مهمة الإنسان في الكون - درجات المعرفة #1 | ا.د. علي جمعة
- •خلق الله الإنسان لغاية أساسية هي العبادة، كما في قوله تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون".
- •العبادة مفهوم واسع يتجاوز الشعائر ليشمل تنظيم العلاقة بين العبد وربه، وبين الإنسان والكون، وبين الإنسان ونفسه.
- •خلافة الإنسان في الأرض وعمارتها جزء أساسي من مهمته، حيث قال تعالى: "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها".
- •العقل مناط التكليف، وهو أداة الإنسان لإدراك ثلاثة كتب: الكتاب المسطور (القرآن)، والكتاب المنظور (الكون)، والكتاب المقدور (الإنسان).
- •لا تعارض بين الدين والعلم لأن مصدرهما واحد، فالقرآن والكون كلاهما من عند الله.
- •القرآن غير مخلوق ومتجاوز للزمان والمكان، صالح لكل زمان ومكان.
- •الإسلام نسق مفتوح، يعترف بكل الأنبياء، ويعتبر الكون والوحي مصدرين للمعرفة، ويراعي المقاصد والمصالح.
- •درجات المعرفة هي درجات عند الله، وعكسها الدركات التي تنتج عن قلب فهم الدين.
مقدمة برنامج درجات المعرفة والترحيب بالدكتور علي جمعة
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، تحية لكم مشاهدينا الكرام، أرحب بحضراتكم في أولى حلقات برنامج درجات المعرفة، هذا اللقاء الطيب الذي سيجمعنا يوميًا إن شاء الله بفضيلة العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة.
كما تعودنا دائمًا من فضيلته، فإنه والحمد لله خلال الفترة الماضية والسنوات الطويلة الحقيقة كان لفضيلة الدكتور جهد كبير في إثراء العقلية المسلمة وإنارة عقل الإنسان المسلم لكي يرى الطريق أمامه بشكل صحيح.
واليوم إن شاء الله وفي قادم الأيام مع فضيلة الدكتور ومن خلال هذا البرنامج ستكون هناك معالم طريق واضحة أمام المسلم، لكي يستطيع أن يفرق بعقله وأن يستعمل أدوات العقل التي وهبها الله سبحانه وتعالى إياه، لكي يتعرف على الطريق الصحيح وبالتالي يصل إلى مراد الله سبحانه وتعالى من الخلق، وهو إعمار الدنيا وأن يكون الإنسان على الطريق الذي يرضاه الله سبحانه وتعالى.
الترحيب بالشيخ وطرح سؤال لماذا خلق الله الإنسان والكون
[المذيع]: اسمحوا لي بعد أن أرحب بحضراتكم، أرحب بفضيلة الإمام العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا بفضيلتكم مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا، نحن سعداء بوجودك معنا، أكرمك الله وبارك فيك، أهلًا وسهلًا.
[المذيع]: أتشرف بكم، حفظك الله يا مولانا. في الحقيقة الحلقة الأولى من هذا البرنامج في هذه الأيام الطيبة ستكون عن ماهية خلق الإنسان. لماذا خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان؟ ربنا سبحانه وتعالى خلق الإنسان وسخر له كل ما في الكون من مخلوقات، ولم يخلق الإنسان عبثًا ولا باطلًا، إنما كان لمشيئة وإرادة إلهية. فضيلة الدكتور، لماذا خلق الله سبحانه وتعالى الكون ككل؟ مُجمَلًا.
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. الله سبحانه وتعالى علّمنا في كتابه المنزل القرآن الكريم علّمنا الإجابة على هذا بصورة واضحة، وهو أنه قد خلق هذا الكون من أجل عبادته.
