هذا ديننا | 44 | نظرية التَّعَارُضِ وَالتَّرْجِيحِ ج2| أ.د علي جمعة
- •تناول البحث مسألة التعارض والترجيح في أصول الفقه، مستعرضاً تعارضاً ظاهرياً بين حديثين: الأول ينهى عن الصلاة في أوقات معينة، والثاني يجيز الصلاة بعد الطواف في أي وقت.
- •قدم العلماء حلولاً متعددة لهذا التعارض: بعضهم استثنى المكان (مكة)، وبعضهم استثنى الزمان.
- •طرح الإمام الشافعي حلاً مبتكراً بتقسيم الصلوات إلى أربعة أنواع بحسب سببها: ما سببه سابق كتحية المسجد والطواف، وما سببه مقارن كصلاة الكسوف، وما سببه لاحق كصلاة الاستخارة، وما ليس له سبب.
- •رأى الشافعي أن النهي يشمل النوعين الأخيرين فقط، بينما يجوز أداء النوعين الأولين في أوقات الكراهة.
- •عاش العلماء متفقين على القطعيات مثل تحريم الزنا والربا، ومختلفين في المسائل الاجتهادية دون تخاصم.
- •للمجتهد المخطئ أجر، وللمصيب أجران أو عشرة، بشرط اتباع القواعد الشرعية المنضبطة.
مقدمة الحلقة والتذكير بنظرية التعارض والترجيح في أصول الفقه
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون وأيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات ديننا.
تكلمنا عن نظرية سادسة في أصول الفقه وهي التعارض والترجيح، وأن العلماء قد وضعوا قواعد لهذا التعارض والترجيح.
مثال التعارض الظاهري بين حديث النهي عن الصلاة في أوقات بعينها وحديث الطواف
وضربنا مثلًا بحديثين قد يبدو لأول وهلة عند القارئ لهما أن بينهما تعارضًا:
الحديث الأول: حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ينهى فيه عن الصلاة في أوقات بعينها: بعد صلاة الفجر إلى الشروق، وعند استواء الشمس في كبد السماء عند درجة تسعين، وبعد العصر إلى الغروب. في هذه الأوقات يُكره لك أن تُنشئ صلاة النافلة.
الحديث الثاني: حديث آخر يقول:
قال رسول الله ﷺ: «يا بني عبد مناف، لا تمنعنَّ أحدًا يطوَّف بهذا البيت في أي ساعة شاء من ليل أو نهار أن يصلي لله ركعتين»
فهناك سنة تسمى بسنة الطواف، نصلي فيها ركعتين في مقام إبراهيم أو في أي مكان في المسجد إذا ازدحم المقام.
توجيه النبي لسدنة البيت الحرام وبيان التعارض الظاهري بين الحديثين
والنبي صلى الله عليه وسلم يوجه كلامه لسدنة البيت الكريم ولخدمة بيت الله الحرام أن لا يمنعوا أحدًا من الطواف في أي ساعة شاء من ليل أو نهار.
ويحدث هذا التعارض الظاهري: أيّ الحديثين نطبق بعد ما نطوف؟ هل نصلي وتكون مكة مستثناة؟ وكأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هذه الأوقات الثلاثة لا تصلِّ في أي مكان في الأرض فيها إلا في مكة، أو أنه: يا بني عبد المناف، لا تمنعنَّ أحدًا يطوَّف بهذا البيت أن يصلي لله ركعتين إلا في هذه الأوقات.
ما الذي نستثنيه؟ الزمان أم المكان؟ أنستثني مكة من سائر الأرض؟ أم نستثني هذا الزمن في مكة؟
رأي الإمام الشافعي في تقسيم الصلوات إلى ذات سبب وغير ذات سبب
الحقيقة أن قال بعض العلماء هذا [استثناء المكان] وقال بعض العلماء هذا [استثناء الزمان] جمعًا بين الحديثين. وجاء الإمام الشافعي برأي ثالث وقال: إن أي صلاة لها سبب وقد تكون ليس لها سبب.
إذن الصلاة نوعان: ما له سبب وما ليس له سبب. والسبب قد يكون سابقًا وقد يكون مقارنًا وقد يكون لاحقًا على الصلاة، والذي لا سبب لها لا سبب لها. فعندنا أربعة أنواع من الصلوات.
والسبب معناه الدافع لهذه الصلاة التي تصليها، ما هو الدافع؟
النوع الأول من الصلوات ذات السبب السابق كتحية المسجد وركعتي الطواف
فهيا بنا نرى: أنك دخلت المسجد، فسُنَّ لك صلاة ركعتين نسميهما صلاة تحية المسجد. السبب أو الدافع الذي دفعك لهذه الصلاة هو دخول المسجد.
هل الدخول كان قبل الصلاة أو مع الصلاة أو بعد الصلاة أو أنك تصلي من غير سبب؟ في الحقيقة، في تحية المسجد، السبب الدافع هو ما كان قبل الصلاة؛ لأنك دخلت المسجد ثم صليت، فجاءت الصلاة بعد الدخول.
