هذا ديننا | 16 | الناسخ والمنسوخ | أ.د. علي جمعة
- •القرآن كتاب هداية وتجديد الدين يكون بإحياء علومه، كما فعل الإمام الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" الذي كتبه في المسجد الأقصى تحت الاحتلال الصليبي.
- •قضية الناسخ والمنسوخ تستدعي وقفة جادة، فليس هناك نسخ تلاوة في القرآن كما ذكر الشيخ عبد الله القماري في كتابه "ذوق الحلاوة بامتناع نسخ تلاوة".
- •الروايات المتعلقة بنسخ التلاوة هي أخبار آحاد غير معتمدة، وما نُسب أنه منسوخ إما ركيك أو هو حديث نبوي وليس قرآناً.
- •المقصود بالنسخ في قوله تعالى "ما ننسخ من آية" هو نسخ الشرائع السابقة، فشريعة محمد نسخت شريعة عيسى التي نسخت شريعة موسى التي نسخت شريعة إبراهيم.
- •تتبع العلماء كالدكتور مصطفى زيد والأستاذ عبد المتعالي الجبري الآيات المدعى نسخها فأثبتوا أنه لا نسخ في القرآن.
- •علماء كثيرون كالشيخ أبو زهرة والشيخ عبد الله الغماري والأستاذ عبد الكريم الخطيب يذهبون إلى عدم وجود نسخ في القرآن.
- •النسخ موجود في السنة وليس في القرآن.
افتتاح الحلقة والتعريف بموضوع تجديد الدين وإحياء علوم القرآن
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أولادنا في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات ديننا.
تكلمنا [في الحلقات السابقة] كيف نجعل القرآن كتاب هداية، وأن هذا هو المقصود الأهم في حقيقة الأمر في تجديد ديننا. ويبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لأمته أمر دينها، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الإمام الغزالي وكتابه إحياء علوم الدين ودوره في تجديد الدين
عُدَّ منهم [من المجددين] الإمام الغزالي رحمه الله، وعندما ألَّف الغزالي كتابه الماتع الذي يتكلم عن العبادات والمعاملات من ناحية، ويتكلم عن التخلية والتحلية من ناحية أخرى؛ تخلية القلب من القبيح وتحلية القلب بكل صحيح، جعل له عنوانًا يشير إلى هذا: إحياء علوم الدين.
وكأن علوم الدين قد أصابها الفتور حينئذ في القرن الخامس الهجري، وهو [الغزالي] توفي في أوائل القرن السادس الهجري سنة خمسمائة وخمسة هجرية، وأنه ينبغي علينا أن نحيي هذه العلوم مرة أخرى وأن نبني حضارة. ألَّف هذا الكتاب وهو يبني الإنسان في الهجمة الصليبية الشرسة، وكانوا قد احتلوا القدس.
زيارة القدس وتأسيس كرسي لدراسة تراث الغزالي في المسجد الأقصى
وعندما منَّ الله عليَّ بزيارة القدس الشريف، افتتحت هناك كرسيًا لدراسة تراث الغزالي الذي كتب إحياءه في المسجد الأقصى تحت الاحتلال الصليبي. لم يترك المسلمون القدس كما أراد هؤلاء [المحتلون] أن نتركها، ذهبوا وكان هناك من العلماء في الشام من يذهب إليها دوريًا من أجل إحياء هذا المعنى فيها.
ولكن من أجل أن نحول القرآن إلى كتاب هداية وأن نحيي هذه العلوم، ينبغي علينا أن نقف وقفة جادة، رأينا مشايخنا قد وقفوها وأوصونا بها.
قضية الناسخ والمنسوخ وأصنافه الأربعة في كتب الأولين
هذه الوقفة الجادة هي قضية الناسخ والمنسوخ الذي هو مكتوب في كتب الأولين، وأن [هناك] نسخ تلاوة وهناك نسخ حكم، وأن هذا يُحدث عندنا أربعة أصناف:
- فهناك منسوخ التلاوة والحكم.
- وهناك منسوخ التلاوة وليس الحكم.
- وهناك منسوخ الحكم وليس التلاوة.
- وهناك ما هو لا منسوخ التلاوة ولا منسوخ الحكم، وهو المحكم.