مفهوم العبادة الواسع وأسلوب القصر في القرآن الكريم
والعبادة لها مفهوم واسع يشمل مناحي عدة تنظم العلاقة بين الإنسان وربه، وبين الإنسان والكون، وبين الإنسان ونفسه. هذا المعنى الواسع يقول ربنا سبحانه وتعالى فيه:
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
وهذا الأسلوب في اللغة العربية يُسمى بأسلوب القصر، أي أن هذا هو الهدف الوحيد: العبادة.
ولكن إذا اختزلنا العبادة في الصلاة والصيام والزكاة والحج سنكون في مشكلة كبيرة. ولكن العبادة كما يريدها الله سبحانه وتعالى، العبادة تشمل نفع الآخرين:
﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]
العبادة:
﴿وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُوا ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: 53]
عبادي، يعني انظر: وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن.
خطورة اختزال العبادة في مفهومها الضيق وتنظيمها للعلاقات
فإذن كانت العبادة لها مفهوم واسع، وعند اختزالها إلى المفهوم الضيق يحدث عدم فهم للنصوص.
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
وهذه العبادة تنظم العلاقة بين العبد وربه، نظّمها الله في الإسلام على أبدع ما يكون وعلى أكثر ما يكون تفصيلًا من كل الوحي الذي أنزله على أنبيائه عبر الدهور وكرّ العصور.
نعم، علّمنا كيف نصلي، كيف نصوم، وكيف نحج، وكيف ننفع الناس بالزكاة، وكيف نشهد شهادة الحق الذي بُني عليها هذا الكون أنه لا إله إلا الله، وكيف نعترف بالفضل والمنة وأن محمدًا رسول الله، كيف نذكره، كيف ندعوه، كيف نكفّر عن آثامنا، كيف نبدأ من جديد:
قال رسول الله ﷺ: «كل ابن آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون»
كيف نحسن خلقنا؟ كيف نعيش حياتنا؟ كيف نحصل على سعادة الدارين وليست سعادة دار واحدة.
سعادة الدارين وتصحيح مفهوم العبادة في أذهان الناس
هناك من الناس من يقول:
﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ﴾ [البقرة: 200]
ومنهم من يقول:
﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: 201]
تجمع بين الاثنين، سعادة الدارين:
﴿وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]
إذن فالعبادة لها مفهوم، وهذا المفهوم يجب أن نصححه في أذهان الناس، بحيث لا ينصرف الذهن مباشرة إلى جزء بسيط من العبادة أو إلى ظاهر العبادة ويترك محتواها.
العبادات كوعاء لمراد الله ومعنى الاستخلاف في الأرض
نعم، ونتكلم أن هذا مع أهميته باعتبار أنه الإناء - الصلاة والصوم وما آخر كل هذه العبادات هي وعاء يوضع فيه مراد الله سبحانه وتعالى من كونه. فماذا أراد؟
﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]
وهذا هو المعنى الثاني الذي هو مضمون العبادة، الذي يُحفظ في العبادة، والذي لن نتوصل إليه إلا بتلك العبادة.
ولذلك هذه فروض لن نتركها، حتى لو سرحت في صلاتي، حتى لو لم أخشع فيها، فلعل الصلاة أن تنهاني يومًا:
﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45]
فحتى أصل إلى:
﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]
معنى استعمار الأرض وتكليف الإنسان بإعمارها وبيان الصلاح والفساد
﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]
يعني طلب منكم عمارتها، الألف والسين والتاء تدخل للطلب. نعم، تدخل لأنه يطلب مني أن أعمرها. فهذا يعني إذن طلب العمارة، فهذا تكليف عليّ ويجب أن أعمر الأرض.
وقد وضّح لي في الوحي كله كيفية إعمارها وما هو الصلاح وما هو الفساد. وأيضًا:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّىٰهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 7-10]
يعني:
﴿وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 10]
يعني أننا أرشدناه إلى الخير والشر، إلى الحق والباطل.
العقل مناط التكليف وسقوطه عمن لا عقل له
وجعلنا ما يتوصل به إلى هذه الحقائق هو العقل، فوهبنا له عقلًا وأسقطنا التكليف عمّن لا عقل له.
