هذا ديننا | 40 | نظرية القطعي والظني ج1 | أ.د علي جمعة
- •التفرقة بين النصوص القطعية والظنية تشغل مساحة كبيرة من فكر المجتهد.
- •المطلق هو ما دل على ماهية الشيء بلا قيد، ويتحقق بأي فرد من أفراده.
- •العام هو لفظ يستغرق جميع ما يصلح له بوضع واحد، ويستلزم شمول كل الأفراد.
- •الخلط بين المطلق والعام سبب للخطأ في فهم النصوص، كمسألة وضع اليد اليمنى على اليسرى بعد الركوع.
- •الفرق بين العقل الفقهي والعقل الإرهابي يكمن في فهم النصوص.
- •انضم ثلاثون ألف شاب من غرب أوروبا إلى داعش بسبب الفهم الخاطئ للنصوص.
- •الجهل باللغة العربية أدى إلى تحويل المسائل البسيطة إلى قضايا كبرى.
- •القرآن له دلالة مستقلة وهو المصدر الأول للتشريع، والسنة تفسر القرآن.
- •الإمام الشافعي قال: لم يرد شيء في السنة إلا وهو تفصيل ما أُجمِل في القرآن.
- •فصل القرآن عن السنة كفصل السنة عن القرآن، وكلاهما منه الدين.
- •العقلية التي فقدت فهم اللغة وأنكرت استقلال القرآن هي التي تفسد في الأرض.
مقدمة الحلقة والتذكير بموضوع القطعي والظني في النصوص الشرعية
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات ديننا.
تكلمنا في مرة سابقة عن قضية القطعي والظني، وأن كثيرًا من الناس لا يميزون بين النصوص القطعية والنصوص الظنية. والتفرقة بين القطعي والظني شغلت مساحة كبيرة من مساحات عقل المجتهد، وضربنا مثالًا أو أمثلة وتوقفنا عند قضية المطلق والعام.
تعريف المطلق في أصول الفقه وبيانه بالأمثلة التوضيحية
المطلق يعني ما دلّ على ماهية الشيء بلا قيد. يعني عندما أقول لك: ائتني برجل، فتأتي لي بأي رجل، يكون هذا مُطلقًا؛ لأنني يمكن أن أقول لك بِرجُلٍ كبيرٍ في السن، ويمكن أن أقول لك بِرجُلٍ صغيرٍ في السن، ويمكن أن أقول بِرجُلٍ يكون مصريًا.
كل قيدٍ من القيود سوف يغير الطلب، لكن عندما أقول: أحضر لي رجلًا، فالرجل هنا مطلق. فالمطلق هو مَن في الرجال، أي رجل. فيبقى المطلق إذا جئنا بأي شخص يتحقق المطلق، فالمطلق يتحقق بأي فرد من أفراده، أي رجل يتحقق به هذا [المطلوب].
تعريف العام والفرق الجوهري بينه وبين المطلق في الاستجابة للأمر
أما العام فإنني أقول لك: ائتِني بالرجال، يعني الذين موجودون في هذا المكان أو الحاضرين الآن، فلا بد عليك أن تأتيني بكل الرجال. يكون الفرق واضحًا ما بين المطلق وما بين العام.
المطلق يتحقق استجابتي للأمر عندما يأمرني أحد بمطلق بأي فرد من أفراد هذا الشيء الذي أُمرت به. أما العام فلا بد أن أفعل ما أُمرت به في كل المواقف أو بكل الأفراد.
فرقٌ واضح في أذهان المجتهدين، لكنه ليس واضحًا في أذهان من لم يدرك الفرق بين المطلق وبين العام.
التعريف الاصطلاحي للعام والمطلق مع التمثيل بطلب الرجال
العام هو لفظٌ يستغرقُ جميعَ ما يصلحُ له بوضعٍ واحدٍ، ولكنَّ المُطلقَ هو ما دلَّ على الماهيةِ بلا قيدٍ زائدٍ.
فلو قلتُ لكَ: ائتِني برجلٍ، فيكفي أيُّ رجلٍ. لكن لو قلتُ لكَ: ائتِني بالرجالِ، فمعنى هذا أن تأتيني بكلِّ مَن حضرَ في ذلك الوقتِ وفي هذا المكانِ من الرجالِ.
