هذا ديننا | 34 |  نظرية التوثيق | أ.د علي جمعة - هذا ديننا

هذا ديننا | 34 | نظرية التوثيق | أ.د علي جمعة

14 دقيقة
  • يشرح النص رحلة المجتهد في فهم الدين من خلال خطوات سبع دوّنها الإمام الشافعي.
  • المرحلة الأولى هي "الحجية" وتحديد مصادر الأحكام، واتفق أهل السنة على أن الكتاب والسنة هما الحجة في دين الله.
  • اختلف المسلمون في مصدر التلقي، فجعل الشيعة الأئمة معصومين، بينما يرى أهل السنة أن العصمة انتهت بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.
  • المرحلة الثانية هي "التوثيق" للتأكد من صحة نسبة القرآن والسنة.
  • اهتمت الأمة بتوثيق القراءات القرآنية وميزت بين المتواتر والشاذ.
  • قسمت السنة إلى متواتر وآحاد، مع التفريق في حجيتها بين مسائل العقيدة والأحكام.
  • اتسع مفهوم التوثيق ليشمل أقوال الصحابة والمذاهب الفقهية.
  • أصبح التوثيق منهجاً راسخاً في الأمة للابتعاد عن الجهالة والهوى.
  • المرحلة الثالثة هي فهم النصوص الموثقة وتطبيقها.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج ديننا

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات برنامج ديننا.

رحلة في ذهن المجتهد والخطوات السبع التي دوّنها الإمام الشافعي

تكلمنا أن هناك رحلة لا بد أن نقوم بها في ذهن المجتهد العظيم، أيّ مجتهد، واخترنا الإمام الشافعي لأنه هو أول من دوّن هذه الخطوات. وهذه الخطوات سبع، أولها ما أسميناه بالحجية، أي ما الحجة في دين الله سبحانه وتعالى.

وبعد البحث وإقامة الأدلة من المعقول والمنقول وحال الأمة وما الذي وفقهم الله سبحانه وتعالى فيه، وصلوا إلى أن الحجية هي الكتاب والسنة، والكتاب والسنة نسميها بالمصادر.

موقف الشيعة من عصمة الأئمة مقابل موقف أهل السنة والجماعة

ورأينا أن طائفة قليلة من المسلمين رأوا أننا نرجع إلى الأئمة، واضطروا لهذا الرجوع أن يجعلوهم معصومين من الخطأ؛ لأن هؤلاء الأئمة إنما هم حجة في دين الله، وهم أبناء سيدنا الحسين أو نسل سيدنا الحسين رضي الله تعالى عنه.

ولكن أهل السنة والجماعة وهم العامة وجمهور الأمة رأوا أن الكتاب والسنة بأفهام المجتهدين هو الذي سيؤدي بنا إلى معرفة الأحكام الشرعية المرعية، حتى لو كان الأئمة الاثنا عشر من العلماء المجتهدين ومن الناس الطيبين، إلا أنهم ليسوا معصومين.

فالعصمة قد انتهت بانتقال سيدنا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى، فلم يكن أحد من الصحابة معصومًا ولا موحى إليه، وهذا أمر مهم للغاية.

المرحلة الثانية التوثيق وكيفية حفظ الكتاب والسنة

المرحلة الثانية بعد أن حددنا الحجية بوضوح وهي الكتاب والسنة، والكتاب محفوظ بطريقه والسنة محفوظة بطريقها، أن نسأل عن هذا الحفظ.

يعني كيف حُفِظ؟ من الذي قال لي أن ما بين دفتي المصحف هو القرآن؟ ومن الذي قال لي أن هذا الكتاب أو ذاك، هذا الحديث أو ذاك، إنما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

وهنا تأتي مرحلة أخرى وتُسمى هذه المرحلة بالتوثيق. ونحن أمة نهتم جدًا بالتوثيق، وتكلمنا عن جوانب من جوانب التوثيق في حلقات سابقة. مهمة جدًا قضية التوثيق.

