هذا ديننا | 03 | الكتاب جـ1 | أ.د علي جمعة - هذا ديننا

هذا ديننا | 03 | الكتاب جـ1 | أ.د علي جمعة

17 دقيقة
  • نزل الوحي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة، وكان مولده في التاسع من ربيع الأول عام الفيل.
  • جاءه جبريل في غار حراء وضمّه ثلاث مرات وهو يقول "اقرأ" والنبي يرد "ما أنا بقارئ"، ثم أوحى إليه أول خمس آيات من سورة العلق.
  • وجد النبي الكلمات منقوشة في قلبه، وشعر بلذة عظيمة جعلته يشتاق لهذه الحالة.
  • اختبرت خديجة صدق الوحي عندما رفعت الحجاب فلم ير النبي جبريل، فعلمت أنه ملك كريم الأخلاق.
  • أكد ورقة بن نوفل أن ما يتلقاه النبي هو وحي مثل ما نزل على موسى.
  • استمر الوحي ثلاثة وعشرين عاماً حتى وفاة النبي وهو ابن ثلاث وستين سنة.
  • توفي النبي في الثاني عشر من ربيع الأول، وصلى عليه نحو عشرة آلاف مسلم فرادى.
  • كان النبي يحب مكة حباً شديداً رغم إخراج أهلها له.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين وموضوع نزول الوحي

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من ديننا.

في هذه الحلقة نرى كيف نزل جبريل الأمين على قلب سيد المرسلين بالقرآن الكريم، وحدث هذا وقد وصل النبي ﷺ إلى سن الأربعين.

تاريخ مولد النبي ﷺ وعلاقته بعام الفيل

كان النبي ﷺ قد وُلِدَ في العشرين من أبريل من سنة خمسمائة وواحد وسبعين، وهذا التقويم هو تقويم شمسي.

ولكن في هذا العام هو قد وُلِدَ في التاسع من ربيع، وهناك روايات كثيرة، لكن المحقق أنه وُلِدَ في التاسع من ربيع في سنة الفيل، بعد خمسين يومًا من حادثة هجوم أبرهة الحبشي على الكعبة.

وإذا كان قد وُلِدَ في التاسع، فمعنى هذا أن أبرهة جاء في تقريبًا التاسع عشر من محرم من هذه السنة، وسُمِّيَت بعام الفيل، ونزل فيها بعد ذلك قرآن.

كان [النبي ﷺ] ابن خمسين [يومًا من عام الفيل]، أي بعد الحادثة بخمسين يومًا وُلِدَ النبي ﷺ.

حساب سنة نزول الوحي بالتقويم الشمسي والقمري

نتحدث عن العشرين من نيسان، أو العشرين من إبريل، سنة خمسمائة وواحد وسبعين.

فبعد أربعين سنة قمرية وليست شمسية - وهي كأنها تسعة وثلاثون سنة شمسية - كأننا وصلنا إلى سنة ستمائة وعشرة [ميلادية].

نزل الوحي [في] ستمائة وعشرة بالشمسي، ونزل الوحي والنبي ﷺ عنده أربعون سنة تقريبًا من السنين القمرية التي كان يعدّ بها العرب.

نزول جبريل على النبي ﷺ في غار حراء وبداية الوحي بسورة العلق

وهو [النبي ﷺ] ابن أربعين، جاءه جبريل في غار حراء وضمّه ضمّةً إلى نفسه حتى تألّم رسول الله ﷺ من هذه الضمة، وقال له: اقرأ.

فردّ عليه النبي ﷺ: «ما أنا بقارئ»، يعني أنا أصلًا لا أعرف القراءة، فماذا أقرأ؟ أأقرأ شيئًا معك؟ وما الذي أقرؤه؟

وفعل هذا معه ثلاث مرات كما في البخاري، وهو يقول له: اقرأ، ويرد عليه النبي ﷺ: ما أنا بقارئ، حتى أنه انتهى فأوحى إليه:

﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ * ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5]

هذا المقطع فقط من سورة العلق، الذي هو بدايات سورة العلق، لم تنزل سورة العلق كلها في هذا الوقت، بل إن هذا هو الذي أُوحي إلى النبي ﷺ في غار حراء في ذلك الوقت في بدء الوحي.

انطباع الوحي في قلب النبي ﷺ وشوقه إلى العودة لغار حراء

وجد النبي ﷺ هذا الكلام منقوشًا في قلبه، أي ليس مترددًا في حفظه ولا مستدعيًا إياه من الذاكرة، بل وجده وكأنه قد كُتب في نفسه هذا النور الجديد.

