هذا ديننا | 15 | المحكم والمتشابه | أ.د. علي جمعة - هذا ديننا

هذا ديننا | 15 | المحكم والمتشابه | أ.د. علي جمعة

14 دقيقة
  • القرآن معجزة باقية عبر الزمان والمكان، وحتى يكون هداية للمتقين يجب تدبره واتباع هداه.
  • القرآن كله كتاب أُحكمت آياته بنص القرآن نفسه: "كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير".
  • في آية آل عمران: "منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات"، التشابه ليس تقسيماً للقرآن بل وصف.
  • القرآن قسمان: آيات محكمات هي أم الكتاب تفرد بها القرآن، وآيات محكمات متشابهة مع الكتب السابقة.
  • التشابه يعني وجود مضامين في القرآن مشابهة لما في الكتب السابقة كقصص الأنبياء.
  • القرآن يصحح ما في الكتب السابقة، كما في قصة آدم حيث ساوى بين الرجل والمرأة في المعصية والتوبة.
  • القرآن مهيمن على ما سبقه من الكتب، يأخذ منها ما هو صحيح ويصحح ما فيها من أخطاء.
  • ليس في القرآن كلام غير مفهوم أو يمكن الاستغناء عنه، بل كل حرف فيه مفيد.
  • هذا الفهم يجعل القرآن كتاب هداية ويجعل تعاملنا معه كتعامل الصحابة الكرام.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج ديننا

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من ديننا.

ملخص ما سبق الحديث عنه حول القرآن ونزوله ومعجزته الباقية

تكلمنا عن القرآن كيف نزل، وتكلمنا عن غار حراء، وتكلمنا أن القرآن إنما هو معجزة رسالة باقية عبر الزمان وفي كل مكان، وأنه كالنبي المقيم، وأنه هدى للمتقين.

وحتى يصير هدى للمتقين يجب علينا أن نبحث فيه وأن نتأمله وأن نتدبره وأن نسير في هداه بتقوى الله سبحانه وتعالى:

﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]

وحتى نصل إلى هذا تكلمنا عن السنن الإلهية التي هي نحو تسعين سنة في كتاب الله، ترشدنا إلى الحقائق التي خلق الله الكون عليها.

القرآن جملة واحدة لا يصلح الإيمان ببعضه دون بعض وبدايته بالبسملة

وتحدثنا عن المبادئ العامة التي تفيد في كل علم، وتحدثنا عن أن القرآن جملة واحدة؛ ولذلك لا يصلح أن نكفر ببعضه وأن نؤمن ببعض، وأنه قد بدأ ببسم الله الرحمن الرحيم؛ فهذا هو قاعدة الهرم.

وأن قلب الهرم إنما يؤدي إلى الانهيار وإلى العنف وإلى الدم. وكل ذلك [يبيّن أن] الإسلام مع قوته، وأن الله يحب المؤمن القوي وهو خير عنده وأبرّ من المؤمن الضعيف، إلا أن في كلٍّ خير.

فإنه مع هذا يأمر بالرحمة وينهى عن الفحشاء وعن المنكر، ويجعل المسلم دائمًا كالوردة في هذا العالم؛ يحبها الناس في منظرها وفي رائحتها وتسرّ الناظرين.

ضرورة الوقوف الجاد عند قضية المحكم والمتشابه في القرآن الكريم

أيضًا من أجل أن يتحول القرآن في حياتنا إلى كتاب هداية، يجب علينا أن نقف وقفة جادة حول قضية المحكم والمتشابه.

فبعضهم يرى أن بعض الكتاب إنما هو محكم وبعض الكتاب متشابه، وهذا رأي كثير من الأولين. ولكن عند التأمل نرى أن الله سبحانه وتعالى نصّ بأنه:

﴿كِتَـٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـٰتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: 1]

هكذا بالمطلق، كل آيات القرآن الست آلاف ومائتين وستة وثلاثين آية محكمة بنص القرآن. وهناك في سورة فصلت يبيّن أنها قد فُصِّلت فعلًا.

