هل نغلق باب الاجتهاد | نور الحق | حـ 8 | أ.د علي جمعة
- •أوضح الدكتور علي جمعة أن الشريعة الإسلامية تتضمن مساحتين: قطعية لا اختلاف فيها، وظنية يسوغ فيها الاختلاف.
- •استدل بقصة بني قريظة حين أمر النبي ﷺ أصحابه بعدم صلاة العصر إلا فيها، فاختلفوا في الفهم، وقد أقر النبي ﷺ الفريقين.
- •أكد أن الاختلاف الفقهي رحمة وسعة للأمة، وأن المجتهد المخطئ له أجر والمصيب له أجران.
- •بيّن أن المساحة القطعية في الفروع صغيرة، وأن الظنية واسعة، ومنها: الوضوء، وعدد الصلوات، وشهر الصيام.
- •ذكر قواعد فقهية مهمة: "من ابتلي بشيء من المختلف فيه فليقلد من أجازه"، و"الخروج من الخلاف مستحب"، و"إنما ينكر المتفق عليه ولا ينكر المختلف فيه".
- •نبّه أن من يدعي أن الإسلام له رأي واحد فقط يصد الناس عن سبيل الله، ويسبب نفورهم من الدين.
مقدمة الحلقة وسؤال عن دعوى أن الإسلام ليس له إلا رأي واحد
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم نور الحق مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: في الحلقة الماضية يا مولانا كنا نتحدث عن انتشار دعوة العنف في المجتمع، وتحدثتم فضيلتكم وأوضحتم لنا أن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه. وصل الحال يا مولانا أن بعض مدعي العلم أو بعض العلماء المتشددين يعتبرون أن الدين الإسلامي ليس له إلا رأي واحد، وهو طبعًا رأيهم. ما رأي فضيلتكم في هذا الأمر؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ليس هناك حجة إلا في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك؛ ما ترك لنا شيئًا إلا وقد وضحه لنا، وترك لنا منهجًا واضحًا للوصول إلى الله سبحانه وتعالى.
مساحة الأحكام القطعية والظنية في الشريعة الإسلامية ودلالة الاختلاف على الرحمة
[الشيخ]: ومما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته الكريمة الشريفة أن هناك مساحة هي مساحة الأحكام القطعية لا اختلاف فيها؛ ولذلك نرى المسلمين لم يختلفوا فيها أبدًا ما كانوا من أهل القبلة.
وأن هناك مساحة أخرى هي الظن فيها الاختلاف، وهذا الاختلاف دليل رحمة ودليل مرونة للفقه الإسلامي، ودليل على حرية الرأي واحترام عقل الإنسان.
قصة إرسال الصحابة إلى بني قريظة واختلافهم في صلاة العصر
[الشيخ]: كيف هذا؟ نرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه عندما أرسلهم إلى بني قريظة، وبنو قريظة كانوا يعسكرون أو يسكنون على مقربة من المدينة، مضاربهم ومساكنهم هناك، فقال لأصحابه:
[المذيع]: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة».
[الشيخ]: نعم،
«لا تصلين العصر إلا في بني قريظة»
[المذيع]: هذه أيام غزوة الخندق يا سيدنا.
[الشيخ]: نعم بعدها، أجل بعدها؛ لأن اليهود خانوا فأرسل إليهم هذه السرية إن صح التعبير وأمرهم بالإسراع.
اختلاف الصحابة بين ظاهر النص ومقصده في صلاة العصر ببني قريظة
[الشيخ]: هذا الكلام صدر في وقت الظهر، وإذا الكلام النبوي وهو النص الشريف الذي سيصبح حجة على المسلمين إلى يوم الدين يأمرهم بصلاة العصر في بني قريظة. فأذَّن عليهم العصر في الطريق ولم يستطيعوا أن يسرعوا السرعة التي كان يتوقعها أو كان يريدها أو كان يأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأي عائق من العوائق في الطريق.
فلما أذَّن عليهم العصر ورأوا أنهم لا يصلون إلى بني قريظة إلا بعد المغرب، فقال أناس: هلموا بنا نصلي العصر؛ لأن العصر له حكم أساسي في الدين وضحه لنا جبريل في حديث المواقيت، وجعل العصر بين الأذان وبين غروب الشمس؛ ولذلك فهذا أمر أصلي، ومعنى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسراع، وأن نسرع حتى نصل قبل ذهاب الضوء إلى بني قريظة حتى نؤدي المهمة التي كُلِّفنا بها.
هذا فهم، وفهم آخر جاء وقال: لا، نحن مع ظاهر النص، هو أمرنا لحكمة ما وقد تخفى هذه الحكمة عن المكلفين والمخاطبين. هذا نبي أوحى الله إليه وأمر أن نصلي العصر في بني قريظة فلنصلِّه في بني قريظة ولو في اليوم التالي.
