هذا ديننا | 01 | المقدمة | أ.د علي جمعة
- •الإسلام دين الله الذي بُني على ثلاثة أسس رئيسية: كتاب الله، وسنة النبي، وحب أهل البيت.
- •النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أنه تركنا على المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها ولا يزيغ عنها إلا هالك.
- •مصر تشرفت بوجود نحو أربعين من كبار أهل البيت دُفنوا فيها، منهم رأس الحسين والسيدة زينب.
- •الإسلام في مصر خالط القلوب وشكل هوية المصريين، حتى غير المسلمين اندرجوا تحت الحضارة الإسلامية.
- •اتفق المصريون على أن تكون مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع في دستورهم.
- •اعتبرت المحكمة العليا الأمريكية شريعة الإسلام من ضمن ثمانية عشر شريعة أفادت البشرية.
- •بدأ نزول القرآن في غار حراء عندما كان النبي يخلو بنفسه فيه للتعبد والتأمل.
- •كان النبي يصعد إلى الغار ويمكث فيه أياماً محدودة للتعبد والتفكر، ناظراً إلى الكعبة والسماء.
- •هيأ الله النبي لتلقي الوحي منذ صغره بحادثة شق الصدر قبل نزول القرآن.
مقدمة البرنامج والترحيب بالمشاهدين في حلقة جديدة من برنامج ديننا
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من برنامج جديد يمكن أن نسميه معكم ديننا.
تساؤلات جوهرية حول الإسلام ومصادره وأركانه وموقفه من الحياة
ديننا هو الإسلام، والإسلام نزل بالسلام. ما هو الإسلام وعلامَ بُني؟ وكيف نفهمه؟ وما الحجة التي نرجع إليها في هذا الدين؟ وما مصادر هذا الدين الحنيف؟ وما شأن العبادات والمعاملات والأقضية؟ وأين موقف هذا الدين من الحياة؟
كل هذا وأيضًا غير هذا نلتقي سويًا لدقائق معدودة إن شاء الله تعالى، عسى أن نمتثل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول لنا:
قال رسول الله ﷺ: «بلِّغوا عني ولو آية»
حديث المحجة البيضاء وبيان أن النبي تركنا على طريق واضح لا يضل عنه أحد
النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جميل يُبيّن لنا أنه وإن غابت النبوة وانتهت وخُتِمت بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلا أنه تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
قال رسول الله ﷺ: «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، كتاب الله وحجته»
وفي رواية أخرى:
«كتاب الله وعترة أهل بيتي» أخرجه الترمذي
وأخرج الإمام أحمد:
«كتاب الله وسنتي»
أجزاء المحجة البيضاء الثلاثة عند أهل السنة والجماعة وحب آل البيت
فأصبحت المحجة البيضاء مكونة من ثلاثة أجزاء:
- من كتاب الله.
- من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
- من حبّنا لأهل البيت الكرام.
فهم أهل السنة والجماعة، هذا الفهم واتبع جمهور المسلمين هذا الفهم، فأحبوا أهل البيت بعدما اتبعوا أوامر القرآن وأوامر السنة وانتهوا عن نواهيها؛ كتاب الله وسنتي.
وأيضًا حبكم لأهل البيت:
﴿لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [الشورى: 23]
فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذ، لم يترك درهمًا أو دينارًا، بل إنه قد خرج من الدنيا ودرعه مرهونة في دَين من ديونه صلى الله عليه وآله وسلم.
مصادر الدين عند الفقهاء وضرورة الوقوف مع كتاب الله وسنة النبي
إذا بحث فقهاء المسلمين من أين يأخذون الدين، فمن الكتاب. وما هو الكتاب؟ ولذلك يجب علينا أن نقف وأن نعيش سويًا مع هذه الكلمة، مع كتاب الله سبحانه وتعالى.
ثانيًا: سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويجب أن نقف عندها ونبيّن ما الذي حدث حول سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومجهودات العلماء في الحفظ وفي الفهم وفي النقل وفي التصنيف.
ثم بعد ذلك حبّ أهل البيت الكرام حتى نكون على المحجة البيضاء.
تشريف مصر بأربعين من كبار أهل البيت ومقام سيدنا الحسين والسيدة زينب
وقد شرفت مصر بنحو أربعين من كبار أهل البيت دُفنوا فيها فشرّفوها وشُرِّفت بهم؛ لأنهم من رائحة الحبيب صلى الله عليه وسلم.
ولقد جاء في النهاية رأس سيدنا الحسين عليه السلام إلى مصر فجذب الناس حوله، ونرى الآلاف إثر الآلاف، بل والملايين إثر الملايين يزورونه ويحترمونه ويتذكرونه ويستعيدون سيرته الشريفة في حياته وفي مماته.
وأيضًا السيدة زينب شرفت مصر بها، حتى أن بعض الشعراء من محبي رسول الله صلى الله عليه وسلم يمدحه فيقول: أصل النبي يحبنا لأن ابنته عندنا.
اختيار الله لمآل أهل البيت في مصر واندماج الإسلام مع الحضارة المصرية
الله سبحانه وتعالى هو الذي اختار مآل أهل البيت الكرام من أولئك الأربعين الذين سنتحدث عن كثير منهم في مصر.