هل وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة من قبيل المطلق أم العام
عندما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع يده اليمنى على يده اليسرى في الصلاة، هل هذا من قبيل المطلق أو أنه من قبيل العام؟
سؤال: ما الذي رأيناه، ما الذي رويناه، ما الذي أطبق عليه المسلمون في الأرض؟ إننا عندما نقوم فنقف في الصلاة نضع يدنا اليمنى على يدنا اليسرى، ثم بعد ذلك نقول الله أكبر ونركع، ثم بعد ذلك نقول سمع الله لمن حمده فنرفع من الركوع ولا نضع أيدينا اليد اليمنى على اليد اليسرى.
رد العلماء على من يوجب وضع اليدين بعد الركوع بالتفريق بين المطلق والعام
فيأتي صاحبنا النابتة ويقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع يده اليمنى على يده اليسرى وهو واقف في الصلاة، وإنه بعد الركوع لا زال واقفًا في الصلاة، إذن فهو فهِمَ هذا على أنه من قبيل العام، الذي لا بد أن يضع يده قبل الركوع ويضع يده أيضًا بعد الركوع.
فالعلماء أجابوه أن هذا من قبيل المطلق وليس من قبيل العام. لو كان هذا من قبيل العام كنا نضع أيدينا اليمنى على اليسرى بعدما نرفع من الركوع. لو كان هذا من قبيل المطلق، فإذن مرة واحدة تكفي.
من الذي حدد لنا أن نفعل هذا أو ذاك؟ تتبع السنة وتتبع فعل الصحابة؛ لم يرد أبدًا أن أحدًا من الصحابة ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع من الركوع فوضع يده اليمنى على يده اليسرى. إذن هذا المثال [يوضح الفرق بين المطلق والعام في التطبيق العملي].
خطورة عدم التفريق بين المطلق والعام وأثره في تبرير قتل الناس
يقول لي أحدهم: حسنًا هذه مسألة سهلة، يضع يده أو لا يضع. المصيبة أنها مع سهولتها هي التي جعلتهم يفهمون من الأحاديث أن يقتلوا الناس، من أحاديث أخرى.
أتتذكرون كلمة الذبح التي استدل بها هؤلاء؟ أتتذكرون كلمة أُمرت أن أقاتل الناس؟ إن الفرق بين العقل الفقهي والعقل الإرهابي المتطرف الذي يشوه الإسلام والمسلمين هو فهم النصوص.
أتتصور أن هذه المسألة البسيطة التي قد يستنكرها الناس قائلين: ما هذا يا مولانا الذي تقوله؟ أيضع يده أم لا يضع يده، هذا ليس شيئًا مهمًا؟ لا، أنا لا أبحث عن ذات المسألة، أنا أبحث عن الفهم الذي أوصل إلى هذه المسألة، حتى أشرح أن هذا الفهم بذاته هو الفهم الذي سيقلب الأمور وسيقلب الحقائق.
أثر الفهم المغلوط للنصوص على الشباب وانضمامهم للجماعات الإرهابية
وأنه [هذا الفهم المغلوط] هو الفهم الذي أثّر على الشباب؛ ثلاثون ألف شاب من غرب أوروبا انضموا إلى داعش. لماذا؟ لأنهم يقولون أن سيد الخلق [رسول الله ﷺ] قال للمشركين - وقد شرحنا هذا قبل ذلك - جئتكم بالذبح.
فلا يعرفون حقيقةً ولا يعرفون مجازًا ولا يعرفون مطلقًا ولا يعرفون عامًا، ويفسرون هذا على ما يتبادر إلى أذهانهم. ويضلون بهذا حديثي العهد بالإسلام من الشباب والفتيات اللذين دخلوا إلى الإسلام من أجل ما فيه من أخلاق، من أجل ما فيه من توحيد، وأسلموا أنفسهم للإسلام.
تشويه الإسلام بأوامر القتل والتدمير وضرورة التعمق في فهم النصوص
فإذا الإسلام يقول لهم - في رأي هؤلاء الفسدة الكاسدة - يقولون لهم: اذبحوا الناس، اقتلوا الناس، قاتلوا الناس، دمروا الأرض ومن عليها. إذن نحن في مصيبة كبرى.
