هذا ديننا | 41 | نظرية القطعي والظني ج2 | أ.د علي جمعة - هذا ديننا

هذا ديننا | 41 | نظرية القطعي والظني ج2 | أ.د علي جمعة

14 دقيقة
  • يرتكز الاجتهاد الشرعي على أربع مراحل: الحجية في الكتاب والسنة، ثم التوثيق، ثم الفهم، ثم التمييز بين القطعي والظني.
  • القطعي هو ما ثبت بالإجماع، أما الظني فهو ما فيه اختلاف ونظر.
  • ظهرت في العصور الأخيرة بدع كإنكار القرآن أو السنة أو الفهم أو الإجماع.
  • الإجماع قسمان: إجماع عام يشمل الأمة كلها كتحريم الخمر ووجوب الصلاة والصيام، وإجماع خاص كإجماع المذاهب الأربعة.
  • الخلط بين الإجماع العام والخاص أدى إلى اضطراب في فهم الدين.
  • من صيّر الدين كله قطعياً وقع في الغلو والتطرف كما حدث مع الجماعات الإرهابية.
  • يفتقد المتطرفون لأدوات الاجتهاد من معرفة باللغة وأصول الفقه وإدراك الواقع وفهم المقاصد الشرعية والمصالح المرعية.
  • التربية على أحادية النظرة تنتج التطرف والغلو وسفك الدماء.
  • الفهم الصحيح للدين يتطلب إدراك الفرق بين الثوابت والمتغيرات.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

مقدمة الحلقة ومراجعة مراحل الاجتهاد من الحجية إلى التوثيق

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات ديننا.

تكلمنا عن أن المجتهد فكّر أولًا في الحجية، واعتبر أن الحجية في الكتاب وفي السنة؛ هذا هو المصدر الأول وهذا هو المصدر الثاني. وتكلمنا أن الله ألهم أمة محمد بالتوثيق، فوثّقوا الكتاب ووثّقوا السنة.

نتائج التوثيق من القراءات المتواترة والشاذة والأحاديث الصحيحة والضعيفة

ونتج من هذا [التوثيق] القراءات المتواترة، وأيضًا نتج من فقد هذا التوثيق القراءة الشاذة التي نستأنس بها ولا نعتبرها حجة. ونتج الأحاديث الصحيحة والحسنة التي نعتبرها حجة، ونتج أيضًا أحاديث ضعيفة ملحقة بالحسن، وأحاديث موضوعة مكذوبة لا نعتمد عليها ولا نركن إليها.

وأصبح هناك أدوات لفهم هذه النصوص الشرعية المرعية باللغة العربية، وأصبح أيضًا هناك تفرقة بين القطع والظن. والقطع أسماه علماء الأصول — وهو المرحلة الرابعة — تكلمنا عن الحجية، عن التوثيق، عن الفهم، ثم تكلمنا عن القطعي والظني. القطعي هو الذي نسميه بالإجماع، والظني ما ليس فيه إجماع؛ فيه محل اختلاف ونظر وتعدد.

ظهور بدع إنكار القرآن أو السنة أو الفهم أو الإجماع في العصور الأخيرة

إذن فنحن عندنا ما يسمى بالإجماع. ظهر في العصور الأخيرة من ينكر القرآن ويأخذ بالسنة وحدها؛ مبتدع. وظهر في العصور الأخيرة من ينكر السنة ويأخذ بالقرآن وحده؛ مبتدع.

وظهر في العصور الأخيرة من ينكر الفهم ويجعل كل الناس من المجتهدين؛ كان هكذا صاحب جماعة التكفير والهجرة يقول: إن الاجتهاد جزء لا يتجزأ من الإسلام، فلا بد علينا جميعًا أن نكون مجتهدين؛ مبتدع.

وظهر في العصور الأخيرة من ينكر الإجماع ويقول إن الإجماع لا وجود له. لا يا أخي، أجمع المسلمون على أن الخمر حرام، على الرغم من أنه ليس هناك نص استعمل الحاء والراء والميم [أي كلمة "حرام" صراحةً].

الفرق بين تحريم الزنا وتحريم الخمر ومقدماتهما بالإجماع

في قبيل الزنا مثلًا:

﴿وَلَا تَقْرَبُوا ٱلزِّنَىٰٓ إِنَّهُ كَانَ فَـٰحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]

﴿إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَـٰمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90]

ويقول العلماء أن قوله ﴿لَا تَقْرَبُوا﴾ تحريم فوق تحريم؛ فالمحرّم ليس فقط الزنا، بل المحرّم الخلوة، والمحرّم النظر إلى عورات الناس، والمحرّم وهكذا. فالمحرّم حتى مقدمات الزنا حرام.