توثيق القرآن الكريم والتمييز بين القراءات المتواترة والشاذة

ولذلك عندما دخلنا في مجال القرآن وجدنا أن هناك قراءات لها أسانيد صحيحة متواترة وأنها متفق عليها، وأن هناك أشياء أخرى نُسبت إلى القرآن إما عن طريق الخطأ في التلاوة، أو عن طريق الخطأ في السمع، أو عن طريق الخطأ في الكتابة.

وكل هذا جمعناه فأصبح لدينا نحو تسعين قراءة، أي تسعين قراءة شاذة لا تُعتمد ولا يُقرأ بها في الصلاة ولا يُلتفت إليها.

وبالرغم من ذلك إلا أننا وجدنا أن جزءًا من هذه التسعين إنما هو يفسر بعض القرآن المتواتر، النص الشرعي الشريف.

مثال القراءة الشاذة في آية الرضاعة وبيان أنها تفسير لا قرآن

مثل:

﴿وَأُمَّهَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النساء: 23]

فوجدنا مكتوبًا من المكاتيب «بخمس رضعات مشبعات» أو «بخمس رضعات»، أو «بعشر رضعات».

هل كان هذا خطأً أم هذا تفسير؟ يعني هل هو يريد أن يجعل «بخمس رضعات» أو «بعشر رضعات» جزءًا من الآية؟ إذن هذا خطأ؛ لأنه ليس منقولًا لا في المكتوب ولا في المتلو بطريقة التواتر.

أم أن هذا تفسيرًا؟ احتمال أن يكون صاحب هذا المصحف أضاف هذه الكلمة حتى يذكّر نفسه أن أقل ما يُحرِّم هو خمس رضعات.

وبالمناسبة هي خمس رضعات فقط حتى لو لم تكن مشبعة، لكن شاع بين الناس «خمس رضعات مشبعات»، كلمة «مشبعات» هذه لا وجود لها حتى في هذا. خمس رضعات هي الأساس، فأعلم بذلك أو أتذكر، فهذا نوع من أنواع التفسير.

أمثلة على الخطأ في الكتابة والقراءات الشاذة في آيات قرآنية

هذا الكلام وهو الخطأ في الكتابة أو الزيادة في الكتابة، بحيث أنه ليس إلا تفسيرًا، كما في قوله تعالى مثلًا:

﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: 16]

فوجدنا أحدهم قد كتب «أمّرنا مترفيها» يعني جعلناهم أمراء، ولكن هذا ليس موجودًا في المتواتر.

قد يُظن إعرابًا مخالفًا لما هو متواتر:

﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 124]

فوجدنا أحدهم قد كتبها «لا ينال عهدي الظالمون»، يعني الظالمون لا ينالون عهدي. كل ما هو متلقّيك فأنت متلقّيه: «لا ينال عهدي الظالمين» صحيحة وهي المتواترة، و«الظالمون» وردت [كقراءة شاذة].

حكم القراءات الشاذة بين الحجية والاستئناس في أصول الفقه

فسُمِّيت كل هذه القراءات ولم نهملها حتى أيضًا بالقراءات الشاذة. وأتى هنا في مرحلة التوثيق من أجل أن يبين:

هل هذه القراءات الشاذة حجة، أو أن هذه القراءات الشاذة يُستأنس بها؟ أي يُنظر إليها وتُفحص ونأخذ منها ما يوافق أصول الشريعة وما يساعدنا في إتمام عملية الاجتهاد، لكنها ليست حجة.

توثيق السنة المشرفة والتفريق بين المتواتر والآحاد في الأحاديث

كذلك السنة المشرفة في الحقيقة لها أسانيد، وتكلمنا عن هذا بالتفصيل. فإذا قسمنا هذه السنة المشرفة إلى متواتر وإلى آحاد، فإن أغلب السنة آحاد.

ولذلك لنا مواقف في أصول الفقه في الفهم في قضية دلالة هذه الأحاديث على ما يفيد العقيدة أو ما يفيد العلم. هناك فرق بين العقيدة والعلم؛ العلم يعني اليقين، لكن العقيدة تعني مسائل العقيدة حتى لو كانت ظنية.

