هذا ديننا | 43 | نظرية التَّعَارُضِ وَالتَّرْجِيحِ ج1| أ.د علي جمعة - هذا ديننا

هذا ديننا | 43 | نظرية التَّعَارُضِ وَالتَّرْجِيحِ ج1| أ.د علي جمعة

14 دقيقة
  • تحدث العلماء المسلمون عن منهج للتفكير طبقوه في النصوص الشرعية والواقع المحيط، مما أنتج نظريات في الحجية والتوثيق والفهم والقطعية والظنية والإلحاق.
  • ركز العلماء على قضية التعارض والترجيح عند تعارض النصوص ظاهرياً، حيث بحثوا عن طرق للجمع بينها من خلال دراسة السند والمتن.
  • كان للعلماء قدرة مبدعة على إدراك الواقع والمصالح ومقاصد الشريعة وفهم اللغة العربية وتصوير الإسلام بصورة رائقة.
  • افتقد النابتة من الخوارج والجماعات المعاصرة هذا المنهج، فرفضوا أصول الفقه وادعوا الاستقلال بالفهم مباشرة من الكتاب والسنة دون أدوات.
  • أدى هذا الخلل المنهجي إلى ضياع دماء وأموال وأعراض بسبب سوء فهم النصوص وطرق الترجيح.
  • يوضح مثال ركعتي الطواف في أوقات النهي تعدد مناهج العلماء في الجمع بين النصوص المتعارضة ظاهرياً، عبر استثناء الزمان أو المكان أو اعتبار سبب الصلاة.
محتويات الفيديو(16 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج ديننا

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات ديننا.

ملخص ما سبق من حلقات حول القرآن والسنة ومنهج الأصوليين

سرنا سويًا ونحن نتحدث عن القرآن الكريم وعن أنه هو المصدر والحجة، وكيف وصل إلينا، وبعض من جهات إعجازه. سرنا سويًا [في حلقات سابقة نتعرف على] كيف وصلت إلينا السنة المشرفة، وما ألهم الله سبحانه وتعالى به الأمة من حفظ القرآن ومن حفظ السنة.

سرنا سويًا [نتعرف على] كيف أن الأصوليين قد وضعوا منهجًا للتفكير، وهذا المنهج لم يطبقه فقط في النصوص الشرعية، بل أيضًا طبقه في الواقع المحيط بنا، وأنه خرج بنظريات سبع:

النظريات السبع للأصوليين من الحجية إلى التعارض والترجيح

الحجية، وتكلمنا عنها، ثم التوثيق، ثم الفهم — كيف نفهم النص — ثم القطعية والظنية، ثم الإلحاق. وتكلم أيضًا — وقد تكلمنا عن كل هذا — على قضية التعارض والترجيح.

فإذا تعارض نصان فإن الأصولي يجلس من أجل أن يفك هذا التعارض الظاهري؛ فهذا التعارض يستحيل أن يكون من جهة الشرع الشريف، ولكن لا بد أن أحد النصين قد خصص النص الآخر، أو قد ألغى النص الآخر، أو قد كان هذا في زمان وكان هذا في زمان آخر، فالجمع بينهما من جهة معينة إلى آخر تلك الاحتمالات الكثيرة.

البحث في السند عند تعارض النصوص ومجال الترجيح عند العلماء

وإذا تعارض نصان في ظاهرهما، بَحَثَ [الأصولي] عن السند حتى يَرَى الذي هو أصح من الآخر في سنده. وكان هذا المجال — مجال التعارض والترجيح — كان مجالًا واسعًا كبيرًا للعلماء في أن يبين كل واحد منهم مدى إمكانية التصور المبدع للمآلات، لمآل الأفعال، لما سوف تترتب عليه تلك الأحكام.

والقدرة المبدعة لإدراك الواقع، ولإدراك المصالح، ولإدراك تحقيق مقصد الشرع من شرعه — المقاصد الشرعية — وإدراك كُنه وعمق اللغة العربية، وإدراك هذه الهيئة للإسلام والتي تصور الإسلام صورة رائقة فائقة عند العالمين.

