هذا ديننا | 22 | مؤلفات السنة النبوية | أ.د. علي جمعة - هذا ديننا

هذا ديننا | 22 | مؤلفات السنة النبوية | أ.د. علي جمعة

14 دقيقة
  • نقلة الحديث عبر القرون بلغوا قرابة عشرين ألف راوٍ، ولكل منهم ملف يشمل معلوماته الشخصية وتقييم علمه.
  • تُقيم الجماعة العلمية الرواة وتمنحهم درجات في الضبط والثقة، وتعرض مروياتهم على أصول الشريعة والعقيدة.
  • يمتلك المحدثون قدرة على إدراك العلل الخفية في الأحاديث، وهي مهارة متخصصة شُبهت بقدرة الصيرفي على كشف زيف العملة.
  • تميز بعض العلماء كالذهبي والبخاري بحفظ استثنائي للرواة والأسانيد، مما مكنهم من اكتشاف الأخطاء والتلاعب.
  • أُلِّفت مائتان وخمسون كتاباً لحفظ التراث النبوي، أعلاها صحيح البخاري والكتب الستة.
  • اشتملت كتب السنة على نحو ستة وأربعين ألف حديث، منها الصحيح والحسن والضعيف.
  • هناك فرق بين النص وفهم النص، وعلم الحديث يراعي السياق والنسخ والتخصيص وغيرها من القواعد.
  • يأسف العلماء على الجهل المنتشر والهجوم على الأئمة الذين أسسوا حضارة وهوية للأمة الإسلامية.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

مقدمة الحلقة واستكمال الحديث عن بحار الأسانيد والرواية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من ديننا.

في هذه الحلقة نستكمل سويًا هذا الخضم الهائل من بحار الأسانيد وبحار الرواية التي منّ الله بها على المسلمين.

ملفات الرواة العشرين ألفاً ومعايير تقييم درجاتهم في العلم

عرفنا فيما سبق أن نقلة الحديث عبر القرون نحو عشرين ألف راوٍ، كل راوٍ له عندنا ملف يتضمن: اسمه، نسبه، قبيلته، بلده، رحلاته، مدى علمه، شيوخه، تلامذته، درجته في العلم.

وهذه الدرجة في العلم تتبين من إخوانه الذين حكموا عليه، وتتبين من بحث الباحثين في حاله، وهل الكلام الذي يقوله منضبط مع أصول الشريعة التي قد استُنبطت من الكتاب، مع أصول السنة التي قد استُنبطت من الأحاديث، مع أصول العقيدة التي استنبطها العلماء من مجمل مصادر الشريعة في الكتاب والسنة، مع إجماع الأمة على هوية الإسلام.

منهج التعامل مع الراوي الضعيف وعرض مروياته على الأصول الشرعية

نعم، إذن فهو [الراوي] عالم من الجماعة العلمية التي تُنشئ هذا الفهم الصحيح وتحافظ عليه. تنص [قواعد علم الحديث] على أنه إذا كان الراوي ضعيفًا فإنه يُعطى درجة الضعف، ونأخذ منه بحذر، ونعرض دائمًا مروياته على كل هذه الأصول.

بكيفية مركبة، لا أقول معقدة ولكنها متخصصة، لا يعرفها إلا الناقدون الذين اشتغلوا بهذا العلم حتى أصبح عندهم إدراك للعلل الخفية.

تشبيه المحدثين العلة الخفية في الحديث بأذن الصيرفي في كشف زيف العملة

شبه المحدثون العلة الخفية بأذن الصيرفي، أي الصراف؛ فإنه عندما يأتي بالعملة المعدنية وتكون مغشوشة — وكان قديمًا يغشون العملة لأن العملة كانت ذهبًا — فإذا أمسك بالدينار الذي كان وزنه أربعة جرام وربع، قال: هذا مزيف! أمسكه فقط لأن يده حساسة بالوزن.

هذا نراه الآن في المشتغلين بالصياغة؛ إذا أمسك أحدهم شيئًا فيقول لك: هذا مطلي بالذهب لكنه ليس ذهبًا، بمجرد أن يمسكه. لماذا؟ لأن للذهب وزنًا وكثافة، والنحاس له وزن وكثافة أخرى، فعندما يرى بعينه الخبيرة التي رأت الذهب كثيرًا، سيعلم أنه مطلي وأن ما في يده أثقل مما ينبغي لحجمه؛ لأن يده قد تعودت على كثافة الذهب.

