هذا ديننا | 39 | نظرية الفهم جـ 5 | أ.د علي جمعة
- •يشرح المتحدث الفجوة بين فهم النابتة للدين وما ورثناه عن السلف الصالح من فهم صحيح تركه النبي صلى الله عليه وسلم وعلماء الأمة.
- •يوضح منهج المجتهد في التفكير بالحجية من الكتاب والسنة وكيفية إثباتها عبر الأسانيد وعلوم التوثيق ثم وضع قواعد للفهم.
- •يميز بين النصوص القطعية التي لا خلاف فيها كالتوحيد وأن الله واحد لا شريك له، والنصوص الظنية التي تحتمل أكثر من معنى.
- •يقدم أمثلة للنصوص الظنية مثل حديث "لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة"، وآية المسح في الوضوء، ومعنى "القرء" في العدة.
- •يذكر أن أغلب الفقه ظني وقابل للاجتهاد، والمساحة القطعية محدودة.
- •ينتقد النابتة في مسألتين: جعلهم كل شيء قطعياً وعدم قبولهم الخلاف، وعدم فهمهم للمطلق والعام.
- •يشير إلى الخلط عند النابتة بين العام والمطلق مما يجعلهم يقومون بأفعال لا دليل عليها.
مقدمة الحلقة واستكمال شرح الفجوة بين فهم النابتة وفهم العلماء للدين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون وأيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من ديننا.
في هذه الحلقة نستمر في شرح هذه الفجوة التي حدثت بين هذه الدعوة الجديدة التي يتبناها النابتة وبين ما ورثناه عن آبائنا وأجدادنا من فهم صحيح للدين، تركه لنا النبي صلى الله عليه وسلم وعلماء الأمة وأتقياؤها.
مراحل تفكير المجتهد من الحجية إلى قواعد الفهم وظنية النصوص
ولذلك نريد أن نبين ما هذا [الفهم الصحيح للدين]. وعرفنا كيف يفكر المجتهد؛ أنه فكر أولًا في الحجية فقال إنها الكتاب والسنة، ثم قال: كيف تثبت هذه الحجية؟ ألهم الله أمة النبي صلى الله عليه وسلم بالأسانيد وبعلوم التوثيق.
ثم بعد ما تصح هذه النسبة فإنه وضع قواعد للفهم. تكلمنا عن كل هذا فيما سبق، واليوم نتكلم عن أنهم لما قرأوا الكتاب والسنة وجدوا عبارات يمكن أن نستفيد منها عدة معانٍ.
العبارات الظنية في النصوص الشرعية وأهمية أدوات الفهم عند المجتهد
وهذه العبارات التي يمكن أن نستفيد منها عدة معانٍ تكون ظنية؛ لأنني سأفهمها على وجه وأخي سيفهمها على وجه آخر. ولكن الذي معه أدوات الفهم كما قدمنا في حلقات سابقة هو القادر علميًا على أن يفهم هذا النص فهمًا صحيحًا.
ثم بعد ذلك تأتي قضية القطعية والظنية؛ وجدوا بعض النصوص قطعية الدلالة لا خلاف فيها.
سورة الإخلاص نموذج للنصوص القطعية في التوحيد ونفي الشرك
﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4]
فالإسلام يدعو إلى الوحدة ويدعو إلى وحدانية الإله سبحانه وتعالى، ويعتبر أن الشرك بالله ظلم عظيم وإثم عظيم، وأن الشرك هو المقابل للإسلام فلا يجتمعان.
وأن الله سبحانه وتعالى يغفر الذنوب جميعًا إلا أن يُشرك به، ولذلك فالشرك متفق على أنه منهي عنه وأنه ليس أبدًا يدعو إليه الإسلام.
الرد على من زعم أن البسملة تدل على تعدد الإله في الإسلام
بعض الظرفاء ممن هم في العشرينيات والثلاثينيات قال: إن المسلمين يدعون إلى الإله المثلث! كيف هذا؟ قال: بسم الله الرحمن الرحيم [يعني ثلاثة أسماء]. هذا الفهم الساذج أو هذا الفهم المغرض أو هذا الفهم المردود لم يقل به أحد في العالمين، ولكن هذا [القائل] كان يريد نوعًا من السخرية، نوعًا من الاستهزاء، شيئًا من هذا القبيل.
