من أحياها فقد أحياني | كلمة أ د علي جمعة في احتفال العام الهجري 1439 هـ - تصوف, سيدنا محمد

من أحياها فقد أحياني | كلمة أ د علي جمعة في احتفال العام الهجري 1439 هـ

13 دقيقة
  • دخلنا في شهر المحرم وهو من الأشهر الحرم وبداية سنة هجرية جديدة مرتبطة بهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم.
  • اعتمد سيدنا عمر أول المحرم بداية للعام، وأمرنا الرسول باتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده.
  • كان عمر رجل دولة وحياة، فبنى دولة وأسس منهجاً يصلح لكل زمان ومكان، مما حافظ على صلاحية الإسلام لكل عصر.
  • ظهرت النابتة التي تريد العيش في زمن النبي وتغلق ما فتحه الله، فأنكرت المعروف وعرفت المنكر.
  • المسلم مكلف بمنهج النبي وليس بزمنه، فيعيش عصره ويخدم بلده.
  • وصف النبي الخوارج بأنهم كلاب أهل النار رغم تعبدهم، فلا نعترض على الأعمال إلا إذا انحرفت عن نهج رسول الله.
  • كان النبي يحب الصوت الحسن والاستماع للقرآن والمدائح من أصحابه كحسان بن ثابت.
  • الاحتفال بالهجرة وسماع المدائح هو إحياء لسنة النبي، ففي الحديث: "من أحيا سنتي فقد أحياني".
محتويات الفيديو(12 أقسام)

افتتاح المجلس بالحمد والصلاة والدعاء بمناسبة العام الهجري الجديد

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أصبحنا بعد غروب هذا اليوم في يوم جديد، وفي شهر جديد، وفي سنة جديدة. وغدًا في يوم الجمعة عيد في السماء، وغدًا أول المحرم دخلنا فيه الآن، وهو من الأشهر الحُرُم، وغدًا بداية سنة جديدة.

ندعو الله سبحانه وتعالى أن يَمُنَّ علينا فيها بالسلام وهدوء البال، وأن يُصلح الحال، وأن يُطمئن القلوب، وأن يصرف عنا السوء بما شاء وكيف شاء وأنّى شاء؛ فهو على كل ذلك قدير. لا ربَّ سواه، ولا نعرف إلا إياه، ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.

التأريخ بالهجرة النبوية واعتماد سيدنا عمر لأول المحرم بداية للعام

وهذه السنة [الهجرية] تُذكّرنا بهجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنحتفل بها في بداية العام. وقد اعتمدها سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] عندما اختار أول المحرم بداية للعام.

سيدنا عمر الذي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتّبعه فيما يَسُنّ لنا، فقال:

قال رسول الله ﷺ: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عَضّوا عليها بالنواجذ»

والنّاجذ هو السنّ الذي ندعوه بضرس العقل، وهو في منتهى الفكّين. «عَضّوا عليها بالنواجذ» يعني تمسّكوا بها تمسّكًا شديدًا.

علم النبي بتطور الزمن واتساع رقعة الإسلام في الأرض

لم يُقصّر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يعلم بوحي ربه إليه أن الناس ستختلف، وأن الزمن سيتطور، وأن رقعة الأرض ستتّسع للمسلمين، حتى أنه قال صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «زُوِيَت لي الأرضُ فرأيتُ مشارقَ الأرضِ ومغاربَها»

حتى رأى الإسلام يدخل في كل بيت، وقد كان. فصلّى الله على سيدنا النبي.

سيدنا عمر رجل الدولة الذي أسس منهجًا صالحًا لكل زمان ومكان

سيدنا عمر [رضي الله عنه] كان رجلَ حياة، لم يكن ضدّ الحياة، وكان رجلَ دولة فبنى دولة، وعلّمنا كيف نفكّر وكيف نتّخذ منهجًا يصلح لكل زمان ومكان.

فظلّ الإسلام صالحًا لكل زمان ومكان جرّاء ما أسّسه عمر رضي الله تعالى عنه مع جماعة الخلفاء الراشدين المهديين من بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

ظهور النابتة التي أرادت إغلاق ما فتحه الله وإنكار الاحتفال بالنبي

حتى نبتت النابتة [أي الجماعات المتشددة]، وأراد كل واحد [منهم] أن يحيا زمن النبي، وأن يُغلق على نفسه ما فتحه الله له. حتى أنهم - والعياذ بالله تعالى - يلومون على هذا الاجتماع المبارك الذي نحتفل به بسيدنا [رسول الله ﷺ]، ونستمع فيه إلى المدائح كما كان [النبي ﷺ] يحبّ أن يستمع إلى المدائح من حسّان بن ثابت [رضي الله عنه].

تدهورت أحوال النابتة حتى أنكروا المعروف وعرفوا المنكر، ورأوا الظلام نورًا ورأوا النور ظلامًا، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. يكفينا ربنا، حسبنا الله ونعم الوكيل.

فرحة المسلمين بالهجرة والتكليف بمنهج النبي لا بزمنه لخدمة العصر والبلد

فرحة المسلمين بهجرة رسول الله، وطاعة المسلمين لمنهج عمر [رضي الله عنه]، وتذكّر المسلمين لمعنى الدولة، ولمعنى السنة الحسنة، ولمعنى أننا قد كُلِّفنا بمنهج النبي وليس بزمن النبي؛ يجعل المسلم يعيش عصره ويخدم بلده.