إدراك المحدث للعلل الخفية كإدراك الصيرفي وصاحب الخزينة للتزوير

ولذلك يستشعر [الصيرفي] هذا الشعور المتولد من الخبرة، وهو ما يُسمى بالعلة الخفية. فيقولون إن المحدث يدرك علل الحديث الخفية كما يدرك الصيرفي زيف العملة.

فصاحب الخزينة بعد مدة من تمرسه في الخزانة، بمجرد أن يمسك هذه الورقة النقدية يعرف المزورة منها من غير المزورة. لماذا؟ لأن هناك شيئًا قد تربى في عقله، في وعيه، في عينيه أمام الصحيح من المزيف.

وهذا نراه، هكذا يكون حال المحدث؛ ولذلك المحدث ينظر إلى السند ويشعر أن شيئًا ما غير طبيعي فيه. لماذا؟ من كثرة سماعه للأسانيد، ومن كثرة دراسته للرجال، ومن كثرة عيشه مع هذا [العلم].

مقولة الإمام الذهبي في معرفته بالرواة العشرين ألفاً وتخصصه الفريد

كان الإمام الذهبي يقول: والله لو أنني وقفت على أكمة (تل) ووقف الرواة العشرون ألفًا على أكمة أخرى، لناديت كل واحد منهم باسمه واسم أبيه وقبيلته، ولعرفت درجته.

ما هذا؟ هذا تخصص! هل كان الإمام الذهبي لغويًا مثل المرتضى الزبيدي أو مثل الفيروزآبادي أو مثل ابن منظور في [كتاب] لسان العرب؟ لا، لم يكن هكذا، كان يعرف [اللغة] عالمًا ولكنه لم يكن متبحرًا هذا التبحر الذي تبحر فيه الأصمعي والذي تبحر فيه أهل اللغة.

هل كان فقيهًا مثل الشافعي مثلًا أو مثل مالك أو مثل أبي حنيفة أو أبي يوسف؟ أبدًا، لكنه كانت عنده هذه القدرة [في علم الرجال والأسانيد].

أئمة الحديث الذين امتلكوا قدرة نقد الأسانيد واختبار البخاري الشهير

وكان أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه كانت لديه هذه القدرة أيضًا، وكان العلاء الكيلاتي يملك أيضًا مثل هذه القدرة، وكان الإمام البخاري كذلك.

مرة بعد القرون الأولى قلبوا مائة حديث أسانيدها على البخاري، بمعنى أن مائة حديث لها مائة سند، فجعلوا الأسانيد العشرة الأولى للعشرة الثانية، والعشرة الثانية للعشر الأواخر. وعُرضوا على الإمام [البخاري] وهو يقول: لا أدري ما هذا الحديث، لا أدري ما هذا الحديث، لا أدري ما هذا الحديث.

عندما تمت المائة اكتشف [الحاضرون] هذه الخدعة أو هذا الاختبار أو الامتحان.

إعجاب العلماء بحفظ البخاري ورده كل حديث إلى سنده الصحيح

العلماء وهم يقولون: ليس في حديث مثل هذا بسند، هذا الحديث لا وجود له [بهذا السند]، كانوا يُعجبون به [بالإمام البخاري]. أما العامة، فقالوا: ما هذا الذي لا يعرف شيئًا؟ العلماء عرضوا عليه مائة حديث، ولكنه لم يُجب أنه يعرف شيئًا منها.

بعد أن انتهوا، ردّ كل حديث إلى سنده. قال: أما الحديث الأول الذي ذكرتموه فسنده هكذا، وأما الحديث الثاني فسنده [كذا]، فتعجبوا أولًا من حفظه للأحاديث التي سُئل فيها مباشرة.

مواهب الحفظ الربانية عند المحدثين وحفظهم للعلوم المتنوعة

مواهب ربانية ومنح صمدانية، بعض الناس الذي لا يتذكر اسمه أو لا يعرف رقم هاتفه ويحتاج إلى معين في ذاكرته يتعجب بل وينكر. وفقدان الوجدان [بهذه القدرة] لا يلزم منه فقد الوجود [لها]. نعم، أنت لست هكذا، لكن هذا الرجل [الإمام البخاري] كان حافظًا حفظًا شديدًا.

حفظوا أشعار العرب وحفظوا القرآن وحفظوا السنة وحفظوا اللغة وحفظوا أشياءً غريبةً عجيبةً من الخطب والنثر وما إلى ذلك. كان الزمن والبرنامج اليومي مختلفًا، ولذلك حفظوا كل هذا.

مائتان وخمسون كتاباً من كتب السنة وأبرز المصنفات الحديثية

مائتان وخمسون كتابًا من كتب السنة أُلِّفت لحفظ هذا التراث النبوي الشريف. وصُنِّف من هذه الكتب وأعلاها صحيح البخاري، ومن هذه الكتب صحيح مسلم وسنن الترمذي وأبي داود والنسائي وابن ماجه، وهذه تُسمى بالكتب الستة.