فالصبي الصغير الذي لم تكتمل معلوماته أُسقط عنه التكليف، والنائم الذي لا يصله الخطاب أُسقط عنه التكليف، والذي سلبه الله العقل لمرضٍ أو لعاهةٍ أو لغير ذلك وإلى آخره، أُسقط عنه التكليف.
وبالتالي ما دون الإنسان من سائر المخلوقات والحيوانات والجماد، كل هذا غير مكلف لأنه ليس لديه عقل، خرج عن نطاق تحمل الأمانة لأنه ليس لديه عقل. والعقل مناط التكليف، لكنه يظل عبدًا لله:
﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]
تسبيح الكائنات وأدب التعامل مع الكون الحي
نعم، هذا الخشب يسبّح، وهذا الحديد يسبّح، وهذا الطوب يسبّح، فالكائنات كلها تسبّح. وهذا يجعل وضعًا تفاعليًا بين الإنسان وبين الأكوان، لأنني أحترم حتى الجماد.
ولذلك أهل الله ممن سلكوا بنا الطريق إلى الله، من الأدب عندهم أنك لا تغلق الباب بشدة وأنت تخرج خلفك هكذا، لأنه يسبّح فيجب عليك أن تغلقه برفق.
فنحن نتعامل مع كون حيّ وليس مع كون فيه تفاعل [فحسب]، مع كون أريد أن أسير في تياره. التيار ماذا يفعل؟ تيار:
﴿ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ﴾ [الرحمن: 5]
يسجدان، عبادة، تيار. إن كل ما حولي هذا من شجر أو بقر أو أنهار أو بحار أو ما شابه يسبّح الله سبحانه وتعالى.
المفهوم الإسلامي الشامل للعبادة يجمع العمارة والتزكية والأخلاق
هذا المفهوم الواسع هو الأساس للمدخل في تعاملنا مع البيئة. صحيح أن الذين يهتمون يحاولون أن يفصلوها، أن يجعلوا حقوق الإنسان شيئًا ويجعلوا البيئة شيئًا آخر، لكن في المفهوم الإسلامي هو شيء واحد.
ولذلك المفهوم فيه رؤية شاملة كلية تجعل العبادة تندرج تحتها العمارة والتزكية، وتجعل العمارة والتزكية من أركان العبادة.
وأصبحت هذه العبادة تنظم العلاقة بين الإنسان وربه، والإنسان ونفسه التي هي الأخلاق، والإنسان وكونه في أسس العمارة.
هل العقل هو الأساس وما مهمته في حياة الإنسان المسلم
[المذيع]: نعم، مولانا طيب، هل أفهم من كلام فضيلتكم أن العقل هنا هو الأساس؟ إذا حَسُن وصَلُح العقل، صَلُح عمل الإنسان وطريقه الذي يسير فيه، وبالتالي هل نستطيع أن نقول أن هناك أسسًا من خلالها يستطيع الإنسان أن يدرب عقله أو أن يضع عقله وتفكيره على الطريق الصحيح؟
[الشيخ]: العقل مهمته التلقي والإدراك، مهمته ربط المعلومات وحفظها واسترجاعها وأداءها، مهمته الفهم العميق والابتكار والإبداع.
ليس من مهمته الإنشاء، ولكن من مهمته التطبيق وإحسان هذا التطبيق.
الكتب الثلاثة: كتاب الله المسطور والمنظور والمقدور
أنا الآن عندي كتابان: كتاب الله المسطور وهو الوحي القرآن، وكتاب الله المنظور وهو الكون، وكلاهما قد صدر عن الله سبحانه وتعالى. هذا من عالم الخلق الذي هو الكون، وهذا من عالم الأمر.
فالله سبحانه وتعالى عندما صدر منه الكتابان: الكتاب المسطور والكتاب المنظور، جعل هناك كتابًا ثالثًا لإدراكهما وهو الكتاب المقدور.
