هذا ديننا | 13 | السنن الإلهية جـ 3 | أ.د علي جمعة - هذا ديننا

هذا ديننا | 13 | السنن الإلهية جـ 3 | أ.د علي جمعة

13 دقيقة
  • القرآن الكريم كتاب معجز يتجاوز الزمان والمكان، ويشتمل على الهداية للمتقين لمن أراد الاستفادة منه.
  • يتضمن القرآن سنناً إلهية متنوعة: كونية في الآفاق، ونفسية في الإنسان، واجتماعية، وتاريخية، وقد أحصى بعض العلماء أكثر من تسعين سنة إلهية.
  • من هذه السنن: التعارف والتكامل، وليس الصدام والصراع كما يزعم البعض.
  • المبادئ القرآنية جمع مبدأ وهو مصدر ميمي يدل على زمان البدء أو مكانه أو الحدث نفسه.
  • من أبرز المبادئ القرآنية: "لا تزر وازرة وزر أخرى" الذي يؤكد حرية الإنسان ومسؤوليته.
  • هذا المبدأ ينفع في مجالات متعددة كالقانون والعقوبات وعلم النفس والاجتماع والحريات السياسية وحقوق الإنسان.
  • قام بعض العلماء كالدكتور مصطفى عبد الكريم بجمع أكثر من ثلاثين مبدأً من المبادئ العامة في القرآن.
  • القرآن لا تنتهي عجائبه ولا يخلق من كثرة الرد، فهو النبي المقيم ومعجزة الرسالة الخالدة.
محتويات الفيديو(17 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج ديننا

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون وأيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة متجددة من برنامج ديننا.

مراجعة ما سبق حول مصدر الدين وإعجاز القرآن الكريم المتجاوز للزمان والمكان

كما شرحنا في حلقات سابقة، ديننا مصدره القرآن الكريم والوحي، وعرفنا كيف نزل، وكيف أن القرآن الكريم كان معجزة رسالة تجاوزت الزمان والمكان، وأنه لا يزال معجزًا ولا يزال يعطينا من إعجازه ما يبهر العقول.

وأنه يشتمل على الهداية، لكن الهداية للمتقين، لمن أراد أن يستفيد منه. وحتى يتحول القرآن إلى كتاب هداية يجب علينا أن نتأمل السنن الإلهية التي ذكرها الله سبحانه وتعالى فيه.

أنواع السنن الإلهية في القرآن الكريم من كونية ونفسية واجتماعية وتاريخية

منها ما هو سنن كونية في الآفاق، ومنها ما هو سنن نفسية في نفس الإنسان، ومنها ما هو سنن اجتماعية في الاجتماع البشري، ومنها ما هو سنن تاريخية تجري في التاريخ ولا يدركها إلا من قرأ التاريخ واستفاد منه ووقف عند عِلَلِهِ ودروسه.

والله سبحانه وتعالى يتكلم في كل هذا في القرآن الكريم، ويجب علينا أن نتأمل هذه السنن التي عدّها بعضهم أكثر من تسعين سنة إلهية أشار إليها الله سبحانه وتعالى.

سنة التعارف والتكامل في القرآن الكريم وموقف الإسلام منها

وضربنا المثل بهذه السنن الإلهية بسنة التعارف؛ فإن الله سبحانه وتعالى خلق هذا الكون وجعل التعارف سنة فيه:

﴿وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا﴾ [الحجرات: 13]

ومن هنا تتولد سنة أخرى وهي سنة التكامل، وهذا هو الذي عليه الإسلام. وهي مسألة فلسفية حارت فيها الحضارات، فجعلت بعض الحضارات العلاقة الأساسية بين الإنسان والكون، بين الإنسان ونفسه، بين الإنسان وجاره هي الصدام والصراع.