طفت بالبيت العتيق، البيت الحرام، الكعبة المشرفة، وصليت ركعتين. الطواف: ما الذي دفعك لهذه الصلاة؟ سبب سابق عليها وهو الطواف الذي تم قبل الصلاة.
فالسبب السابق هو قبل إنشاء الصلاة، فتحية المسجد والطواف سببها واقع قبل الصلاة.
النوع الثاني من الصلوات ذات السبب المقارن كصلاة الكسوف والخسوف
لكن هناك أسباب قد تكون واقعة مع الصلاة مثل صلاة الكسوف وصلاة الخسوف. وعادةً الكسوف والخسوف في اللغة يُطلقان على هذا العارض الذي يحدث للشمس أو القمر، ولكن في الاستعمال خُصَّ الكسوف بالشمس وخُصَّ الخسوف بالقمر.
وسُنَّ لنا أنه إذا كُسِفَت الشمس أن نصليها ركعتين بطريقة عجيبة قليلًا ليست معتادة عندنا في الصلوات، وهي أن لها ركوعان، أي مثل ركعة: أركع ثم أقوم ثم أركع مرة أخرى، ولها سجدتان.
فالإنسان يقرأ الفاتحة ثم يقرأ ما تيسر معه من القرآن ويطيل، ثم يركع ثم يقوم فيقرأ ما معه من القرآن، ثم يركع مرة أخرى. هذه صورة غريبة عجيبة ليست موجودة في صلاة العيد ولا موجودة في تحية المسجد ولا موجودة في الجنازة ولا موجودة في ركعتي الطواف ولا موجودة أبدًا، هي مختصة بها صلاة الكسوف والخسوف.
صلاة الكسوف سنة غير مؤكدة وسببها مقارن لا سابق
وهي [صلاة الكسوف والخسوف] سنة يتركها كثير من الناس ولا يؤديها الكثيرون، وذلك لأنها حدثت مرة واحدة عند وفاة سيدنا إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تتكرر فهي سنة ليست سنة مؤكدة.
ولكن على كل حال، هذه الصلاة تشتمل على ركوعين. هل كان الكسوف قبل ذلك [الصلاة] أم مع؟ مع؛ لأنه لو كان قبل [الصلاة] لما كنا صليناها، خلاص فات وذهب وقتها.
ولذلك الكسوف أو الخسوف يكون معها، فالسبب هنا مع [الصلاة]، ليس قبل، ليس سابقًا، إنما هو مقارن معها.
النوع الثالث من الصلوات ذات السبب اللاحق كصلاة الحاجة والاستخارة والاستسقاء
وقد تكون صليت ركعتين من أجل قضاء الحاجة. وماذا يعني قضاء الحاجة؟ يعني أصلي ركعتين وبعدها أدعو: يا رب حقق لي هذا الأمر وكذا إلى آخره.
أو صلاة الاستخارة: أصلي ركعتين وبعد ذلك أقول: اللهم خِرْني في أمري، أأمشي يمينًا أم أمشي شمالًا؟ أأفعل هذا أم لا أفعله؟ لأنني بعد أن صليت، ما الدافع إليها؟ أستخير، استخرت، فتكون الاستخارة قد جاءت بعدها.
ثم بعد أن صليت طلبت الدعاء للحاجة، وبعد أن صليت سألت الله أن ينزل لنا المطر استسقاءً. فصلاة الحاجة وصلاة الاستخارة وصلاة الاستسقاء، كل السبب الخاص بها بعدها.
النوع الرابع الصلاة بلا سبب وتقسيم الإمام الشافعي للأنواع الأربعة
وهناك أيضًا أنني أصلي ركعتين لله هكذا، تصلي نافلة لله من غير سبب.
فيكون عندنا أربعة أنواع:
- سببها قبلها.
- وسببها معها.
- وسببها بعدها.
- وما لها سبب.
فالإمام الشافعي قال: النهي [عن الصلاة في أوقات الكراهة] إنما وقع على السبب الذي بعدها والسبب الذي ليس له سبب، فهذا يكون على الاثنين الأخيرين: الثالث والرابع. أما الأول والثاني [السبب السابق والمقارن] فيجوز في أوقات الكراهة في أي مكان في العالم أن أقوم بها.
تطبيق الإمام الشافعي لقاعدته في الصلاة بعد العصر وفي الكسوف
ولذلك ترى الإمام الشافعي عندما يدخل بعد صلاة العصر المسجد يصلي ركعتين [تحية المسجد]، وعندما يطوف في مكة بعد صلاة العصر يصلي ركعتين [سنة الطواف]، دائمًا يُصلّي ركعتين.
في خسوف الشمس، وإذا خسفت أو كسفت الشمس بعد صلاة العصر يُصلّي ركعتين. لماذا؟ لأن السبب السابق والمُقارِن فنُصلّي، أما السبب اللاحق والذي لا سبب له فلا نُصلّي، وهذا هو الذي جاء عليه النهي.