ومقدمات الخمر حرام؛ فلعن الله في الخمرة عشرة أشياء، منها أن أزرع العنب من أجل أن أحوّله إلى خمر، ومنها بيع الخمر، وشراء الخمر، ومنها الجلوس في مجلس الخمر. إذن فالخمر أم الخبائث، فهي حرام وبالإجماع.

أمثلة على الإجماع العام في أركان الإسلام وعباداته

أن ترك الصلاة يجوز، أو أن الصيام — صيام رمضان — ليس ركنًا من أركان الإسلام؛ لم يقل هذا أحد من المسلمين إطلاقًا، ما دام من أهل القبلة وما دام يتوجه إلى قبلة الكعبة في الصلاة، فإنه يقول: هذا لم يستبح أحد هذه الأشياء. هذا إجماع.

لم يقل، لم يختلف المسلمون على مكان البيت، ولا الحج، وأن الحج عرفة. المسلمون [أجمعوا] على أن صلاة الظهر أربع ركعات، أو أن الصلوات المفروضة خمسة، أو أن وهكذا. فالإجماع مساحته موجودة، وإنكار الإجماع هذا أمر فيه تذويب للأمة.

التفريق بين الإجماع العام وإجماع المذاهب الأربعة الخاص

ولكن الحقيقة أن هناك إجماعًا عامًا وإجماعًا خاصًا، وهذا هو الذي دعا هؤلاء [المنكرين للإجماع] إلى أن خلطوا ولم يفرّقوا ما بين الإجماع العام الذي ذكرنا أمثلته، وبين إجماع المذاهب الأربعة مثلًا.

فالمذاهب الأربعة قد أجمعت على حرمة جمع الرجل بين المرأة وخالتها والمرأة وعمتها لحديث البخاري، إلا أن المذهب الاثني عشري يجيز هذا. إذن الفقه الإسلامي الواسع يجيز هذا [بينما] الأئمة الأربعة عندهم أنه [لا يجوز].

الخلاف بين المذاهب الأربعة والجعفرية في أخذ الأجر على الكفالة

لا يجوز أخذ الأجر على الكفالة [عند الأئمة الأربعة]، ولكن الجعفرية عندهم أنه يجوز أخذ الأجر على الكفالة.

ماذا يعني أنني كفلتك؟ كفلتك تعني أنني ضممت ذمتي إلى ذمتك عند تعذّرك في سداد دينك؛ أي أنني أقول: هذا الرجل أنا كفيله، وكونه كفيلًا يعني أنني سأسدد عنه عندما لا يستطيع السداد.

هل يجوز أن آخذ منك مالًا مقابل هذه الكفالة؟ أقول له: أنا حميتك، أنا كفلتك. فقالوا [أي الأئمة الأربعة]: الكفالة من باب رفع الضيق عن الصديق، فليس من الشهامة ولا الكرامة أن أطلب فيها مالًا؛ فهو في حد ذاته عندما يمارس الشهامة ويمارس الكرامة، لا ينبغي أن يطلب مقابلها مالًا.

حجة الجعفرية في جواز أخذ الأجر على الكفالة والفرق بين الإجماعات

يقول [قائل]: أنا أكرمتك وبيتك عندي وضيّفتك، هات الآن أموال الطعام الذي أكلته! ليس هذا من الشهامة ولا الكرامة ولا من المروءة. فقالوا [أي الأئمة الأربعة]: لا يجوز أخذ الأجر على الكفالة.

الجعفرية قالت: ما الذي يمنع أخذ الأجر على شيء فيه منفعة، خاصة إذا ضممت ذمتي إلى ذمته ولم أدفع أموالًا؟ هو استطاع أن يسدد الدين، لكنه ما كان يأخذ الدين من الدائن إلا عندما أدخلته في وجاهتي وفي ملاءتي المالية، وأنني موسر — يعني ومعي نقود وفي كذا وكذا.

يكون إذن اختلاف بين الفقهاء: هل نأخذ الأجر على الكفالة؟ قوم يقولون وأجمعوا. أجمعوا — الذين هم مَن أجمعوا؟ ليس إجماع الأمة. هذا الذي أجمعوا هنا المذاهب الأربعة، أو الذي أجمع هنا أهل السنة.

مفهوم العمل الفاسي عند المالكية كنموذج للإجماع الخاص

أهل مصر، علماء مصر [قد يجمعون على شيء]، ولذلك توجد مسألة عند المالكية اسمها العمل الفاسي.

