هذا ديننا | 38 | نظرية الفهم جـ 4 | أ.د علي جمعة
- •رحلة المجتهد تشمل مراحل متسلسلة تبدأ بحجية الكتاب والسنة، ثم التوثيق، ثم الفهم الذي يتطلب إدراك اللفظ والنحو والسياق وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ.
- •افتقاد هذه الأدوات أدى إلى فهم خاطئ للنصوص ولّد الإرهاب والجماعات المتطرفة.
- •حديث "جئتكم بالذبح" يوضح سوء الفهم، فالنبي لم يقصد الذبح حقيقة بل المجاز أي جئتكم بأمر جاد.
- •النبي ﷺ لم يقتل المشركين رغم إيذائهم له ورفض الصدام معهم رغم عروض أصحابه بذلك.
- •هناك خلط عند البعض بين النص وفهم النص، والواجب عدم إنكار النص بل فهمه بأدواته الصحيحة.
- •حديث "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" له سبب ورود خاص يتعلق بآل كسرى الذين مزقوا كتاب النبي ﷺ.
- •الدين علم له أصول وقواعد، والتدين التزام وسلوك، وليس كل متدين يصلح للاجتهاد وفهم النصوص.
مقدمة الحلقة ومراجعة مراحل رحلة الاجتهاد في ذهن المجتهد
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات ديننا.
تكلمنا عن رحلة في ذهن المجتهد، وعرفنا أن أول مراحل تلك الرحلة وقفت مع حجية الكتاب والسنة، ثم كانت المرحلة الثانية من هذه الحجية في التوثيق، وأن هذه أمة قد وثّقت مصادرها ولا تزال.
مرحلة الفهم وأدواتها الضرورية لإدراك النصوص الشرعية
وأن المرحلة الثالثة هي مرحلة الفهم، ووقفنا عند الفهم، وأردنا أن نبيّن أنه لا بد من إدراك اللفظ، ومن إدراك النحو والصرف، ومن إدراك السياق والسباق، ومن أسباب النزول وأسباب الورود، ومن إدراك الناسخ والمنسوخ، ومن إدراك المحكم والمتشابه، وأمثال هذه المعاني التي افتقدها كثير من الناس.
وتعاملوا مع النص تعاملًا جافًا وتعاملًا خطيرًا، ولم يميّزوا بين النص في ثبوته وبين فهم النص في دلالاته. وهذا أمر هو الذي ولّد الإرهاب، وهو الذي ولّد الجماعات، وهو الذي ولد كل هذا البلاء.
قصة دخول النبي الكعبة وصلاته فيها رغم وجود الأصنام
وقفنا في حلقة سابقة على قضية الذبح، وأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على المشركين في الكعبة وقال: «جئتكم بالذبح». وهذا لم يكن هكذا [كما يفهمه البعض ظاهريًا]، وإنما دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت الحرام وكان فيه أكثر من ثلاثمائة وستين صنمًا ووثنًا قائمًا بذاته.
فلم يتعرض لها النبي [صلى الله عليه وسلم]، ولم يقاطع النبي هذا المكان المقدس الذي هو محل نظر الله، بالرغم مما فيه من هذه الأوثان ومما فيه من هذا الشرك. لكنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي وقلبه كان موجهًا إلى ربه.
صلاة النبي وسط الأصنام حجة على وجوب طاعته لا طاعة الأهواء
تخيّل أن الكعبة أو البيت الحرام فيه كل هذا، المسجد الحرام فيه كل هذا العدد من الأصنام، فكيف كان يُصلّي في وسط هذا العدد؟ تخيّل أنت هذا، ولكن هذا فعلُ رسولِ الله الذي هو الحجةُ والبرهان، وهو المصدر، وهو المعصوم، وهو الموفق والمؤيد من عند الله.
وهو الذي يجب أن نطيعه، لا أن نطيع الأهواء، ولا أن نطيع الرغبات والتخيلات التي تأتي عند الناس.
إيذاء المشركين للنبي ودعاء فاطمة عليها السلام وموقف أهل السنة من التكفير
وضعوا [المشركون] على ظهره الشريف بعض القاذورات، وجاءت السيدة فاطمة عليها السلام، وكلمة «عليها السلام» هذه يذكرها البخاري في صحيحه؛ ما ذكر فاطمة إلا وقال «عليها السلام». ونحن من أهل السنة والجماعة نعظّم أهل البيت ونحترمهم ونفتح صدورنا للجميع، ولا نكفّر مسلمًا من أهل القبلة.
ولذلك حتى لم نكفّر الخوارج الذين أفسدوا في الأرض، والذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآخرة أنهم كلاب أهل النار، وبالرغم من ذلك وما يفعلونه من تشويه صورة الإسلام في العالمين، إلا أننا لا نكفّرهم لأنهم من أهل القبلة، وحتى لا نكون مثلهم.
