هذا ديننا | 42 | نظرية الْإلْحَاقِ | أ.د علي جمعة
- •الحُجَج في ديننا هي الكتاب كمصدر أول والسنة كمصدر ثانٍ، وتناول الأصوليون طرق توثيقهما وفهمهما.
- •بيّن العلماء أدوات فهم النصوص كاللغة العربية، والمطلق والمقيد، والعام والخاص، والمجمل والمبين، والناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول والورود.
- •التعامل مع الدين يكون بالإيمان بالقطعي في موضعه والظني في موضعه، وهذا ضروري لتجنب الفوضى التي تؤدي للتطرف.
- •أضاف العلماء الإلحاق (القياس) لأن النصوص متناهية والأحداث غير متناهية.
- •للقياس أربعة أركان: الأصل (النص من كتاب وسنة)، والفرع (المسألة الجديدة)، والحكم، والعلة.
- •مثال القياس: تحريم الخمر لعلة الإسكار، فكل مسكر جديد يقاس عليها ويحرم لوجود العلة نفسها.
- •سؤال "لماذا" يكشف العلة وراء الأحكام الشرعية ويوضح قصد الشارع، كتحريم المسكر لحفظ العقل الذي هو مناط التكليف.
مقدمة الحلقة ومراجعة ما سبق من موضوعات أصول الفقه
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون وأيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات ديننا.
في هذه الحلقة، وقد استعرضنا سويًا كيف يفكر المجتهد وماذا فعل وماذا كتب في أصول الفقه؛ فقد كتب عن الحُجِّية: ما الحجة في ديننا؟ وتلخَّص له أن الحجة الكتاب والسنة؛ الكتاب هو المصدر الأول، والسنة المصدر الثاني.
أدوات فهم الكتاب والسنة من اللغة العربية وعلوم الأصول
وأيضًا [بحث الأصوليون في] كيف نوثق الكتاب والسنة، فتكلم الأصولي عن هذا. ثم ثالثًا: ما الأدوات التي يمكن أن أفهم بها الكتاب والسنة؟ فتكلم عن اللغة العربية، عن المطلق والمقيد، عن العام والخاص، عن المجمل والمبين، عن الناسخ والمنسوخ، عن أسباب النزول، عن أسباب الورود.
وتكلم في هذا كثيرًا حتى يبين لنا كيف نفهم [النصوص الشرعية]. تكلم عن الحقيقة والمجاز، تكلم عن السياق والسباق واللحاق، تكلم عن دلالات الألفاظ، تكلم عن مجموعة من المسائل تكلم عنها بتوسع.
التفريق بين القطعي والظني ونظام التعامل مع الدين
أيضًا [تكلم الأصوليون] عن القطعي والظني؛ لأننا عندما فهمنا القرآن وبعد ما فهمناه وجدنا أن مساحة منه ومن فهمنا للسنة هي أيضًا تقابل مساحة أخرى، هذه قطعية وتلك ظنية، وأن القطع قليل وأن الظن واسع.
ولذلك فنظام التعامل مع الدين أن نؤمن بالاثنين معًا: القطعي في موضع القطع، والظني في موضع الظن. ورأينا أن بعض الناس يريدون تغيير معالم الدين، ولا يُعَدُّ هذا أي نوعٍ من أنواع التجديد؛ فالتجديد له أصوله وله قواعده وله أهدافه وله طريقته وله نتائجه، وليس من كل ذلك الفوضى في الفهم.
خطورة الفوضى في الفهم وأثرها في التطرف وعدم التفريق بين المفاهيم
الفوضى هي التي سوف تأتي لنا بجماعة التطرف والتشدد والإرهاب، وعزل الأمور بعضها عن بعض. وسوف تأتي لنا بعقلية غير فارقة، لا تفرق بين النص وفهم النص، ولا تفرق بين المطلق والمقيد، ولا تفرق بين العام والخاص، ولا تفرق بين القطعي والظني، ولا تفرق بين أي شيء في أي شيء.
وكلما جاء له خاطر فإنه ومن منطلق ذلك الخاطر كأنه هو النبي، وكأنه هو الموحى إليه، وكأنه هو يعني صوت الله في أرضه، كأنه هو هكذا، فإنه يفعل كل هذا.
مفهوم الإلحاق في أصول الفقه وسبب نشأته عند الأصوليين
عرفنا الكتاب والسنة، وعرفنا التوثيق، وعرفنا أدوات الفهم، وعرفنا الإجماع وما ترتب عليه. أضافوا [الأصوليون] شيئًا آخر وأسموه بالإلحاق.
