اثني عشر مجلداً تشرح هذه الأخلاق بتفصيل.
- •المسلمون مطالبون بالالتزام بهذه القيم حتى يعبروا عن سيد الخلق تعبيراً صحيحاً ولا يكونوا حجاباً بين الناس والإسلام.
- •من أهم هذه القيم الاحترام، كما في قصة صفية زوج النبي عندما قالت لها حفصة "إنك بنت يهودي"، فعلم النبي صفية احترام ذاتها وأمر حفصة بتقوى الله واحترام الآخرين.
افتتاح الحلقة بالتحية والتهنئة بشهر رمضان المبارك
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، أحييكم بتحية الإسلام، وتحية الإسلام هي السلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كل عام وأنتم بخير بمناسبة هذا الشهر المعظم المبارك، شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر فليصمه.
الحمد لله على نعمة الإسلام وبلوغ رمضان وتدبر القرآن
فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين وبلغنا رمضان، ووفقنا لصيامه فرضًا في نهاره ولقيامه ليلًا على سبيل السنة.
فالحمد لله الذي جعل رمضان محطة من المحطات التي نقف فيها ونتدبر كتاب ربنا الذي أُنزل في هذا الشهر المبارك.
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]
ونأخذ منه الهداية؛ فالقرآن كتاب هداية.
﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]
التعريف بكتاب أنشطة القيم الحية للأطفال الصادر عن اليونسكو
خطر في بالي وأنا أفكر في لقائنا في مجالس الطيبين خلال شهر رمضان عمّا أتحدث، ووقع في يدي كتاب من كتب التربية. هذا الكتاب إنما نشأ من تقرير للأمم المتحدة لليونسكو.
واسم هذا الكتاب -وقد جئت به معي حتى نكون سويًّا على بيّنة من الأمر- «أنشطة القيم الحية للأطفال بين ثلاث سنوات إلى سبع سنوات». هذا هو الكتاب الذي معنا اليوم، والذي خطر في بالي أن نجعله موضوعًا للقائنا في شهر رمضان.
هذا الكتاب طُبع وهو موجود في السوق، ومن تأليف ديان تيلمان وديانا هسو، مع أنشطة من مربين من مختلف أنحاء العالم.
تقرير الأمم المتحدة وأجزاء الكتاب الأربعة في تعليم القيم الفعالة
وقد جعلوا تقرير الأمم المتحدة منهاجًا لهم، وكان تقرير الأمم المتحدة تحت رئاسة السيد جاك دولور، ويحمل عنوان «التعلم ذلك الكنز المكنون»، ويتحدث عن القيم الفعالة التي ينبغي أن نعلمها أبناءنا وأن نعلمها لشبابنا وأولادنا.
ولذلك نرى هذا الكتاب في أربعة مجلدات أو أربعة أجزاء:
- الأولى للأطفال من سن ثلاثة إلى سبعة.
- والثانية للأولاد من سن ثمانية إلى أربعة عشر.
- والثالث للشباب وهو ما فوق الأربعة عشر.
- والجزء الرابع جعله دليل تدريب المربي.
وتحدثوا بطريقة علمية تربوية منهجية لكيفية تحويل هذه القيم إلى مناهج تعليمية يدرسها الطلاب في المدارس.
هل يعرف ديننا هذه القيم التي يتحدث عنها تقرير اليونسكو؟
السؤال الذي سألت نفسي عنه: هذه القيم التي يتحدثون عنها -قيم السلام، قيم الاحترام واحترام الآخر، وقيم الصدق والنزاهة والتواضع، وقيم المحبة، وقيم كثيرة أخرى، إحدى عشرة مجموعة من القيم- هل يعرف ديننا ذلك؟
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»
والإجابة واضحة في ديننا، ولكننا نريد أن نبلغها للعالمين، وقبل أن نبلغ بها العالمين ينبغي أن نذاكرها.
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 21-22]
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]
الانتفاع بأخلاق النبي ﷺ ومحبته الدافعة للاقتداء به
أردت أن ننتفع بأخلاق سيد الخلق الذي وصفه ربه فقال:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]
وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تقول:
«كان خُلُقه القرآن»
وكأنه قرآن صلى الله عليه وسلم يمشي على الأرض.
في محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم تصاحبنا في هذا الشهر، محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي التي تجعلنا نقتدي بأخلاقه.
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي التي تجعل معنا وفي طريقنا دفعة.
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
فاتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم من محبته ومن محبة الله سبحانه وتعالى بالأساس.
التعريف بموسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم
هيا بنا نتأمل تلك الحزم [حزم القيم] التي تكلموا عنها، أين هي في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي مواقفه التربوية؟
وجدت كتابًا ممتعًا وجهدًا جليلًا قام به بعض العلماء بإشراف الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد إمام الحرم المكي، وبإشراف أيضًا مدير دار الوسيلة عبد الرحمن بن ملوح.