حل الإمام الشافعي المبدع للتعارض الظاهري بين حديثي الطواف والنهي
فإذن الطواف [كونه] سببًا سابقًا فليس هناك أيّ إشكال ولا جمع بين الحديثين ولا شيء، هذين الحديثين محلولان من الأساس.
هناك رأي آخر غير استثناء المكان واستثناء الزمان، هذا قال به بعضهم وهذا قال به آخرون، لكنه [الإمام الشافعي] جاء بحلٍ آخر أكثر إبداعًا وهو أنه أصلًا لا تعارض، وأن الصلوات هي التي قد قُسِمت هم أربعة أنواع من الصلوات: اثنان منها لا يجوز أن أصليهما وقت الكراهة، واثنان منهم يجوز أن أصليهما في وقت الكراهة.
قبول المسلمين لاختلاف المذاهب في الصلاة بعد العصر دون إنكار
ومن هنا نرى واحدًا دخل المسجد وجلس، قيل له: لماذا تجلس يا أخانا؟ قال: والله نحن بعد العصر وأنا مالكي، والمالكية عندهم أنهم لا يصلون بعد العصر.
وشخص آخر دخل فصلى ركعتين، قيل له: لماذا تصلي ركعتين؟ قال: لأنني دخلت المسجد. قلنا له: نحن الآن بعد العصر، فقال: هذا لأن سببها سابق، ولذلك أنا شافعي، والشافعية يرون أن السبب السابق يجوز معه الصلاة.
هذا قد قَبِلَ هذا [المذهب]، وهذا قد قَبِلَ ذاك [المذهب]، ولم يتخاصموا مع بعضهم، ولم يعترض بعضهم على بعض.
منهج الاجتهاد المنضبط بالقواعد الشرعية وعدم التشهي والاعتباط
لأنه نظام من الاجتهاد والقواعد التي تعمقت في المسألة، بحيث إنها لما وصلت إلى حكمٍ بقدر الوسع والطاقة ظنته أنه حكمٌ يرضي الله؛ لأنهم بذلوا فيه الوسع ولم يفعلوه تشهيًا ولا اعتباطًا ولا استسهالًا ولا استهانةً.
وإنما فعلوه عن تفكيرٍ وفعلوه عن قواعد وفعلوه بطريقةٍ مطَّردةٍ، فإنه دائمًا كل الصلوات التي سيكون سببها سابقٌ أو كل الصلوات التي سيكون سببها مقارنًا معها، كل الصلوات التي ستأتي يجوز أن أصليها في هذه الأوقات. وكل الصلوات التي سببها لاحق وكل الصلوات التي لا سبب لها ستكون منهيًا عنها في هذه الأوقات. وبذلك تُحَل المشكلة بطريقة ثالثة.
التفريق بين القطعي والظني في الأحكام الشرعية ومحل الإجماع والاجتهاد
عندما تدرب المسلمون على هذا [منهج الاجتهاد المنضبط] لم ينكر بعضهم على بعض إطلاقًا، وعاشوا سويًا وعرفوا هذا القطع والظن: أن القطع لا نختلف فيه.
فالكل يحرم الزنا والربا والخمور، والكل يحرم الكذب والفاحشة والبهتان والغيبة والنميمة، والكل يحرم السرقة والرشوة وأكل مال اليتيم، والكل يوجب الصلوات الخمس، وأن الظهر أربع ركعات، وأن القبلة هي مكة، وأن شهر الصيام هو رمضان.
الكل يتفق على ذلك، فهذا محل إجماع ومحل أنه لا نزاع فيه وليس محلًا للنظر والاجتهاد. ثم تأتي مثل هذه المسائل [الفرعية] فيكون هناك محل للنظر والاجتهاد.
أجر المجتهد المخطئ والمصيب وحديث الدارقطني في فضل الاجتهاد
قد يخطئ المخطئون وقد يصيب المصيبون، فمن اجتهد فأخطأ فله أجر، ومن اجتهد فأصاب فله أجران.
وأخرج الإمام الدارقطني:
«من اجتهد فأخطأ فله أجران»
لأنه بذل الوسع في تحصيل الحكم الشرعي بقواعد مرعية شرعية منضبطة، ومن اجتهد فأصاب فله عشرة.
فنرجو الله سبحانه وتعالى أن يجزل لنا الثواب فيما أقامنا فيه من محاولة إدراك الحكم الشرعي، مع الخوف من الله سبحانه وتعالى، ومع الرجاء في وجهه سبحانه وتعالى.
خطر النابتة التي خرجت عن قواعد الاجتهاد المنضبط وختام الحلقة
النابتة [الجماعات المتطرفة الحديثة] أحدثت حدثًا كبيرًا في الإسلام؛ لأنها خرجت عن كل هذه القواعد، وأصبح بعضهم يقرأ سواء أكانت المصادر الشرعية أو نتاج المجتهدين العظام وعلى ناظريه وعلى عينيه نظارة من مجموعة من الأساطير والخرافات والأبجدية المزيفة التي جعلته يرى شيئًا آخر.
فتعجب مما نقول وتعجبنا مما يقول.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
