هذا ديننا | 04 | الكتاب جـ2 | أ.د. علي جمعة - هذا ديننا

هذا ديننا | 04 | الكتاب جـ2 | أ.د. علي جمعة

15 دقيقة
  • القرآن الكريم نزل على مدى ثلاث وعشرين سنة، ورتبه جبريل عليه السلام بأمر الله من الفاتحة إلى الناس.
  • يتكون القرآن من ١١٤ سورة تحتوي على ٦٢٣٦ آية وقد حُفظ بعشر قراءات متواترة لتسهيل حفظه وتوثيقه.
  • تختلف القراءات العشر في سبعة عناصر: الزيادة والنقصان، التقديم والتأخير، الإعراب، الأداء كالتفخيم والترقيق، وغيرها.
  • القرآن معجز في رسمه حيث كُتب بطريقة تستوعب القراءات العشر جميعها، مثل: "مالك" و"ملك"، "يخادعون" و"يخدعون".
  • اعتنى المسلمون بالقرآن فعدوا حروفه (٣٧٥ ألف حرف)، وكلماته (٦٦ ألف كلمة)، وآياته وسوره.
  • قسم العلماء القرآن إلى ثلاثين جزءاً ليُختم في شهر، وكل جزء إلى حزبين، وكل حزب إلى أربعة أرباع.
  • أُعد مصحف خاص للحفظ يسمى "مصحف البركنار" بخمسة عشر سطراً في كل صفحة، ليحفظ خمسة أسطر خمسة أسطر.
محتويات الفيديو(20 أقسام)

مقدمة البرنامج والترحيب بالمشاهدين في حلقة جديدة من برنامج ديننا

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من برنامج ديننا.

نزول القرآن الكريم على مدى ثلاث وعشرين سنة وترتيب جبريل للآيات

ديننا مبني على الكتاب والسنة، ورأينا كيف بدأ القرآن في النزول وأنه استمر لمدة ثلاث وعشرين سنة وهو يتنزل على قلب رسولنا الكريم.

كان جبريل عليه السلام عندما ينزل بالآيات يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه الآية بين كذا وكذا، وهذه الآية بين كذا وكذا، وهو الذي رتب له هذا [أي ترتيب الآيات في السور] بإذن الله تعالى، بداية من الفاتحة وانتهاءً بسورة الناس.

تلاوة جبريل لمواطن الآيات وعدد آيات القرآن وسوره

جبريل عليه السلام تلى على النبي صلى الله عليه وسلم مواطن الآيات:

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]

آية.

﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]

آية.

﴿ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 3]

آية، وهكذا. فصارت هذه المرة التي علَّم فيها جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه ستة آلاف ومائتين وستة وثلاثين آية.

فالقرآن فيه مائة وأربعة عشر سورة، تبدأ السور بسورة الفاتحة وتنتهي بسورة الناس. هذه السور عدد الآيات، عدد آيات الفاتحة سبعة، وهكذا إلى أن ننتهي بسورة الناس. في هذا الخضم الهائل من الآيات، عددهم جميعًا في المائة وأربعة عشر سورة ستة آلاف ومائتين وستة وثلاثين آية.

نزول جبريل بالقرآن بتلاوات مختلفة لحفظ القراءات المتعددة

ولكن جبريل عليه السلام من أجل قضية أخرى وهي قضية حفظ القرآن، لم يكن ينزل بتلاوة واحدة، بل إنه نزل بتلاوات مختلفة حتى يتمكن المسلمون بعد ذلك من حفظ تلك الروايات وتلك القراءات وتلك الأداءات.

فيكون القرآن بدلًا من أن يُحفظ مرة واحدة حُفظ عشر مرات بل عشرين مرة، أي كان التوثيق جزءًا لا يتجزأ من ديننا.

أمثلة على اختلاف القراءات في سورة الفاتحة بين مالك وملك

يقول [جبريل عليه السلام في المرة الأولى]:

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ [الفاتحة: 1-4]

وفي المرة الثانية يقول له:

﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ [الفاتحة: 2-4]

من غير ألف. في الأولى ذكر البسملة وذكر معها الألف [مالك]، وفي الثانية لم يذكر البسملة وذكر معها بدون ألف فأصبحت ملك يوم الدين.

أمثلة متعددة على اختلاف القراءات في ألفاظ القرآن الكريم

مرة ينزل [جبريل بقراءة] يخادعون ومرة أخرى يتلو يخدعون، بالألف ومرة من غير ألف.

﴿وَظَنُّوٓا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: 110]

ومرة أخرى ينزل:

﴿وَظَنُّوٓا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: 110]

كم مرة فعل جبريل هذا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قرأ القرآن كله بطريقة وقرأ القرآن كله بطريقة أخرى، ثم بطريقة ثالثة، ثم برابعة، ثم بخامسة، عشر مرات.

