هذا ديننا | 05 | القراءات القرآنية | أ.د علي جمعة
- •القرآن الكريم نزل على سبعة أحرف بقراءات متعددة وصلت إلى عشر قراءات متواترة ومنضبطة.
- •القراءات العشر كلها علمها جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم، وعلمها النبي للصحابة، وهي دليل على معجزة حفظ القرآن.
- •القرآن محفوظ في رسمه وتلاوته وطرق قراءاته، وكان يكتب قديماً بهيكل الكلمة دون نقط أو تشكيل.
- •الاختلاف بين القراءات له فوائد متعددة: تفسير النص القرآني، استنباط أحكام إضافية، تيسير التلاوة والحفظ.
- •من أمثلة اختلاف القراءات: "فيَقْتُلون ويُقْتَلون" و"فيُقْتَلون ويَقْتُلون"، "كُذِبوا" و"كَذَبوا"، "تلقى آدم" و"تلقى آدمَ".
- •القرآن هو المصدر الأول للتشريع، نزل في ثلاث وعشرين سنة، بدأ بالأمر بالقراءة في الكون ثم بالوحي.
- •لا توجد فجوة بين العلم التجريبي والوحي، فكلاهما من عند الله، ونؤول القرآن بالحقائق العلمية القطعية.
مقدمة الحلقة والتعريف بموضوع نزول الوحي وتلقي القرآن
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من ديننا.
سنتحدث عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نزول الوحي، وتكلمنا كيف نزل الوحي في غار حراء ثم تأخر لمدة ثلاث سنوات، وتكلمنا كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يتلقى القرآن، وأنه قد تلقاه على أحرف سبعة.
تفسير الأحرف السبعة وعلاقتها بالقراءات العشر المتواترة
وتفسير الحروف السبعة معناها أنه [النبي ﷺ] قد تلقاه [القرآن] بقراءات مختلفة، ولدينا الآن في مصحفنا عشر قراءات مختلفة كلها متواتر، وكلها منضبط إلى غاية الانضباط.
وكأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يؤكد معجزة حفظ القرآن ليس فقط مرة ولا مرتين ولا ثلاثة ولا أربعة، بل إلى عشر مرات. فنعرف أن هذه قراءة عاصم، ونعرف أن هذه قراءة نافع، ونعرف أن هذه قراءة أبي جعفر، أو أن هذه قراءة الكسائي أو ابن عامر أو أبي عمرو، أو نعرف أنها قراءة يعقوب أو قراءة حمزة إلى آخره، حتى تتم عشر قراءات.
القراءات العشر دليل على حفظ القرآن بصورة معجزة لا يتصورها البشر
كلها [القراءات العشر] نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلها علَّمها جبريل لرسول الله، فعلَّمها رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابة. هذه القراءات العشرة تثبت عشر مرات أن الله قد حفظ القرآن على جهة معجزة لا يمكن لعقل بشر أن يتصورها.
القرآن محفوظ في رسمه، ومحفوظ في تلاوته، ومحفوظ على وجه الحرف، ومحفوظ بطرق عشرة [من القراءات].
أمثلة على اختلاف القراءات في هيكل الكلمة الواحدة كفتبينوا وفتثبتوا
نرى قراءةً تقرأ هيكل الكلمة:
﴿فَتَبَيَّنُوٓا﴾ [الحجرات: 6]
وقراءةً أخرى تقرأ نفس الهيكل: فتثبتوا، وكلاهما علَّمه جبريل لرسول الله؛ مرةً قال له فتبينوا ومرةً قال له فتثبتوا.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحفظ القرآن بتلك القراءات العشر، وكثير من مشايخنا مشايخ القراءات يحفظون القرآن بالقراءات العشر، وترى العجب العجاب في حفظهم، وفي كيف أن الله سبحانه وتعالى قد وفق المسلمين، فهذا الحفظ من عنده:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
القرآن ظل يُكتب بلا نقط ولا تشكيل حتى عصر الحجاج بن يوسف
شيء غريب عجيب، الناس تعتقد أن قراءة حفص عن عاصم التي بين أيدينا الآن هي وحدها التي حُفظت، والأمر ليس كذلك، بل إنه ظل القرآن مدة مديدة إلى عصر الحجاج نحو أربعين أو خمسين سنة من الهجرة، وهو يُكتب من غير نقط ومن غير تشكيل، بل يُكتب بهيكل الكلمة.
