هذا يننا | 18 | الأحكام | أ.د. علي جمعة

هذا يننا | 18 | الأحكام | أ.د. علي جمعة - هذا ديننا
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من حلقات ديننا. الأحكام جزء لا يتجزأ من القرآن الكريم والحكم كما عرّفه العلماء هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين
بالطلب أو التخيير، فالله سبحانه وتعالى قد يطلب منا أن نفعل شيئًا. أمرنا بأن نشهد الشهادتين: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. أمرنا بالصلاة، وأمرنا أن نتوضأ قبل الصلاة، وأمرنا أن نطهر ثيابنا وأن نطهر أماكننا وأن نطهر أجسادنا قبل الصلاة، وأمرنا في هذه الصلاة أن نقيمها وأمرنا أن نقرأ فيها ما تيسر من القرآن، وأمرنا سبحانه وتعالى بصيام شهر رمضان كلّفنا، ونهانا عن الكذب وعن السرقة وعن الزنا وعن القتل وعن شهادة الزور وعن الغيبة وعن النميمة. كل
هذا هي الطلبات، فالطلب على قسمين: افعل ولا تفعل. أما التخيير فإنه خيّرنا نأكل ما نشاء نلبس ما نشاء نعيش كما نشاء، كل هذا يسمونه المباحات. إذاً فعندنا "افعل" و"لا تفعل"، لكنه من رحمته لم يجعل "افعل" هذه كلها واجباً، بل جعل جزءاً منها لازماً جازماً، وجعل جزءاً منها غير لازم وغير جازم، واترك جعل جزءاً منها لازماً جازماً وجزءاً منها غير لازم وغير جازم فصارت الأحكام
خمس: طلب لازم وجازم بالفعل وهو الواجب كالصلاة والصيام والزكاة والحج وأمثال هذه الأشياء التي يقول فيها رسول الله: "بُني الإسلام على خمس". اترك الذي هو الحرام الجازم، فنهانا عن السرقة، ونهانا عن الزنا، ونهانا عن القتل، ونهانا عن الكذب، ونهانا. افعل، ولكن إذا لم تفعل فلا تثريب عليك يعني لا بأس مثل صلاة السنة مثل صيام الاثنين والخميس مثل هكذا أشياء مثل الصدقة مثل العمرة وأصبح
هناك إذاً الواجب والحرام والمندوب والمكروه اترك ولكنه ليس حراماً اترك الرائحة الكريهة نفترض أن شخصاً أكل بصلاً ولكن رائحته كريهة يكون قد ارتكب مكروهاً ولم يرتكب حراما البصل ليس حراماً، ولكن دائماً يأمرنا ربنا سبحانه وتعالى بالنزاهة والنظافة، فقال فيما أخرجه الترمذي: "إن الله نظيف يحب النظافة". إذًا فالأحكام خمسة، وأوسع هذه الخمسة المباح (التخيير). هذه الأحكام أخذناها من القرآن الكريم: "كُتِبَ عليكم الصيامُ كما كُتِبَ على الذين من قبلكم لعلكم تتقون،
أياماً معدودات"، حتى قال: "شهر". رمضان الذي أُنزل فيه القرآن هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر فليصمه. عندما نتطرق إلى "فليصمه"، فهذا أمر. لماذا هو أمر؟ لأنه فعل مضارع مقترن باللام، والفعل المضارع المقترن باللام يفيد الأمر. فربنا يقول: تعال عند رمضان وصمه. ما معنى "صم"؟ "فليصمه" هذا أمر أقم الصلاة حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين. فإذا فرض علي الصلاة وفرضها علي قائماً، ولذلك القيام في الصلاة فرض. متى أترك
القيام؟ عندما أعجز عن هذا القيام، فأصلي على كرسي. ولكن إذا كنت قادراً أن أصلي وأنا واقف، فيجب علي ذلك لأنه فرض. "وقوموا لله قانتين" أي ساكتين، أي لا تتكلم في الصلاة التي تصليها إذا فنحن أمام افعل وأيضاً لا تفعل. "ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً"، أي إنه ينهانا نهياً شديداً ويجعل بإزاء ذلك لعناً أو غضباً أو حداً. "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" إلى هذه الدرجة، إذاً السرقة هذه حرام. "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما"
إذاً. هذا الزنا حرام، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق. إذا أمرنا أن نترك القتل، من قتل نفساً فكأنما قتل الناس جميعاً. إذاً القتل كبيرة من الكبائر، وهكذا افعل ولا تفعل. القرآن كما أنه يشتمل على السنن الإلهية، ويشتمل على المبادئ العامة، ويشتمل على الحقائق، يشتمل أيضاً على الأحكام فهي التي بُنِيَ عليها الفقه الإسلامي. كم آية عندنا في القرآن؟ ستة آلاف آية وزيادة. ستة آلاف آية، مائتين وستة وثلاثين. من
ستة آلاف آية، كم آية تقول افعل ولا تفعل؟ منها ثلاثمائة آية بُنِيَ عليها الفقه الإسلامي كله: عبادات ومعاملات وأقضية وعلاقات دولية وكل الدنيا مبنية على ثلاثمائة آية هذه، حسناً، عندما نقسم ثلاثمائة على ستة آلاف لنرى كم تبلغ النسبة، تكون واحداً على عشرين، وماذا تسمى؟ واحد على عشرين، أي خمسة في المائة. أما الخمسة والتسعون في المائة المتبقية من القرآن، فعم تتحدث؟ تتحدث عن الأخلاق المرتبطة بالعقيدة، يقول لك هذا.
هد ئ بالك يقول لك كن رحيماً، يقول لك سامح، يقول لك "فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون"، يقول لك "فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير". يقول ماذا؟ إنه يخبرك عن الأخلاق المرتبطة بالعقيدة: الصبر الجميل، السراح الجميل، الكلام الجميل، وهكذا، يقول لك. خمسة وتسعون في المائة من القرآن في النظام الأخلاقي، يكلمك في النظام الأخلاقي، وسنتحدث عن هذا باستفاضة في منظومة القيم ومنظومة القيم منبثقة من أسماء الله الحسنى،
وسنرى كيف كان ذلك في القرآن الكريم في حلقة مستقلة. إذاً الأحكام تساوي خمسة بالمائة، من هذه الأحكام التي هي خمسة في المائة فقط من القرآن والتي بعض الناس يشغل حياته بها وينسى خمسة وتسعين في المائة من القرآن الذي يدعونا إلى الأخلاق الكريمة، إلى أن يكون الإنسان إنساناً، إلى أن يعمر الأرض، إلى أن يزكي النفس، إلى أن يعبد الله سبحانه وتعالى من خلال تلك العمارة وهذه التزكية. شيء مريع أن نتصور أنه خمسة في المائة من القرآن في كل الشريعة. كم فرع معنا وكم مجتهد اجتهدوا عندنا
في الإسلام نحو خمسة وثمانين مجتهداً، يمكن أن نوصلهم إلى تسعين، من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين والأئمة المتبوعين إلى آخره. خمسة وثمانون شخصاً استخرجوا من ثلاثمائة آية مليوناً ومائتي ألف فرع فقهي شملت كل حركات الإنسان وجميع أفعال الإنسان وجميع عقود الإنسان بعد هذه الرحلة الطويلة نفاجأ بأنها خمسة في المائة فقط من القرآن الذي بنى الأخلاق وبنى المنظومة الأخلاقية منظومة القيم. إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.