هذا ديننا | 46 | الفقه الإسلامي (الطهارة) ج1 | أ د علي جمعة
- •الفقه الإسلامي يبدأ بكتاب الطهارة لأن تصحيح البدايات يؤدي لتصحيح النهايات، والوضوء مفتاح الصلاة التي تعد عماد الدين.
- •قالت السيدة نفيسة عن الإمام الشافعي: "كان رجلاً يحسن الوضوء"، مشيرة إلى أنه صحح بداياته فصحت نهاياته.
- •الطهارة مفتاحها الماء، والمياه إما نابعة من الأرض كالبحار والأنهار والآبار، أو قادمة من السماء كالأمطار والثلوج.
- •يسمي الفقهاء الماء المطلق ما كان على خلقته في مصادره الطبيعية، بينما المياه المقيدة مثل ماء الورد وماء الزهر.
- •تنقسم المياه إلى ثلاثة أقسام: ماء طهور وهو المطلق الذي يرفع الحدث ويزيل النجاسة، وماء طاهر لا يرفع الحدث كالشاي والقهوة، وماء نجس كالخمر.
- •يفرق العلماء بين الماء الوارد على النجاسة فيطهرها، والماء المورود حين تلقى النجاسة فيه.
- •الشرع يسر الطهارة ونهى عن الوسوسة فيها.
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين وملخص ما سبق من حلقات
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في ديننا اليوم.
وقد أطللنا إطلالة سريعة عبر حلقاتنا التي مضت على مصادر التشريع الإسلامي، وعلى كيفية تفكير المجتهد، وعلى كيفية توثيقه للنص الشريف وكيفية فهمه لهذا النص. وما هو الفرق بين العقلية التي ورثناها تعلمًا وبين ما هو شائع الآن في وسط الناس؛ مما أدى إلى انحراف بعض الشباب وإلى تمسكهم بأوهام وبرغبات وباحتياجات ما أنزل الله بها من سلطان.
بل إنه نعى عليها كيف أنهم اجتزأوا هذا النص، وكيف أنهم لم يقرأوا القرآن كجملة واحدة، وكيف أنهم لم يتعلموا العلوم المساعدة التي تعينهم على الفهم العميق، وكيف وكيف إلى آخر ما ذكرناه في حلقات متتالية سابقة.
بداية رحلة الفقه الإسلامي وأهمية تصحيح البدايات بالطهارة
اليوم نبدأ رحلة أخرى سويًا، نبدأ الرحلة مع الفقه الإسلامي. وعندما نفتح كتب الفقه الإسلامي فإننا نجد من العجب أنه قد بدأ بما يصح به الطريق؛ لأن تصحيح البدايات فيه تصحيح للنهايات.
وأول ما يصح به الطريق الطهارة، ولذلك نجد كتاب الطهارة والكلام عن الطهارة هو أول المفتاح.
مقولة السيدة نفيسة في الإمام الشافعي ومعناها العميق
يذكرنا هذا من الكلام الشريف المنسوب إلى السيدة نفيسة، وكانوا يسمونها بنفيسة العلم. عندما مات الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه - وهو قرشي مطلبي ملأ آفاق الأرض علمًا، وأسس لعقلية علمية سليمة تدعو إلى عمارة الدنيا وإلى الفهم الصحيح المستقيم - لما مات قالوا لها: ما مات الإمام الشافعي، فما تقولين فيه؟ فقالت: كان رجلًا يُحسن الوضوء.
بعض الناس ممن لا يقف على المعاني العميقة يظن أن هذه مقارنة من السيدة نفيسة بعلمها العميق مع علم الإمام الشافعي، وكأنها تتكبر عليه أو تتعالى عليه؛ لأنه ما يكاد أن يُحسن الوضوء. وليس الأمر كذلك.
وإنما مراد السيدة [نفيسة] رضي الله تعالى عنها - وكانت من السادة المتقين ومن النساء المتقيات لله سبحانه وتعالى - أنها تقول: لقد صحح الشافعي بداياته فصحت نهاياته.
الوضوء مفتاح الصلاة والصلاة عماد الدين وأهمية إقامتها
لأن الوضوء مفتاح الصلاة، والصلاة عماد الدين. فإذا صح الوضوء وصحت الصلاة صح الدين، وإذا صحت الصلاة صح الاعتماد على الله والتوكل على الله، وبذلك صح وعد الله لنا بالتوفيق.
ولذلك فإن من ترك الصلاة فقد ترك ركنًا مهمًا، وضيّع على نفسه فرصة لو عرفها لما ضيّعها؛ لأن الله سبحانه وتعالى يوفق بهذه الصلاة ويستر بهذه الصلاة. فالصلاة عماد الدين كما أنبأنا بذلك رسول الله، وجعلها صلى الله عليه وسلم ركنًا من أركان الإسلام، فقال:
قال رسول الله ﷺ: «بُنِيَ الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا» رواه البخاري ومسلم
هذه هي حقيقة الدين.
