هذا ديننا | 10 | معجزة الرسالة ومعجزة الرسول جـ 2 | أ.د. علي جمعة
- •يتميز رسم القرآن الكريم بخصوصيات في كتابة بعض الكلمات، مثل كتابة "إبراهيم" بدون ياء في سورة البقرة فقط، وكلمات تنتهي بتاء مفتوحة تارة وتاء مربوطة تارة أخرى.
- •حاول المراكشي في كتابه "البيان" تتبع هذه الظواهر ووضع قواعد لها، لكنه لم يحل كل المشكلات المتعلقة برسم القرآن.
- •جمع أبو بكر القرآن في مصحف انتقل إلى عمر ثم حفصة، ثم استعاره عثمان وكتب منه ستة مصاحف وزعها على الأقطار.
- •وصلتنا نسخ من المصاحف القديمة محفوظة في متاحف مختلفة، وأثبت الإشعاع الكربوني أنها من قبل سنة أربعين هجرية.
- •أنشأت برلين معهداً جمع أربعين ألف نسخة من المصاحف من مختلف الأزمان والأماكن، وأثبت عدم وجود اختلاف بينها.
- •اكتشفت دراسة حاسوبية حديثة علاقات عددية بين الحروف في القرآن، فوجدت نسباً ثابتة تختل لو تغير رسم القرآن العثماني.
- •تمثل هذه النسب العددية جانباً من إعجاز القرآن يتناسب مع العصر الحديث.
مقدمة الحلقة والوقوف عند إعجاز رسم القرآن الكريم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من ديننا.
وقفنا عند هذا الإعجاز في رسم القرآن الكريم، ووجدنا أن هناك أمورًا لم نستطع أن نصل فيها إلى حل؛ إبراهيم ليس فيه ياء في سورة البقرة وفيها ياء في كل القرآن [أي أن كلمة "إبراهيم" تُكتب بدون ياء في سورة البقرة بينما تُكتب بالياء في سائر القرآن].
ظاهرة اختلاف رسم الكلمات بين التاء المفتوحة والهاء المربوطة في القرآن
نجد كلمة تنتهي بتاء أو بالهاء المربوطة، فمرة تُكتب هكذا بالتاء ومرة تُكتب بالهاء، كـ"امرأة" وكـ"رحمة".
﴿رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: 56]
مرة نجدها في القرآن بالهاء المربوطة ومرة هي هي نجدها بالتاء المفتوحة، لماذا؟ وهكذا كثيرًا [من الظواهر في رسم القرآن التي تحتاج إلى تفسير].
جهود المراكشي في تتبع قواعد الرسم القرآني وتأليف كتاب البيان
مما دفع عالمًا من العلماء من علماء الرسم كان اسمه المراكشي لتتبع هذا [الاختلاف في الرسم] ومحاولة إنشاء قواعد من خلال هذا الرسم في القرآن الكريم، وألَّف كتابًا أسماه "البيان". والبيان طُبع وهو موجود في الأسواق للمراكشي، وحققته واحدة ممن أخذت به الدكتوراه وهي الدكتورة شلبي، لعلها سميرة شلبي أو شيء من هذا القبيل، وهو موجود.
ولكن عندما نقرأ للمراكشي في البيان نجد أنه لم يحل كل المشكلات التي يسأل عنها الناس حول رسم القرآن الذي هو هكذا ورد.
حفظ المسلمين لرسم القرآن وتاريخ جمع المصاحف من عهد النبي إلى عثمان
والحمد لله أن المسلمين لم يحرفوا ولم يعتدوا على كتاب الله سبحانه وتعالى، والكتاب هو منذ ما كتبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أوراق متفرقة، أو جمعه أبو بكر [الصديق رضي الله عنه].
ونسخة أبي بكر لما مات انتقلت إلى عمر [بن الخطاب رضي الله عنه]، ولما مات عمر انتقلت إلى حفصة [بنت عمر رضي الله عنها]، وظلت في بيت حفصة إلى أن استعارها منها عثمان بن عفان [رضي الله عنه]، فكتب منها المصاحف الأمهات التي هي ست مصاحف والتي راعت القراءات العشر، ودفع بهم إلى الأقطار.
نسخ المصاحف بعد عثمان وبقاء مصاحف قديمة محفوظة إلى اليوم
ثم بعد ذلك نُسِخَت من هذه الأشياء [المصاحف الأمهات] في خلال الأربعين سنة، يعني بعد وفاة النبي [صلى الله عليه وسلم] بثلاثين سنة في هذا القدر نُسِخَت نُسَخ كثيرة.