قراءة جديدة لآية آل عمران في المحكم والمتشابه وأهمية القيد فيها

ولكن قضية المحكم والمتشابه يجب على الباحثين أن ينظروا إليها نظرة أخرى. كلامنا إنما هو في آية سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ ءَايَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُٓ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُولُوا ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ [آل عمران: 7]

هذه الآية هي التي دفعت كثيرًا من الناس إلى تقسيم القرآن إلى محكم ومتشابه.

القيد المهم في الآية الذي يغير فهم تقسيم المحكم والمتشابه

إلا أن هناك ما يُسمى بالقيد أو أن هناك ما يُسمى بالصفة، يبدو أنها قد لم يُلتفت إليها بهذا المعنى، إلا أن كثيرًا من العلماء التفتوا إليه.

﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ ءَايَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ﴾ [آل عمران: 7]

لا يجوز أن نقف عند هذا: "مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ"؛ لو كان قال ربنا "وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ" [مباشرة بعدها] لكان يأتي هذا [التقسيم الثنائي]، لكنه لم يقل هذا. قال:

﴿مِنْهُ ءَايَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [آل عمران: 7]

﴿وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ﴾ [آل عمران: 7]

ومِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ ولكنها متشابهات.

القرآن كله محكم لكنه ينقسم إلى أم الكتاب وآيات متشابهة مع الكتب السابقة

كأن النص هكذا: منه آيات محكمات، هو [القرآن] محكم كله. منه آيات محكمات سنسميها بأم الكتاب؛ القسم الأول من القرآن هو أم الكتاب.

وهناك قسم آخر محكم لكنه متشابه بينه وبين الكتب السابقة. أرسل الله سبحانه وتعالى الرسل وأنزل الكتب؛ فأنزل التوراة وأنزل الإنجيل وأنزل الزبور وأنزل صحف إبراهيم وأنزل كتبًا شتى كثيرة.

لكن هناك جزء من القرآن مشابه لهذه الكتب. في هذه الكتب هناك قصة خلق آدم، هناك في هذه الكتب قصة كيف عاش آدم بعض وقته هو وزوجته حواء في الجنة وكيف خرج، هناك في هذه الكتب قصة الأنبياء كنوح والطوفان وكموسى وما حدث مع بني إسرائيل في مصر وهكذا.

الآيات المشتركة بين القرآن والكتب السابقة والعهد القديم والجديد

هذه الآيات أيضًا موجودة في القرآن بطريقة أخرى. قد يكون هناك في هذه الكتب الأولى، في العهد القديم وفي العهد الجديد - ونحن معنا العهد الأخير الذي هو القرآن الكريم - في العهد القديم والعهد الجديد هناك معلومات حول هذه القضايا، وهناك رؤية لهذه القضايا لنفس الموضوعات.

قصة يوسف موجودة في القرآن وموجودة [في التوراة]. في القرآن آيات محكمات تفرّد بها القرآن أول مرة تنزل بهذا الشكل، وهناك آيات أخرى:

﴿إِنَّ هَـٰذَا لَفِى ٱلصُّحُفِ ٱلْأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ﴾ [الأعلى: 18-19]

هناك آيات عندي [في القرآن] وليست عند أحد [من الكتب السابقة].

معنى أم الكتاب والآيات التي تفرد بها القرآن دون الكتب السابقة

وهذا ما أسماه الله بأم الكتاب؛ يعني هذا هو القرآن الذي لم يرد على لسان أحد من الأنبياء من قبل.

وهناك آيات محكمات أيضًا لكنها متشابهة مع ما ورد في التوراة وفي الإنجيل، مصدّقًا ومصدّقًا لما بين يديه [من الكتب السابقة].

﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة: 97]

فهو مصدّق لما بين يديه، وهو أيضًا مهيمن على هذه الكتب.