والإسلام في مصر خالط القلوب، بل أنّ غير المسلمين اندرجوا تحت الحضارة الإسلامية فتكلموا العربية وألّفوا بها وصلّوا إلى ربهم بها وشاعت وذاعت. ووافق حتى من لم يوافق على دين الإسلام وافق على حضارته؛ حيث إنها حضارة إنسانية.
فأصبحت هوية المصريين الإسلام والعربية، سواء أكانوا من المسلمين أو كانوا من غير المسلمين، الكل يندرج تحت هذين الأمرين.
مبادئ الشريعة الإسلامية في الدستور المصري وقيمها الإنسانية والحقوقية
ولذلك نرى أنهم عندما اجتمعوا من أجل أن يضعوا دستورهم، جعلوا في مادته الثانية وفي صدره أن مبادئ الشريعة الإسلامية التي قد خبرها الناس عبر القرون، والتي لم تميز بين البشر، والتي أعلت القيم الإسلامية والإنسانية في آنٍ واحد.
والتي تركت للناس:
- •حرية انتقالهم.
- •حرية عقيدتهم.
- •حرية عملهم.
- •حرية في كل شيء مما يتوافق مع الاجتماع البشري وينضبط بضبط القانون وضبط المجتمع وضبط الأصول والعرف.
لما كان الأمر كذلك رأيناهم قد وافقوا جميعًا، كل المصريين، على أن تكون مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي لتشريعها.
اعتراف المحكمة العليا الأمريكية ومحكمة لاهاي بالشريعة الإسلامية كمصدر تشريعي عالمي
لم يكن هذا [الاعتراف بمبادئ الشريعة الإسلامية] فقط من المصريين، بل أيضًا كان في لاهاي في المحكمة العدل الدولية. كان هذا في المحكمة العليا الأمريكية التي اعتبرت شريعة الإسلام من ضمن ثمانية عشر شريعة موجودة أفادت البشرية وطورت ذهنها وكانت عمدة في هذا التشريع.
إذن هيا بنا نعرف ديننا، وأول هذه المعرفة ستتأتى أن نعرف سويًا عن كتاب الله سبحانه وتعالى.
نزول القرآن الكريم على النبي في غار حراء وأول ما نزل من الآيات
أنزل الله سبحانه وتعالى كتابه على صدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غار حراء، وأول ما نزل قوله تعالى:
﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ * ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5]
هذه الآيات نزلت في غار حراء. فما هو غار حراء؟ وأين هو؟ إنه في مكة مرتفع في قمة جبل. وغار حراء جاء العثمانيون فصنعوا له سُلّمًا تراه لو ذهبت الآن إلى هذا الجبل، ترى آثاره موجودة في الجبل. هذا السُّلّم يمكّن الناس من الصعود إلى غار حراء الذي كان يعتكف فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
خلوة النبي في غار حراء قبل البعثة ونزوله إلى السيدة خديجة للتزود
النبي صلى الله عليه وسلم عندما شارف على نهايات الثلاثين من عمره، يعني سبعة وثلاثين أو ثمانية وثلاثين، هكذا بدأ يخلو بنفسه في غار حراء.
كان ينزل إلى السيدة خديجة وهو قد تزوجها وهو ابن خمسة وعشرين سنة، ونحن الآن نتكلم في السنة السابعة والثلاثين، يعني بعد اثني عشر سنة من الزواج.
يأخذ الأكل والشراب على قدر ما يستطيع يحمله ويصعد الجبل، يصعد إلى غار حراء فيمكث هناك على قدر الأيام التي تسمح بها هذا الزاد والمؤونة التي أخذها معه.
تعبد النبي الليالي ذوات العدد في غار حراء وتأمله في خلق الله
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعبد الليالي ذوات العدد (ذوات العدد تعني أنها محدودة العدد، أي أربعة أو خمسة أو ستة أو عشرة)، فإذا نفد منه الزاد نزل مكة وتزود لمثلها.
في هذه الخلوة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلو بنفسه ويذكر ربه ويعبده ويتأمل تأملًا شديدًا.
ومن هذا المكان الأصلي القديم ترى الكعبة، فكان صلى الله عليه وسلم ينظر من هذا العلو إلى الكعبة، ليس هناك بنيان شاهق وليس هناك مبانٍ حاجبة. ولذلك كان يمكث في غار حراء ويتأمل الكعبة وينظر إلى السماء ويتأمل بدائع خلق الله، خاصة بالليل في هذه القبة السماوية التي تكلم عنها بعد ذلك أن الشياطين تصد الناس عن النظر إليها كما ورد في الحديث الشريف.
تجربة النبي الروحية في غار حراء وتهيئته لتلقي الوحي ونزول القرآن الكريم
يصعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى غار حراء معه الزاد والزواد لمدة أربعة خمسة أيام تنقضي، ثم ينزل لمدة أكبر أو أقل حسب الطعام والشراب الذي معه، ولكنها كانت تجربة روحية هائلة رائقة فائقة.
النبي صلى الله عليه وسلم هيّأه ربه لتلقي الوحي وهو صغير عند حادثة شق الصدر، كل هذا كان تهيئة لنزول القرآن الكريم الذي سنمضي معه رحلة حتى نتبين المصدر الأول لدين الإسلام والمصدر الأول لديننا.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