فإذا أُضيف إليها موطأ [الإمام مالك] — وبعضهم يجعله في مكان متقدم — تسمى بالكتب السبعة. فإذا أُضيف إليها مسند الإمام أحمد، وإذا أُضيف بعض الكتب الأخرى مثل المستدرك للحاكم، ومثل السنن للبيهقي، ومثل مسند عبد بن حميد، وأمثال هذه الكتب، ومثل سنن الدارمي، ومثل سنن الدارقطني، فتكون هذه الأصول.

الأصول الحديثية الإضافية ومجموع الأحاديث في كتب السنة والتواريخ والتفاسير

فالأصول هذه ويُضاف إليها بعد ذلك معجم الطبراني الكبير والأوسط والصغير، ويُضاف إليها بعد ذلك مُصنَّف ابن أبي شيبة ومُصنَّف عبد الرزاق الصنعاني، ويُضاف إليها بعد ذلك سائر كتب الحديث التي أُلِّفت خدمةً للسنة النبوية المشرفة.

مائتان وخمسون كتابًا أُلِّفت في السنة، اشتملت على نحو ستة وأربعين ألف حديث. وهناك أحاديث في غير هذه الكتب مثل الأمالي لابن الشجري ومثل تاريخ بغداد والتاريخ الكبير للإمام البخاري وأمثال هذه التواريخ، وتفسير الطبري وتفسير ابن مردويه وأمثال هذه التفاسير، فإننا لو جمعناها تصل إلى ستين ألف متن.

تفاوت درجات الأحاديث بين الصحيح والحسن والضعيف وأن صحيح البخاري كتاب أمة

ليست كل هذه السنة صحيحة، بل منها ما هو صحيح ومنها ما هو حسن ومنها ما هو ضعيف.

ولنا حلقة خاصة بصحيح البخاري حتى نرى ما الذي حدث فيه، وأنه ليس كتاب فرد بل أنه كتاب أمة. هناك أمة اشتركت في تأليفه وتحريره ومراجعته ونقله وشرحه، وهكذا أمة بحالها.

حزن العلماء من الاعتراض على صحيح البخاري والتلاعب بين النص وفهم النص

ولذلك نرى العلماء يحزنون جدًا من هؤلاء الصبيان الذين يأتون فيعترضون على كتاب أمة، ويضحكون على الناس أنه كتاب البخاري، والبخاري غير معصوم قطعًا، البخاري غير معصوم، ولكن ما علاقة العلم والخدمة العلمية والإجراءات العلمية الدقيقة بهذه القضية؟

ثم بعد ذلك يتلاعبون في أمر سنفرد له حلقة خاصة، وهو في غاية الأهمية: يتلاعبون بين النص وفهم النص. نعم، موجود في البخاري، ولكننا لا نأخذ به لأن له سياقًا لا يجعل معناه مقبولًا، لأن هذا الحديث قد نُسخ بحديث آخر، فقد كان هذا في أول الأمر ثم نُسخ.

ضرورة معرفة العام والخاص والناسخ والمنسوخ والفرق بين مذهب الراوي وروايته

لأن هذا الحديث معناه لا بد فيه من معرفة العام والخاص والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ، ولا بد أن يكون في الجملة الواحدة التي تكلمنا عنها في القرآن الكريم.

قد يروي الراوي حديثًا ونرى فقهه يخالف هذا الحديث. ما بين مذهب الراوي؟ هل عصى؟ أبدًا، أم أنه يفهم ما بين النص وفهم النص.

الدفاع عن أئمة العلم وأهمية تعظيم شأنهم في بناء الحضارة الإسلامية

في الحلقة التي سنخصصها حول هذا الفرق بين النص وفهم النص، سنضرب الأمثلة الكثيرة حتى نفهم هؤلاء الصبيان عندما يتكلمون عن الأئمة الأعلام الذين بنوا حضارة وأسسوا ما لم يُؤسَّس في أمة من قبل، وجعلوا لنا هُوِيَّةً نفخر بها بين العالمين.

فإن العلماء يتأسفون لشيوع هذا الجهل ولتكاثر الشتيمة والسب لأئمة العلم الذين كان ينبغي علينا أن نعظم شأنهم حتى نكون أمة طيبة، وحتى نكون أمة تشارك في بناء الحضارة الإنسانية بالحضارة الإسلامية كما كنا عبر التاريخ.

إلى لقاءٍ آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.