مواقف المسلم في الحياة الدنيا | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة
- •شرح الحديث الشريف "إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعاظمها" موضحاً أن الناس رجلان: بر تقي كريم، وفاجر شقي هين على الله.
- •بيّن أن جميع البشر متساوون في الخلق، وأن معيار التفاضل هو التقوى والعمل الصالح، كما في قوله تعالى: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم".
- •أوضح أن الإسلام يدعو للاتحاد والتعاون من خلال حديث: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد".
- •استشهد بقصة الدكتور أحمد زويل وفريقه المكون من 150 شخصاً الذين عملوا معاً كجسد واحد للوصول لاكتشافاتهم العلمية.
- •أكد أن "يد الله مع الجماعة" وأهمية العمل الجماعي في جميع المجالات.
- •ضرب مثالاً بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي شارك أصحابه في حفر الخندق، ليعلمنا قيمة العمل الجماعي والتعاون.
- •دعا لإحياء روح الجماعة والفريق في حياتنا العلمية والاجتماعية والتكافلية.
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين الرمضانية
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين في شهر رمضان المعظم.
معنا اليوم أحاديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم تبين لنا مواقفنا في هذه الحياة الدنيا من الأدب ومن الأخلاق ومن القيم التي يجب أن نحترم بها أنفسنا وأن نحترم بها الآخرين.
خطبة النبي يوم فتح مكة في إبطال عبية الجاهلية والتفاخر بالأنساب
عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه فيما أخرجه الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم فتح مكة فقال:
«يا أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية وتعاظمها»
عُبِّيَّة الجاهلية معناها مساوئ الجاهلية والتعاظم؛ كانوا يتعاظمون بالآباء ويتفاخرون بهم.
فقال [النبي صلى الله عليه وسلم]:
«إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان: رجل بَرٌّ تقيٌّ كريم، وفاجر شقيٌّ هَيِّنٌ على الله»
صفات الرجل البر التقي الكريم على الله مقابل الفاجر الشقي الهين
فَبَرٌّ بأهله وبناسه وبعائلته وأبوه وأمه وأولاده، تقيٌّ يخاف الله سبحانه وتعالى، وهو كريم على الله؛ إذا ما دعا الله استجاب له، يكرمه الله سبحانه وتعالى في الدنيا ولا يضيق عليه في نفسه.
والآخر ضد هذا [الرجل البر]؛ بارٌّ وهذا فاجر، هذا تقيٌّ هذا شقيٌّ، هذا كريم على الله هذا أبدًا هَيِّنٌ على الله، ليس له عند الله سبحانه وتعالى مقام ولا قدر، ليس له شأن عند الله سبحانه وتعالى، لا يبالي به سبحانه.
وحدة الخلق والتقوى هي المعيار الحقيقي للتفاضل عند الله تعالى
والناس بنو آدم؛ الناس المسلم وغير المسلم، الأبيض والأسود، العربي والأعجمي، جميع الخلق بنو آدم وخلق الله آدم من تراب. قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الحجرات: 13]
إذن فهذه [الآية الكريمة] تعلمنا وحدة الخلق وأن كل الخلق هم عند الله سبحانه وتعالى سواء، هم من صنع الله سبحانه وتعالى، وأن المعيار الذي يجعل الإنسان مقبولًا عند الله هو التقوى وهو العمل الصالح وهو عبادة الله وعمارة الأرض وتزكية النفس؛ هو أن يكون الإنسان بارًّا لا فاجرًا، تقيًّا لا شقيًّا، فيكون بذلك كريمًا على الله وليس هينًا على الله.
معيار العطاء وعدم التفريق بين الناس وتشبيه المؤمنين بالجسد الواحد
والمعيار إذن هو العطاء، وهو أننا لا نفرق في هذا العطاء بين أحد من الناس.
والنبي صلى الله عليه وسلم وهو يشبه الاجتماع البشري فيقول، عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه فيما أخرجه مسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»
الاتحاد قيمة من القيم العالمية التي تُعلَّم في المدارس للأطفال والناشئة والشباب والأولاد وكذلك إلى آخره، وتتحول إلى برامج عمل.
قصة الدكتور أحمد زويل وفريقه كنموذج عملي لمفهوم الجسد الواحد
كيف يكون الإنسان جزءًا من فريق للعمل؟ كيف يذيب نفسه في هذا التشبيه البليغ [تشبيه المؤمنين بـ] الجسد الواحد؟
عندما ظهر الدكتور أحمد زويل وهو يأخذ جائزة عالمية رفيعة كجائزة نوبل، ويتكلم على أنه ليس وحده الذي اكتشف الفيمتوثانية ولا هذه القدرة على تصوير ما يحدث في الوقت القصير جدًّا مثل هذا من التفاعلات الكيميائية وكذلك، ولكن معه فريق من مائة وخمسين إنسانًا، مائة وخمسين إنسانًا، مائة وخمسين إنسانًا، ذابوا جميعًا في جسد واحد فاستطاعوا أن يصلوا إلى هذا الاكتشاف.