نعم، وأصبح لدينا ثلاثة كتب:
- •الكتاب المقدور الذي هو الإنسان.
- •الكتاب المسطور الذي يترجم مراد الرحمن.
- •الكتاب المنظور الذي هو الأكوان.
فنوزنها، فها هي: الرحمن والإنسان والأكوان شكّلت هذا المثلث.
العودة بعد الفاصل والحديث عن الكتاب المقدور وهو الإنسان
[المذيع]: حسنًا، بإذنك فضيلتك مولانا، نخرج إلى فاصل وبعد الفاصل نبدأ في قراءة هذه الكتب الثلاثة إن شاء الله. إن شاء الله، كونوا معنا.
أهلًا بحضراتكم مرةً أخرى مشاهدينا الكرام، ونستكمل هذا الحديث الطيب مع فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة. أهلًا بكم مولانا مرةً أخرى. وكنتَ قبل الفاصل تتحدث عن الكتب الثلاثة: كتاب الله المسطور، وكتاب الله المنظور، وكتاب الله المقدور، أليس كذلك؟
[الشيخ]: نعم بلى، تفضل مولانا. كتاب المقدور هو الإنسان، والإنسان كما قلنا إن الله سبحانه وتعالى وهب له عقلًا يتلقى ويفهم ويحفظ ويسترجع ويؤدي ويربط المعلومات ويبتكر ويبدع ويتعلم.
الكتاب المسطور والمنظور مصدران للمعرفة لا يتعارضان
وكل هذا وُضعت له أسسه ومفاتيحه في كتاب الله المسطور وكتاب الله المنظور أيضًا. وجعل الكتاب المسطور والكتاب المنظور مصدرًا للمعرفة.
ولذلك فهما لا يتعارضان إطلاقًا؛ لأن الثلاثة من عند الله:
﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]
انظر كيف أن له الخلق الذي هو الأكوان، وله الأمر الذي هو القرآن. كيف سيتعارض القرآن مع حقائق الأكوان؟
[المذيع]: يعني يا مولانا، أستطيع أن أقول إنه الدين والدنيا.
[الشيخ]: الدين والدنيا، العلم والمعرفة، قُل ما تقوله، لا يوجد تناقض [بين الكتاب المسطور والكتاب المنظور].
المسلمون لم يمروا بصدام بين الدين والعلم كما حدث في أوروبا
ولذلك لم يمر المسلمون قط بما مرت به أوروبا عندما اصطدموا بمنتجات جاليليو. نعم، جاليليو وكوبرنيكوس عندما جاءوا واكتشفوا دوران الأرض واكتشفوا بالتلسكوب المجرات العالية وما إلى ذلك.
عندما فعلوا ذلك اصطدموا بمقررات كانت موجودة في الكنيسة حينئذ، لدرجة أنه في التاريخ في القرن التاسع عشر، شيء اسمه بسنت.
الخطاب البابوي بسنت وتحريم سبعين علمًا بسبب مخالفتها للنص
بالنسبة إلى هذا الخطاب البابوي، فإن البابا في كل حين يصدر خطابًا يشرح فيه توجهات الكنيسة. ففي خطاب ما، والخطاب يُسمى بأول عبارة فيه، سنة خمسة وتسعين كان اسم الخطاب «روعة الحقيقة» لأن أول كلمة فيه هي روعة الحقيقة.
كذا بسنت هذه كلمة لاتينية يمكن أن يكون معناها أي معنى، لكن سُمي الخطاب بـ«بسنت»، مشهور في الأوساط. بسنت حُرِّم فيه سبعون علمًا، سبعون علمًا!
نعم، هذا من منظور مخالفتها للنص، الذي هو الكتاب المسطور. نعم، هذه مشكلة.
نشأة الهرمنوطيقا لحل التناقض بين الكتاب المسطور والمنظور
ولذلك بدأ الجماعة الألمان في إنشاء علوم تحاول أن تفك هذا التناقض وسموها الهرمنوطيقا. وهذه العلوم تريد أن تصنع تناغمًا واتساقًا بين الكتاب المسطور والكتاب المنظور؛ لأن هناك مشكلة أن هذا الكلام لا تجده في القرآن.
