هذا ديننا | 14 | المبادئ العامة | أ.د علي جمعة - هذا ديننا

هذا ديننا | 14 | المبادئ العامة | أ.د علي جمعة

13 دقيقة
  • القرآن الكريم كتاب هداية للمتقين، وللوصول لهذه المرتبة ينبغي تدبره والعيش به واستخراج السنن الإلهية منه.
  • تتنوع السنن الإلهية إلى تاريخية ونفسية وكونية واجتماعية، بينما تشير المبادئ العامة في القرآن إلى صياغات تصلح مبتدأ للعلوم.
  • مبدأ "عفا الله عما سلف" يطبق في القانون وفي التعامل اليومي، ويُعد أساساً للصفحة الجديدة بين الناس.
  • ينبغي فهم القرآن كجملة واحدة، وعدم الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه الآخر.
  • الفهم الخاطئ للدين كالهرم المقلوب، قاعدته في الأعلى ورأسه في الأسفل، مما يؤدي إلى انهياره.
  • "بسم الله الرحمن الرحيم" تظهر صفات الجمال والكمال، وليس "الرحمن المنتقم".
  • القتال في الإسلام مقيد بشروط ومرتبط بالدفاع عن النفس وعدم الاعتداء، ولا يبرر إخراج الناس من ديارهم.
  • من يستدل بآيات القتال دون فهم سياقها يخالف مقصود القرآن الذي لا يناقض بعضه بعضاً.
محتويات الفيديو(16 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج ديننا

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات ديننا.

القرآن كتاب هداية يستوجب التدبر واستخراج السنن الإلهية منه

رأينا معًا كيف إن القرآن إنما هو كتاب هداية، هدىً للمتقين. وحتى نصل إلى مرتبة هدى للمتقين ينبغي علينا أن نتدبر القرآن، أن نعيش مع القرآن، أن نعيش بالقرآن، أن نعيش في القرآن.

وحتى نتأمل القرآن:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾

فينبغي علينا أن نستخرج منه ما أسميناه بـالسنن الإلهية، سواء كانت هذه السنن الإلهية تاريخية أو نفسية أو كونية أو اجتماعية. وقلنا قبل ذلك مرارًا أن هذه السنن قد استخرج بعضهم بعضها في تسعين سنة وصل إليها المستخرجون.

المبادئ العامة في القرآن الكريم وصلاحيتها لعلوم شتى

وتكلمنا أيضًا عن جانب آخر من هداية القرآن الكريم وهو أنه يشير إلى المبادئ العامة. والمبادئ العامة هي تلك الصياغات التي أتى لنا بها القرآن الكريم، هذه الصياغات تصلح لأن تكون مبتدأً في علوم شتى.

عندما يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: 95]

هذا مبدأ استعمله أهل القانون وتكلموا عن عدم جواز الأثر الرجعي للقوانين؛ لا يمكن أن يصدر قانون الآن يحاسبني على الماضي، لأن الماضي واقع لا يرتفع، ولكن يصدر القانون اليوم فيحاسبني منذ الآن، أما السابق:

﴿عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: 95]

﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 23]

تطبيق مبدأ عفا الله عما سلف في التعامل اليومي والعلاقات الإنسانية

فهذا مبدأ يصلح كما يصلح في القانون، يصلح في التعامل اليومي بين الإنسان وجاره في السوق وجاره في السكن وصديقه في العمل وزميله في الرحلة. يصلح "عفا الله عما سلف" عمّن أساء إليك مثلًا، فتقول له: عفا الله عما سلف، نبدأ صفحة جديدة.

فكرة أن نبدأ صفحة جديدة هذه مختلفة في مفهومها عن القانون، لكنها تحت نفس العنوان: عفا الله عما سلف.