حكم عذاب القبر بين الإثبات من السنة وعدم تكفير منكره

ولذلك أخذوا بما في السنة في قضية عذاب القبر. عذاب القبر له أصول في الكتاب، ولكنه منصوص عليه في السنة. هذا النص الذي في السنة لا يخالف ما في الكتاب ولا يخالف ما في المعقول، ولذلك نأخذه.

فمن أنكره، من أنكره فقد أنكر شيئًا صحيحًا، ولكن لم يُنكر شيئًا قطعيًا، يعني علمًا يكفر بإنكاره؟ هذا أبدًا! لكنه يكون مشوشًا على خلق الله ويتكلم بغير علم ويتكلم بطريقة سيئة لأنها جاهلة.

ولذلك أخذ العلماء بعذاب القبر وأثبتوه، لكن من أنكره لا يكفر؛ من أنكره لم يكن قد أنكر قطعيًا في الدين أو قطعيًا في الرواية، ولذلك فهو ليس كافرًا. ولا [يُقارن ذلك بمن] ينكر الصلاة مثلًا أو حرمة الزنا أو حرمة السرقة أو ما إلى ذلك. وفي نفس الوقت هو يكون قد أتى جهلًا.

اتساع مفهوم التوثيق ليشمل أقوال الصحابة والعبادلة

إذن فإذا كانت المرحلة الأولى هي الحجية، فإن المرحلة الثانية هي التوثيق. والتوثيق يتم بناءً عليه في الكتاب والسنة، ثم يتسع مفهوم السنة هنا في التوثيق ليشمل المذاهب المروية عن الصحابة الكرام:

ما رأي عمر في هذا الشأن؟ ما رأي عثمان؟ ما رأي العبادلة: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله ابن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن مسعود؟ يُسمّون العبادلة لأن كلهم عبد الله، ما رأيهم؟

لقد رأينا روايات عن الصحابة الكرام أفادت الفقه وأثرته، وأصبح قول الصحابي كجزء من أجزاء التوثيق أيضًا. وأصبح قول الصحابي يُستأنس به، أو أنه حجة، أو لا نأخذ به إطلاقًا، وهذا كلام في الفقه وفي الفهم الصحيح للدين الصحيح.

التوثيق أصبح ديدن الأمة وشمل كتب العلماء وأسانيدهم

فالحجية كانت هي الأولى، ثم بعد ذلك جاءت مرحلة التوثيق، واتسعت هنا [المرحلة] من توثيق الحجة فقط إلى توثيق ما نستأنس به أيضًا من روايات.

وأصبح التوثيق ديدن هذه الأمة؛ أصبح موثقًا كلام مالك وكلام الشافعي وكتب المؤلفين. وأصبح لنا سند للإمام النووي، ولنا سند للإمام ابن حجر، ولدينا سند للسيوطي، ولدينا سند لزكريا الأنصاري. وهكذا أصبح التوثيق هو المسيطر على عقل الأمة.

حديث كفى بالمرء كذباً وبيان أن الأمة كانت تتحرى العلم والتقوى

قال رسول الله ﷺ فيما أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكل ما سمع»

لم تكن هذه الأمة كاذبة، وكفى بالمرء إثمًا أن يحدّث بكل ما سمع. لم تكن هذه الأمة آثمة، بل كانت عالمة تتحرى العلم وتتحرى التقوى وتتحرى أن تكون على الصراط المستقيم.

لم تكن أبدًا هذه الأمة تسير في جهالة أو في ضلالة أو في هوى، أو في:

﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَىٰهُ﴾ [الجاثية: 23]

أبدًا، إنما كانت تسير بنظام.

المرحلة الثالثة فهم النصوص الشرعية وتمهيد للحلقة القادمة

أول مرحلة كانت الحجية، ثاني مرحلة كانت التوثيق، ثالث مرحلة سوف نرى أنهم أرادوا أن يفهموا هذا المكتوب.

أنا أمامي نص من القرآن وأمامي نص من السنة، وأريد أن أفهم هذا المكتوب: كيف أفهم؟ وبما أفهم؟ ولماذا أفهم؟ وأبني على فهم هذا [النص الشرعي].

وهو ما سنعالجه في حلقة قادمة إن شاء الله. فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.