هذا ديننا | 20 | مقدمة حول السنة النبوية المشرفة | أ.د. علي جمعة
- •القرآن الكريم والسنة النبوية مصدر الشريعة والعقيدة والدين الإسلامي، والقرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
- •ينبغي قراءة القرآن للوصول إلى السنن الإلهية والمبادئ العامة والأحكام الشرعية والحقائق المرعية ومنظومة القيم.
- •يجب التعامل مع القرآن ككتاب هداية ونبي مقيم ومعجزة رسالة متجاوزة للزمان والمكان، والقول بتاريخانيته ضلال.
- •ألهم الله المسلمين المحافظة على القرآن والسنة وتراث علمائهم واللغة العربية، وألهمهم منهجية التوثيق بنقد النقلة والتسجيل والكتابة والمشافهة.
- •انتقل القرآن بالمشافهة والكتابة، وله أسانيد أوردها ابن الجزري.
- •من بين 114 ألف صحابي، نعرف أسماء 9500، منهم 1700 رووا الأحاديث، وخمسة عشر منهم أكثروا من الرواية.
- •جمعت كتب الحديث البالغة 250 كتاباً نحو 60 ألف حديث رواها نحو 20 ألف راوٍ.
- •صنفت الأحاديث إلى صحيح وحسن وضعيف ومرفوض، منها 15 ألف حديث صحيح و20 ألف حديث حسن.
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج ديننا
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات ديننا.
ملخص ما سبق من الحديث عن الكتاب والسنة كمصدرين للشريعة
تحدثنا قبل ذلك عن الكتاب والسنة وأنهما مصدر الشريعة والعقيدة والدين الإسلامي. رحلنا رحلة نرجو أن نكون قد ألقينا شيئًا من أضوائها على القرآن الكريم، والقرآن الكريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
تكلمنا عن كيفية قراءة القرآن الكريم فنصل منه إلى البحث عن السنن الإلهية، وعن المبادئ العامة، وعن الأحكام الشرعية، وعن الحقائق المرعية، وعن منظومة القيم ونحو هذا.
التعامل مع القرآن ككتاب هداية ونبي مقيم ومعجزة متجاوزة للزمان والمكان
ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا نتعامل مع القرآن وكأنه جملة واحدة، لا نكفر ببعضه ونؤمن ببعضه، وأن نتعامل مع القرآن على أساس أنه كتاب هداية، وأن نتعامل مع القرآن على أساس أنه نبيٌّ مقيم، وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه معجزة رسالة، وأنه تجاوز الزمان والمكان.
فالقول بتأريخانية القرآن ضلال، أو أنه خاص بزمن النبي ولا يصلح لسواه؛ وهذه أمور كلها إنما هي خرافة وأسطورة يحاول بعض الناس ترويجها عندما عجزوا عن إدراك السنن الإلهية وعجزوا عن فهم المبادئ العامة، فوقفوا من القرآن هذا الموقف الذي يريد أن ينحّيه عن الحياة.
فشل محاولات تنحية القرآن وأثرها السلبي في إبعاد الناس عنه
فشلت كلّ تلك المحاولات [محاولات تنحية القرآن عن الحياة]، ولكن هذه المحاولات أصبح لها أثرٌ في الحياة، أثرٌ سيئٌ وسلبيٌّ، وأبعدت الناس بدلًا من أن تدفعهم إلى حضن القرآن الكريم وإلى ظلّ القرآن الكريم، نهاهم ودفعهم خارج هذه الدائرة وأبعدتهم عن القرآن الكريم بدعوى أنه كتابٌ تاريخيٌّ نزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم ثم تغيرت الأحوال، والأمر ليس كذلك كما شرحنا بالتفصيل.
تدبر كتاب الله في السنن الإلهية والمبادئ العامة وإحكام القرآن
في محاولة المسلم لتدبر كتاب الله سبحانه وتعالى في قضية السنن الإلهية والمبادئ العامة والأحكام الشرعية والحقائق المرعية والمقاصد الدينية، المصالح، المآلات، وكيف أننا نقرأ القرآن كجملة واحدة، وأنه محكمٌ كله لا نسخ فيه ولا تشابه.
وتشابهه الذي نص الله عليه إنما هو تشابه مع السابقين [من أهل الكتاب]؛ من أجل أنه مصدق لما بين يدينا من الكتاب، ولأنه مهيمن على ما سبق من الأديان.
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]
هذه الصورة التي رحلنا معها توصلنا إلى المصدر الثاني وهو السنة المشرفة.