صحيح، أن القرآن إعجازه أنه مع كل سقف معرفي يصل إليه الإنسان، كلما وصل الإنسان في إدراك حقائق الكتاب المنظور، استوعب هذا وتحمّله الكتاب المسطور. ومن هنا يأتي الانبهار.
حقيقة الإعجاز العلمي في القرآن وعدم مخالفته لحقائق الكون
وهناك من يقول لك إن الإعجاز العلمي أي إعجاز علمي؟ القرآن ليس فيه الإعجاز العلمي بمعنى أننا كلما نرى اكتشافًا أو اختراعًا نقول إنه مذكور في القرآن، ليس هذا هو الإعجاز العلمي.
الإعجاز العلمي هو أنك عندما تصل إلى الحقائق المسلّمة في الكون لا تجد النص مخالفًا لها. سبحان الله، ليس راضيًا أن يخالف، فهذا من عند الله:
﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]
إنه يعرف ما سيكون وكيف سيتم وما سيحدث فيه.
القرآن غير مخلوق ومتجاوز للزمان والمكان والرد على المعتزلة
وبما أن المقدور والمسطور والمنظور من عند الله، نعم، ولأنها من عوالم مختلفة، فهذا من عالم الخلق وهذا من عالم الأمر، جعلنا نقول إن القرآن متجاوز للزمان والمكان.
فالقرآن غير مخلوق. فعندما يأتي شخص مثل المعتزلي ويقول: لا، إن القرآن مخلوق، فماذا يترتب على ذلك؟ أنه زمني. وماذا يعني زمني؟ يعني أنه يصلح لعصر النبي ولا يصلح بعد ذلك.
لم تكن الدنيا أيام المعتزلة متغيرة كثيرًا هكذا، ولذلك كان كلامهم معناه هكذا عندما قالوا القرآن مخلوق.
الفرق بين المصحف ككيان مادي مخلوق وكلام الله غير المخلوق
ما الذي يترتب عليه؟ يعني أهو مخلوق أم ليس مخلوقًا؟ إن المصحف قطعًا مخلوق كمادة، فهو لم يكن مطبوعًا ثم طُبع، ولم يكن مكتوبًا ثم كُتب، فهو حادث بالتأكيد.
نعم، ولكن الدال مخلوق، أما المدلول فهو الذي غير مخلوق. هذا كلام الله الذي هو الصفة القائمة بذاته غير مخلوق.
لم تكن [هذه المسألة] واضحة عند جماعة المعتزلة؛ لأنها يترتب عليها ماذا؟ يعني لن يترتب عليها شيء [في نظرهم]؛ عصرنا مثل عصر النبي. لم ينتبهوا.
موقف أهل السنة من خلق القرآن وشجاعة الإمام أحمد بن حنبل
أهل السنة نوّر الله قلوبهم وانتبهوا إلى أن القول بهذا [بخلق القرآن] قد يتغير في المستقبل فتتغير الدنيا، وإذا قلنا إنه هو مخلوق فيجب أن يتغير معه.
لكن هذا [القرآن] يقول لك خاتم النبيين وخاتم المرسلين وهذه آخر رسالة، لا يوجد نبي بعد ذلك، فمن الذي سيغير؟ ولذلك القرآن نبي مقيم، الله! ولذلك القرآن غير مخلوق.
فعندما جاء مثلًا الأستاذ نصر أبو زيد رحمه الله، وقع - هو كان يؤكد أنه مسلم - لكنه وقع فيما وقعت فيه المعتزلة وقال: يا جماعة، هذا القرآن خاص بزمنه. نعم، صحيح هكذا، فإذا كان مخلوقًا فهو خاص بزمنه.