البحث عن المبادئ العامة في القرآن وتحويلها إلى برنامج حياتي للنجاح

وذكرنا أن أحد الباحثين وهو الدكتور مصطفى عبد الكريم أخذ في هذه الرسالة العلمية من كلية أصول الدين، وهو مبحث جديد في تجديد الخطاب الديني، وهو أن نبحث عن المبادئ العامة ونحولها من كلمات قد نستمع إليها كبرنامج للتربية، ثم نعيش هذه المبادئ العامة فنحصل على النجاح في الدنيا والسعادة في الدنيا والآخرة.

المبادئ العامة كانت هي الجزء الثاني من تحويل القرآن لمراد منزله سبحانه وتعالى وهو هدى للمتقين.

القرآن بنى جيل الصحابة وأسس حضارة المسلمين وانتشار الإسلام

نريد أن نحول القرآن إلى كتاب هداية كما هدى الأولين، كما بنى جيل الصحابة، وما زلنا نقتات على هذا البناء إلى يومنا هذا؛ بناء شامخ وأسس متينة.

نتج عنها انتشار للإسلام، ونتج عنها حضارة للمسلمين، ونتج عنها سعادة غامرة رآها الخلق. ولكن بُعد كثير من المسلمين عن كتاب ربهم وعن هداية هذا الكتاب، ولذلك دخلنا في ضد مقصود هذا الكتاب؛ فدخلنا في الصدام ودخلنا في الكراهية ودخلنا في القسوة والعنف.

قال رسول الله ﷺ: «يا عائشة، إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه»

القرآن كالجملة الواحدة والنهي عن الإيمان ببعضه والكفر ببعضه

القضية الثالثة مع السنن الإلهية والمبادئ العامة هي أن هذا القرآن كالجملة الواحدة. هذا كلام الأقدمين، وهذا يؤيده قوله تعالى:

﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 85]

فإذن الله ينهانا أن نؤمن ببعض الكتاب وأن نكفر ببعضه.

النهي عن ضرب القرآن بعضه ببعض وتشويه صورة الإسلام

ويقول النبي ﷺ:

«لا يضربنّ أحدكم بعض القرآن ببعض»

يعني لا تضربوا القرآن بعضه ببعض. ويقول [سيدنا النبي ﷺ] في هذا المعنى:

«أتحبون أن يُكذَّب على الله ورسوله؟»

عندما تعطي صورة سيئة للإسلام وصورة غير حقيقية، ففي الحقيقة أنت تشوه صورة الإله في أذهان البشر، وتكون صادًّا عن سبيل الله، وتكون حجابًا بين الخلق ومخلوقيه [أي بين الناس وربهم].

وتفتش في الناس وتصور لهم أشياء بشدة، وهذا صد عن سبيل الله بغير علم، وهو يحسب أنه يحسن صنعًا.

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلْأَخْسَرِينَ أَعْمَـٰلًا * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 103-104]

صفات المفسدين في الأرض الذين يعجبك قولهم ويهلكون الحرث والنسل

﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾ [البقرة: 204-206]

ونحن لا نرى من هذا [الواقع المؤلم] إلا دماءً تُراق على الأرض بغير حق ومن غير مستحقيها، فهذا فساد في الأرض؛ فكأنما قتل الناس جميعًا.

وجوب التعامل مع القرآن جملة واحدة ومفهوم الهرم المقلوب في فهم الدين

وعلى ذلك، فإن المبحث هو أننا يجب أن نتعامل مع القرآن جملة واحدة. وسوف نعالج هذا الأمر بعد ذلك من الآن [بمفهوم] ما أسميناه بـالهرم المقلوب.

وفكرة الهرم المقلوب هي أن بعض الناس قد تعلموا الدين بطريقة خاطئة وأخذوا مفردات الدين بطريقة خاطئة، ولذلك فإنهم فهموا الدين وكأنه هرم مقلوب قاعدته فوق ورأسه تحت.

والهرم إذا انقلب انهار؛ لأن ثقل القاعدة سوف ينهار مع ضعف القمة، فالقمة جعلناها في الأسفل، وهذا لا يُرضي الله سبحانه وتعالى.

