هذا ديننا | 37 | نظرية الفهم جـ 3 | أ.د علي جمعة
- •النظريات السبع لعقل المجتهد تبدأ بتحديد الحُجّية في دين الإسلام وهي القرآن والسنة.
- •امتد التوثيق ليشمل سنة الخلفاء الراشدين وما كان عليه الصحابة الكرام لقول النبي: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين".
- •تتطلب منهجية الفهم الصحيح النظر في اللفظ والسياق ودراسة القرآن كوحدة متكاملة مع السنة.
- •يشمل الفهم العميق دراسة الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه وأسباب النزول.
- •التدبر في القرآن أمر إلهي يتطلب الفهم العميق وعدم الوقوف عند ظاهر النصوص.
- •ينبغي عدم اجتزاء النصوص من سياقها كما في حديث "جئتكم بالذبح" الذي قاله النبي في سياق التحذير من عذاب الآخرة.
- •الدين يأمر بالدفاع عن النفس وليس بالاعتداء، فالله يقول: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا".
- •فهم المجاز ضروري لفهم النصوص ومقاصدها الحقيقية.
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج ديننا
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات برنامج ديننا.
ملخص النظريات السبع المكونة لعقل المجتهد وتحديد الحجية
تكلمنا عن تلك النظريات السبع التي هي مُكوِّن من مكونات عقل المجتهد، ونعني بالمجتهد أيّ مجتهد عبر العصور. تكلموا في تحديد الحُجّية: ما الحُجّة؟ واستخلصوا أن القرآن والسُّنة هما الحُجّة في دين الله، دين الإسلام.
التوثيق من كتاب الله وسنة رسوله وامتداده إلى سنة الخلفاء الراشدين
ثم بعد ذلك تكلموا بعد بيان الحُجّة في التوثيق: كيف نتوثق ونتثبت أن هذا الذي أمامنا من كتاب الله ومن سُنة رسول الله؟ وأنه قد دخل في دور الحُجّية.
واتسع التوثيق عندهم حتى يشمل سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعد النبي، وما عليه أصحابه الكرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بأن تكون التجربة في عهد الصحابة والتابعين امتدادًا للتجربة في عهده صلى الله عليه وسلم، فقال:
قال رسول الله ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ»
وقال:
قال رسول الله ﷺ: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»
فضل إنفاق الصحابة وعظم ثوابهم مقارنة بمن جاء بعدهم
يعني الصحابي ينفق صاعًا - والصاع هذا عبارة عن اثنين كيلو ونصف من القمح - فالصحابي أنفق اثنين كيلو ونصف من القمح، وأنا أنفقت ما يعادل جبل أحد ذهبًا، فالذهب الذي أنفقته بثوابه لن يصل إلى ثوابه [ثواب الصحابي]، فثوابي هذا لن يصل إلى ثوابه [ثواب الصحابي].
فأنا أمام شيء كبير جدًا من الفضل، فوسّعوا التوثيق إلى أن نال ما ورد عن الصحابة الكرام في الدين [وفي] الدنيا.
مراحل الفهم عند العلماء من اللفظ إلى السياق والقرآن كجملة واحدة
ثم بعد ذلك انتقلوا إلى الفهم، ورأينا كيف أنهم قد وقفوا عند اللفظ، ثم وقفوا عند الجملة، ثم وقفوا عند السياق، ثم جعلوا القرآن كله جملة واحدة، ثم لم يفصلوا فهم القرآن عن فهم السنة.
قضايا الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه وأسباب النزول كجزء من الفهم
ولما فعلوا ذلك [أي ربطوا فهم القرآن بالسنة] اصطدموا بقضية الناسخ والمنسوخ، واصطدموا مرة أخرى بقضية المحكم والمتشابه، واصطدموا مرة ثالثة بـأسباب النزول.