الفرق بين فلسفة الصراع وفلسفة التكامل في العلاقات الإنسانية

لكن الصراع والصدام موجود في الدنيا، لكنه ليس هو الأساس، ليس هو الذي يأمر به الله، ليس هو الذي خلق الله الخلق وربط نجاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة عليه. لكن بعض أهل المصلحة يرون أن الصراع هو الأساس، وأن الصدام هو الأصل، وأنه ليس هناك ما يسمى بالتوائم أو بالتكامل أو بالاتساق الذي بين الإنسان والكون، بين الرجل والمرأة، بين الحاكم والمحكوم، بين صاحب المال والعامل، بين الدول بعضها مع بعض، بين المجتمعات بعضها مع بعض، بين الجار وجاره إلى آخره.

الفارق الكبير بين اعتبار الأصل صداماً أو تكاملاً في ضوء القرآن

فارق كبير جدًا أن نعتبر أن الأصل هو الصدام والصراع، وأنه لا نجاح إلا بالصدام والصراع، وبين أن نعتبر أن الأصل هو التكامل. وعرفنا في قوله تعالى:

﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ وَسْـَٔلُوا ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِٓ﴾ [النساء: 32]

كيف أن هناك تكاملًا يشير إليه قوله سبحانه وتعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلْأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]

إنه التكامل، إنه التعارف. وهكذا عدّوا مثل هذه السنن فوجدوها نحو تسعين سنة. هذا تذكير بما مضى.

الانتقال إلى موضوع المبادئ القرآنية وأهمية تدبر كتاب الله

ووصلنا لما نقوله اليوم عن ما يسمى بالمبادئ القرآنية. حتى يصير القرآن كتاب هداية، وحتى نجدد من فكرنا الديني ومن خطابنا الديني، ينبغي علينا أن نتدبر وأن نتأمل هذا الكتاب، كتاب الله المسطور، كتاب الوحي، وأن نستخرج منه وأن نقف عند ما يسمى بالمبادئ القرآنية.

شرح معنى كلمة مبدأ لغوياً باعتبارها مصدراً ميمياً ودلالاتها

والمبادئ جمع مبدأ، وكلمة مبدأ معناها مصدر ميمي كما يقول أهل النحو. والمصدر الميمي مصدر مبدوء بميم: مبدأ. وهذا المصدر يدل على الزمان أي زمن البدء مثلًا، والمكان أي مكان البدء، ونفس الحدث أي البدء نفسه.

ولذلك عندما نتعمق [في كلمة] مبدأ، فإننا نجد فيها هذا التنوع أو هذه المعاني؛ أنها دالة على بدء الزمان أو بدء المكان أو نفس البدء.

مفهوم البدء والانطلاق من نقطة البداية إلى الغاية مع مثال توضيحي

إذن لا بد علينا أن نفهم البدء، والبدء في كل شيء يبدأ بالانطلاق من نقطة معينة فتكون نقطة البداية، إلى نقطة أخرى فتكون الغاية، تكون النقطة المطلوب المقصود الذي من أجله توجهت.

فعندما أقول: ذهب التلميذ إلى المدرسة، فالمدرسة غاية وهدف من المنزل، يكون المنزل هو البداية فهو مبدأ.

شرح المصدر الميمي بمثال كلمة مسجد ودلالاتها على الزمان والمكان والحدث

مثل هذا تمامًا في المصدر الميمي: مسجد. هذه مصدر ميمي. بعض الشباب لا يعرف هذه المعلومة البسيطة التي يدرسها العلماء في الأزهر، أن المبدأ وأن المسجد مصدر ميمي.

في المسجد يُطلق على زمان السجود وعلى ذات السجود وعلى مكان السجود. ولذلك عندما قال الله سبحانه وتعالى:

﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾ [الكهف: 21]

فالمسجد هنا حقيقته هو هذا المكان الذي يعبدون فيه الله سبحانه وتعالى، ولكن مسجد أيضًا معناه موطن السجود، ومسجد أيضًا معناه زمن السجود.