تعريف السنة المشرفة وإلهام الله للمسلمين بالحفاظ على تراثهم
والسنة المشرفة هي تلك الأحاديث التي حفظ الله بها حال النبي صلى الله عليه وسلم ونقله إلينا. ألهم اللهُ المسلمين أن يحافظوا على القرآن الكريم، وأن يحافظوا على السنة النبوية المشرفة، وأن يحافظوا على تراث علمائهم، وأن يحافظوا على لغتهم العربية التي نزل بها القرآن والسنة.
ألهمهم شيئًا لم يُلهمه لأمةٍ من قبل في مشارق الأرض ومغاربها عبر الزمان، وهي قضية التوثيق.
تميز الحضارة الإسلامية في التوثيق بنقد النقلة والمشافهة والكتابة
كان التوثيق يتم في الحضارات السابقة بالتسجيل والكتابة، لكن في هذه الحضارة [الحضارة الإسلامية] جاء بنقد النقلة وبالتسجيل والكتابة والمشافهة، ثم وضع نظام ننتقد فيه الرواية والدراية.
ولذلك لم يكن هناك أحد من البشر، لا من الأباطرة ولا من العلماء ولا الأولياء ولا الشعراء ولا الأدباء ولا أيّ كان، قد حظي بشيءٍ من هذا التوثيق سوى النبي صلى الله عليه وسلم، فكان فريدًا وحيدًا في هذا المعنى.
مكانة النبي محمد ﷺ ليست بالعبقرية بل بالاصطفاء الإلهي
شخصٌ ألّف كتابًا أسماه العباقرة المائة أولهم محمد. محمدٌ ليس عبقريًا، محمدٌ موحى إليه صلى الله عليه وآله وسلم. محمدٌ هو سيد الكونين وهو النبي المرسل المصطفى المجتبى من قِبَل ربه سبحانه وتعالى.
هو من أذكياء الدنيا، لكنه ليس من أجل هذا أصبح الأول، هو من أجل أنه كان مصطفى مختارًا من ربه أصبح الأول في كل شيء.
نعمة الله على النبي بإلهام الأمة نقل السنة النبوية ومنهج الأسانيد
سيدنا النبي حظي بنعمة من الله لا حول له فيها ولا قوة، ولم يكن يملك أمته ولا ما حدث من بعده، ولكن الله ألهم تلك الأمة أن تنقل سنة النبي إلينا.
كيف كان ذلك؟ هناك ما يسمى بالأسانيد، وهذه الأسانيد للقرآن وهي أيضًا للسنة. لم يتلقوا القرآن من صحف يقرؤونها فقط، ولكنهم تلقوا القرآن من صحف يقرؤونها ومن علماء ومشايخ يحفظونه عن ظهر قلب، يُعلِّمون تلامذتهم.
قراء القرآن من الصحابة وشهادة النبي لعبد الله بن مسعود
وكان هناك قُرّاء في عصر الصحابة الكرام، كان منهم أُبَيّ بن كعب، وكان منهم الأئمة الأربعة الحنفاء: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وكان منهم عقبة بن عامر، وكان منهم عبد الله بن مسعود الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «إذا أراد أحدكم أن يسمع القرآن كما أُنزل فليسمعه بقراءة ابن أم عبد»
وهو عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه.
كيفية نقل الصحابة للقرآن نقلاً صوتياً حرفياً مكتوباً بالمشافهة
علّم النبي الصحابة وحفظوا القرآن الكثير ونقلوه لمن بعدهم نقلًا صوتيًا حرفيًا ملفوظًا مكتوبًا مقروءًا متلوًا بأحكامه، بطريقة تلاوته، بطريقة سكوته وكلامه، بطريقة فصله ووصله، عن طريق المشافهة.
وهذه هي صفة أتباع النبي محمد في الكتب السابقة، أن أناجيلهم [أي كتبهم] لا يبلها الماء. نعم؛ لأن كتابي في صدري، فإذا نزلت حمام السباحة أو نزلت النيل فإنه لا يبتل لأنه داخل صدري.
في حين أنه إذا كان في كتاب مكتوب ابتل ومُحي الكلام وذهب الحبر الذي على الورق. فهو في كتاب مسطور وهو في الصدور، والأساس له أنه في الصدور.
أسانيد القرآن الكريم عند ابن الجزري وأسانيد السنة المشرفة
القرآن أين أسانيده؟ أورد ابن الجزري ألف سند في [كتابه] النشر في القراءات العشر، أسانيد القرآن الكريم.
فإذا التفتنا إلى السنة المشرفة وجدنا أن هناك أسانيد. كم الرواة من الصحابة؟ كان عددهم كلهم مائة وأربعة عشر ألف صحابي. المائة وأربعة عشر ألف صحابي نعرف نحن منهم أسماءهم تسعة آلاف وخمسمائة صحابي.