وأصبحت دراسة هذه الأشياء جزءًا لا يتجزأ من الفهم، بحيث أننا نفهم عنهم هذا النص فهمًا عميقًا، فهمًا لا يقف عند السطح، ولا يقف عند الظاهر، ولا يقف عندما يتبادر إلى ذهني مباشرة من معانٍ، بل لا بد من التعمق والتأمل.
معنى التدبر في القرآن الكريم والفرق بينه وبين مجرد القراءة
وهذا معنى التدبر:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]
ولم يقل: أفلا يقرؤون، أفلا ينظرون، لا، أفلا يتدبرون القرآن.
إذن فنحن قد أُمرنا بالتدبر، والتدبر يحتاج منا أن نفهم ما كان مقدمًا ومؤخرًا حتى نعلم آخر الأمرين، وأن نفهم أيضًا أسباب النزول وأسباب الكلام الذي حدث.
المحكم أصل الإسلام وهيمنته على جميع الشرائع من آدم إلى خاتم النبيين
وأن نفهم أيضًا المحكم الذي هو أصل الإسلام، وما تشابه بين هذا المحكم وبين غيره من الشرائع؛ لأن ما هو أصل الإسلام في عقيدة الإسلام مهيمن ومراقب على كل ما ورد من وحي منذ آدم إلى خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم.
فهو الأساس، فهو المقياس والمعيار المُحكَم، وما تشابه إنما يُرد إلى ذلك المحكم. وكل آيات الله، كما تكلمنا في حلقة مستقلة حول هذا منذ مدة، كل آيات الله محكمة بهذا المعنى.
إذن فالفهم يقتضي معرفة هذه الأشياء.
مثال حديث جئتكم بالذبح وخطورة فصل النص عن سياقه
ولنضرب لذلك مثلًا حتى نفهم بعمق. مثلًا حديث موجود، وهذا الحديث يقول أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قد دخل الكعبة ثم قال للمشركين فيها:
قال رسول الله ﷺ: «جئتكم بالذبح»
فصلوا هذا النص عن الديانة كلها، وترى بعض الناس يأتي فينعي على هذا النص لأنه تأثر بتلك الدعايات وبهذا الفهم الخبيث الضعيف، وبناءً عليه ينكر النص.
خطورة الاستدلال الخاطئ بالنصوص وأثره على الشباب
والثاني يُثبت النص ويسخر من هذا الذي أنكره ويقول: يا أخي أنا أتبع الرسول وأنت تنكر! فيكون ذلك دعاية في وسط الشباب.
فالشباب عندما يسمع هذا الذي ينكر، ويسمع هذا الذي بفهمه الخاطئ يستدل، فإنه يسير وراء المستدل أكثر مما يسير وراء المنكر. والأمر ليس كذلك.
نعم، قالها الرسول، ولكن متى قالها الرسول؟ ما المشهد الذي قالها فيه الرسول؟ ثم ماذا يعني الرسول صلى الله عليه وسلم من هذا؟
حرمة اجتزاء النصوص القرآنية وضرب أمثلة على ذلك
لا يجوز إطلاقًا أن نأتي فنقول: قال الله تعالى: لا تقربوا الصلاة؛ لأنه لم يقل هذا [مجردًا]، ولكنه قاله ولكن:
﴿لَا تَقْرَبُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43]
لا يمكن أن نقول أن الله سبحانه وتعالى ما أمرنا بالصلاة وتوعد عليها بالويل والثبور لقوله تعالى: فويل للمصلين! الله لم يقل هذا [مجردًا]، فويل للمصلين إنما قال:
﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 4-5]
يعني هو فعلًا يصلي لكنه يسهو عن صلاته.
تعليق ابن عباس على الفرق بين عن صلاتهم وفي صلاتهم
ويقول ابن عباس [رضي الله عنهما]: الحمد لله الذي قال:
﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ﴾ [الماعون: 4-5]
ولم يقل: "في صلاتهم"؛ لأنه لو قال "في صلاتهم" لكنا جميعًا سنعذب؛ لأن الإنسان يشرد ذهنه في الصلاة مهما حاول.