معنى الهرم المقلوب وأهمية البسملة في فهم القرآن كجملة واحدة

الهرم المقلوب، ماذا نعني به في عبارة أن القرآن كالجملة الواحدة؟

يا أخي، اقرأ القرآن، ما الذي يقوله ربنا سبحانه وتعالى؟ أول ما تقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم. هذه [تبدو] بسيطة، ولكن بعدما واجهنا الحياة وعرفنا أشياءً كثيرةً جدًا من العلوم ومن الواقع، عرفنا أن المشايخ كان عندهم حق، وأن بسم الله الرحمن الرحيم مهمة للغاية.

لأنه كان يقول لنا الشيخ إن بسم الله الرحمن الرحيم فيها أن الله تعالى له صفات الجمال والجلال وله صفات الكمال، ولم يقل: بسم الله الرحمن المنتقم. إذن هذا له معنى وله فائدة.

البسملة تجلٍّ إلهي بالرحمة والتخلق بأخلاق الله يناقض القسوة والعنف

بسم الله الرحمن الرحيم تجلٍّ إلهي للبشر، جمال في جمال. فعلى سبيل قول الحكماء: "تخلقوا بأخلاق الله"، فإننا أمام رحمة في رحمة.

ولذلك هذا الإنسان الذي يصور نفسه قاسيًا، ويأتي على الفضائيات ويقول: سأذبح، وسأقتل، وسأفعل، وسأجعله دمًا يجري على الأرض، هذا لا يفقه شيئًا.

فإذا استدل بأي آية:

﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]

آية القتال خاطبت الفارس المسلم الذي تخلق بالرحمة وليست دعوة للعدوان

استُدل بها [أي بآية القتال] بطريقة خاطئة؛ لأن هذه الآية لو تأملناها لوجدناها قد خاطبت الفارس النبيل المسلم الذي بدأ ببسم الله الرحمن الرحيم وتخلق بها وعاش فيها.

فلما جاءه ربه بعد ذلك في قمة الهرم [أي بعد التأسيس بالرحمة] وهو يقول له: "وقاتلوا"، لم يقل [الله] له: "اقتلوا"، بل قال [الله]: "وقاتلوا"، والقتال من طرفين، في سبيل الله وليس في سبيل شيء آخر مثل نوال الحكم ونوال الملك؛ يؤتي الملك من يشاء.

﴿ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: 190]

النهي عن الاعتداء وحق القتال مشروط بالإخراج من الديار

وبالرغم من ذلك وأنه [العدو] يريد قتلي وقتالي واغتصاب أرضي واغتصاب [حقوقي]، إلا أن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]

الذي يعتدي هو الذي يُخرج الناس من أراضيهم، ولذلك بعدها:

﴿وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: 191]

عندما أعطى الله سبحانه وتعالى المسلمين حق القتال لأنهم قد أُخرجوا من ديارهم.

جماعات الخوارج نموذج لمن لم يقرأ القرآن كجملة واحدة ففهمه بطريقة خاطئة

فإذا جاءت جماعة من الخوارج وأخرجت الآشوريين والإيزيديين والمسيحيين من ديارهم، أصبح هؤلاء [المُخرَجون] هم الذين معهم الحق، وأصبح هذا الظالم [الخارجي] هو الذي يحكم بغير ما أنزل الله.

كل ذلك لأنه لم يقرأ القرآن كجملة واحدة؛ فَهِمَ بعض القرآن ولم يفهم بعضه الآخر. كل ذلك لأنه تعامل مع القرآن بمشربه وعقله وغاياته ومراداته، ولم يتعامل معه كما أنزله الله سبحانه وتعالى هدى للمتقين.

فهذا الذي نعنيه من قولنا: القرآن كالجملة الواحدة، لا ينقض بعضه بعضًا أبدًا.

خاتمة الحلقة والتوديع بالسلام

إلى لقاءٍ آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.