توضيح الفرق بين معاني كلمة مسجد في حديث البخاري عن اتخاذ القبور مساجد

فلم يستطيعوا فهم كلام الإمام البخاري في حديثه الذي يقول:

«إن أولئك إذا مات الرجل منهم من الأنبياء أو الصالحين، اتخذوا على قبره مسجدًا»

فظنوه مكانًا للصلاة، والمقصود أنهم سجدوا لمن في القبر [أي عبدوه من دون الله]. فالمسجد هنا يختلف عن المسجد بمعناه الآخر؛ لأن كلمة مسجد مصدر ميمي يُطلق على الزمان والمكان والحدث.

تعريف المبدأ القرآني وبيان أنه ليس حكماً ولا عقيدة بل نقطة انطلاق للعلوم

ولذلك، ما معنى المبدأ القرآني؟ المبدأ هذه الصياغة التي لا تعبر عن سنة الله في كونه، ولا تعبر عن حقيقة، ولا تعبر عن عقيدة، ولا تعبر عن حكم، إنما تعبر عن شيء يمكن أن نبدأ به في عالم القانون، عالم العلوم الاجتماعية والإنسانية، عالم الدين، عالم الاجتماع البشري، عالم الأسرة.

مبدأ لا تزر وازرة وزر أخرى وتأكيده في القرآن الكريم

عالم مثل ماذا؟ [مثل مبدأ]:

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]

هذا مبدأٌ أقرَّه القرآن، هذا مبدأٌ أكده القرآن:

﴿وَكُلَّ إِنسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰٓئِرَهُ فِى عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَـٰبًا يَلْقَىٰهُ مَنشُورًا * ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 13-14]

فالإنسان لا يقرأ كتاب أخيه، بل إنه:

﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَـٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ ٱمْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 34-37]

مبدأ لا تزر وازرة وزر أخرى يقرر حرية الإنسان ومسؤوليته الفردية

فهو بهذا المبدأ:

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]

أقرّ حرية الإنسان وأقرّ مسئولية الإنسان، وهما وجهان لعملة واحدة. فأصبح الآن أنني لا أتحمل خطيئة أبي.

وضرب القرآن أمثلة كثيرة وكأنه يشرح هذا المبدأ المهم الذي سوف ينقذنا في كثير من المواقف: في علم القانون وفي علم العقوبات، وسينقذنا في علم النفس، وسينقذنا في الاجتماع البشري؛ أنه لا تزر وازرة وزر أخرى.

تحكم مبدأ لا تزر وازرة وزر أخرى في الحريات والحقوق والعلوم المختلفة

وسيتحكم هذا [المبدأ] في نظرية الثواب والعقاب سواء كانت الحوافز أو المنع من الجريمة. إن مبدأ لا تزر وازرة وزر أخرى سيتحكم في الحريات السياسية، وسيتحكم هذا في حقوق الإنسان، وسيتحكم هذا في أشياء كثيرة للغاية فيها هذه الاستقلالية للإنسان.

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]

مبدأ لأنه يصلح أن يستخدم في كل هذه المناحي وتلك العلوم، ولأنه في ذات الوقت هو لا يعبر عن حكم أو أمر أو نهي، لكنه يعبر عن مسألة خلقها الله سبحانه وتعالى.

كتاب المبادئ العامة في القرآن للدكتور مصطفى عبد الكريم وفتح باب البحث

وهناك من درس مثل هذه المبادئ في كلية أصول الدين، الدكتور مصطفى عبد الكريم، وطبع كتابه [المبادئ العامة في القرآن]. هذا كلام جديد وليس له سابق، جمع أكثر من ثلاثين مبدأً من المبادئ العامة، وما زال البحث مفتوحًا أمام الباحثين، يضيف كل باحث ما فتح الله عليه به.

فإن القرآن لا تنتهي عجائبه ولا يَخلَق من كثرة الرد، كما قال فيه [رسول الله] صلى الله عليه وسلم. سيبقى هو النبي المقيم وهو معجزة الرسالة كما قدمنا.

ختام الحلقة والتوديع بالسلام والدعاء للمشاهدين

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.