قال رسول الله ﷺ: «ليس يُكتب من صلاتك إلا ما عقلت منها»
فهذا الكلام يعني أننا يجب أن نهتم بـحروف المعاني ونعرف معناها، ويجب ألا نجتزئ من النص، ويجب أن نعرف السياق والسباق، ويجب أن نعرف فيما قيل الذي هو أسباب الورود إذا كانت في الحديث، أو أسباب النزول إذا كانت في القرآن.
دخول النبي الكعبة وفيها الأصنام وعدم اصطدامه بالمشركين
النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة، ولما دخل الكعبة كان فيها ثلاثمائة وستون صنمًا. رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصطدم بأهل مكة وهم يعبدون الأوثان.
رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمتنع من البيت الحرام وفيه الأوثان ثلاثمائة وستون صنمًا، لم يفعل هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم. دخل الكعبة وصلى فيها، وكان كلما يصلي يجعل البيت الحرام بين يديه ويتوجه إلى بيت المقدس وهي قبلة المسلمين، إلى أن منّ الله علينا بأن وجّهنا إلى الكعبة بعدما ذهب [النبي ﷺ] إلى المدينة.
لماذا لم يصطدم النبي بالمشركين ومبدأ البلاغ لا الصدام في الإسلام
لماذا لم يصطدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمشركين؟ لم يصطدم بالمشركين لأن الدين لا يأمرنا بالصدام، وإنما الدين يقول:
﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]
لأن الدين يأمرنا أن نبلغ عن ربنا سبحانه وتعالى.
فلما أجاز لنا الدين القتال؟ دفاعًا عن النفس:
﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ * وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: 190-191]
مشروعية الدفاع عن النفس والديار في الإسلام دون اعتداء
إذن، الذي سيخرجني من دياري هذا قد ارتكب كبيرة من الكبائر، وأنا سأدافع عن نفسي. أنا كمثل أيّ بشر، أنا يا بشر، إذا أخرجتموني من مكاني سواء كنت مسلمًا أو كنت غير مسلم، فإن الذي أخرجني ارتكب كبيرة من الكبائر يجيز الله بها قتاله.
قاتلوا المُخرِج هذا:
﴿وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلَا تُقَـٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَـٰتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: 191]
الإسلام يأمر بالدفاع عن النفس وينهى عن الاعتداء
هذا الدين يقول لي: دافع عن نفسك.
قال رسول الله ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب عند الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير»
المؤمن لم يقل لي: الذي يضربك على قفاك سلّم له، لم يقل لي هكذا. ولكن أيضًا لم يقل لي: اعتدِ؛ لأن الذي قاله لي:
﴿وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]
قصة إيذاء المشركين للنبي أثناء صلاته ومعنى جئتكم بالذبح
فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي، وضعوا القاذورات وبقايا الذبيحة على ظهره، فغضب النبي عليه الصلاة والسلام. جاءت ابنته فاطمة عليها السلام ودعت عليهم وأزالت هذه الأشياء من فوق ظهره الشريف.
فقام وقال - بمعنى الكلام - ما يفهمه كل عاقل: أأنا جئت لألعب معكم؟ هل أنا آتٍ للمزاح؟ إن هذه القضية خطيرة جدًا، إنني آتٍ إليكم محذرًا من الذبح، آتٍ إليكم وأنا أحذركم من جهنم التي ستدخلونها في الآخرة، وأحاول أن أمنعكم من هذا المصير.
فهذا ما يُسمى بـالمجاز الذي تحدثنا عنه مرارًا. ثم يقول الآخر: لا، أنا أريد أن أذبح! حسبنا الله ونعم الوكيل.
خاتمة الحلقة والتوديع بالسلام والدعاء
سيؤتينا ويغنينا ورسوله من فضله، إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة وبركاته.