عدد الرواة من الصحابة وتصنيفهم بين مقلين ومكثرين في الرواية
التسعة آلاف وخمسمائة صحابي وليس كلهم رووا، بل من روى فقط ألف وسبعمائة. الألف وسبعمائة ليسوا كلهم لديهم أحاديث كثيرة؛ الألف وسبعمائة فيهم ألف وخمسمائة أحاديثهم قليلة جدًا، يكاد الواحد منهم يكون له حديث أو حديثان أو ثلاثة أحاديث على الأكثر.
ومائتان لديهم أحاديث كثيرة: عشرون حديثًا، عشرة أحاديث، خمسة عشر حديثًا، إلى أن نصل إلى خمسة عشر شخصًا لهم أحاديث كثيرة جدًا: خمسة آلاف حديث، ثلاثة آلاف حديث، ألف وثمانمائة حديث إلى آخره، وهؤلاء يُسمون المُكثرون من الرواية وهم خمسة عشر شخصًا.
خريطة الرواة من الصحابة ومصداقية نقل الحديث النبوي
فيكون إذن الخريطة أمامي أن مائة وأربعة عشر ألف شخص لم يرووا عن النبي، تسعة ونصف [ألف] ممن نعرف أسماؤهم لم يقوموا بالرواية عن النبي، ألف وسبعمائة واحد فقط [هم الذين رووا].
فتخيل شخصًا يعيش حياته كلها لأجل أن يحفظ حديثًا واحدًا، والحديث أيضًا الذي رواه لم يتفرد به، بل ربما شاركه فيه زميله من الصحابة وزميل آخر والثالث والعاشر والعشرون رووه.
فكيف سيكذب على رسول الله؟ وسيكذب على رسول الله لماذا؟
أغلب الأحاديث النبوية تدعو إلى الأخلاق وعدد كتب الحديث المؤلفة
ثم إذا تأملنا هذه الأحاديث، لوجدناها أحاديث تدعو إلى الأخلاق، وإن خمسة وتسعين في المائة من الأحاديث التي وردت إلينا في الأخلاق.
ألف وسبعمائة صحابي ويزيد قليلًا الذين رووا، كم حديثًا رووا؟ جمعنا كل كتب الحديث التي أُلفت عبر القرون فبلغت حوالي مائتين وخمسين عنوانًا، مائتين وخمسين كتابًا، جمعهم الشيخ جعفر الكتاني في [كتابه] الرسالة المستطرفة في بيان مشهور كتب السنة المشرفة.
المائتين وخمسين كتابًا قمنا بعدّ الأحاديث التي فيها فوجدناها ستين ألف حديث.
سلسلة الرواة من الصحابة إلى تابعي التابعين وعددهم الإجمالي
حسنًا، هؤلاء الستين ألف حديث كم شخصًا رواهم؟ لقد قلنا إن الرواة كانوا من الصحابة ألفًا وسبعمائة ومائة وواحد [تقريبًا]، من التابعين الذين أخذوا عن الصحابة حوالي ثلاثة آلاف واحد، وتابع التابعين حوالي ستة آلاف شخص.
حسنًا، الستة آلاف شخص هؤلاء الذين أخذ منهم تلاميذهم كم عددهم؟ حوالي سبعة آلاف. عندما نحسبهم يكونون في حدود عشرين ألف راوٍ. العشرون ألف راوٍ رووا لنا ستين ألفًا [من الأحاديث].
تصنيف الأحاديث إلى صحيح وحسن وضعيف ومرفوض ومنهج نقد الدراية
لم نكتف بذلك بل قلنا: حسنًا، أين السند القوي وأين الضعيف وأين الحسن منها؟ وأصبح لدينا ثلاث درجات: إما صحيح أو حسن أو ضعيف، وأصبح لدينا نوع رابع خارج عن ذلك وهو الحديث المرفوض.
وقسمنا هذه الستين ألفًا فوجدنا منها نحو خمسة عشر ألف حديث صحيح، ووجدنا منها حوالي ربما عشرين ألف حديث حسن، ووجدنا الباقي ضعيفًا.
ماذا نفعل الآن في هذه القضية؟ لننظر إلى الدراية: ما الذي يقوله هذا الحديث؟ ما فهمه؟ ما نصه؟ ما معناه؟ هل يصلح أم لا يصلح؟ هذا الموضوع يحتاج إلى حلقة منفصلة إلى لقاء آخر.
ختام الحلقة والتمهيد للحديث عن القسم الثاني من السنة النبوية
نستودعكم الله، وفي المرة القادمة نتحدث عن القسم الثاني من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإلى اللقاء.