أما البسملة فلها شأن آخر؛ الله عَلَمٌ على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد، والرحمن الرحيم صفتان تجلى بهما الله سبحانه وتعالى على عباده في أول الكلام، وطمأن قلوبهم بأن الرحمة هي الأصل، ومن الرحمة ينبثق الحب.
تعدد صفات الله وأسمائه الحسنى لا يدل على تعدد الإله سبحانه
هذا الكلام [واضح] لأننا نفهم اللغة العربية ولأننا نعلم أن تعداد صفات الله سبحانه وتعالى التي وصلت في القرآن إلى أكثر من مائة وخمسين صفة، من الصفات التي نسميها بأسماء الله أو أسماء الله الحسنى الواردة في الحديث:
قال رسول الله ﷺ: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة»
ليست دليلًا على تعدد الإله سبحانه وتعالى، فهو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. الله سبحانه وتعالى واحد لا شريك له، هذا قطعي والنصوص فيه قطعية.
حديث بني قريظة نموذج على النص الظني الذي يحتمل أكثر من فهم
لكن عندما يأتيني نص، هذا النص يحتمل الوجهين، فإنه نص ظني. النبي صلى الله عليه وسلم أتى بجماعة من الصحابة وأرسلهم في مهمة استطلاعية لبني قريظة وقال:
قال رسول الله ﷺ: «لا يصلينّ أحدكم العصر إلا في بني قريظة»
يريد [بذلك] أن نسرع؛ لأن المسافة تتطلب أن نصل إلى مكان بني قريظة في ضواحي المدينة قبل الغروب. معنى الكلام هكذا أو هكذا يفهمه عموم الناس.
اختلاف الصحابة في فهم حديث بني قريظة بين المقصد وظاهر النص
فأُذِّن العصر، فقال بعض الصحابة: نقف فنصلي ثم بعد ذلك نُهِمّ في السير. قال آخرون: ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«لا يصلينّ أحدكم العصر إلا في بني قريظة»
هل يقصد [النبي ﷺ] أنهم يؤخرون الصلاة إلى بني قريظة لأمرٍ ما؟ حتى يشاهد يهود أن الصحابة وصلت في هذا المكان بهذه الكيفية، أو أن المقصود الإسراع فقط؟
بعض الناس صلوا العصر [في الطريق]، وآخرون التزموا بأن يصلوا هناك العصر لأن النبي أمرهم بذلك. ولما عادوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم صحح لهم المرادين؛ لأن بعضهم أخذ بمقصد الكلام والآخر أخذ بنصوص الكلام.
اختلاف الأئمة في معنى الباء في آية مسح الرأس في الوضوء
الله سبحانه وتعالى أيضًا قال في أثناء [آية] الوضوء:
﴿وَٱمْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6]
برؤوسكم هذه الباء زائدة، يعني امسحوا رؤوسكم، هكذا فهم الإمام مالك. أو أن الباء للتبعيض، يعني امسحوا بعض رؤوسكم. وما بعض الرأس؟ بعض الرأس قد يكون شعرة، وهكذا فهم الإمام الشافعي، بل قال: ولو بعض شعرة.
هذا هو فرض الوضوء [عنده]: اغسل وجهي، اغسل يدي إلى المرفقين، ثم امسح ولو بعض شعرة. الإمام أبو حنيفة قال هذا [الباء] للإلصاق، يعني امسحوا أيديكم على رؤوسكم، فإذا فعل أحدنا هذا فإنه يجد أن ربع الرأس هو الفرض. هكذا فهم أبو حنيفة النص.
النص واحد والاختلاف في معنى حرف الباء يؤدي لاختلاف الفقهاء
النص واحد وكلنا نؤمن به ونتلوه في القرآن الكريم، إلا أن اختلافنا في معنى هذه الباء، وهي من حروف المعاني في اللغة العربية، يجعلنا نختلف في فهم هذا النص.