النبي ﷺ - كما ذكرنا - كان يذهب إلى غار حراء ويتلقى فيه هذا الذكر والفكر وكذا إلى آخره كان يقوم به، فلما نزل جبريل شعر بعد انصرافه بلذة كبيرة في قلبه، وشعر أن ما قال له جبريل إنما هو قد نُقش في صدره.

بحيث أنه شيء غريب، خلافًا لما يحفظ أحدنا الشعر أو يحفظ - حتى نحفظ القرآن - لكن بالنسبة لسيدنا النبي ﷺ فإنه كان منقوشًا في صدره بشكل غريب.

وهنا اشتاق النبي ﷺ إلى هذه الحلاوة التي وجدها في قلبه، واشتاق النبي ﷺ إلى هذا الحال اشتياقًا عظيمًا جدًا، فتردد مرة أخرى أو عدة مرات على غار حراء، وبدأ في الاشتياق الشديد.

انقطاع الوحي وعودته وبدء التكاليف الشرعية على النبي ﷺ

لكنه [النبي ﷺ] لم يرَ جبريل بعد ذلك، وكان هذا نوع آخر من أنواع التثبيت والتربية بالصبر لرسول الله ﷺ.

وفعلًا صبر الرسول ﷺ إلى أن عاوده مرة أخرى جبريل بالوحي، وكل هذا كان في نحو ثلاث سنوات.

عندما نزل عليه جبريل بالوحي، نزل بتكاليف:

﴿قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 2-4]

بعد لقائه الأول كانت تحدث له من شدة اللذة التي في قلبه قشعريرة في جسده، فكان يتغطى ويتدثر ويتزمل، فقيل:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: 1]

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: 1]

وبدأ الوحي يترى، أي يزداد.

خوف النبي ﷺ وحديثه لخديجة واختبارها لجبريل

والنبي ﷺ يريد أن يعرف ما هذا، ويحكي للسيدة خديجة كل ما يأتيه، خوفًا من أن تكون هذه حالة أن يكون هذا شيطانًا يريد أن يحرفه عن أسرار الخلوة وعبادة الخلوة، فيريد أن يشغله بشيء آخر.

السيدة خديجة قامت باختبارين؛ الاختبار الأول هو أنها قالت وقد رفعت عن نفسها الحجاب: هل تراه؟ [أي هل يرى جبريل؟]

بدأ جبريل يظهر له في صورة بشرية، لكن في مكة وفي البيت، فلما نزعت الحجاب قالت: هل ترى ما أرى؟ قال: لا، أراه [اختفى جبريل].

فلما وضعت الحجاب رآه، فعرف أنه ملك، وأنه لو كان شيطانًا لتعدى على حرمات البيوت وعلى حرمات النساء.

فلما كان كذلك، وأنه يغض بصره، وأنه يختفي عندما تكون السيدة [خديجة] ليست في حالة التهيؤ، فإنه ملِكٌ أخلاقُه كريمةٌ.

شهادة ورقة بن نوفل بنبوة النبي ﷺ وتحذيره من إخراج قومه له

وذهبت [خديجة] به [بالنبي ﷺ] إلى ابن عمِّ خديجة يُقال له ورقة بن نوفل، وورقة بن نوفل لما سمع الكلام الذي هو منقوش في صدر النبي ﷺ قال له:

«والله الذي لا إله إلا هو، إن هذا وما نزل على موسى خرج من مشكاة واحدة»

يعني هذا وحي، وعُرِف [ذلك] لأنه [ورقة] كان يقرأ الكتاب العبراني وكان يقرأ لليهود، واليهود كانوا أهل علم بمعنى أنهم يهتمون جدًا بقضايا التفاصيل والعلم وما إلى ذلك، ويسألون ويرتبون الأمور.

اليهود لديهم معايير للنبوة، ورأى ورقة بن نوفل أن كل هذه المعايير إنما هي متوفرة في سيدنا النبي ﷺ.

وقال له أنه لم يؤتَ أحد مثل ما أُوتيت إلا عاداه قومه وأخرجوه. قال [النبي ﷺ]: أوَمُخرِجيَّ هم؟

حب النبي ﷺ لمكة المكرمة وموقفه عند الهجرة منها

كان رسول الله ﷺ يحب مكة حبًا عظيمًا، وكان يعيش بها وفيها، حتى أنه عندما خرج إلى الهجرة المباركة من مكة التفت إليها وقال:

«ما أشد حبك على الله وإنك أحبُّ أرضِ اللهِ إليَّ، ولولا أنَّ أهلكِ أخرجوني ما خرجتُ منكِ أبدًا»

كان النبي ﷺ يُحبُّ مكةَ حتى أنَّ الأنصارَ عندما فُتِحَت مكةُ قالوا: رجعَ إلى أهله، أي لن يتركَها من شدةِ حبِّهِ لمكةَ.