ما هو العمل الفاسي هذا؟ العمل الفاسي هو أن علماء فاس أجمعوا على شيء معين. نعم، هذا ليس إجماع الأمة، ولذلك فهذا من قبيل الإجماع الخاص.

خطورة تصيير الدين كله قطعياً وعلاقته بالتطرف والتفجير

القطعي والظني مسألة في غاية الأهمية؛ لأننا وجدنا من صيّر الدين كله قطعيًا وهو ليس كذلك. الدين منه قطعي ومنه ظني.

ولأنه صيّر الدين كله قطعيًا فإنه فجّر نفسه؛ عندما صار الدين عنده كله قطعيًا، هو عنده يقين أن الذين أمامه كفار، وعنده يقين أن الله أمرنا أن نقتل الكفار، وعنده يقين أنه عندما يقتلهم سيدخل الجنة.

هذه العقلية — عقلية اليقين في كل شيء — هي التي أدت إلى وجود هؤلاء الفسقة، هي التي أدت إلى وجود هذا الصنف من الناس الذي يفتري على الله كذبًا بغباوة ذهنه؛ لأنه يقول: أنا على الحق ولا حق غيري ولا حق سواي.

الإجماع العام هو القطعي وكتب حصر الإجماعات عند ابن حزم وابن المنذر

إذن هذه مصيبة كبرى وقعنا فيها في هذه الأيام مع هؤلاء النابتة وهؤلاء السفلة الذين يشوّهون صورة الإسلام بغباوة هذه الظنون.

والإجماع لا بد منه، الإجماع هو القطعي، لكن الإجماع منقول وهو صغير. عندما ألّف ابن حزم ألّف [كتاب] مراتب الإجماع وهو كتاب صغير، وعندما ألّف ابن المنذر ألّف كتابًا صغيرًا في حصر الإجماعات.

ولكن المقصود بالحجية هو الإجماع العام؛ إجماع المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمرٍ من الأمور الشرعية.

مساحة الإجماع في العبادات والمحرمات وبقية الدين فيها اجتهاد ونظر

فالكل أجمع على العبادات، والكل أجمع على المحرمات، والكل أجمع على أركان معينة للإسلام، الكل أجمع وهكذا.

ولكن بقية الدين فيها نظر، فيها اجتهاد، فيها تغيير بتغيّر الزمان، بتغيّر المكان، بتغيّر الأحوال، فيها فسحة من الأخذ والرد.

ولكن أنا لا أتكلم عن الجزئيات، أنا أتحدث عن العقلية، لا أتحدث عن الجزئيات وإنما أتحدث عن التربية.

خطورة تربية الشباب على أحادية النظرة وافتقادهم لأدوات الاجتهاد

إذا ربّينا شبابنا على أحادية النظرة ينتج داعش، وتنتج الجماعة الإرهابية، وتنتج مثل هذه الأشياء.

لماذا؟ لأنهم سيتعاملون مع النصوص بما يفهمون بالمردود الأولي للكلام. وهل يفهمون أنهم يفتقدون اللغة، أنهم يفتقدون قواعد أصول الفقه، أنهم يفتقدون مراحل الاجتهاد، وهم يفتقدون إدراك الواقع، وهم يفتقدون ملكة وصل النصوص المطلقة بالواقع النسبي لتحقيق المقاصد الشرعية، وهم يفتقدون إدراك المصالح المرعية، وهم يفتقدون رؤية المآلات التي ستُرى والتي يجب عليّ أن أفهم من خلالها. إنهم يفتقدون كل ذلك، ولذلك فإن كلامهم باطل وإن تصرفاتهم خطيرة.

خطورة سفك الدماء وأهمية فهم حقيقة الدين وتوريثه للأجيال القادمة

تبدأ [خطورة تصرفاتهم] بما ذكرناه في مجال العبادات، وتنتهي إلى الدماء التي تجري زكية بريئة، سيحاسبون عليها يوم القيامة. فإن المرء في فسحة من دينه ما لم يمسّ دمًا، فإذا مسّ دمًا فإنه يكون قد دخل في أمر الله سبحانه وتعالى، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

كل الذي نريده أن نفهم بعمق: ما الفرق بيننا وبينهم؟ وما هي حقيقة ديننا الذي تلقّيناه عن مشايخنا وآبائنا وأجدادنا، لنؤديه مرة أخرى بصورة لافتة للنظر لأبنائنا وأحفادنا وللعالم كله.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.