بقي لنا منها إلى الآن مجموعة من المصاحف حفظنا فيها ما كان على الأمر الأول. من ضمن هذه المصاحف مصحف موجود كنا نحتفظ به في غرفة الآثار النبوية الشريفة التي في مسجد سيدنا الحسين عليه السلام، ثم انتقلت من هناك إلى مركز التحقيق والحفظ في السيدة زينب في القاهرة.
نسخة مصحف قديمة في متحف توبكابو بإسطنبول ونسبتها إلى القرن الأول
ومنها نسخة في قصر أصبح الآن متحف توبكابو. توبكابو هو القصر الذي كان يعيش فيه الخليفة العثماني، وكان يجمع مثل هذه الأشياء النادرة ويُجزل فيها العطاء.
فكان من ضمن هذا نسخة منسوبة إلى أنها من القرن الأول، بل إنه - طبعًا - هذه المصاحف أيضًا يُقال عنها أنها مصاحف عثمان، أي أنها من النسخ الستة.
التحقيق العلمي في المصاحف القديمة ونتائج الإشعاع الكربوني
ولكن التحقيق يقول إن هذه المصاحف منسوخة من النسخ الستة، وأن النسخ الستة قد تكون ضاعت عبر الزمن بأفعال الفتن أو الكوارث أو الإهمال أو فعل الزمن.
أظهر الإشعاع الكربوني لنا أن هذه نسخ قديمة لا يمكن أن تكون قد تجاوزت سنة أربعين هجرية، فهي قبل سنة أربعين هجرية.
لكن هل هي ذات نسخ عثمان بن عفان؟ بعض الخبراء يقولون أن بها نَقْطًا ومصاحف عثمان لم يكون عليها النقاط. والإجابة على هذا أنه يمكن لبعض الناس أن يضعوا النقط على مصاحف عثمان نفسها، فتكون هي مصاحف عثمان ولكن عليها النقط [المضاف لاحقًا].
ثبات رسم المصاحف عبر القرون ومعهد برلين لدراسة المصاحف المخطوطة
القضية أن الغريب أنه ليس هناك حرف واحد في هذه المصاحف كلها عبر القرون وعبر الأماكن مختلف. أتذكر أنه قد نشأ معهد كما أشار إلى ذلك السيد حميد الله في برلين، كان مهتمًا بتتبع هذه المصاحف العثمانية، وألّف مقالًا عنها في إحدى المجلات.
أشار فيه إلى أن برلين قبل الحرب العالمية الثانية أنشأت معهدًا وجمعت فيه أربعين ألف نسخة من المصاحف المخطوطة من كل مكان في العالم، من المغرب إلى الهند، وأنها راعت أن يكون هذا العدد يمثل جميع الأماكن وجميع الأزمان، فكل مائة سنة يأخذون منها على الأقل عشرين مصحفًا.
نتائج مقارنة أربعين ألف مصحف وتأكيد عدم تغير القرآن عبر الزمان والمكان
وجلسوا يقارنون بين هذه المصاحف الأربعين ألف مصحف، وأنشأوا تقريرًا هو محفوظ الآن في الخزانة، خزانة الكتب في برلين إلى يومنا هذا.
قالوا فيه إن - والله - إن هذا المصحف لم يتغير فيه شيءٌ عبرَ الزمانِ وعبرَ المكانِ. ولذلك كُتِبَ هذا التقريرُ في حوالي ثلاثين صفحةً باللغةِ الألمانيةِ، وهو الآن محفوظٌ في الخزانةِ الوطنيةِ في برلين.
تدمير معهد برلين في الحرب والدعوة لترجمة التقرير ونشره
بعد ذلك هُدِمَ هذا المعهدُ في أثناءِ الحربِ [العالمية الثانية]، واحترقتْ تلك النسخُ، وذهبَ المعهدُ ولم يسمعْ عنه أحدٌ شيئًا.
وكُنّا نتمنى من بعضِ الباحثين أن يترجموا لنا هذا المستند وأن نأخذ السورة [أي الصورة] منه لحفظه في مكاتبنا وفي وثائقنا، فيكون بالألمانية وبالعربية، ويمكن أن يُطبع ويكون بين أيدي الناس كمجهود علمي قد اتُخذ في هذا الشأن.
التقرير كان مبدئياً وشمل ثمانين في المائة من المصاحف مع إثبات يقيني بعدم التحريف
هذا التقرير كان تقريرًا مبدئيًا؛ لأنهم قد انتهوا حينئذٍ من مراجعة ثمانين في المائة من المصاحف في هذا الوقت، لم يكن بعد تقريرًا نهائيًا بحيث أنه يكون قد انتهى من مائة في المائة، ولكن ثمانين في المائة.
ومع هذا الحال الذي هو موجود، يقينًا إثبات يقيني وهو أنه ليس هناك أي تحريف ولا دعوة لهذا التحريف موجودة إطلاقًا.