نذكر هذه الأشياء حتى نتعمق في فهمٍ عميق لما يفعلون هذا. هذا [وضع اليد بعد الركوع] لم يرد في السُّنة، وهذا [القتل والذبح بهذا الفهم] لم يرد في السنة أيضًا. هذا فهم يتجاوز خصائص اللغة العربية، هذا فهم يخلط ما بين مفهوم المطلق ومفهوم العام، هو نفسه الذي يحدث مع النصوص التي استعملوها فيما بعد، لتضييع الإسلام والمسلمين ولضياع الدنيا وللصدام الغبي الذي يصطدمون به في كل مكان.
موطن الخطر في عدم إدراك اللغة العربية وتحويل المسائل الصغيرة إلى قضايا كبرى
لذا يجب علينا أن ننبه؛ لأن وظيفتنا هي التنبيه والإرشاد والتعليم، أن هنا موطن الخطر، هنا موطن الخطر، فيها يكمن الخطر في هذا الكلام: عدم إدراك اللغة العربية الذي ترتب عليه عدم التفرقة بين المطلق وبين العام.
الذي يحدث في بعض المساجد أيضًا من هذه المسألة الصغيرة أن صيّروا المسائل قضايا وكأنها قضايا الأمة: ضع يدك بعد الركوع!
من أين أتيت بهذا الكلام؟ أتى به من فهمه الخائب، أتى به من فهمه الناقص، من أنه لم يفهم الفرق بين المطلق وبين العام. ومن أجل ذلك فهو يتمسك بها وتنتقل عنده من كونها مسألة إلى كونها قضية، ويشغل بها بال المسلمين.
التكبر على خلق الله بالعبادة وتبديع قول صدق الله العظيم بعد التلاوة
وترى في مواقع التواصل الاجتماعي يرسلون لك رسائل حتى يشعروك بأنك على الأقل مفرط في الإسلام وفي دينك وأنك لست ملتزمًا.
من الملتزم! هذا المتكبر المفسد الجاهل هو الذي يتكبر على خلق الله بعبادته. يرسل لك عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن قول صدق الله العظيم بدعة! صدق الله العظيم التي نقولها بعد تلاوة القرآن أصبحت بدعة!
ولماذا هذا؟ وقد قال الله سبحانه وتعالى:
﴿قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ فَٱتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 95]
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 96]
قل صدق الله، وعندما يأمرني ربي بأن أقول صدق الله، فجئت وكلما أنهيت قراءتي أقول سبحان الله صدق الله العظيم، وكأنني أستشعر صدق هذا الكلام وجمال هذا الكلام وحلاوة هذا الكلام.
إنكار استقلال القرآن بالحجية وموقف الجماعات الإرهابية من الاستدلال
إذن ما الذي حدث! ويحدث الآن مع الجماعات الإرهابية، هو نفسه الذي حدث أولًا أن القرآن لا يستقل عنده بالحجية.
﴿قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 95]
لا تكفي [عندهم]، لا بد أن يرد إليه شيء من السنة، فإذا لم يرد شيء من السنة بدّعك وفسّقك ولعنك وصارت به أحواله.
إن القرآن له دلالة مستقلة، ولذلك فهو المصدر الأول للتشريع، والسنة تفسر القرآن.
قول الإمام الشافعي في العلاقة بين القرآن والسنة واستقلال كل منهما
ويقول الإمام الشافعي المجتهد الفاهم: لم يرد شيء في السنة إلا وهو تفصيل ما أُجمِل في القرآن. فالسنة هي التي علمتنا الصلاة، وهي التي علمتنا الصوم، وهي التي علمتنا الحج.
وكان [رسول الله ﷺ] يقول:
«صلوا كما رأيتموني أصلي»
ويقول:
«خذوا عني مناسككم»
ويقول:
«ابدأوا بما بدأ الله به»
ينبهنا إلى أن الأصل في الحجية هو القرآن. فمن فصل القرآن عن السنة كمن فصل السنة عن القرآن، كلاهما منه الدين وكلاهما هو الذي يشرح لنا الدين.
استقلال السنة في التحريم وخطورة العقلية التي فقدت فهم اللغة والنصوص
ولكن السنة لها استقلال، وحرَّم النبي ﷺ علينا الجمع بين المرأة وخالتها وبين المرأة وعمتها، وهو ليس موجودًا في القرآن. والقرآن له استقلال وله عموم وله إطلاق.
ولكن هذه العقلية التي فقدت اللغة، التي أنكرت استقلال القرآن، هي العقلية التي سنراها تفسد في الأرض بعد ذلك.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