كما ذكرنا قبل ذلك أن كل القرآن محكم.
رأي الشيخ الغماري في امتناع نسخ التلاوة وردّ أخبار الآحاد
ونقول الآن أنه ليس هناك نسخ تلاوة على الإطلاق. ذهب إلى ذلك الشيخ عبد الله الغماري شيخنا رحمه الله تعالى، فألَّف كتابًا ماتعًا صغيرًا اسمه «ذوق الحلاوة بامتناع نسخ التلاوة»، وأن الأخبار الواردة [في نسخ التلاوة] إنما هي أخبار آحاد لا يُلتفت إليها في هذا الأمر الخطير.
وأنه أين هذا المنسوخ؟ وأن المنسوخ المنسوب [إلى القرآن] إنما هو في غاية الركاكة والسماجة والسخافة، ولا يمكن أن يكون هذا قرآننا؛ لأنه ليس على نمط القرآن. وبعضه إنما هو في الحقيقة حديث نبوي؛ هناك ما هو سمج، وهناك ما هو حديث نبوي وليس قرآنًا إطلاقًا.
الفرق بين كلام النبي ﷺ والقرآن الكريم كدليل على الإعجاز
نعم، هو [كلام النبي ﷺ] غاية في البلاغة، إلا أن هناك فارقًا كبيرًا بين كلام سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن. وهذا من معجزات القرآن أن كلام النبي مختلف، وليس هناك على وجه الأرض من يستطيع أن يكون له مستويان من الكلام:
مستوى:
قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»
ومستوى:
﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ [الفاتحة: 2-4]
ما هذا؟ هذا شيء وهذا شيء آخر. وهذا الكلام يفيض فيه مصطفى الرافعي [في كتابه] تحت راية القرآن وفي وحي القلم وفي كتبه كلها.
تتبع روايات نسخ التلاوة وردّها وتفسير آية النسخ في سورة البقرة
وأثبت [الشيخ الغماري] من الناحية الحديثية أنه تتبع كل رواية حتى لو كانت في مظان الصحيح، تتبعها وردّها. فيبقى لنا أن نفسر قوله تعالى:
﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 106]
ويقول الرازي في تفسيره أنه قد ذهب أبو مسلم الأصبهاني مع جماعة - إذن فهناك جماعة من العلماء يقولون ما كنا نقوله في السابق - إلى أن هذه الآية خاصة بنسخ الشرائع [السابقة بعضها ببعض].
نسخ الشرائع السماوية بعضها ببعض من إبراهيم إلى محمد ﷺ
فلما أرسل الله إبراهيم، أرسل بعده من ينسخ هذا [أي شريعته] وهي شريعة موسى. وعندما أرسل الله موسى، أرسل من ينسخ شريعة موسى بشريعة عيسى. وعندما أرسل الله عيسى، أرسل الله من ينسخ شريعة عيسى بشريعة محمد الذي جعله خاتمًا للأنبياء والمرسلين، فقال:
﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]
فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«لا نبي بعدي»
ختم الرسالة.
معنى النسخ بين الشرائع وتحليل ما حُرِّم في الشرائع السابقة
وَ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ [البقرة: 106]، ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ﴾ [البقرة: 106]، فالله سبحانه وتعالى [قال على لسان عيسى عليه السلام]:
﴿وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: 50]
هذا هو النسخ الذي كان بين الشرائع. هذا كلام سيدنا عيسى لبني إسرائيل. في شريعة إبراهيم كان الإنسان يجوز له أن يتزوج عمته، فكانت أم موسى هي عمة أبيه عمران، وكان اسمها كما ورد في آثارهم يوخاندا أو يوكاندا، تزوجت ابن أخيها وهو أكبر منها. فالرجل تزوج عمته؛ لأن هذا كان مباحًا في تلك الشريعة.
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]
تحريم زواج العمة والخالة في شريعة النبي ﷺ كمثال على نسخ الشرائع
بعد ذلك أصبح هذا [زواج الرجل من عمته] حرامًا، وأصبح لا يجوز للرجل أن يتزوج عمته ولا خالته. وكذلك في شريعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل إنه نهى عن أن يجمع الرجل بين المرأة وعمتها، أو بين المرأة وخالتها، كما أنه منع الجمع بين المرأة وأختها.