رضي الله تعالى عن أحمد بن حنبل الذي وقف موقفًا شجاعًا وقال له: لا، ليس مخلوقًا، وهذا ليس خاصًا بزمنه، وهذا في كل زمان ومكان.
المفارقة في قضية خلق القرآن وأثر تغير العصر على فهم المسألة
كيف ذلك؟ وهنا جاءت المفارقة وحدث ما حدث معه [مع الإمام أحمد]؛ لأنهم لم يستطيعوا أن يفهموا أنه يقول مقولة قديمة ولكنها أصبحت مقولة فجّة.
نعم، ما الذي جعلها فجّة؟ أن عصري اختلف عن عصر النبي عليه الصلاة والسلام كثيرًا. ولذلك احتجت أن أغير التصرف معه [مع القرآن].
فهل أغيّر القرآن لكي أغيّر التصرف معه؟ أو هذه هي المشكلة، هذه هي المشكلة التي حدثت. فالناس ذهبت تكفّره وما إلى ذلك، وهو يقول لهم: يا جماعة أنا مسلم، أنا لست كافرًا ولا شيء.
ضرورة إدراك الفرق بين النص وتفسيره وأدوات العقل في فهم الشريعة
ولذلك ينبغي علينا أن ندرك هذه الأشياء بوضوح حتى نفهم إلى أين نحن ذاهبون ومن أين أتينا. ما يقوله [نصر أبو زيد] أنا أقول عليه خطأ. لماذا؟ لأن القرآن ليس مخلوقًا، ولذلك فهو قد تجاوز الزمان.
ولكن هناك فرق بين النص وبين تفسير النص. حسنًا، الفرق بين النص وتفسير النص له أدواته وله قواعده وله مناهجه.
والعقل هنا سيدخل لاستيعاب هذه القواعد والمناهج والكيفيات، ويذهب إلى النص من أجل أن يفسره حتى يطبق مقاصد الشريعة دون الخروج عن مقتضيات اللغة ومقتضيات الإجماع ومقتضيات المآلات ومقتضيات المصالح.
الدين علم له علماء ودور العقل في فهم النص والواقع والوصل بينهما
الله! هذا علم وله علماء. ولذلك خطير جدًا ما يدعو إليه بعض إخواننا أيضًا من أن الدين ليس علمًا. لا يا أخي، الدين علم، الدين علم.
سنرى كيف تغير الواقع ومتى تغير الواقع وإلى أي مدى تغير الواقع، ثم ما دور العقل. نعم، في فهم النص وفي فهم الواقع وفي كيفية الوصل بينهما، هذا هو عمل العقل.
[المذيع]: صحيح يا مولانا، هل انتبهت؟
[الشيخ]: فهذا هو عمل المعرفة، وهذه هي درجات المعرفة التي سميت برنامجك بها.
درجات المعرفة ودركاتها والفرق بين الصعود والهبوط
درجات المعرفة:
﴿هُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 163]
فهناك درجات ودرجات معرفة. وهذه درجات المعرفة إذا عُكست أصبحت دركات. صحيح، فيوجد فرق بين الدرجات والدركات.
الدركات وأنت نازل، لكن الدرجات وأنت صاعد، إلى أن يُرسم لك هرم جميل هكذا. ذهبوا قالبين الهرم، قلبوه في نار جهنم، يقول لك:
﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [النساء: 145]
لأنهم قلبوا الهرم. ماذا يعني ذلك؟ يعني ظهروا بغير مراد الله من الخارج، الله الله! ومن الداخل يعلم الله.
فهذا إذن مصداق قوله تعالى:
﴿يَعْلَمُونَ ظَـٰهِرًا مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ﴾ [الروم: 7]
وصف الخوارج بكلاب أهل النار وتشويه الدين باسم الدين
هذا كان هو السبب في وصف الخوارج بأنهم كلاب أهل النار. لماذا الخوارج كلاب أهل النار؟ فهم مسلمون، وذلك لأنهم استخدموا الدين في غير ما هو له؛ لأنهم شوّهوا الدين باسم الدين، يعني باسم الدين شوّهوا الدين، فتكون مصيبة سوداء.
