من معاني الحياة الطيبة في قوله تعالى : " فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً " | أ.د علي جمعة
- •الحياة الطيبة المذكورة في قوله تعالى: "من عمل صالحا من ذكر أو أنثىٰ وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة" هي السعادة في الدارين.
- •فسر ابن عباس رضي الله عنه الحياة الطيبة بأنها السعادة.
- •لا يمكن تعريف الحياة الطيبة باللغة فقط، بل تُعرف بالذوق والشعور.
- •تعددت أقوال العلماء في تفسيرها، فمنهم من قال إنها حلاوة الطاعة، والرضا، والنجوى، ونسيم القرب من الله.
- •ذكر القشيري أن كل هذه المعاني صحيحة ولكل واحد أهله، فالناس يستشعرون السعادة من جهات مختلفة.
- •الحياة الطيبة لا تكون إلا مع المحبوب، والمحبوب الحقيقي هو الله سبحانه ورسوله.
- •قال التستري: هي أن ينزع الله عن العبد تدبيره ويرده إلى تدبير الحق.
- •ذكر جعفر الصادق أنها المعرفة بالله وصدق المقام بين يديه.
- •من أدرك معنى "لا حول ولا قوة إلا بالله" خرج من تدبير نفسه إلى تدبير ربه فيحصل له التسليم والرضا وحسن التوكل.
الحياة الطيبة وسعادة الدارين في ضوء آية سورة النحل
قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوٰةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]
إذن الحياة الطيبة فالسعادة هذه هي الحياة الطيبة، وسعادة الدارين، أي دار الدنيا لأنها قريبة منا، ودار الآخرة لأنها مؤجلة عنا؛ سنذهب إليها بعد الالتحاق بالرفيق الأعلى والذهاب إلى رحمة الله سبحانه وتعالى، نرجو من الله السلامة في الدارين.
تفسير ابن عباس للحياة الطيبة بأنها السعادة وعلاقتها بموضوع اللقاء
أخرج [ابن جرير]، و[ابن المنذر]، و[ابن أبي حاتم] في التفسير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم في قوله [تعالى]: ﴿حَيَوٰةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97] قال: السعادة.
ومن هنا صدرنا بتلك الآية العظيمة التي تتعلق في القرآن بموضوع هذا اللقاء في ذلك اليوم الأغر.
القشيري يبين أن الحياة الطيبة تُعرف بالذوق لا بالنطق واللغة
يقول القشيري في تفسيره: ثم ما تلك الحياة الطيبة؟ فإنه لا يُعرف بالنطق، أي [من جهة اللغة]، أي بأن نتكلم بكلمات وبجمل نفسر فيها هذه الحياة الطيبة، وإنما يُعرف بالذوق، يُعرف بالشعور، يُعرف بما وراء اللغة؛ يشعره الإنسان ويعيش فيه، لكنه لا يحسن التعبير عنه.
فقوم قالوا: إنه حلاوة الطاعة، إذن هو يُعرف بالذوق، لكن بالرغم من ذلك، فإن قومًا أرادوا أن يحدّوه، أن يضعوا له تعريفًا، فقالوا هو حلاوة الطاعة، وقوم قالوا إنه القناعة، وقوم قالوا إنه الرضا، وقوم قالوا: إنه النجوى، وقوم قالوا: إنه نسيم القرب.
نسيم القرب من الله وما يشعر به العبد من أمان وسعادة
نسيم القرب من الله سبحانه وتعالى، فالإنسان يشعر بالحنان، ويشعر بالأمان، ويشعر بالهدوء النفسي، ويشعر بالتوكل على الله، وبالتسليم وبالرضا.
يشعر بما قاله بعض العباد: نحن نشعر بسعادة لو عرفها الملوك لقاتلونا عليها، فهذا نسيم القرب.
القشيري يصحح جميع معاني الحياة الطيبة ولكل واحد أهل
يقول القشيري: [والكل صحيح]، كل هذه المعاني التي حاولها العباد والمفكرون والعلماء كلها صحيحة، ولكل واحد أهل.
يعني نحن نستشعر السعادة من جهات مختلفة؛ بعضنا يستشعر أنها الطاعة، بعضنا يستشعر أنها القناعة -اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا-، بعضنا يستشعر أنها نسيم القرب، بعضنا يستشعر أنها النجوى، بعضنا يستشعر أنها الرضا، ولكل واحد أهل.
الحياة الطيبة هي المعية مع المحبوب وهو الله سبحانه وتعالى
ويُقال: الحياة الطيبة ما يكون مع المحبوب، إذن فالمعية هنا هي السعادة. المحبوب، ومحبوب الكل هو الله سبحانه وتعالى.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
إذن فالحبيب الأعلى والأتم هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
من جعل الله ورسوله محبوبه نال السعادة ومن ضيّق فقد حُرم
ومن هنا، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه.
فمنا من وسّع بأن جعل الله سبحانه وتعالى هو المحبوب، وجعل وسيلة الاتصال بيننا وبينه وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو المحبوب، وطبّق قوله تعالى:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
ومن ضيّق فجعل امرأة يتزوجها أو دنيا يصيبها من مال، من ولد، من جاه، من نحو ذلك هو المحبوب. فندعو الله سبحانه وتعالى؛ من أجل أن نحصّل سعادة الدارين، أن نجعل الله ورسوله [المحبوب].
تفسير القرطبي للحياة الطيبة عن سهل التستري وجعفر الصادق
يقول القرطبي في تفسيره عن معنى الحياة الطيبة: قال سهل بن عبد الله التستري: [هي أن ينزع عن العبد، أن ينزع الله -يعني- عن العبد تدبيره، ويردّه إلى تدبير الحق].
وكان جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه يقول: هي المعرفة بالله، وصدق المقام بين يدي الله سبحانه وتعالى.
وقيل -هذا كلام القرطبي-: الاستغناء عن الخلق والافتقار إلى الحق، وقيل: الرضا بالقضاء.
لا حول ولا قوة إلا بالله مفتاح الخروج من تدبير النفس إلى تدبير الرب
هذا الكلام للإمام القرطبي كلام عالٍ جدًا، ولكن يحتاج منا أن نقف عند أنه تفسير لكلمة لا حول ولا قوة إلا بالله. من أدرك بعمق معنى [لا حول ولا قوة إلا بالله]، فإنه يخرج من تدبير نفسه إلى تدبير ربه؛ فيحدث له التسليم، ويحدث له الرضا، ويحدث له حسن التوكل، ويحدث له أشياء كثيرة.
فسّرها [ابن عطاء الله السكندري] رضي الله تعالى عنه في [حِكَم ابن عطاء]؛ حِكَم ابن عطاء أكثر من مائتي حكمة، مائتان وثلاث عشرة حكمة، ولكنها جميعًا وكأنها تفسر لا حول ولا قوة إلا بالله.
لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز عرش الرحمن ومفتاح رؤية الله في كل شيء
لا حول ولا قوة إلا بالله كلمة من كلمات الإسلام، وفي [صحيح] البخاري: «لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز عرش الرحمن».
إذن فنحن أمام عنوان، أمام مفتاح نستطيع به أن نصل إلى هذه الحالة [حالة السعادة والحياة الطيبة]، إلى أن نرى الله سبحانه وتعالى في كل شيء.