ولكن منهج النابتة - والعياذ بالله تعالى - وقعوا في تناقضات واحتاروا حيرة ما بعدها حيرة؛ فمرة يُحرّمون الصورة، ومرة يجعلون من الصورة وكأنها شعائر تُتّبع، ومرة يُنكرون العلوم، ومرة يُقرّون العلوم، حتى أن بعضهم أنكر دوران الأرض.

تناقض النابتة في منع المرأة من قيادة السيارة وإهانتهم للدين والمرأة

وبعضهم أنكر - لأنه يعيش التناقض - أنه لا يجوز للمرأة أن تقود السيارة. لماذا؟ لأن رجل المرور يرى أن المرأة على النصف من عقلها، وأنه كلما رأى شخصًا معه نصف عقله ونصف عقله الآخر ضائع؛ فإنه لا يجوز له قانونًا أن يمنحه الرخصة. حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل.

أهانوا الدين وأهانوا الطفولة وأهانوا البيئة وأهانوا المرأة، وجعلونا في صورة يضحك منها الكافر والمؤمن.

وصف النبي للخوارج بكلاب أهل النار رغم عبادتهم وإخلاصهم

ولذلك وصفهم رسول الله ﷺ فقال:

قال رسول الله ﷺ: «الخوارج كلاب أهل النار»

وهم مسلمون شاهدون بأن لا إله إلا الله، بل بعضهم مخلص وعمله تام. قال ﷺ:

قال رسول الله ﷺ: «تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وصيامكم إلى صيامهم»

نحن لا نبحث في النيات ولا نعترض على الأعمال، إلا إذا انحرفت عن نهج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فإذا رأينا من أفعالهم سفك الدماء وغباوة الفكر وسوء المنهج والفساد في الأرض رفضناها.

فيقوم أحدهم يقول: أدخلتَ في نيتي؟ لا يا أخي، أنا لم أدخل في نيتك، بل إنني رأيت عملك، وعملك هو عمل المفسدين.

الدعاء بالاجتماع على النبي في الدنيا والآخرة وحضور أهل اليمن والشام

فاللهم يا ربنا صلِّ وسلم وبارك على سيدنا النبي الذي نجتمع عليه في الدنيا، فاجمعنا عليه في الآخرة.

يحضر هذا المجلس المبارك بعض أهل اليمن وبعض أهل الشام. وعندنا في مصر يقولون لك: إيش لَمّ الشامي على المغربي؟ ونحن عندنا الإجابة: سيدنا النبي الذي جمع الشامي والمغربي. هو سيدنا النبي.

فمن هو الذي جمع الشامي والمغربي؟ إيش لَمّ الشامي على المغربي؟ سيدنا النبي، سيدنا النبي. فنسمع في مدح سيدنا النبي ما يجلو القلوب إن شاء الله.

حب النبي للصوت الحسن واختياره بلالًا للأذان وسماعه القرآن من ابن مسعود

وكان سيدنا [رسول الله] صلى الله عليه وسلم يحب الصوت الحسن. ولما رأى عبد الله بن زيد [رضي الله عنه] في منامه الأذان، قال [النبي ﷺ]: علّمه بلالًا فإنه أندى منك صوتًا؛ فكان يحب الصوت الحسن.

وكان يحب أن يسمع القرآن من عبد الله بن مسعود [رضي الله عنه]، وكان كلما سمع منه يقول: هكذا نزل.

وكان يحب أيضًا أن يسمع من أُبيّ بن كعب [رضي الله عنه]. وأُرتِج عليه صلى الله عليه وسلم مرة في القراءة في الصلاة حتى يُعلّمنا؛ فبعدما انتهى التفت إلى أُبيّ وقال: ألم تكن في الناس يا أُبيّ؟ يعني لماذا لم تردّني؟ لماذا لم تفتح عليّ؟ ألم تكن في الناس يا أُبيّ؟

قصة كعب بن زهير وقصيدة البردة واعتذاره للنبي صلى الله عليه وسلم

فكان من الصحابة الكرام من هو رقيق الحاشية كحسّان بن ثابت [رضي الله عنه]. ولما دخل يمدحه ابن زهير [كعب] بن أبي سُلمى، فردّ له [النبي ﷺ] عباءته، فسُمِّيت هذه القصيدة بالبُردة؛ لأن بُردة الرسول ﷺ قد فُرِدت لهذا الذي كان هناك شيء بينه وبين النبي، ولكن جاء معتذرًا بهذه القصيدة: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول.

الدعاء بالحياة والممات على الإسلام وإحياء سنة النبي في مجالس المدح

اللهم يا ربنا أحينا مسلمين وأمِتنا مسلمين غير خزايا ولا مفتونين، وعلّمنا سنة سيدنا النبي، واجعلنا ننهل من علومه ومما أوحيت إليه به، وممّا فتحت به على عبادك الصالحين. آمين آمين.

ولذلك فما نصنعه الآن هو إحياءٌ لسُنّة النبي صلى الله عليه وسلم. وفي النسخة المعتمدة من سنن الترمذي حديث:

قال رسول الله ﷺ: «من أحيا سنتي فقد أحبني»

وفي النسخة الصحيحة المروية: «فقد أحياني».

فاللهم يا ربنا أحيِ بنا سُنّة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم.