هذا ديننا | 21 | حفظ وتوثيق السنة النبوية المشرفة | أ.د. علي جمعة
- •القرآن الكريم معجز في نظمه ورسمه ونقله، نُقل باللغة العربية التي نزل بها، واشتمل على السنن الإلهية والمبادئ والأحكام الربانية والحقائق الكونية.
- •ألهم الله المسلمين قضية النقل والتوثيق للقرآن والسنة النبوية، حيث نُقلت السنة بواسطة نحو عشرين ألف راوٍ.
- •صنف العلماء الرواة إلى سبع درجات للمقبولين، بدءاً من أمير المؤمنين في الحديث، ثم من لا يُسأل عنه بل يُسأل عن الناس، ثم الثقة، ثم الصدوق، ثم من لا بأس به، وهكذا.
- •كذلك صنفوا الضعفاء إلى سبع درجات، أشدها الكذاب الوضاع الأشر.
- •قام العلماء بتصنيف الأحاديث إلى متواترة وهي قليلة، ومتواترة معنوية تتناول موضوعاً واحداً مثل علامات آخر الزمان ونزول عيسى والدجال.
- •توثيق النقل كان أساساً من أسس العلم الإسلامي، حيث وصل المسلمون إلى مليون سند مصنفة بين الصحيح والحسن والضعيف والموضوع.
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج ديننا
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من برنامج ديننا.
ملخص ما سبق الحديث عنه من كيفية نزول القرآن ومحتوياته
تكلمنا عن كيفية نزول القرآن وما الذي اشتمل عليه هذا القرآن، واشتمل عليه من السنن الإلهية ومن المبادئ العامة ومن الأحكام الربانية ومن الحقائق الكونية ومن المبادئ العامة، إلى آخر ما هنالك من منظومة القيم التي بُنيت على أسماء الله الحسنى.
وقلنا إن الله سبحانه وتعالى قد ألهم المسلمين قضية النقل والتوثيق؛ عند المسلمين هناك ألف سند ذكرها محمد بن محمد الجزري في [طيبة النشر] وفي كتابه [النشر]، أورد هذه الأعداد المهولة الكثيرة المتكاثرة في نقل القرآن.
تميز نقل القرآن الكريم باللغة الأصلية دون ترجمة أو تحريف
الذي [القرآن الكريم] لم يُنقل إلينا عن طريق الصحف فقط، ولا بترجمة من لغة إلى لغة وفُقد الأصل، ولا بنحو هذا، وإنما نُقل باللغة التي نزل بها وهي لغة العرب.
إعجاز القرآن الكريم في نظمه ورسمه ونقله وحفظه
القرآن الكريم معجز في نظمه، معجز في رسمه، معجز في نقله، معجز في حاله؛ فإنه يحفظه الأعجمي والعربي حتى دون أن يعرف معناه، يحفظه الأمي ويحفظه المتعلم.
وهو وسيلة جيدة في هذا العصر الذي نعيش فيه لمحو الأمية؛ تجارب كثيرة في ليبيا وفي مصر لمحو الأمية عن طريق حفظ كتاب الله، حتى للعجائز الكبار الذين لم ينالوا حظًا من التعليم. إنه معجز لأنه معجزة الرسالة.
إلهام الله للمسلمين بحفظ السنة النبوية المشرفة والأمر باتباعها
لكن الله ألهم أيضًا المسلمين أن يحافظوا على السنة المشرفة التي أمرنا الله باتباعها:
﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
وغير ذلك من الآيات التي تأمرنا باتباع النبي وبطاعة النبي وبالتماس حال النبي صلى الله عليه وسلم.
﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]
نقل السنة النبوية بنحو عشرين ألف راوٍ وتصنيف مراتبهم
ألهم الله المسلمين بحفظ السنة المشرفة، وعرفنا أن هذه السنة المشرفة قد نُقِلَت إلينا بنحو عشرين ألف راوٍ، وتكلمنا عن ذلك بتفصيل في حلقة سابقة.
هؤلاء الرواة منهم مَن هو قوي، ومنهم مَن هو عالم، ومنهم مَن هو فقيه، ومنهم مَن هو لغوي، ومنهم مَن هو ضعيف، ومنهم مَن هو دون ذلك. ولذلك فإنهم رتبوا مراتب القبول على سبعة أقسام.
أمراء المؤمنين في الحديث وأئمة لا يُسأل عنهم بل يُسأل عن الناس
حتى هذا الذي نأخذ منه الحديث قد يكون أمير المؤمنين في الحديث، أو قد يكون إمامًا يُسأل عن الناس ولا يُسأل الناس عنه، مثل الإمام مالك والإمام الشافعي، ومثل الإمام أحمد ويحيى بن معين، مثل الإمام البخاري والإمام مسلم.
لا يقول أحد من الناس: ما حال البخاري؟ ما حال الشافعي؟ لأنهم قد بذلوا وأعطوا لهذه الأمة مجهودًا يبين أنهم على حق، وأنهم أتقياء، وأنهم أنقياء، وأنهم قد أدوا ما عليهم بإخلاص.
لم يطلبوا بها [بعلمهم] الدنيا، تصدروا للخلق فأفادوهم، كانت في قلوبهم رحمة وعندهم علم واسع وكبير.
مراتب الرواة بين الطبقة العليا ودرجة الثقة بالتتبع والاستقراء
ولذلك فإن هؤلاء الصفوة من الرواة هم في الطبقة العليا، حتى قيل فيهم: فلان لا يُسأل عنه، إنما يُسأل عن الناس.
وهناك من هو ثقة، ووردت هذه الكلمة ونجدها في مصطلح الحديث أنه ثقة. والثقة مُنحت له لا باعتبار الإعلان والدعاية أو المناصب، بل مُنحت له بالتتبع والاستقراء؛ بمعنى أنه صار هكذا [ثقةً] عندما روى روايات [وتُتُبِّعت وتحققت صحتها].
عدد الصحابة الرواة وتفاوتهم في كثرة الرواية وقلتها
وعرفنا في حلقة سابقة كيف أن الصحابة الرواة لا يزيدون عن ألف وسبعمائة وبعض الكسر، أي ألف وثمانمائة صحابي من مجموع مائة وأربعة عشر ألف صحابي.
وأن ألفًا منهم وأكثر لم يروِ إلا حديثًا واحدًا؛ عاش حياته كلها لينقل لنا سطرًا واحدًا من كلام سيد البشر صلى الله عليه وسلم. ولكن هناك نحو خمسة عشر واحدًا فيهم زادت أحاديثهم عن الآلاف.
قصة الإمام الشافعي مع محمد بن إبراهيم بن أبي يحيى وتوثيق البيهقي له
لم يُعطَ هؤلاء [الرواة] بهذا الشكل اعتباطًا مقاديرهم، بل تُتُبِّعت رواياتهم. الإمام الشافعي يأتي لرجل اسمه محمد بن إبراهيم بن أبي يحيى ويقول: حدثني الثقة، من ضمن أناس يقول فيهم نفس العبارة وليس محمد بن إبراهيم بن أبي يحيى فقط.
ولكن هذا الإنسان لماذا اخترناه؟ لأن الإمام مالك يقول عنه أنه ليس بجيد؛ قد يكون ليس بجيد في رأيه، قد يكون ليس بجيد في اعتقاده، قد يكون ليس بجيد في حياته. ولكن الإمام مالك كان لا يقبل هذا الإنسان محمد بن إبراهيم بن أبي يحيى.
فيأتي الإمام البيهقي في القرن الخامس ويجمع مرويات محمد بن إبراهيم بن أبي يحيى ويتتبعها، ويرى أن هذه المرويات كلها قد رُويت عن غير طريقه، وأنها وردت من غير طريقه تمامًا كما رواها. أكثر من مائة رواية يتتبعها البيهقي ويخرج بنتيجة أن محمد بن إبراهيم بن أبي يحيى ليس كذابًا وليس مختلطًا وليس ضعيفًا، بل هو ينقل نقل العلماء الأفذاذ وينقل إلينا السنة كما وردت إليه تمامًا.
الموضوعية في نقد الرواة بين العبادة والضبط في النقل
مسألة موضوعية لا علاقة لها بالأشخاص؛ هناك عبّاد وأتقياء وأنقياء كانوا ضعفاء في النقل، كانت تختلط عليهم الأسانيد وتختلط عليهم الروايات وتختلط عليهم الألفاظ وتختلط عليهم المعاني.
فرفضهم العلماء وضعّفوا حديثهم وقالوا: نحن نتكلم في رجال قد حطّوا رحالهم قبلنا في الجنة، الله سبحانه وتعالى يدخلهم الجنة بتقواهم، لكن من ناحية العلم لا يُقبلون.
تقسيم درجات الرواة السبع بين المقبولين من ثقة الثقة إلى الشيخ
ومن هنا كان تقسيم السنة وتفصيلها إلى سبع درجات للمقبولين:
- لا يُسأل عنه فهو أمير المؤمنين في الحديث.
- ثقة الثقة.
- ثقة.
- صدوق.
- لا بأس به يعني مقبول.
وتأخذ هذه الدرجات في الانخفاض، فيقول الشيخ؛ شيخ يعني له اشتغال بهذا العلم ولكن لم يصل إلى درجة الصدوق أو درجة الثقة أو درجة ثقة الثقة إلى آخره.
درجات الضعف السبع وآخرها الكذاب الوضّاع الأشر
وهناك أمثالها سبعة في الضعيف، وآخرها كذاب وضّاع أشر، يعني كذاب أشر، يعني هالك.
وهذه الدرجات إنما ألهمها الله سبحانه وتعالى للمسلمين حتى يفعلوا فعلًا فريدًا شريدًا وحيدًا لم يفعله أحد من قبلهم، ولم يُلهمه الله لأمة من قبل: أن يوثقوا النقل.
توثيق النقل أساس العلم الإسلامي ونسبة القول لأهله من بركة العلم
وتوثيق النقل كان أساسًا من أسس العلم الإسلامي، حتى أنهم بعد ذلك تعودوا عليه فأصبحوا يوثقون كل نقل، حتى الكتب التي أُلِّفت وثقوها إلى قائليها ومؤلفيها؛ لأن من بركة العلم أن يُنسب القول لأهله.
وهذا حتى لا يتكلم الإنسان بكلام غيره ويسطو عليه فيكون سارقًا بذلك. لكن عندما يقول: هذا كلام فلان وأنا ألخصه أو أنظمه أو أشرحه أو ما شابه، فقد نسب الأمر إلى أهله، والعلم رحم بين أهله.
تصنيف مليون سند إلى صحيح وحسن وضعيف وموضوع
ألهم الله المسلمين قضية الإسناد، وهذا الإسناد كان بحارًا من الأسانيد حتى وصلنا إلى مليون سند. وبدأنا في تصنيف هذه الأسانيد المليون:
- •فمنها ما هو صحيح.
- •ومنها ما هو حسن.
- •ومنها ما هو ضعيف.
- •ومنها ما هو شديد الضعف.
- •ومنها ما هو موضوع وكذب واختلاق وافتراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الذي [النبي ﷺ] حذر من هذا [الكذب عليه] فقال:
قال رسول الله ﷺ: «من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»
الإمام مسلم وحديث التحذير من التحديث بكل ما سُمع وتصنيف الأسانيد
نرى الإمام مسلم وهو يكتب صحيحه ويكتب حديثًا مهمًا في مقدمة الصحيح:
«كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع»
وعندما كتب العلماء هذا فإنهم صنفوا تلك الأسانيد أيضًا إلى أحاديث متواترة، وهي قليلة جدًا، قد لا تزيد عن مائة حديث أو تسعين حديثًا أو شيء من هذا.
التواتر المعنوي وأمثلته من أحاديث علامات آخر الزمان ونزول عيسى
ومتواتر معنوي [وهو] الموضوع [الذي] قد ورد وقد ذُكرت في أحاديث كثيرة، لكن كل حديث منها مختلف عن الحديث الثاني، مثل قضايا علامات آخر الزمان، وقضية المهدي، وقضية نزول عيسى من السماء إلى الأرض بجسده العنصري، وقضية ظهور الدجال في آخر الزمان ومكثه في الأرض أربعين يومًا.
نجد مثلًا في أحاديث عيسى نجد أربعين حديثًا، وهذه الأحاديث كلها مختلفة: ينزل عيسى بن مريم حَكَمًا عدلًا على المنارة الشرقية بالشام، أو ببيت لِدّ، أو كذا إلى آخره. أحاديث مختلفة، لكنها كلها تتحدث عن معنى واحد وهو نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان.
خاتمة الحلقة والتأكيد على إلهام الله للمسلمين بتوثيق مصادرهم
سنرى ما موقف أحاديث التواتر وما موقف أحاديث الآحاد، وما هو تقسيم هذه الأحاديث في حلقة قادمة إن شاء الله.
ولكن ما نريد أن نخرج به هو أن الله قد ألهم المسلمين بتوثيق مصدرهم وبتوثيق رواياتهم بما لم يُلهم به أمة قط.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
