موقف الإسلام من الماء | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة - مجالس الطيبين

موقف الإسلام من الماء | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • الماء ركيزة أساسية في الإسلام، كما في قوله تعالى: "وجعلنا من الماء كل شيء حي".
  • الماء سبب لاستمرار الحياة في النبات والحيوان والإنسان، وبفقدانه تُفقد الحياة.
  • تتجلى أهمية الماء في آيات متعددة تبين كيف أنزل الله الماء من السماء فأحيا به الأرض وأخرج الثمرات.
  • جعل النبي صلى الله عليه وسلم الماء وسيلة للطهارة في الوضوء والاغتسال وتطهير النجاسات.
  • يجوز التيمم مع وجود الماء إذا احتاجه الإنسان للشرب أو الحيوان المحترم، مما يؤكد قدسية الماء.
  • نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تلويث الماء والبول في الماء الراكد، مما يمنع انتشار الأمراض كالبلهارسيا.
  • حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الإسراف في استعمال الماء حتى لو كان الإنسان على نهر جار.
  • من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم نبع الماء من بين أصابعه ليسقي الجيش.
  • مدح النبي صلى الله عليه وسلم نيل مصر وذكر أن النيل والفرات من أنهار الجنة.
  • علّم النبي آداب شرب الماء ومنها عدم النفخ فيه والشرب على ثلاثة أنفاس.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين في هذا الشهر الكريم.

ربنا سبحانه وتعالى ونبينا عليه الصلاة والسلام علّمنا قواعد ذهبية لو سرنا عليها لنجونا في الحياة الدنيا. ومن هذا الإبداع ومن هذه الأحكام العجيبة الغريبة القوية المتينة: موقف الإسلام من المياه.

قاعدة موقف الإسلام من المياه وأنواعها في القرآن الكريم

موقف الإسلام من المياه قاعدته قوله تعالى:

﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ﴾ [الأنبياء: 30]

وهي كلمة جامعة؛ لأن الماء يُطلق ويُراد به أنواع كثيرة: منها ما هو سبب للخليقة، ومنها ما تستمر الخليقة به، ومنها ما تحتاج إليه الخليقة.

لو وجدنا مثلًا مياه الأنهار نجد أنها يحتاجها النبات والحيوان ويحتاجها الإنسان، بل إن الجماد يمكن أن نتعامل معه فنحتاج في ذلك [التعامل] الماء. وهذه الحياة في النبات وفي الحيوان وفي الإنسان لا تقوم إلا بالماء، بحيث إن الإنسان لو افتقد الماء فإنه يفقد الحياة.

سعة معنى الماء في القرآن ليشمل البحار وحياتها المتكاملة

ولكن الآية أوسع من ذلك أيضًا؛ فإن هناك بحارًا، وهذه البحار لا تصلح للشرب، وقد لا تصلح في كثير من الأحيان للري، ولا تُحدث إذا ما شربها الإنسان -عفوًا- ريًّا في حلقه، بل على العكس من ذلك.

لكن سبحان الله هذه البحار مليئة بحياة متكاملة تفيد الناس. فإن الماء هذه كلمة في العربية تُطلق بمعنى واسع، وهذه الآية قاعدة لكيفية تقديسنا واحترامنا وتعاملنا مع الماء.

آيات قرآنية تبين نعمة الماء وإنزاله من السماء وإحياء الأرض به

قال تعالى:

﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْأَنْهَـٰرَ﴾ [إبراهيم: 32]

﴿وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ [البقرة: 164]

﴿خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ * هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ [لقمان: 10-11]

تقديس النبي ﷺ للماء بجعله وسيلة الطهارة الوحيدة للصلاة والنجاسات

والنبي صلى الله عليه وسلم وهو يعلّمنا ما يمكن أن نُطلق عليه أننا نقدّس الماء ونحترمه، فجعل الماء هو السائل الوحيد الذي نتطهر به للصلاة، وهو الذي يُذهب الحدث الأكبر بواسطة الاغتسال، وهو الذي نُطهّر به النجاسات إن خالطتنا النجاسات، وهو الذي نُطهّر به ثيابنا ونُطهّر به المكان ونُطهّر به الأشياء.

وهو أيضًا هذا الماء الذي يصل بنا الحال إلى أن نحترمه من أجل وضوئنا واغتسالنا وطهارتنا، ومن أجل شربنا، ومن أجل الحيوان المحترم فنسقيه لكل حيوان نحافظ على حياته كالبقر والغنم والإبل.

حكم التيمم مع وجود الماء إذا احتاجه الإنسان أو الحيوان المحترم

لدرجة أن الفقهاء رأوا أن هذا الماء إذا احتاجه الإنسان إذا شربه، أو احتاجه الحيوان المحترم مثل هذه الأنعام، فلا بد أن أُبقيه لهذا [الغرض] وأذهب أتيمم.