قصة آدم في القرآن وتصحيح صورة المرأة في المعصية والخروج من الجنة

فما الذي نراه؟ نرى في قصة آدم أن القرآن ذكر أن الله خلق آدم، الملائكة اعترضت، الله علّم آدم الأسماء كلها، ردّ آدم هذا العلم إلى الملائكة فعرف الملائكة أن هناك غاية أخرى أسمى:

﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]

أسجد الله الملائكة لآدم، أمر الله ونهى آدم وهو في الجنة، وهي ليست دار تكليف بل هي دار تشريف. عصى آدم فسوّى الله في المعصية بينه وبين زوجه:

﴿فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة: 36]

إذن لم يُحمِّل القرآن المرأة إثم الخروج من الجنة أو إثم المعصية، وأن إبليس قد ضحك على المرأة وحدها، وأن هذه المرأة هي التي أغوت زوجها؛ لم يحدث هذا.

تسوية القرآن بين آدم وزوجه في المعصية ونسبة العصيان لآدم وحده

بل إن الشيطان تسلّط عليهما باعتبار ما فيهما من الإنسانية، وكلاهما أطاع هذه المعصية فوقع فيها، وكلاهما تاب إلى الله سبحانه وتعالى ورجع.

بل إن الله سبحانه وتعالى لما نسب المعصية نسبها لآدم وحده ولم ينسبها لزوجته، وكأن الزوجة هنا تابعة؛ فتنعكس الصورة السيئة التي قد أُقرّت على المرأة [في الكتب السابقة].

والقرآن يصحح هذه الصورة ويجعل أن المرأة نعم عصت:

﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ فَأَخْرَجَهُمَا

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 36]

ولم يُخرِج واحدًا منهما فقط مما كانا فيه، ولكن بالرغم من ذلك إلا أنه:

﴿فَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [طه: 121]

﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَـٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 37]

آدم هو كأنه هو الذي بيده المبادرة في هذه القصة، في حين أننا نرى عكس ذلك في كتب أخرى [كالتوراة].

القرآن كله محكم والتشابه هو تصديق وهيمنة على الكتب السابقة

فعندما يقول ربنا سبحانه وتعالى إنها أُحكِمت آياته، فآياته كلها محكمة، لكن بعضها هو أمّ الكتاب وبعضها هو متشابه [مع الكتب السابقة].

فلو ذهبنا نجد القرآن ساوى بين الرجل والمرأة في المعصية، والقرآن لم يتكلم عن طول آدم [كما ورد في بعض الروايات] أنه ستون ذراعًا، ولم يتكلم عن الشجرة التي أكل منها آدم وأكلت منها حواء؛ أي شجرة هذه؟ هل هي الحنظل أو التفاح أو ما تكون؟ لم يقل هذا؛ لأننا نريد العبرة من القصص؛ لأن هذا القرآن مهيمن على ما سواه.

المقارنة بين قصة يوسف في القرآن والتوراة والكتب الأبوكريفية

كثيرًا ما تتم المقارنة خاصة في سورة يوسف بين ما ورد عن سورة يوسف في القرآن وعن سورة يوسف في التوراة. هناك أشياء مشتركة وهناك أشياء تفرّد بها القرآن، وهناك أشياء تفرّدت بها التوراة.

وهناك أشياء في الكتب الأبوكريفية التي هي غير معتمدة عند اليهود ولا عند المسيحيين؛ هناك بعض هذه الأبوكريفية موجود في قصة يوسف، وبعض هذا الموجود في قصة يوسف لا وجود له إطلاقًا عند الآخرين.

خلاصة أن القرآن كله محكم وكل حرف فيه يُستفاد منه في الهداية

كل هذا يجعلنا نقول إن القرآن كله محكم، وأن التشابه إنما هو تشابه التصديق والهيمنة لما كان قبله، وأنه ليس هناك كلام غير مفهوم في القرآن، ولا كلام يمكن أن نستغني عنه أو أن نتجاوزه، بل كل حرف في القرآن يُستفاد منه.

هذه هي الفكرة التي تجعل القرآن كتاب هداية، وتجعل تعاملنا مع القرآن كتعامل الصحابة الكرام.

إلى لقاء آخر، استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.