إدخال القرآن في الحاسوب واكتشاف نسب الحروف الغريبة في الرسم العثماني
إبراهيم التي هي بالياء والتي هي من غير ياء في البقرة وفي غيرها، جاء أحدهم وأدخل القرآن في الكمبيوتر ليدلنا على موقف آخر غائب عنا، فوجد شيئًا غريبًا لم يكن في الحسبان.
وعرفنا أن القرآن معدود الأحرف، ثلاثمائة وخمسة وسبعين ألف حرف تقريبًا ويزيد قليلًا. فأدخل القرآن بصيغة وورد على جهاز الكمبيوتر، وأمر برنامجه أن يبين لنا علاقة الحروف بعضها مع بعض: كم حرف ياء موجود في القرآن، كم حرف ألف، كم حرف لام، كم حرف ميم، كم حرف طاء إلى آخره.
نتائج تحليل نسب حروف الم في السور التي بدأت بها مقارنة بغيرها
وجاءت النتائج ووجد شيئًا غريبًا. هذا الشيء الغريب أنه في ﴿الم﴾ في سورة البقرة، عدّ الألف زائد اللام زائد الميم في سورة البقرة، وعدّ حروف سورة البقرة، وقسّم هذا على ذاك حتى يرى نسبة وجود الم في سورة البقرة.
فطلعت مثلًا - أعني مثالًا وليس هذا هو الوارد في البحث؛ لأن البحث لم يُنشر - ثمانية عشر في المائة. عدّ ألم التي في الروم مثلًا أو التي في آل عمران، ما هو في ست سور تبدأ بالألف لام ميم، وجد أن النسب ثمانية عشر في المائة.
فعدّ ألف لام ميم في سورة طه مثلًا أو في سورة لم تبدأ بألف لام ميم، فوجد النسبة أربعة في المائة، خمسة في المائة، عشرة في المائة، لا تأتي أبدًا النسبة التي أظهرتها الألف لام ميم الخاصة بالسور التي بدأت بها.
تطبيق التحليل على حرفي الطاء والهاء في سورة طه وظهور نسب فريدة
فعل هكذا مع كلمة الطاء والهاء أو حرف الطاء والهاء في ﴿طه﴾، فوجد أن الطاء والهاء عددهم في هذا المجال على الخاصة بها تظهر بأكبر نسبة في القرآن.
لا يوجد في القرآن طاء وهاء منسوبة [إلى حروف السورة]، هذا يظهر بكم في المائة من هذه السورة؟ ط وهاء خمسة عشر في المائة، لا يوجد في القرآن خمسة عشر في المائة أخرى [في أي سورة لم تبدأ بهذين الحرفين].
ارتباط هذه النسب بالرسم العثماني واختلالها لو تغير حرف واحد
وظل يفعل هكذا، وكل هذا بالرسم العثماني، يعني الياء غير موجودة في إبراهيم، ولو وجدت الياء في إبراهيم تختل هذه النسب، ولو وجدت الألف في "يخادعون" تختل هذه النسب، ولو وجدت التاء في "امرأة" و"رحمة" كتبوا كلهم بالتاء المفتوحة أو كلهم بالتاء المربوطة تختل هذه النسب.
وهكذا، ما هذا؟ هذا لو صح - لأن البحث لم ينشر فلم نتأكد من تلك النتائج - ولكنها تعطينا احتمال أو طريق يمكن أن نسلكه، فيكون إعجازًا غير مسبوق يتواءم مع الأدوات الحديثة التي علَّمنا الله إياها مثل الكمبيوتر والحواسب والبرامج والاسترجاع والبحث وكل هذه الأشياء.
التأكيد على عدم نشر البحث والدعوة للتحقق منه وختام الحلقة
هذا لم نتأكد منه لأن البحث لم يُنشر، لكن لو أعطانا توجهًا أو طريقًا يمكن أن نسير فيه، وحينئذٍ هذا يكون هناك إعجاز فعلًا.
الله هو [الذي أنزل] هذا، غير مقدور للبشر. الذي أقوله هذا هي مسألة غير مقدورة للبشر؛ أن يقول:
﴿الٓمٓ * ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 1-2]
أو:
﴿الٓمٓ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ﴾ [الروم: 1-2]
وهكذا، وأنه ينسب إليه هذه النسب معجزة. هذه المعجزة نحن لا نقولها دائمًا؛ لأن البحث [ليس] منشورًا، وأيضًا لعل أحد الباحثين يدخل القرآن مرة ثانية ويتأكد لنا من هذه المعلومة، فإذا تأكدت كانت معجزة لها معنى متعلق برسم القرآن الكريم.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