دعاء فاطمة على المشركين وموقف النبي وتوضيح معنى الذبح بالمجاز
فالقضية أن فاطمة عليها السلام أخذت تدعو على المشركين فيما فعلوه بأبيها، فالنبي صلى الله عليه وسلم رعايةً لخاطر ابنته عليها السلام قام وتحدث معهم أن هذا الأمر ليس هزلًا، وأن هذا الضحك الذي يضحكونه، كما قال تعالى:
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوٓا إِلَىٰٓ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: 29-31]
هذا شأن المجرمين، ولكن «أنا لم آتكم بالهزل ولا بالهزار، جئتكم بشيء يذبحكم، جئتكم بالذبح». فهذا يُسمّى في لغة العرب بـالمجاز؛ يعني جئتكم بأمر فيه جِدّ، بأمر لو تركتموه لذبحتم أنفسكم.
سوء فهم المشركين لمعنى الذبح وبقاء النبي يدعوهم سنوات دون قتال
فهم المساكين أنه [صلى الله عليه وسلم] أراد أنني سأذبحكم، والأمر ليس كذلك، والله أعلم بما هنالك. وأن النبي صلى الله عليه وسلم ما ذبحهم هو، بل إنه مكث معهم بعد هذا سنوات طويلة في مكة وهو يدعوهم إلى الله ويعلّمهم، ويسلم معه القليلون ويكفر به الكثيرون.
فلم يؤمن معه في أربعة عشر عامًا سوى مائة رجل، ولم يذبح أحدًا ولم يصطدم بأحد.
ذهاب النبي إلى الطائف ورفضه الاصطدام بالمشركين رغم الأذى
وفي النهاية ذهب [النبي صلى الله عليه وسلم] إلى الطائف فصدّه أهل الطائف من أجل أمور سياسية عندهم وعلاقات ومصالح مع أهل مكة، وتوفي عمه [أبو طالب]، وتوفيت [السيدة] خديجة، وبدأ الإعداد لمغادرة بلاده والخروج منها.
تجمّعوا عليه ليقتلوه صلى الله عليه وسلم، وهو لم يصطدم معهم. جاء عبد الرحمن بن عوف وقال له: يا رسول الله، استعرض بنا الوادي [أي لنقاتلهم]، قال: «ما أُمرت بهذا».
رفض النبي للعنف وطلبه الصبر حتى ينصره الله تعالى
خباب بن الأرت يقول: استنصر لنا يا رسول الله، يعني ادعُ عليهم، فقال:
«ألا إني رسول الله ولينصرني الله، حتى تسير الظعينة المسافرة من مكة إلى الحيرة لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها»
أهل العقبة الأولى والثانية من الأنصار يقولون له: إذا أردتَ نَمِيلُ غدًا مَيْلَةَ رجلٍ واحدٍ على أهل منى فنذبحهم أو نقتلهم، [فقال صلى الله عليه وسلم]: «ما أُمِرتُ بهذا».
افتتاح القرآن بالرحمة ونزع النصوص من سياقها سبب الانحراف
الله سبحانه وتعالى يُنزل إلينا [القرآن] حتى نفهم مراده من كل هذا، فيقول:
﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]
ولم يقل: بسم الله المنتقم الجبار، ولم يقل: بسم الله الرحمن المنتقم، بل قال: الرحمن الرحيم.
وبعد كل هذا ينزع هؤلاء الناس النص من سياقه ومن سباقه ومن لحاقه ومن معناه ومن أسباب نزوله ومن مراداته ومن فعل الصحابة من بعدهم ومن فعل سيدنا [رسول الله صلى الله عليه وسلم] ومن الدين بجملته؛ لكي يستدلوا به أنهم يذبحون الناس.
وصف من ينزعون النصوص من سياقها بقسوة القلوب والجهل بالدين
ما رأينا أمثال هؤلاء إلا أن يكونوا عملاء لجهات أجنبية. ما رأينا هذا الفهم على مستوى العالم؛ إنهم قساة القلوب، لم يفهموا عن الله ولم يفهموا عن رسوله.
وذلك [الفهم] ركن من أركان الاجتهاد، مرحلة من المراحل السبع التي تحدث في عقلية المجتهد: الحجية، التوثيق، الفهم. والفهم له أدواته، ومن لم يتعلم فإنه لا يفهم.
التحذير من الخلط بين النص وفهم النص وخطورة إنكار النصوص
هنا خلط عظيم عند هؤلاء الناس بين النص وبين فهم النص. ورأينا وحذّرنا أن أيها الناس لا تستمعوا إلى أقوالهم فتنكروا النص. إياكم أن تنكروا النص، إياكم أن تنكروا النص.