والإلحاق كما يقول الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني جاء من أن نصوص الشريعة متناهية؛ القرآن ستة آلاف ومائتان وستة وثلاثون آية كما ذكرنا، والسنة لا تزيد إطلاقًا عن ستين ألف متن للحديث. ولكن المختص بالفقه من كل هذا خمسة بالمائة.
دعوة الدين إلى عمارة الأرض والتمتع بنعم الله من خلال العبادة
والمختص بالأخلاق وبالحياة التي ندعو الناس إلى أن تحب الحياة من خلال الدين، وندعو الناس إلى أن تعمر الأرض وأن تتمتع بما خلقه الله سبحانه وتعالى في هذا الكون من خلال الدين، ونعمر الأرض ونحن ننظر إلى هذا الكون من خلال عبادة الله.
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
إذن هذه المواضيع [التي تناولها علم أصول الفقه]: الكتاب والسنة، ثم بعد ذلك قضايا التوثيق والفهم، ثم بعد ذلك القطعي والظني.
مفهوم القياس وأهميته في مواجهة الأحداث المتجددة غير المتناهية
أتى [الأصوليون] بشيء أسموه الإلحاق وهو القياس. النصوص متناهية والأحداث غير متناهية؛ كل يوم، كل يوم هو في شأن، كل يوم جديد.
ولذلك عدد الأسئلة التي ستُطرح في فعل الإنسان كثيرة جدًا، فكيف ألتزم بروح الشريعة؟ كيف ألتزم بفكر هذه الشريعة؟ صنعوا [العلماء] أداة معقدة دقيقة اسمها القياس أو الإلحاق، وهذا القياس عبَّر عنه بعض العلماء بأنه هو عين الاجتهاد.
أركان القياس الأربعة وشروطها ودرجاتها العملية المعقدة
والقياس له أركان أربعة، وكل ركن من هذه الأركان لها شروط، وكل ركن من هذه الأركان له أحوال وله درجات عملية معقدة للغاية. نجلس ندرس في القياس هذا الذي يستغرق وقتًا طويلًا؛ لكي ندرك بدقة كيف نمارس فتوى أو حكمًا أو رأيًا حول شيء جديد لم يكن موضوعه موجودًا من قبل.
فالقياس له أربعة أركان: الركن الأول هو الأصل، والأصل معناه الكتاب والسنة، والأحاديث معناها أنه يجب علينا أن يكون هذا الشيء موجودًا في الكتاب والسنة. الأصل على الدوام كلمة الأصل معناها ذلك الحكم الموجود أو ذلك الشيء الموجود حكمه في الكتاب والسنة.
شرح العلاقة بين الأصل والفرع والعلة والحكم في القياس
والفرع هذا الركن الثاني ليس موجودًا في الكتاب والسنة، الكلام على هذا الفرع [أنه مسألة جديدة لم يرد فيها نص]. الأصل له حكم وله علة، والفرع له علة، فإذا [اشتركا في العلة كان] له حكم [مثل حكم الأصل].
الأربعة [أركان القياس هي]: الأصل وعلته وحكمه والفرع، ولا بد أن يكون [الفرع] ذات نفس علة الأصل. فهم أربعة فقط: الأصل والحكم والعلة والفرع. ينتج من هذا القياس نتيجة وهي حكم الفرع.
تطبيق القياس على مثال الخمر وبيان حكمها وعلتها
ما هذا الكلام؟ كيف [نفهمه] ببساطة؟ فكروا: قالوا مثلًا نحن عندنا الخمر، هذا الخمر عبارة عن شيء اسمه خمر، زجاجة كهذه تسمى خمرًا، ونريد أن نرى كيف يكون فعل الإنسان فيها.
هل هذه الخمرة يجوز شربها؟ السؤال هو هذا، وعلى فكرة، القياس كله أسئلة يطرحها الفقيه على نفسه ويتتبع كل جزء منها. فهل هذه الخمر يجوز للإنسان أن يشربها؟ الذي يريد طاعة الله سبحانه وتعالى: لا يجوز. فيقول: إذن الخمر هذه هي الأصل، ما حكمها؟ حرام.