وهيكل الكلمة نرى فيها:
﴿وَظَنُّوٓا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: 110]
وقراءة أخرى تقول: كَذَبوا. فالكاف مع بقية الكلمة تشكل هيكل الكلمة، لكن ليس هناك تشكيل يبين الفرق ما بين كَذَبوا وكُذِّبوا؛ لأن هناك شدة هنا.
دور الحجاج وأبي الأسود الدؤلي في تطوير ضبط المصحف ونقطه
والحجاج وأبو مسلم وأبو الأسود الدؤلي وغيرهما طوروا هذا الضبط [ضبط المصحف بالنقط والتشكيل]، وكان الحجاج وأبوه من محفظي القرآن الكريم، وكان الحجاج يحفظه، وكان الحجاج يختم القرآن في سبع ليالٍ أو في سبعة أيام.
الفرق بين القراءات العشر وأنواع الاختلاف بينها مع أمثلة قرآنية
إذن نزل القرآن بصور بقراءات عشرة، وحُفظت هذه القراءات العشرة إلى يومنا هذا.
ما الفرق بين كل قراءة وأخرى؟ الفرق بين القراءات أنه يمكن أن يكون في تقديم وتأخير؛ يخادعون ويخدعون، أو قُتِلوا وقَتَلوا.
فمثلًا:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: 111]
قراءة أخرى: فيُقتَلون ويَقتُلون وهي قراءة حمزة. في الأولى نأخذ منها معنى، وفي الثانية نأخذ منها معنى آخر، فأصبح النص الواحد يعطيني معنيين؛ لأن هذه قراءة صحيحة متواترة وهذه قراءة صحيحة متواترة.
تفسير الفرق بين قراءتي كُذِّبوا وكَذَبوا في سورة يوسف وأثره في العقيدة
كُذِّبوا وكَذَبوا، هذه التي ذكرناها، فما هذه المعاني المختلفة؟
﴿وَظَنُّوٓا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: 110]
يعني كان هناك رسول يتشكك في الوحي مثلًا؟ حاشاه! الرسول يكون الوحي بالنسبة إليه يقينًا بل وفوق اليقين وفي منتهى الوضوح. ولكن كُذِّبوا، أي كُذِّبوا من قِبَل قومهم، وظنوا أن قومهم لن يؤمنوا.
﴿وَلَا يَلِدُوٓا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: 27]
خلاص، فسيدنا نوح جلس تسعمائة وخمسين سنة يدعوهم فلا فائدة، ولذلك دعا ربه قائلًا:
﴿رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى ٱلْأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوٓا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: 26-27]
فهو ظن أنهم قد كُذِبوا ولن يؤمن أحد منهم أبدًا. ولكن كَذَبوا معناها كَذَبوا [أي كذب القوم على أنفسهم]، وهنا تكون العقيدة الصحيحة.
المهمة الأولى والثانية لاختلاف القراءات في التفسير ودفع الفهم الخاطئ
فالمهمة الأولى لاختلاف القراءات التفسير، والمهمة الثانية انظر عندما يقول: فيُقتَلون ويَقتُلون، فيَقتُلون ويُقتَلون، فيُقتَلون...
كيف يَقتُلون حتى يُقتَلوا؟ فيأتي واحد ويُفهم منها أن هذا عدوان مثلًا، فتأتيه وتمنعه من هذا الفهم [الخاطئ] إن كان مسلمًا أو غير مسلم، تمنعه من هذا الفهم. القراءة الصحيحة الأخرى: فيُقتَلون ويَقتُلون، أي أنه في حالة دفاع مستمرة عن النفس، وأن هذا الجهاد إنما كان جهاد للدفع وجهاد لرفع العدوان وصد الطغيان.
﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]
هذا مفتاح [لفهم آيات الجهاد]، وهذا هو الذي يجعلنا نقرأ القراءة الصحيحة ونفسر التفسير الصحيح.
مثال قراءتي فتلقى آدم من ربه كلمات وفوائد اختلاف القراءات
﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَـٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 37]
﴿فَتَلَقَّى آدَمَ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٌ﴾ [البقرة:
- قراءة أخرى]
في الأولى آدم تلقى الكلمات، وفي الثانية الكلمات هي التي تلقت آدم.