يعني التيمم والماء أمامي، وبالرغم من ذلك أذهب للتيمم؛ لأنني قد فقدت الماء شرعًا وإن لم أفقده حسًّا. فالمياه أمامي ولكن لا أتوضأ بها حتى أستعملها في إما لإنقاذ حياة بشرية والإنسان يشربها، وإما لإنقاذ حيوان محترم يجب أن أحافظ عليه.

نهي النبي ﷺ عن تلويث الماء وأثر ذلك في الوقاية من البلهارسيا

احترام النبي صلى الله عليه وسلم للماء: نهانا أن نبول في الماء الراكد، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تلويث موارد الماء.

يبقى الماء هذا محترم؛ لو عرفنا هذا لما فعلنا في النيل ما يفعله كثير منا فيه، لو عرفنا هذا لما فعلنا في الترع ما نفعله الآن فيها. لو عرفنا هذا لما أُصيب الناس بداء البلهارسيا الذي دورته تتضمن نوعًا من أنواع التبول في الماء.

البلهارسيا هذه آتية من دورة القوقعة وفيها الدودة وما إلى ذلك، وبعد ذلك تكتمل هذه الدورة وتصيب الإنسان بما يُتلف كبده وبما يسبب الوفاة. هذه الدورة لو انقطعت لما كانت هناك بلهارسيا.

التوجيه النبوي في احترام الماء يحقق الوقاية من الأمراض واستمرار الحياة

إذن هذا الأمر الشرعي وهذا التوجيه النبوي وهذا الخُلق إذ به يفيد الحياة ويسبب الوقاية من الأمراض، وبذلك يسبب استمرارًا لهذه الحياة بصورة جانبية.

يعني أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يعرف البلهارسيا ولم يتحدث عنها ولم يجعل هذا [النهي] من أجل ذلك، ولكنه علّم الناس جميعًا المسألة ببساطة. فعلّمنا الوضوء، والوضوء يشتمل على طهارة، لكنه أيضًا من ناحية أخرى يشتمل على نظافة، ويشتمل على احترام للماء.

نهي النبي ﷺ عن الإسراف في الماء وقلة المياه في المدينة المنورة

رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن الإسراف في استعمال الماء ولو كنا على نهر جارٍ؛ لأن المدينة نفسها لم يكن فيها ماء كثير. المدينة ليس فيها نهر وإنما فيها آبار، ولذلك فالماء قليل.

لدرجة إن كان من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم أن ينبع الماء من بين أصابعه من أجل أن يسقي الناس وهم في السفر. ونبع الماء كمعجزة: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا وضع يده الشريفة في الإناء يفور الإناء حتى يسقي الجيش. معنا إناء واحد فقط هكذا لا يكفي شخصًا واحدًا، لكنه يفيض حتى يسقي الجيش.

أفضل المياه عند العلماء من ماء النبي ﷺ إلى زمزم والكوثر ونيل مصر

أفضل المياه: ماء قد نبع من بين أصابع النبي المُتَّبَع. الشيخ السبكي يقول هذا: إن هذا الماء الذي خرج معجزةً من يد النبي صلى الله عليه وسلم وبخلق الله مباشرة، يعني هذا هو أفضل المياه.

يليه ماء زمزم، فالكوثر، فنيل مصر. ثم أما باقي الأنهار، فقد كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمدح نيل مصر ويرى أن نيل مصر كأنه من الجنة، وأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يكون من أنهار الجنة، وسيُسمّى بعض أنهار الجنة يوم القيامة النيل من حلاوة مائه وعذوبته.

آداب النبي ﷺ في شرب الماء والنهي عن النفخ فيه والشرب على ثلاثة أنفاس

يعلّمنا [النبي ﷺ] احترام الماء، وقد جعل النيل والفرات من أنهار الجنة صلى الله عليه وسلم.

مزيدًا من الاحترام للماء: نهى [النبي ﷺ] ونحن نشرب أن ننفخ في الماء، وأمرنا ونحن نشرب أن نجلس حتى نتذوق الماء. وكان [النبي ﷺ] يشرب على ثلاثة أنفاس: يشرب وينزل الإناء، ثم يشرب وينزل الإناء، ويشرب وينزل الإناء.

عندما نفعل هذا نشعر بحلاوة الماء، نشعر باحترامنا للماء.

خاتمة الحلقة وجمال قضايا الماء في الشريعة الإسلامية

إن قضايا الماء الحقيقية قضايا جميلة جدًّا وحلوة جدًّا في شريعتنا.

وربنا سبحانه وتعالى يُطهّرنا في ظاهرنا وفي باطننا. وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.