نصرة المظلوم | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة - مجالس الطيبين

نصرة المظلوم | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • حديث "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" يعبر عن التكافل الاجتماعي، حيث يُنصر المظلوم برفع الظلم عنه، والظالم بمنعه من ظلمه.
  • الظلم ظلمات يوم القيامة، والإنسان يسير بغير هدى فيه، وإذا فقد العدل في أمة انهار ملكها.
  • حديث "الدين النصيحة" يشير إلى أن النصيحة ركن أساسي في الدين، وهي موجهة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
  • للنصيحة شروط: أن تكون عن علم، وأن تكون مخلصة، وأن تقدم برفق، وأن تكون مستورة.
  • يجب على متلقي النصيحة قبولها، فلا خير فيمن لا يسمع النصيحة ولا خير فيمن لا يقدمها.
  • النصيحة تكون تحت مظلة كتاب الله وسنة رسوله، ولا نصيحة بمخالفة الشرع.
  • النصيحة موجهة للفرد والمجتمع والأمة والعالم أجمع، وكلها في نطاق المسؤولية.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

افتتاح الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين

والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين في هذا الشهر المبارك الكريم.

حديث انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا ومعنى نصرة الظالم

عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:

قال رسول الله ﷺ: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: «تحجزه أو تمنعه من الظلم؛ فإن ذلك نصره». أخرجه البخاري في صحيحه.

«انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» يعبّر عن التكاتف والتكافل والتآزر الاجتماعي. نحن نعيش في قيمة المسؤولية؛ يجب علينا ألّا نترك الأمور هكذا [دون تدخّل]، إذا رأينا مظلومًا رفعنا الظلم عنه بقدر استطاعتنا، وإذا رأينا ظالمًا حجزناه ومنعناه وكففناه عن الظلم.

وسائل كفّ الظالم عن ظلمه باليد واللسان والقلم والتربية

ونكفّه عن الظلم بأيدينا كما يحدث بين أبنائنا في بيوتنا، نكفّه عن الظلم بألسنتنا، نكفّه عن الظلم بأقلامنا، نكفّه عن الظلم بكلامنا وبدعوتنا.

ونكفّه أيضًا عن الظلم بتربيتنا؛ فإننا إذا ربّينا أولادنا على أن الظلم كبيرة من الكبائر، كان ذلك نوعًا من أنواع منع الظلم والتظالم بين العباد.

الظلم ظلمات يوم القيامة وأثر فقدان العدل على الأمم

الظلم كما وصفه رسول الله ﷺ ظلمات. وما أدراك ما كلمة ظلمات؟ ظلمات هذه قاسية جدًّا؛ لأنك لا ترى في الظلام. معنى ظلمات ليست ظلمة واحدة؛ ظلمات الظلم ظلمات يوم القيامة.

وهذا معناه أن الإنسان يسير بغير هدى؛ إذا كان الظلم يأتي من الظلام فإن الظلم لا يترتب عليه إلا أن نسير في ظلام دامس لا نعرف العدل. وإذا فُقِد العدل في أمة من الأمم انهار الملك فيها؛ فإن العدل هو أساس الملك.

ولا يتأتّى ذلك [تحقيق العدل] إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتأتّى ذلك إلا بالشعور بالمسؤولية.

حديث الدين النصيحة وبيان أهمية النصيحة كركن من أركان الدين

وعن تميم الداري رضي الله تعالى عنه فيما أخرجه مسلم أن النبي ﷺ قال:

«الدين النصيحة»، قلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». أخرجه مسلم.

حديث في منتهى القوة. «الدين النصيحة» كما أقول «الحج عرفة»؛ يعني إذا لم نقف في عرفة فليس هناك حج، والإنسان الذي فاته عرفة ولو بعذر فإنه قد فاته الحج. فعرفة ركن بل هو الركن الأهم في الحج.

التيسير في أفعال الحج وتشبيه النصيحة بعرفة في الأهمية

والنبي ﷺ في سائر أفعال الحج سوى عرفة والطواف بالبيت ما سُئل عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر ولا فُعِل إلا قال: «افعل ولا حرج، افعل ولا حرج». فكان هذا هو أساس الحج: التيسير؛ لما فيه من مشقة بليغة في ذات الحج من سفر وانتقال وتحرّك ومحدودية في الوقت وفي المكان، فكل ذلك يسبّب المشقة، والمشقة تجلب التيسير.

فكان رسول الله ﷺ وهو يقول «الحج عرفة» معناه أن عرفة هو أهم شيء في الحج، وإذا فات الإنسان هذا المعنى وهو يوم عرفة فإنه يفوته الحج.

ولكن لمّا يقول «الدين النصيحة» إذن فالنصيحة هي أهم ركن من أركان الدين، وأن الدين لا يبقى ولا يكون له معنى إذا فقدنا النصيحة.