مصادر الماء المختلفة وأنواعه من الأرض والسماء
الصلاة مفتاحها الطهور والوضوء، والطهارة مفتاحها الماء. والمياه إما أن تكون نابعة من الأرض كالبحار والأنهار والآبار، وإما أن تكون قد أتت إلينا من السماء كالأمطار والثلج.
وكل هذه الصور لشيء واحد وهو حقيقة الماء. المياه التي خلقها الله سبحانه وتعالى في الآبار وفي العيون وفي الأنهار وفي البحار وفي الأمطار وفي الثلوج التي تنزل من السماء، كلها مادة واحدة لها هذه الأنواع أو التجليات المختلفة.
فماء البحار مالح، وماء الأنهار عذب، وماء المطر ينزل في العيون، وماء الآبار قد يكون منه العذب وقد يكون منه المُجّ [المالح]، وماء الثلج هو يذوب وهو صورة من الصور مثل بخار الماء ومثل الثلج ومثل [غيرها]. ولكن هذه الأشياء كلها هي شيء واحد وهو الماء.
الفرق بين الماء المطلق والماء المقيد عند الفقهاء
ويسميه الفقهاء الماء المطلق؛ لأن كلمة ماء استُعملت في أشياء أخرى كماء العينين الذي هو الدموع، أو ماء الشجر الذي هو عصير الشجر عندما يعصر المرء بعض الشجر الذي يسري فيه، أو يعصر الورد مثلًا فيصبح ماء الورد، أو الزهر ماء الزهر.
فتصبح هذه مياه ولكنها مياه مقيدة. لكن الماء المطلق هو الذي كان على خلقته. أين خلقته؟ في البحار، في الأنهار، في الآبار، في الأمطار، إلى آخره.
الماء أصل الحياة وحاجة كل كائن حي إليه
الماء خلق الله سبحانه وتعالى منه كل شيء حي، أحوج الله إليه كل حي. ولذلك يحتاج إليه البهيمة وتحتاج إليه الأشجار، يحتاج إليه كل ما فيه حياة سواء كانت حياة حيوانية أو حياة نباتية فإنه يحتاج إلى الماء.
بل إننا قد احتجنا إلى الماء في نقل الأثقال؛ عندما تكون هناك حاجة ثقيلة، فعندما تكون لدي عربة محملة بالبضائع وأريد أن أدخلها في ملف [مكان ضيق]، يضع القوم تحتها مياهًا لكي تسهل عملية الانزلاق.
أقسام الماء عند الفقهاء: الطهور والطاهر وصفاتهما
الماء مقسم، إذا هو ماء واحد له صور متعددة، لكن منها ما هو طهور وهو الذي نستعمله في الوضوء وفي الاغتسال، وهو ما كان على أصل خلقته. عندما نفتح الصنبور ينزل هذا الماء الطهور.
ومنه أيضًا ماء طاهر، لكن بالرغم من أنه طاهر إلا أنه خرج عن صفات الماء الطهور. ما هي صفات الماء الطهور؟ صفات الماء الطهور: الرائحة، وصفات الماء الطهور: اللون، وصفات الماء الطهور: الطعم.
التعرف على طعم الماء الأصلي من مصادره المختلفة
لقد عرفنا مصادر الماء. اشرب هكذا قليلًا من المطر، اشرب هكذا من النهر، اشرب هكذا من البئر، أو هذا هو طعم الماء الأصلي. اشرب من البحر، ها هو فيه شيء من الملح.
إذن هذا طعم الماء أو لون الماء أو رائحة الماء. فلو تغيرت [هذه الصفات] وجئنا بماء ووضعنا فيه مَوْردًا أو مُزهرًا أو وضعنا فيه نعناعًا فأصبح قد تغير، عندما أشرب الشاي أجد أنه ليس هذا ماءً.
الماء الذي تغيرت صفاته بالإضافات لا يصح الوضوء به
الماء الذي عندنا هكذا، الذي هو الماء الذي في الزجاجات، الذي في الصنبور، الذي في النهر، الذي في كذا، الذي آتٍ من هذه المصادر [الطبيعية]. لكن عندما وضعنا عليه سكرًا ووضعنا عليه شايًا ووضعنا عليه قهوة ووضعنا عليه أنواعًا مختلفة من النباتات مثل النعناع وغيره، أصبح شيئًا آخر.