تمكين الله للمسلمين من حفظ القرآن في عشر قراءات مختلفة

هل تدرون أن المسلمين مكنَّهم الله سبحانه وتعالى من حفظ الكتاب ليس فقط في صورة واحدة بل في عشر صور - صور بالصاد - في عشر أشكال، في عشر قراءات؟

وكل ذلك محفوظ على مستوى الحرف: كذَبوا وكذّبوا، يخادعون ويخدعون، ملك ومالك، وهكذا. فأصبح عندنا عشر قراءات، وسوف نرى بعد ذلك ما الذي كان في قضية رسم القرآن؛ لأن القرآن معجز في رسمه كما أنه معجز في لفظه.

كتابة القرآن في عهد النبي بطريقة تستوعب القراءات العشر

فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يخطه بيمينه، ولكن لأنه نبي ولأن الله قد أوحى إليه كيف يتصرف في هذه الأشياء، كُتِب القرآن الكريم على عهده، وكلما كان ينزل شيء كان يُكتَب.

ولكن المعجزة أنه كان يكتبه بطريقة نستطيع بها أن نقرأه بالقراءات العشر. فيأتي في مالك وملك ولا يضع الألف ويضع مكانها شُولة صغيرة هكذا بعد الميم، خط مستقيم هكذا.

فالذي يقرأ في القراءة الأولى يقول مالك يوم الدين، والذي يقرأ الثانية يقول ملك يوم الدين. ويخادعون فلا يكتب الألف، يكتب الخاء والدال مباشرة، فالذي يقرأ يخدعون يقرأها هكذا، والذي هو قراءته يخادعون فإنه يثبت هذه الألف.

إعجاز رسم القرآن في استيعابه للقراءات العشر وأوجه الاختلاف السبعة

القرآن معجز في رسمه هذا؛ لأنه رسم يشمل عشر قراءات. هذه القراءات مختلفة، في ماذا؟ مختلفة في سبعة أمور، في سبعة عناصر:

  1. العنصر الأول: الزيادة والنقصان، ففي هنا زيادة ألف لكن هنا في نقصان الألف، في هنا تشديدٌ وفي هنا تخفيفٌ ليس هناك تشديدٌ، وهكذا.
  2. العنصر الثاني: التقديم والتأخير، يعني كلمة مقدَّمة أو كلمة مؤخَّرة.
  3. العنصر الثالث: الإعراب:

﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَـٰتٍ﴾ [البقرة: 37]

الإعراب: مَن الذي تلقّى؟ [في القراءة] الثانية: آدمُ تلقّى الكلماتِ فهو فاعلٌ، أو الكلماتُ هي التي تلقّت آدمَ فهي فاعل وآدم مفعول به.

﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 124]

الظالمون، وقس على هذا. بعض هذه القراءات ليست متواترة كهذه الأخيرة.

تلخيص أوجه الاختلاف بين القراءات العشر من الأداء والتفخيم والترقيق

إذن، النقطة الأولى: الزيادة والنقصان. النقطة الثانية: التقديم والتأخير. النقطة الثالثة: قضية الإعراب. النقطة الرابعة: قضية الأداء.

﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ [الضحى: 1]

والضحى، كثيرًا كثيرًا، مرة بالتفخيم ومرة بالترقيق.

إذن هناك خلافات ما بين الملفات العشر أو القراءات العشر أو الأداءات العشر أو الطرق العشر التي قُرئ بها القرآن.

حفظ الله للقرآن بعشر نسخ تحقيقاً لوعده سبحانه وتعالى

والعجيب الغريب من عند رب العالمين تحقيقًا لما وعد به:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

أن المسلمين لا يحفظون نسخة واحدة بل يحفظون عشر نسخ بهذا الأداء الرائق الفائق.

إذن فالتوثيق جزء لا يتجزأ من عقلية المسلم.

خطورة فقدان التوثيق وأثره على الهوية والعلم والتاريخ

ماذا علينا لو فقدنا التوثيق؟ يحدث عندنا الآن فقد للتوثيق فنعيش بلا معلومات، ونعيش بلا هوية، ونعيش بلا تاريخ، ونعيش بلا علم، ونعيش هكذا يومًا بيوم.

لم يكن هذا شأن المسلمين الذين وفقهم الله سبحانه وتعالى لحفظ كتابه بإذنه هو؛ لأن كتبًا كثيرة في مشارق الأرض ومغاربها قد حُرّفت وغُيرت ولم يستطع أهلها أن يحتفظوا بها.

صور حفظ الله للقرآن الكريم في اللغة والرسم والأداء والقراءات

ولكن الله سبحانه وتعالى حفظ القرآن الكريم:

  1. أولًا: في صورة حفظه للغة العربية.
  2. ثانيًا: في صورة حفظه لرسمه.
  3. ثالثًا: في صورة حفظه لأدائه.
  4. رابعًا: في صورة حفظه لتلك القراءات العشر التي تدل على مزيد مزيد مزيد الإتقان والتوثيق.