«إنَّ اللهَ لَيَفْرَحُ بتوبةِ عبدِه»
يفسر إحدى هذه القراءات [أن الله يتلقى التائب بالرحمة]. يُستفاد منها أحكام زائدة، ويُستفاد منها تفسير صحيح، ويُستفاد منها حفظ القرآن على أعلى مستوى، ويُستفاد منها أيضًا التمكن من حفظه.
اختلاف القراءات في طريقة التلاوة والنطق بين القبائل العربية
كان النبي عليه الصلاة والسلام - أحد أنواع الخلاف بين القراءات هو طريقة التلاوة، مرةً يقول الأرضَ ومرةً يقول الأرضِ، مرةً يقول كثيرًا [مرققة] وهنا مُفَخَّمَة.
مرةً يُعَلِّم أحدهم ويكون مثلًا هذا من قبيلة من القبائل التي لا تستطيع أن تنطق نطقَ قريش:
﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾ [الضحى: 1-3]
أما قريش: والضحى والليل إذا سجى، ما ودعك ربك وما قلى. فخفف هذا النطق وخفف هذا على المتلقي الفهم والحفظ، وكانت كل هذه من بركة تعدد القراءات.
القرآن المصدر الأول للتشريع ونزوله في ثلاث وعشرين سنة
المصدر الأول للتشريع هو القرآن الكريم، والقرآن نزل في ثلاث وعشرين سنة، بدأ بـ:
﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ * ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ [العلق: 1-4]
وانتهى بـ:
﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]
القراءة في كتاب الله المنظور والمسطور والأمر بالتأمل في الكون
وإذا تأملنا البدء وجدناه يأمرنا أن نقرأ في كتاب الله المسطور وفي كتاب الله المنظور وهو الكون. وهنا بدأ بالكون:
﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ [العلق: 1]
القرآن ليس مخلوقًا، القرآن كلام الله القائم بذاته، وهذا الذي نزل على محمد ﷺ هو دالٌّ على كلام الله القائم بذاته الذي يتجاوز الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.
فأمرنا أن ننظر أولًا إلى الكون:
﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ [العلق: 1]
ادخل إلى هذا الكون وتأمل ما فيه، فإنك ستصل إلى الله سبحانه وتعالى، وسترى الله سبحانه وتعالى أمامك، ترى الله سبحانه وتعالى في كل شيء حولك، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد.
تكرار الأمر بالقراءة للجمع بين كتاب الله المنظور والمسطور
لكن لا تكتفِ بهذه القراءة الأولى، قراءة كتاب الله المنظور [الكون]، اقرأ كتاب الله المسطور [القرآن]، ولذلك كرر القراءة مرتين:
﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ [العلق: 3-4]
هنا الوحي يأتي. هذه الآيات دالة على أن كتاب الله المسطور من عند الله وكتاب الله المنظور من عند الله، فهما لا يختلفان.
عدم وجود فجوة بين العلم التجريبي والوحي في عقل المسلم عبر العصور
ولذلك لم تكن هناك في عقل المسلم أبدًا عبر العصور فجوة ما بين العلم الذي توصل إليه بالتجربة الذي يُسمى في الإنجليزية بالعلم (ساينس)، وما بين الوحي؛ ليس هناك أصلًا خلاف.
وإذا توصلنا إلى ما هو قطعي في هذا العلم التجريبي فإننا نؤول به الوحي ونرفع مفهوم الوحي عليه.
مثال جريان الشمس بين ظاهر القرآن والاكتشاف العلمي الحديث
﴿وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ [يس: 38]
نشاهد الشمس بالعين وإلى الآن تخرج من المشرق وتسير في كبد السماء إلى المغرب، ولكن ثبت يقينًا أنَّ الشمس ثابتة وأنَّ الأرض هي التي تدور.
ولذلك وفي نفس الوقت الذي اكتشفنا فيه هذا، اكتشفنا أنَّ الشمس والمجموعة خلفها تسير نحو نجم فيجا بسرعة اثني عشر ميلًا في الثانية، وستظل الشمس تجري لمستقر لها:
﴿ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ [يس: 38]
كما أخبر رب العالمين.
خاتمة الحلقة والدعوة لقراءة القرآن الكريم والتأمل في رحلته
هكذا نقرأ القرآن الكريم ونرى الرحلة معه كيف تكون. وإلى أن نلتقي في لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