البحث عن علة تحريم الخمر وهي الإسكار الذي يحجب العقل
فيسأل [الفقيه] نفسه: لماذا؟ لماذا الخمر حرام؟ يعني لماذا حرَّم ربنا هذا السائل؟ وبعد بحث طويل وكلام دقيق، يصل إلى أشياء نحن نعرفها جميعًا الآن من مجهود هؤلاء الناس وتأملهم الدقيق، فيقول: حرام لأنها مُسكِرة، تسبب السُّكر.
لا بد أن يدرس إذن ما هو هذا السُّكر وما هي المادة الفعالة التي في الخمر والتي جعلت فيه سكرًا، وهذا السكر هو العلة [أي السبب الذي بُني عليه الحكم].
تطبيق القياس على المسائل الجديدة بإلحاق المسكرات بالخمر
جاءتني مسألة جديدة وأريد أن أرى: هل هي حلال أم حرام؟ سائل كهذا، هذا السائل الجديد الذي لم يكن موجودًا قبل ذلك في الصناعات القديمة، أبحثه: هل هذا مسكر؟ فقال لي: نعم، هذا يسبب الإسكار.
قلت له: إذا كان الخمر محرمة لأنها مسكرة، فتكون الأشياء الجديدة المسكرة محرمة مثلها. هذا تفكير منطقي.
السؤال الثاني: لماذا حرَّم ربنا المُسكِر؟ لماذا لم يسمح لنا بشرب هذا المسكر؟ وحسب، يفكر الفقيه هكذا. لماذا قال ذلك؟ قال: لأن الإسكار يحجب العقل عن التفكير والتركيز والتدبر الذي أُمرنا به، وأن نتدبر في القرآن وأن نتأمل في السماء وأن نحن ننظر في الأرض ونأخذ العبرة من التاريخ.
العقل مناط التكليف وحكم التخدير في الضرورة الطبية
ولأن هذا العقل هو مناط التكليف، فإن الله تعالى أراد أن يحافظ على العقل في حالة الاختيار، ولا نترك هذا العقل إلا إذا كنا سندخل في عملية جراحية؛ فبدلًا من أن نموت من الألم، أجاز لنا البنج - المخدر - الذي [يُغيِّب العقل]، لكن بإرادتي هكذا وفي حالة كهذه.
أكون قد تنازلتُ عن التكليف الذي أمرنا الله به، والذي بموجبه نُصلي ونصوم ونعبد ونذكر وندعو ونعمر الأرض وهكذا.
تطبيق عملي للقياس على أنواع المشروبات المسكرة المختلفة
فإذا كان الخمر أصل، الحكم فيها أنها حرام، والعلة أنها مسكرة، فلو ظهر أي شيء كفرع جديد وجاء ليقول لي: هذا أنا، هذا ليست خمرًا. قلت له: إذن ما هذا؟ قال لي: هذه زجاجة ويسكي. قلت له: هل هي مُسكِرة؟ قال لي: نعم. قلت له: إذن هي حرام.
قال: طيب، الشامبانيا؟ قلت له: هل هي مُسكِرة؟ قال لي: نعم، إنها مُسكِرة. قلت له: إذن هي حرام.
ولذلك المسلمون دائمًا ومن دون نقاش يسمون البيرة خمرًا، يسمون الويسكي خمرًا، يسمون الشامبانيا خمرًا. وأي شخص سيأتي إليَّ ويقول: إن أنواع الخمر عندنا عدة أنواع وعدة ماركات وعدة [أصناف]، فأقول له: ما يهمني هو هل هو مُسكر أم لا؟ فإذا قال: نعم إنه مُسكر، قلت له: إذن هو حرام.
منهجية القياس في تعميق الفهم من خلال تتبع العلل وعلل العلل
هذه قضية القياس: من كلمة لماذا نعرف العلة، ثم نسأل لماذا مرة أخرى فهذا يعرفنا العلة الثانية، أي علة العلة. فنعرف لماذا جعل الله المُسكِر حرامًا: لأنه يُذهِب العقل. فلماذا حرَّم الله ذهاب العقل؟ لأن العقل مناط التكليف.
نجد أنفسنا أمام ثلاثة أسئلة، كل سؤال ينقلنا إلى مستوى أعمق في الفكر. طبَّقوا [العلماء] هذه المنهجية مع كل الفقه، من أول الطهارات إلى نهاية الشهادات والقضاء والشهادات.
خلاصة مفهوم القياس ودوره في التفكير وفق الشريعة الإسلامية
إذا هذا هو الفهم، أو هذا المفهوم هو الذي يجعلنا نفكر وفق الشريعة، وهو ما يُسمى بالقياس.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