لكنَّهُ آثرَ أن يُطيِّبَ خاطرَ الأنصارِ الذين نصروهُ.

والسببُ الثاني أنَّ الإنسانَ يموتُ حيث ما أُخِذَتْ من بقعة دفنه تربته الأولى التي خلق الله منها آدم، ولأن تربة النبي ﷺ مأخوذة من مكانه الشريف الآن في قبره المنيف، فإنه عاد إلى المدينة ومات في المدينة ودُفِنَ في المدينة وفاءً بذلك العهد وقدرًا من عند الله سبحانه وتعالى.

الرد على من يستهين بالأوطان من خلال سيرة النبي ﷺ

إلا أنه [النبي ﷺ] كان يحب وطنه حبًا شديدًا، وفي هذا ردٌ على أولئك النابتة الذين خرجوا يستهينون بالأوطان ويشتمون الأوطان ولا يحبون هذا الوطن الذي يعيشون فيه والذي له كل اليد عليهم ابتداءً ووسطًا وانتهاءً.

استمرار الوحي على النبي ﷺ ثلاثة وعشرين سنة حتى وفاته

النبي ﷺ بدأ يرى جبريل في غار حراء وفي غير غار حراء، وبدأ الوحي يتتالى عليه، وبدأ الوحي واستمر من حينئذ إلى ثلاثة وعشرين سنة بالضبط.

فالنبي ﷺ مات وهو ابن ثلاث وستين عامًا، ثلاث وستين سنة.

كانت وفاة النبي ﷺ في الثاني عشر من ربيع الأول باتفاق، وكان ذلك يوم الاثنين، وكان ذلك تمام الثلاثة والستين أو ثلاثة وستين وثلاثة أيام.

مات النبي ﷺ [يوم] الاثنين، وجُهِّز يوم الثلاثاء، وصُلِّي عليه إلى آخر يوم الأربعاء، ودُفِنَ في يوم الأربعاء ليلًا.

تفاصيل الصلاة على النبي ﷺ فرادى وعدد المصلين عليه

صلى عليه [النبي ﷺ] بالحسابات حوالي عشرة آلاف من سكان أهل المدينة، وكانوا تقريبًا عشرين ألف إنسان.

عشرة آلاف إنسان صلوا عليه ﷺ، ولكن صلوا عليه فرادى، يعني منفردين، وهو في بيته؛ دخلوا البيت من باب وخرجوا من الباب المقابل، وفي هذا الصف يصلون عليه فرادى.

وليس لهم إمام وليست في صورة جماعة كما تعودنا في صلاة الجنازة على المؤمنين، بل تعظيمًا لقدر النبي ﷺ والتماسًا لبركته صلى كل واحد منهم لحاله بمفرده.

والحساب يقول أنهم كانوا نحو عشرة آلاف، والحساب أن هذه الصلوات بدأت في يوم الثلاثاء وانتهت في يوم الأربعاء.

ولو فرضنا أنهم يصلون بالليل والنهار - وهذا طبعًا لأن وفاة النبي ﷺ كانت حدثًا عظيمًا - وبيت عائشة الذي دُفِنَ فيه النبي ﷺ كانت له مساحة معينة، ثلاثة أمتار ونصف تقريبًا للصلاة، فتكون الصلاة تستغرق دقيقتين، ولو أننا جعلناهم أربعة بالدخول، فسيصبح عدد المصلين عشرة آلاف شخص تقريبًا.

صلوا على النبي ﷺ، المكتوب في الكتب أن أهل المدينة حينئذ كانوا عشرين ألفًا، وهذا صحيح لأنه عشرة آلاف من الرجال وعشرة آلاف من النساء يمكن أن يأتي بهذا، صلى على النبي ﷺ فرادى هذا العدد.

مدة الوحي ثلاثة وعشرون سنة والرؤيا الصالحة جزء من النبوة

بدأ [الوحي] في سن الأربعين وانتهى في سن ثلاثة وستين، هناك وحي لمدة ثلاثة وعشرين سنة.

يقول النبي ﷺ في شأن الرؤية التي كانت تأتيه كفلق الصبح وهي ستة أشهر:

«الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة»

الثلاثة والعشرون [سنة] فيهم ستة وأربعون نصفًا [أي ستة أشهر هي جزء من ستة وأربعين جزءًا من ثلاثة وعشرين سنة].

كيف عرف النبي ﷺ أن مدته ثلاثة وعشرين سنة؟ هكذا نطق وهكذا قال، وهو رجل مؤيد من عند الله سبحانه وتعالى.

الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.

وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.