أثر اكتشاف الفيمتوثانية في كشف الحقائق الكونية وأهمية فكرة الفريق
هذا العلم الذي سوف يغير مسار التاريخ وسوف يصحح كثيرًا من النظريات التي كانت توضع لتفسير الظواهر الكونية التي خلقها الله سبحانه وتعالى، بعد أن يتمكن الإنسان من أن يرى بعينه هذا التغيير الذي يحدث أو هذا التفاعل الذي يحدث أو ما يحدث في كون الله سبحانه وتعالى؛ فمزيد من كشف الحقائق الإلهية الربانية التي خلقها الله سبحانه وتعالى وعلَّم الإنسان ما لم يعلم.
ولكن الفكرة هي فكرة الاتحاد، فكرة الفريق، فكرة هذا العمل حيث أن الجميع ذاب في جسد واحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر.
حديث يد الله مع الجماعة وأهمية العمل الجماعي في الإسلام
عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«يد الله مع الجماعة»
يعني انظر إلى الكلام، وانظر: يد الله مع الجماعة! إذا افتقدنا العمل في الفريق، إذا افتقدنا هذه الجماعة؛ فالفريق قد [يُسمَّى] في لغة الشرع وفي لغة الرسول صلى الله عليه وسلم الجماعة، فالدين جماعة، يعني يد الله مع الجماعة.
﴿وَٱعْتَصِمُوا بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]
الاعتصام بحبل الله سبحانه وتعالى وعدم التفرق هو الأساس، هو الجماعة.
مشاركة النبي أصحابه في حفر الخندق كنموذج للتعاون والاتحاد
ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم علَّمنا هذا في كل المواقف؛ في الحرب وفي السلم، في السفر وفي الحضر.
عن البراء رضي الله تعالى عنه قال فيما أخرجه البخاري: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينقل التراب يوم الخندق. انظر إلى التعاون! لم يجعل هناك فارقًا بين النبي وبين الناس، لم يجلس بعيدًا عن العمل، بل وضع يده معهم في نوع من أنواع الاتحاد، في نوع من أنواع مفهوم الفريق، مفهوم الجماعة.
كان ينقل التراب يوم الخندق حتى اغبرَّ بطنه أو أغبرَ بطنه، كله أصبح ترابًا.
رجز النبي وأصحابه أثناء حفر الخندق ومشاركته بجسده وعمله
يقول [النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم يحفرون الخندق]:
«والله لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزلنْ سكينةً علينا، وثبِّت الأقدام إذ التقينا، إن الأُلى قد بغوا علينا، إذا أرادوا فتنةً أبينا»
ورفع بها صوته: أبينا! ويكررها. يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم يشارك حتى في هذا الموقف، ويشارك بجسده وعمله ويده في يد أصحابه رضي الله تعالى عنهم.
وكلهم كانوا يريدون أن يعفوه من هذا [العمل الشاق].
قوة النبي الجسدية وشجاعته في الحرب وعبادته في الليل
وكان [النبي صلى الله عليه وسلم] يقوم الليل على سبيل الفرض، وكان في النهار فارسًا من فرسان الدنيا، وكنا إذا اشتد الوطيس احتمينا برسول الله صلى الله عليه وسلم.
آتاه الله سبحانه وتعالى من الجسد ما الله به عليم، كان قويًّا في جسده صلى الله عليه وسلم، وكان يقوم بمهام لا يمكن للإنسان ألا يتصور إلا أن يكون هذا الرجل رجلًا مؤيدًا من الله، وكان تأييده في الخير وفي ذكر الله وعبادته كما وصفه ربه في جميع الكتب السابقة.
خاتمة الحلقة وأهمية إحياء أدب الجماعة والاتحاد في حياتنا
والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزلنْ سكينةً علينا وثبِّت الأقدام إذ لاقينا.
انظر إلى الكلام كله؛ كلام الجماعة، وكلام كله كلام الاتحاد، وكلام كله كلام الفريق. وهذا من أدب الإسلام ومن الأدب الذي يجب أن يعود فينا؛ من الناحية العلمية، من الناحية الاجتماعية، من الناحية التكافلية، من كل ناحية كانت.
فإن يد الله مع الجماعة. إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