يجوز الوضوء بالماء المطلق، لكن هذا الماء الثاني [المتغير بالإضافات] لا يجوز الوضوء به. فلا يجوز الوضوء بالشاي، ولا يجوز الوضوء بمياه النعناع، ولا مياه الورد، ولا يجوز الوضوء باللبن، ولا يجوز الوضوء بشيء [كاللبن الذي] فيه خمسة وتسعين في المائة مياه؛ ولكن لأنه فيه دهون ولأنه ليس من تلك المصادر [الطبيعية للماء]، بل هو أتى من البقر أو الجاموس أو غيرها من الحيوانات.
الفرق بين الطاهر والطهور في الاستعمال والحكم الشرعي
فيبقى هذا اللبن يُشرب لأنه طاهر، والشاي يُشرب لأنه طاهر، القهوة تُشرب لأنها طاهرة، لكنها ليست طهورًا. يعني لا ترفع الوضوء [أي لا يصح التطهر بها].
ولذلك لا تجد أحدًا يتوضأ بهذه الأشياء. إنما هذا الفكر الفقهي هو الذي أوصلنا إلى هذا المكان [من الفهم]. فيكون عندي ماء طهور وعندي ماء طاهر.
المرقة [مثال على الماء الطاهر]: صنعت قطعًا من اللحم هكذا في ماء فأصبحت مرقة. هذه المرقة طاهرة لكنها ليست الطهور، المرقة هذه طاهرة.
القسم الثالث من المياه وهو النجس وحكم الخمر في الشريعة
القسم الثالث هو النجس، إذ إن بعض السوائل نجسة أصلًا فلا بد من تطهيرها هي نفسها. ومن ضمنها الخمر، والذي ابتُلي من المسلمين بشرب الخمر عليه أن يتذكر أن ما يشربه هذا نجس؛ حتى تأنف منه نفسه.
لأن هذه النجاسة موجودة في هذا الرجس الذي حرمه الله سبحانه وتعالى ونهانا عنه. ليست من الحكمة ولا من النصاحة أن تفعل هذا في نفسك بأن تتناول النجاسات.
ولو وقعت قطرة خمر على الثياب لا بد من تطهيرها. الخمر هذا مثل - أعزكم الله - البول، كلاهما نجس. فيجب على المسلم أن ينزّه نفسه عن هذه النجاسات.
أحكام استعمال الماء الطهور والطاهر وما لا يجوز فيهما
إذا كان عندي ماء طهور يجوز الاغتسال به والوضوء به. وماء طاهر يجوز شربه وأكله، ويجوز أن نمسح به، ويجوز أن نغسل به الغسيل لأنه طاهر. لكن لا نزيل به النجاسة ولا نرفع به الحدث.
ثلاثة أقسام ينبغي علينا أن نحفظها لأنها هي البدايات. البداية من المياه: عرفنا مصادرها وعرفنا أقسام المياه الثلاثة: طهور وطاهر ونجس.
كيفية إزالة النجاسة بالماء الطهور والإشكال الذي يطرحه البعض
الطهور نزيل به النجاسات، فأي نجاسة عندي أصبّ عليها قليلًا من الماء وأطهرها وأزيلها من غير وسواس. مسألة سهلة: ألقي الماء على النجاسة.
تقول لي: طيب لكن هذه النجاسة اختلطت بالماء فأصبح الناتج نجسًا هو الآخر، فلا بد أن نحضر له ماءً أكثر، فتبقى أيضًا النجاسة مستمرة مستمرة. إذن لن يكفي البحر ولا النهر، ما الفكرة؟
ذهب العلماء دلّونا وقالوا لنا: هذا الماء وارد وليس موروِدًا. وفرّقوا بين أن أصبّ المياه على النجاسة فتذهب نجاستها تعبدًا.
معنى النجاسة التعبدية والفرق بين الماء الوارد والموروِد
لأن النجاسة هذه معنى تعبدي، يعني ماذا؟ الخمرة نجسة، مع أن هناك خلقًا يشربون الخمرة، لكن هذه الناس الذين يشربون الخمر - والعياذ بالله - يشربون نجاسة شرعًا.
ماذا يعني هذا؟ البول نجس، أي نجس وليس طاهرًا، ولذلك يجب أن نتنزه عنه. عندما تُصب المياه على النجاسة هكذا تكون واردة، وشرعًا تنتهي طهارتها [أي تزول النجاسة]. لكن إذا كان معي كوب من الماء ورميته في نجاسة فهذه موروِدة.
إذن هناك واردة وهناك موروِدة، وفي حلقة ثانية نفصّل معًا المياه الواردة والمياه الموروِدة؛ لأن الشرع ليس فيه وسواس، والطهارة سهلة جدًا، والنبي عليه الصلاة والسلام نهانا عن أن نوسوس في الطهارات.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