شرائع مختلفة يأتي بعضها فينسخ بعضها بعضًا.
تتبع دعوى نسخ الآيات القرآنية وإثبات ضعفها عند الدكتور مصطفى زيد
أما حكاية أن هناك آية نُسخت أبدًا [فهذا غير صحيح]. الآيات التي قيل إنها نُسخت حوالي مائة واثنتين وثلاثين آية من الستة آلاف وثلاثمائة وستة وثلاثين، أو ستة آلاف ومئتين وستة وثلاثين آية التي هي عدد آيات القرآن.
مائة واثنتان وثلاثون آية قيل إنها نُسخت، فتتبعنا هذا الذي كان يتتبعه أول ما يتتبعه الدكتور مصطفى زيد في رسالة «النسخ في القرآن الكريم»، وقال: الحقيقة أن دعوى النسخ ضعيفة جدًا ولا يقوم لها دليل، وآيات كثيرة جدًا بُنيت عليها أحكام، ثم يأتي هنا ويقول هذه منسوخة، ولكن الجماهير يقولون ليست منسوخة.
نتائج تتبع الآيات المدّعى نسخها وموقف العلماء من نفي النسخ في القرآن
تتبع هذه المائة والثلاثين آية - اثنتين وثلاثين [آية] - فوجد أن كلها إلا تسع آيات قال: أنا هذه التسع آيات أظن أنهم منسوخين؛ لأنني أرى أن أحكامها لم تعد موجودة أو أحكامها [غير واضحة]، لم أفهم ما هذا.
في الحقيقة جاء الأستاذ عبد المتعالي الجبري وأمسك المائة والثلاثين آية كلها وتتبعها، وأثبت أنه لا نسخ في القرآن حتى في التسعة آيات.
وكان الشيخ أبو زهرة رحمه الله تعالى يقول للدكتور مصطفى زيد: هوّنت علينا. كان الشيخ أبو زهرة يذهب إلى أنه لا نسخ في القرآن، والشيخ عبد الله بن الغماري يذهب إلى أنه لا نسخ في القرآن، والأستاذ عبد الكريم الخطيب صاحب التفسير يذهب إلى أنه لا نسخ في القرآن.
مثال آية القتال والتخفيف ليست نسخاً بل بيان للحد الأعلى والأدنى
والحقيقة أن كثيرًا من العلماء كانوا يذهبون إلى أن القرآن كتاب هداية وأنه لا نسخ فيه، وأن كل آية معتبرة ومهمة. فعلى سبيل المثال، نضرب مثالًا لبعض الآيات التي يُقال إنها نُسخت وهي ليست منسوخة:
﴿ٱلْـَٔـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ﴾ [الأنفال: 66]، هذا ليس نسخًا، هذا يعني أن الله سبحانه وتعالى جعل أنه لا بد أن يقاتل عشرون صابرون فيغلبوا مائتين، أي أن الواحد يقابل عشرة.
حسنًا، إن كون الواحد يقابل عشرة أمر يشق، فما معنى ذلك؟ هذا هو الحد الأعلى. وبعد ذلك ﴿إِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الأنفال: 66]، يعني أن الواحد يغلب اثنين، فيكون الحد الأعلى واحد لعشرة، والحد الأدنى واحد لاثنين.
تطبيق الحد الأعلى والأدنى في القتال وأن القرآن كله كتاب هداية محكم
إذا كان الذي أمامي اثنين وأنا واحد، لا يجوز أن أفر. وإذا كان الذي أمامي أحد عشر، أفر على الفور. حسنًا، لو كان عشرة وثبت فلا بأس، فلا يكون حرامًا عليّ، ولكن لو كان أحد عشر وأيضًا دخلت، فأكون منتحرًا.
ولذلك هذا هو الحد الأدنى والحد الأقصى، ليس هناك منسوخ في القرآن. فالقرآن كله كتاب هداية.
أما أين المنسوخ؟ فهو موجود في السنة، وهذا نتحدث عنه عندما نتكلم عن السنة المشرفة: كتاب الهداية محكم جملة واحدة، لا نسخ فيها.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