وصدر هذا الكتاب في اثني عشر مجلدًا، أسماه «نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم» صلى الله عليه وآله وسلم. وجعلها موسوعة وأتى بالأخلاق الممدوحة المطلوبة، وأيضًا بالأخلاق المذمومة التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فجعل الموسوعة بين الأمر والنهي أو بين الإرشاد النبوي أمرًا ونهيًا.
حجم موسوعة نضرة النعيم وعلاقتها بحزم القيم الإحدى عشرة
هذه الموسوعة صدرت في اثني عشر مجلدًا من هذا الحجم، يعني كل مجلد -المجلد الأول هذا- في خمسمائة وسبعة وتسعين صفحة أو في ستمائة صفحة، ومعنى هذا ستمائة وأكثر.
ومعنى هذا أن لدينا اثني عشر مجلدًا من هذا، آخرها للفهارس. نضرة النعيم تتحدث بتوسع عن هذه الحزم الإحدى عشرة التي معنا.
ولكن المقصود: ما الذي يربط تراثنا بعصرنا؟ المقصود من هذا أننا أصحاب رسالة وأننا أصحاب أخلاق قويمة يحتاج إليها العالم. هذا العالم واليونسكو محتاج إليها؛ إحدى عشرة حزمة كلها من بضاعتنا، وبضاعتنا رُدّت إلينا.
خطاب المسلمين بالالتزام بالقيم النبوية قبل تبليغها للعالمين
خطابي للمسلمين قبل أن يكون لغير المسلمين، قبل أن يكون للعالمين ولكن للمسلمين: إذا لم تلتزموا بهذه القيم التي تركها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي يحتاجها البشر في كل مكان، فأنتم لا تعبّرون التعبير الصحيح عن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وبذلك نكون حجابًا بين الخلق والخالق ونعطي صورة سيئة.
ولذلك إذا أردنا أن نغيّر فلا بد أن نبدأ بأنفسنا.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]
طوال رمضان وفي مجالس الطيبين سوف نشرح هذه الحقيقة الربانية وهذه الأخلاق الكريمة التي تركها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قيمة الاحترام في الإسلام واحترام الإنسان والمخلوقات جميعها
ومن أوائل هذه القيم التي يهتمون بها قيمة الاحترام:
هل أنا كإنسان أحترم الآخر أم لا أحترمه؟
أحترم ماذا؟ أحترم الإنسان، أحترم المرأة، أحترم العبد، أحترم الضعيف، أحترم الطفولة، أحترم الحيوان، أحترم النبات، أحترم الجماد.
فهل ترك لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا من هذا الجانب؟ هيا بنا، هيا بنا نرى.
قصة السيدة صفية وتعليم النبي ﷺ احترام الأقوام والأعراق الأخرى
ما رواه الترمذي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
«بلغ صفية زوجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم -وكانت يهودية فأسلمت-، كانت من قوم غيرنا أو من ديانة غير دين المسلمين فأسلمت، قالت حفصة: إن صفية بنت يهودي، فبلغ صفيةَ هذا فبكت»
وظننت [أي: ظن الراوي] أن هذا الكلام الخطأ الذي صدر من سيدتنا حفصة، والنبي يربي أولاده وأتباعه وأزواجه ويربينا إلى يوم الدين، وكان يقول:
«أنا منكم مثل الوالد للولد»
فبكت [صفية]، فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي، فقال: ما يبكيكِ يا صفية؟ قالت: قالت حفصة لي إني بنت يهودي.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«وما يبكيكِ؟ إنكِ لابنة نبي، وإن عمكِ لنبي، وإنكِ لتحت نبي، ففيمَ تفخر عليكِ؟»
ثم قال:
«اتقي الله يا حفصة»
دروس من موقف النبي ﷺ في تعليم احترام الذات واحترام الآخرين
في هذا [الموقف النبوي] يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أننا نحترم الأقوام الآخرين، وبعد أن انتقلت صفية إلى الإسلام أمرها أن تفتخر بأنها كانت كذلك [من نسل الأنبياء]، وبأنها من بنات موسى [عليه السلام]، والإسلام يؤمن بموسى وعيسى، وبأن عمها هارون [عليه السلام]، وبأنها زوجة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم.
فعلّم صفية أن تفتخر بذاتها وأن تحترم ذاتها وأن لا تجلد نفسها ولا تتشكك في مكانتها، ثم أمر حفصة بأن تتقي الله وأن تحترم الآخرين.
كلام جميل مع خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم. نلتقي على بركة الله كل يوم في رمضان، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