دور المجتهد في تقديم الإسلام وخطر النابتة الذين حطموا منهج العلماء

بحيث ألا يكون المجتهد عائقًا ولا حجابًا بين الخلق وبين الخالق، وألا يصد عن سبيل الله بغير علم. كل هذه العناصر افتقدناها عند النابتة الذين ظهرت لنا عقولهم تختلف عن عقول تراث الأمة وعلماء الأمة في السابق واللاحق، في السلف والخلف، في الماضي وفي الحاضر، بل وفي المستقبل.

لأنهم حطموا كل هذا الذي بناه العلماء عبر القرون، وأرادوا أن يستقلوا بالفهم مباشرة من الكتاب والسنة من غير أدوات، ومن غير ترتيب، ومن غير معرفة لتلك الخريطة التي رسمها لنا السلف الصالح.

عواقب فقدان المعيار الأصولي وضرورة وصل النص المطلق بالواقع النسبي

وهنا ظهرت أمورٌ وستظهر أمورٌ أخرى أشدُّ وأنكى عندما نفقد هذا المعيار، وعندما نفقد هذا الإحساس بالنص، وعندما نفقد هذا الإدراك للواقع، وعندما نفقد هذه القدرة على وصل النص المقدس المطلق عن كل زمان وعن كل مكان بهذا الواقع النسبي المتغير المتداخل المتشابك الذي ينبغي علينا أن نوقع عليه هذا المطلق.

افتقد النابتة من الخوارج ومن الجماعات هذا الأمر.

وصف النابتة لأصول الفقه بالطاغوت ورفضهم للعلم والتأني

ولذلك رأيناهم وسمعناهم بآذاننا وهم يقولون إن أصول الفقه طاغوت قد عبدوه من دون الله! فصار العلم طاغوتًا، وصار العلم مرفوضًا، وصار العلم والتأني والتوقيع عن رب العالمين غير مقبول.

حتى أن بعضهم اعترض على عنوان كتاب ابن القيم [إعلام الموقعين عن رب العالمين]، واعتقد أن العالِم ليس موقِّعًا عن رب العالمين! العالِم استعظم ما يقوم به فخاف الله، ارتعشت يده من أن يكتب شيئًا قبل التدقيق والتحقيق والترقيق والتزويق والتنميق، وهذه مراحل صياغة العبارة.

صدق ابن القيم في عنوانه واعتراض من يرى أن كل أحد يجوز له الإفتاء

اتقى [العالِم] الله في نفسه وعرف أنه وكأنه يوقع عن رب العالمين، وصدق ابن القيم رحمه الله تعالى في عنوانه.

ولكن هذا [المعترض] يعترض. لماذا يعترض؟ لأنه رأى أن كل أحد يجوز له أن يفتي وأن يتكلم وأن يحكم. كان هذا العنوان رادعًا لأنصاف العلماء ولبعض المثقفين من أن يستهينوا وأن يستعظموا؛ يستهينوا بالحكم الشرعي وأن يستعظموا ما يكتمونه.

الرد على من يستخف بالعلم الشرعي ويعتبره مجرد تبارٍ أدبي

سمعنا بعضهم وهو يقول: أتريدون أن نقصف أقلامنا؟ وكأن المسألة هي عبارة عن تبارٍ في العبارات الأدبية أو في الرؤى والأفكار، والأمر ليس كذلك، بل إنها قواعد وعلوم لا ينبغي لغير المتعلمين بها أن يقولوا بما لم يعلموا وأن يذكروا ما لم يفهموا.

هذا الأمر ترتبت عليه دماء كثيرة، وهذا الأمر ترتب عليه خروج عن النظام العام، وهذا الأمر ضاعت بهِ الأموالُ وضاعت بهِ الأوقاتُ، وضاعت بهِ الأعراضُ.

الفرق بين منهج العلماء في الترجيح ومنهج النابتة الذين يكفرون المخالف

كلُّ ذلك من أمرٍ يُسمى التعارض والترجيح. كيف تُرجِّح بين النصوص؟ العلماءُ قَبِلَ بعضُهم بعضًا وعَرَفَ أنَّ هناك أساليبَ مختلفةً للوصول إلى الحق.

ولكنَّ هؤلاء [النابتة] رأوا الحقَّ واحدًا لا يتغيّر، وأنَّ الأساليبَ كلَّها لا بدَّ أن تكون على هواهم، فمن كان مخالفًا لهم فهو يستحق القتل ويستحق التكفير والتفسيق منهم.