هكذا يكون هناك تلبيس وتدليس، والتلبيس هذا من أين يأتي؟ إنه يأتي من إبليس، فيقال تلبيس إبليس. والتلبيس يُحدث التفليس مباشرة، فيصبح المرء بلا رصيد لأنه مفلس هكذا؛ لأنه هناك لبس.
العقل مناط التكليف يدرك الكتب الثلاثة دون تنافر أو تناقض
فأنا أريد أن أقول لسيادتك أن العقل هذا، العقل مناط التكليف، وأنه هو الذي يدرك كتاب الله المسطور وكتاب الله المنظور بكتاب الله المقدور الذي هو الإنسان.
وهذا الذي رسمه لنا القرآن لا يجعل هناك تنافرًا وتناقضًا، بقدر ما يضع لنا قواعد التفسير التي بها سعادة الدارين.
النسق المفتوح في الإسلام وانفتاح عقل المسلم على الكون والوحي
[المذيع]: نعم، نستطيع إجمالًا مولانا أن نقول بأن على المسلم أن يكون عقله منفتحًا، جميع النوافذ في عقل الإنسان المسلم ينبغي أن تكون منفتحة على كتاب الله المنظور الذي هو الكون والمسطور، والوصل بينهما عن طريق المقدور، وكل هذا هو نسق مفتوح؟
[الشيخ]: نسقنا في الإسلام نسق مفتوح. انظر إلى المسجد، ستجد أنه لا يوجد أحد يمنع أحدًا من دخول المسجد أصلًا. صحيح، فالنسق مفتوح.
وبعد ذلك نحن ليس لدينا عندما تدخل المسجد غرفة تسمى «قدس الأقداس» الموجودة في ديانات أخرى ممنوع أن تدخلها. ليست لدينا فكرة الكهنة أن هناك شخصًا يستطيع أن ينشئ لهم شريعة جديدة، أو المعرفة لا تُحتكر.
انفتاح العلم في الأزهر وقصة جولدستهير ووليام لين
في خلال مؤسسات مثل جامع الأزهر الشريف فقد جاء جولدستهير وكان يُسمي نفسه الشيخ الذهبي ودرس في الأزهر. وحدث أن الشيخ الشنواني توقف في مسألة ميراث، فجلس جولدستهير وحلّها له.
انظر إلى أي مدى وصل في العلم، حتى أنه استطاع أن يحل المسألة للشيخ الشنواني. ذلك الرجل هكذا إلى آخره، كانت مسألة مفتوحة.
صحيح، ليس هو فقط، وليام لين درس في الأزهر وهو على ديانته وهكذا إلى آخره. كان هناك أناس يأتون ويدخلون ويدرسون لأنه نسق مفتوح، وأنا لا أمنع أحدًا من أن يأتي ليسمع درس العلم. هل أنا عندما أُلقي الدرس هكذا أقول له ما هي ديانتك؟ نسق مفتوح.
خصائص النسق المفتوح في الإسلام وختام الحلقة
نسق مفتوح، أعترف بكل الأنبياء. نسق مفتوح، أعترف بالكون والوحي مصدرين للمعرفة. نسق مفتوح، أنه صالح لكل زمان ومكان. نسق مفتوح، لأنه حقق المصالح. نسق مفتوح، لأنه راعى المقاصد. نسق مفتوح بكل ما لهذه الكلمة من معنى.
[المذيع]: بارك الله فيكم مولانا، جزاكم الله خيرًا. أشكر حضرتكم، والشكر موصول لكم مشاهدينا الكرام. إن شاء الله غدًا يكون لقاءٌ جديدٌ مع فضيلة الدكتور لكي يساعدنا في أن تتفتح الآذان وكيف يكون عقلنا إن شاء الله قادرًا على استيعاب هذا الكون الذي نعيش فيه. إلى اللقاء.