شروط النصيحة الخمسة من العلم والإخلاص والرفق والستر والقبول

ولذلك ولأهمية ما هنالك [من شأن النصيحة] قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».

والنصيحة كما فُرضت علينا أن نقدّمها، فُرض أيضًا على المنصوح أن يتقبّل هذه النصيحة. وللنصيحة شروط:

  1. أولها: أنه يجب أن تكون عن علم.
  2. وثانيًا: يجب أن تكون مخلصة وصادرة من قلب مخلص.
  3. وثالثًا: يجب أن تكون برفق.
  4. ورابعًا: يجب أن تكون مستورة عن الناس؛ فهناك فرق بين النصيحة والفضيحة.
  5. وخامسًا: ينبغي على من تلقّى النصيحة أن يقبلها.

فلا خير فينا إذا لم نسمع النصيحة، ولا خير في الناس إذا لم تُذكر النصيحة.

النصيحة أساس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحت مظلة كتاب الله

النصيحة إذن هي التي بُني عليها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. موضوع النصيحة يكون لله، موضوع النصيحة ينبغي أن يكون تحت سقف ومظلة هي كتاب الله.

فليست هناك نصيحة بمخالفة كتاب الله، وليست هناك نصيحة للخروج عن شرع الله؛ ليست هذه نصائح وإنما هي آراء، بعضها قد يصدر من عقول تظن أنها على خير وهي ليست كذلك بل هي على شر، وبعضها يصدر عن جهل، وبعضها يصدر عن عدم قصد.

ولذلك ينبغي علينا أن نتقي الله وأن نجعل كتابه سبحانه وتعالى هو السقف الذي يحمينا في هذا المعنى وفي هذا المقام.

النصيحة لرسول الله والتمسك بالكتاب والسنة مصدري الدين الأساسيين

ولرسوله ﷺ أيضًا لا نخرج عن سنة المصطفى ﷺ؛ فإن الكتاب والسنة هما المصدران الأساسيان لدين الله.

قال الله تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]

وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾ [آل عمران: 32]

وقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]

وقال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]

آيات كثيرة تبيّن أن رسول الله ﷺ أتانا بالحنيفية السمحاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وأنه تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وأنه ترك فينا كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، وأن الله قد تكفّل بحفظهما.

ولذلك يجب أن نجعل الله وكتابه ورسوله هو الذي يسيطر على نصائحنا.

النصيحة لأئمة المسلمين من حكام وعلماء ومسؤولين بالإخلاص لله

ولأئمة المسلمين: هنا يُعلّم ربنا سبحانه وتعالى عموم المسلمين المساواة، وأنه لا فرق بين الحاكم والمحكوم، ولا بين الملك والمملوك، ولا بين السيد والعبد.

وأن أئمة المسلمين سواء أكانوا من المسؤولين أو كانوا من الحكام المتصدّرين أو كانوا من أئمة العلم المتبوعين، فإننا يجب أن ننصحهم لوجه الله وعلى سنة رسول الله ﷺ.

إذا رأينا أي انحراف ولو يسير من هذا الحال ننصحهم لوجه الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. ننصحهم من أجل عمارة الدنيا ومن أجل ثواب الآخرة أيضًا؛ فلا تعارض بين عمارة الدنيا وثواب الآخرة، بل إن عمارة الدنيا هي التي تسبّب ثواب الآخرة.

دوائر النصيحة الأربع من الفرد إلى العالم وعلاقتها بالمسؤولية

النصيحة كما عرفنا تكون أيضًا لأئمة المسلمين، سواء أكانوا أئمة في الحكم أو أئمة في المسؤولية أو أئمة في العلم؛ فكل ذلك يحتاج دائمًا إلى نصيحة.

وعامتهم: عامة المسلمين. إذن هناك نصيحة فردية، وهناك نصيحة مجتمعية، وهناك نصيحة مردودة إلى الأمة، وهناك نصيحة مردودة إلى العالم.

فإن الله سبحانه وتعالى قد خلق العالم وخلق الخلق وخلق الناس، ولذلك فالنصيحة لله هي النصيحة التي تتوجّه إلى العالم إلى كل الناس. والنصيحة التي هي للأمة هي تلك النصيحة التي لأمة سيدنا محمد ممن آمنوا به وصدّقوه وعرفوا أنه من عند الله سبحانه وتعالى.

والنصيحة التي هي للمجتمع تكون لأئمة المسلمين، والنصيحة الفردية التي هي على مستوى الفرد تكون لعامة المسلمين.

الفرد، المجتمع، الأمة، العالم: دوائر لا يتناقض بعضها مع بعض، وكل ذلك في نطاق المسؤولية.

ختام الحلقة والتوديع بالسلام والدعاء للمشاهدين

إلى لقاء آخر غدًا إن شاء الله تعالى، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.