اختلاف الفقهاء في معنى القرء بين الحيض والطهر وأثره في مدة العدة
أو قد يكون لفظ معين [هو سبب الاختلاف]:
﴿وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوٓءٍ﴾ [البقرة: 228]
القرء إذا سألنا العرب يقول: هو يطلق على الحيض عند المرأة ويطلق أيضًا [على الطهر]، فثلاثة حيضات أو ثلاثة أطهار. وهنا ستفرق في مدة العدة.
يعني هل هي ستكون بمجرد الدخول [في الطهر] أو استيفاء الطهر الثالث أو استيفاء الحيضة الثالثة؟ تفرق أيام بسيطة، ولكن نريد أن نفهم: هل القرء هنا هو للحيض أو القرء هنا للطهر؟ أقوال [متعددة].
فاختار أبو حنيفة الحيض، واختار الشافعي بناء على دراسات لغوية، بناء على مفاهيم لغوية مستقرة، اختار الطهر.
أسباب اختلاف الفقهاء بين معنى الكلمة والحرف والسياق الشرعي
إذن هذا الفهم [في مسألة القرء] جاء من اختلافهم في معنى كلمة، وهذا الفهم [في مسألة الباء] جاء من اختلافهم في معنى حرف أو في عمل حرف، وهذا [الاختلاف الثالث] أتى لأنهم راعوا السياق والسباق وكذا إلى آخره، أو التزموا بالكلمة العربية على ما هي عليه، أو نظروا إلى المعنى الشرعي.
وهكذا نرى الاختلاف، فنرى أن هناك نصوصًا قطعية مثل:
﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]
وأن هناك نصوصًا ظنية، وأغلب الظن أغلب الفقه ظني.
أغلب الفقه ظني مع وجود مساحة قطعية في أصول العبادات
لما نأتي إلى كتب الفقه في الوضوء، في الصلاة، في الصيام، نجد تسعين أو أكثر من تسعين في المائة منها ظني. لكن هناك [أمورًا قطعية]: أن الوضوء قبل الصلاة هذا قطعي، أن الصلوات خمسة وهذا مأخوذ من السنة هذا قطعي، أن الظهر أربع ركعات هذا قطعي.
فهناك مساحة للقطع وهناك مساحة ظنية. معنى [الظنية] أظن أنه يتم الاختلاف فيه [بين العلماء].
مشكلة النابتة في جعل كل شيء قطعياً ورفض الخلاف الفقهي
من الأذية التي واجهناها مع النابتة أن كل شيء عندهم صار قطعيًا، هذه أول مصيبة، كل شيء أصبح قطعيًا، ولذلك فهم لا يقبلون الخلاف.
القضية الثانية أنهم لا يعرفون فهم الظن إذا أرادوا أن يفهموه، وهذه مصيبة أخرى.
مثال وضع اليد بعد الركوع وعدم فهم النابتة للفرق بين المطلق والعام
ترى أحدهم إذا قام من الركوع وضع يده اليمنى على يده اليسرى. لماذا تفعل هذا؟ هناك مئات بل آلاف من الأحاديث تصف صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وليس فيها أنه عندما رفع من الركوع وضع يده اليمنى على يده اليسرى، فلِمَ تفعلون هذا؟
لأنهم لم يفهموا الفرق عند علماء الفقه وعلماء الأصول بين المطلق وبين العام. المطلق والعام عبارات لها معانٍ نعالجها في حلقة قادمة إن شاء الله.
خاتمة الحلقة والتأكيد على خطورة الخلط بين المطلق والعام
ونرى كيف أن هذا الخلط وعدم الفهم العميق للمطلق والعام يجعلهم يفعلون هذا، بالرغم من أنه ليس هناك أي حديث يؤيد هذا الفعل، ولا هناك فعل من الصحابة، أو حتى من السلف الصالح، يؤيد هذا الفهم. لِمَ يفعلون هذا؟ الله أعلم.
إلى لقاء آخر، استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