مثال على التعارض والترجيح من حديث الطواف والصلاة في أي ساعة بمكة

التعارض والترجيح، نضرب له مثالًا من السنة المشرفة:

قال النبي ﷺ: «يا بني عبد مناف، لا تمنعنَّ أحدًا طاف بهذا البيت في أي ساعة شاء من ليل أو نهار أن يصلي لله ركعتين»

سدنة البيت الحرام وخُدَّام البيت الحرام لديهم توجيه نبوي ألا يمنعوا من طاف بالبيت أن يصلي ركعتي الطواف في أي ساعة شاء من ليل أو نهار.

أوقات النهي عن الصلاة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم

ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه نهى عن أوقات بعينها، نهى عن الصلاة فيها: فنهى عن الصلاة بعد العصر إلى الغروب، وبعد الفجر إلى الشروق، وعند استواء الشمس في وسط السماء — أي قبل الظهر بنحو أربع دقائق أو خمس دقائق.

هذا يُسمى وقت النهي: ثلاثة إجمالًا وخمسة تفصيلًا. لا تُصلي بعد صلاة الفجر نافلة، تجلس للتسبيح وللدعاء وللذكر وللدرس وللقراءة، ولكن ليس هناك صلاة بعد صلاة الفجر إلى الشروق.

تفصيل أوقات النهي الخمسة عن صلاة النافلة وبيانها

وعند شروق الشمس — هذا تفصيل آخر — وقتان: بعد الصلاة وعند الشروق، وعند الاستواء عندما تصل الشمس إلى درجة تسعين في القبة السماوية تُمنع الصلاة. نحن نؤذن [لصلاة الظهر] عندما تكون الشمس في درجة واحد وتسعين، والشمس تبقى في الدرجة أربع دقائق.

فإذن، قبل صلاة الظهر بحوالي أربع أو خمس دقائق تُمنع صلاة النافلة، وكذلك بعد صلاة العصر، وكذلك عند غروب الشمس. خمسة إجمالًا، لكن يمكن أن نقول: من بعد صلاة الفجر إلى الشروق، ومن بعد صلاة العصر إلى الغروب، وعند الاستواء — ثلاثة إجمالًا.

التعارض الظاهري بين حديث الطواف وحديث أوقات النهي وطرق الجمع بينهما

لما جاءنا الحديثان أصبح هناك تعارض. إذا طفت بعد العصر، هل أصلي أم أنني قد دخلت في نهي الحديث الآخر؟

إذا يمكن أن نقول جمعًا بين الحديثين:

قال النبي ﷺ: «يا بني عبد المناف، لا تمنعنَّ أحدًا طاف بهذا البيت أن يصلي لله ركعتين في أي ساعة شاء من ليل أو نهار»

[أي] إلا هذه الأوقات الثلاثة التي سبق أن نهيت عنها [وهذا استثناء الزمان]. وإما أن نعكس ونقول: الصلاة مكروهة في كافة أركان الأرض في هذه الأوقات الثلاثة إلا في مكة [وهذا استثناء المكان]. فإما أن نستثني الزمان وإما أن نستثني المكان، وبذلك فلا تعارض بين الحديثين.

رأي الإمام الشافعي الثالث في ذوات الأسباب وأوقات الكراهة

ويأتي الإمام الشافعي من أجل أن يوجد لنا حلًا ثالثًا؛ فهناك من قدم الزمان وهناك من قدم المكان، ولكن الإمام الشافعي قال: كل صلاة لها سبب يكون سببها سابقًا أو مقارنًا نصليها في أي وقت وليس هناك كراهة، وأوقات الكراهة مخصوصة بما لا سبب له وبالسبب اللاحق.

ومن أجل أن نفصِّل هذا الكلام للإمام الشافعي، سننشئ حلقة قادمة نفسر فيها كلامه الذي هو رأي ثالث يضاف إلى رأيَي استثناء المكان واستثناء الزمان.

خاتمة الحلقة والتأكيد على الفرق بين تفكير العلماء وتفكير النابتة

حتى نعلم الفرق بين طريقة تفكير السلف والعلماء والمجتهدين والأمة الإسلامية، وبين تفكير النابتة — هداهم الله.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.