إعجاز القرآن الشامل في نظمه ورسمه ومعانيه وكونه المحجة البيضاء

القرآن معجز ليس في نظمه فقط، ولا في رسمه فقط، ولا فيما تضمنه من معانٍ إنسانية رائقة فقط، بل في كل أحواله هو معجز.

القرآن المعجز الذي تركه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جزءًا من المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها.

اشتغال المسلمين على خدمة النص القرآني بعدّ حروفه وكلماته وآياته

اشتغل المسلمون على خدمة هذا النص [القرآني]؛ عدّوا حروفه، عدّوا كلماته، عدّوا آياته، عدّوا سوره، عدّوا كل شيء فيه، حتى أنهم قد عدّوا المفتوح والمكسور والمجرور والمضموم والساكن من حروفه، وكتبوا كل هذا.

إن القرآن الكريم يشتمل على ثلاثمائة وخمسة وسبعين ألف حرف وشيء من ذلك، ويشتمل على ستة وستين ألف كلمة، ويشتمل على ستة آلاف ومائتين وستة وثلاثين آية، ويشتمل على مائةٍ وأربعةَ عشرَ سورةً، وهكذا ضبطوا الأمر بطريقةٍ فائقةٍ رائقةٍ كما يقولون.

دخول الأعاجم في الإسلام وبداية ترقيم الآيات وتقسيم القرآن إلى أجزاء

ما الذي حدث؟ الذي حدث أنّ القرآن الكريم بدأ الأعاجم يدخلون في دين الله أفواجًا في مصر وفي الشام وفي إيران وفي الهند وفي المغرب وفي بلاد البربر وفي أفريقيا.

واحتاج المسلمون إلى خدمة كتاب الله أكثر من هذا، فبدأوا يضعون الآيات: أن هذه الآية رقم واحد وهذه رقم اثنين وهذه رقم ثلاثة إلى آخره. وبدأوا يعدون حروفه ويقسمونه إلى ثلاثين جزءًا.

تقسيم القرآن إلى أجزاء وأحزاب وأرباع لتيسير القراءة اليومية

ولماذا ثلاثين جزءًا؟ حتى تنتهي من قراءته في ثلاثين يومًا. وعادة الذي تركه لنا النبي صلى الله عليه وسلم عمل اليوم والليلة، يعني الصباح والمساء، أي أن هناك فارقًا بين النهار والليل.

فقسموا الجزء إلى حزبين لكي تقرأ حزبًا في الصباح وحزبًا بعد عودتك في الليل. وقسموا هذا الحزب إلى أربعة أرباع، وأصبح الجزء يحتوي على ثمانية أرباع؛ لأنه حزبان، فأربعة بثمانية.

والقرآن كله أصبح ثمانية في ثلاثين يساوي مائتين وأربعين ربعًا.

مصحف الحفاظ وطريقة تصميم صفحاته لتيسير الحفظ بناءً على حديث النبي

وتطورت الأمور أكثر فقالوا: لا، إننا نصنع مصحفًا اسمه مصحف الحفاظ نحفظ به.

كيف نحفظ به؟ قال: والله، طاقة الإنسان [محدودة]، النبي صلى الله عليه وسلم قال لنا مرةً فيما أخرجه البيهقي:

قال رسول الله ﷺ: «من أراد أن يحفظ القرآن فليحفظه خمسةً خمسة فإنه لا ينسى»

أي لا ينساه إذا حفظه خمس آيات خمس آيات. فنجعل الصفحة خمسة عشر سطرًا، يحفظ الولد خمسة سطور ثم خمسة سطور ثم خمسة سطور، خمسة عشر سطرًا.

ويصبح الجزء عشرين صفحة، ويصبح القرآن كله إذن ستمائة صفحة.

وصف مصحف الحفاظ المنتشر حالياً وطريقة الحفظ الفوتوغرافية

وهذا المصحف الذي يُسمى مصحف الدار [أي دار النشر] المنتشر حاليًا في الأسواق، تجد أنه بدأ بآية وانتهى بآية في الصفحة، وكل عشرين ورقة تجدها تمثل جزءًا.

وهذا هو [ما] يسمونه [مصحف] الحفاظ؛ لأن الحفاظ كانوا يقرؤون فيه بطريقة ويحفظونه بطريقة تجعلها طريقة فوتوغرافية حتى لا يُنسى القرآن الكريم.

خاتمة الحلقة والوعد باستكمال رحلة التعرف على المحجة البيضاء

رحلة طويلة مع كتاب الله سنستمر فيها إن شاء الله في لقاءاتنا سويًا، حتى نعلم تلك المحجة البيضاء التي تركها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم شكلًا ومضمونًا.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.