فالنص له معنى تعرفونه بأدوات فك المعنى، تعرفونه بتلك الأدوات التي وضعها العلماء لفهم النصوص الشرعية المرعية من أدلتها التفصيلية. وإذا لم تكن معكم هذه الأدوات:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النحل: 43]
منكر النص والفاهم فهمًا خاطئًا وجهان لعملة واحدة
والذي فهم فهمًا خاطئًا فسار خلفه هو الوجه الثاني لمنكر النص. منكر النص: أنت ترتكب الآن مصيبة أنك تعطي الغذاء والحجة الواهية لهؤلاء الناس لكي يتغوّلوا ويتوغّلوا فيما هم عليه.
يعني كل واحد منهم يقول لك: إذن أنا على صواب، انظر ماذا يفعل هذا، إنه ينكر النص، ولذلك أنا على صواب، وهذا على خطأ، وهذا على خطأ، هذا على ضلال وهذا على ضلال.
النصوص لها معانٍ لا تُدرك معانيها [بالظاهر فقط]، فاسأل أهل الذكر، وأهل الذكر سوف يوضحون لك بجلاء ما هذا الفهم وكيف يكون وما أدواته إذا أردت ذلك.
الفرق بين الدين كعلم والتدين كسلوك وأن التقوى لا تعني العلم
الدين علم، ونحن تكلمنا عن الفرق بين الدين والتدين؛ فالدين علم والتدين التزام وسلوك. ولذلك ليس كل ملتزم وكل سالك وكل شخص تقي عالمًا في الدين.
ولكن هؤلاء فعلوا هذا واعتقدوا أن من ابتُلي فصبر، أو من أوذي فتجاوز، أو من كان تقيًا، أو من كان سالكًا - كل ذلك من العلماء؟ أبدًا!
العلم علم له أركانه، وله مبادئه، وله مصطلحاته، وله كتبه، وله قواعده، وله نتائجه. وهكذا العلم علم، فعلم الدين شيء والتدين شيء آخر.
قضية الفهم مكون أساسي من مكونات الاجتهاد وعقل المجتهد
قضية الفهم قضية في غاية الخطورة، وهي مكوّن من مكونات الاجتهاد ومكوّن من مكونات عقل المجتهد. فعلينا أن نتأمل وأن نتدبر في هذا تدبرًا شديدًا.
تكلمنا في الفرق بين النص وفهم النص بأمور تفيدنا في هذا المقام الذي نحن فيه.
حديث لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة وسبب وروده مع كسرى
منها حديث: «لن يفلح قوم ولّوا أمورهم امرأة»، وهذا الحديث اختلفت فيه الأنظار. لكن إذا رجعنا إلى أسبابه وجدنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى كسرى يقول له: أسلم تسلم، دعوة.
والنبي صلى الله عليه وسلم أرسل الرسائل في كل جهة وكانت الإجابات مختلفة؛ فنرى مثلًا المقوقس في مصر أرسل له هدية، ونرى ملك البحرين أو غيره وما إلى ذلك فعل شيئًا غير الذي فعله كسرى.
أما كسرى فإنه قد مزّق كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله لما بلغه عنه: «هذا مزّق الله ملكه».
قصة مؤامرة أنوشروان على أبيه كسرى وموته بحيلة السم
كسرى كان هناك تدابير من ابنه الولد الذكر أنوشروان في قتله والاستيلاء على الحكم، وكانت له أخت هي ابنة كسرى. وسمع كسرى بهذه المؤامرة وعرف أن الأمر قريب.
ولذلك أوجد سمًّا في علبة وكتب عليها «إكسير الحياة»، من أخذه فإنه يخلد أو يعيش أبد الدهر، ووضعه في خزائنه لأنه تأكد أن ابنه سوف يقتله.
وفعلًا قتل أنوشروان أباه، ثم لما فتّش في الخزائن وجد هذا الحُقّ أو هذه العلبة فتناولها وكانت السم الزعاف فمات. فتحدث الناس أن المقتول بعد قتله قتل قاتله، يعني بهذه الحيلة التي كانت.
تولي أخت أنوشروان الحكم وسياق حديث لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة
فلما مات أنوشروان تولّت أخته [الحكم]، وكل هذه العائلة هي التي مزّقت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال [النبي صلى الله عليه وسلم]: «لن يُفلح هؤلاء الأقوام الذين مزّقوا كتابي، لن يُفلح قوم ولّوا أمورهم امرأة».
فأخذها هؤلاء [الذين لا يفهمون السياق] على العموم، ولهم هذا الموقف العجيب الغريب من المرأة.