المنهجان في فهم النصوص الشرعية بين المقاصد والمعاني وبين الألفاظ والمباني
[المذيع]: ولو في اليوم التالي! يعني انقسموا إلى رأيين: ناس قالوا الرسول يقصد نصلي العصر في بني قريظة سنصلي في بني قريظة أيًّا كان الوقت، وناس قالوا هذا الرسول يقصد الإسراع أي فنحن سنصلي الآن في الطريق.
[الشيخ]: المنهجان: المنهج الأول منهج يبحث عن المعاني عن المقاصد عن العلل والأسباب، والمنهج الثاني يريد أن يتقيد بالنص قدر المستطاع حتى لا تضيع حكمة قد لا يعرفها، وقد تكون مشتملة في داخل هذا الأمر. فإذا ضيَّع هذه الحكمة يكون لقد ضيَّع فائدة هذا الأمر الإلهي الوارد على لسان نبينا صلى الله عليك وسلم.
وبالتالي يوجد منهجان والمنهجان باقيان في المجتهدين إلى يوم الدين: هل عندما نذهب إلى النص نذهب ونبحث عن المقاصد والمعاني أم إننا نلتزم بالألفاظ والمباني؟ حتى وزنوها هكذا: هل العبرة بالمقاصد والمعاني أو بالألفاظ والمباني؟
ثلاثة مناهج للمجتهدين في الترجيح بين المقاصد والألفاظ
[الشيخ]: فوجدنا مناهج المجتهدين مختلفة: فمنهم من يقول العبرة دائمًا بالمقاصد والمعاني، ووجدنا من يقول العبرة دائمًا بالألفاظ والمباني، ووجدنا من يقول إن الاختلاف يقع بحسب الفروع؛ فهناك فروع نميل فيها إلى المقاصد والمعاني، وهناك فروع لشدة خطورتها ولخفاء حكمتها نميل فيها إلى الألفاظ والمباني. فأصبح لدينا ثلاثة مناهج.
[المذيع]: نعم، ليس منهجين.
[الشيخ]: ليس منهجين بل ثلاثة.
إقرار النبي ﷺ للفريقين وتعليمه أن الاجتهاد الصادق مأجور
[الشيخ]: أيضًا إذن أين تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لما رجعوا قصوا القصص على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجاز الفريقين. يبقى إذن الاثنان صحيحان، يعني أجاز القولين.
علمنا أن هذا صحيح وهذا صحيح. لماذا هو صحيح؟ لأن كلًّا منهما يريد طاعة الله، كلًّا منهما يسعى ويجتهد ويبذل ما في وسعه، وهو الذي سُمِّي بعد ذلك بالاجتهاد: بذل ما في الوسع.
فأولًا: يريدون وجه الله. ثانيًا: بذلوا غاية الوسع في تحصيل المقصود. بعد ذلك إذا اختلفت الأدوات أو إذا اختلفت المناهج فإنهما في رضا الله سبحانه وتعالى.
حديث أجر المجتهد المصيب والمخطئ ودلالته على سعة الشريعة
[الشيخ]: الله يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد ذلك فيقول:
«إذا اجتهد القاضي فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر»
فالقاضي يجتهد يبذل وسعه للوصول إلى الحق حتى يحكم بين الناس بالعدل، فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر.
والمتأمل يجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن هذا [المصيب] له أجران له ثواب، وأن هذا [المخطئ] وإن أخطأ له أجر. والأجر لا يكون للخاطئ [المتعمد]، والأجر لا يكون لمن تعمد الخطيئة، ولكنه لما كان مخطئًا لا خاطئًا، وكان يريد بفعله هذا وجه الله، ولما أن بذل ما في وسعه وغاية وسعه، فإنه أُثيب من عند الله سبحانه وتعالى.
مما يدل على أنه في رضا الله؛ فالاثنان لبذل الوسع وإفراغ الجهد في رضا الله: أحدهما من فضل الله يأخذ أجرين، والثاني من فضل الله يأخذ أجرًا، ولكن كليهما في رضا الله في نظر الله، ونحن نريد رضا الله ونظر الله.
الرد على من يدعي أن الإسلام لا يعرف إلا رأيًا واحدًا
[الشيخ]: إذن فالذي يدعي أن المخطئ هذا [المجتهد المخالف لرأيه] لن يأخذ أجرًا، وأن الإسلام لا يعرف إلا رأيًا واحدًا، فإنه يخالف بذلك ما علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يؤكد هذا فيسأل معاذًا وهو يرسله إلى اليمن. ومعنى إرسال معاذ إلى اليمن قاضيًا أنه سيفتقد رسول الله صلى الله عليه وسلم كحالنا الآن؛ رسول الله صلى الله عليه وسلم انتقل إلى الرفيق الأعلى منذ ألف وأربعمائة سنة وتزيد، ألف وأربعمائة وعشرين سنة. سيدنا رسول الله لا نجده حتى نسأله مباشرة هكذا كما كان يفعل الصحابة الكرام.
كذلك معاذ عندما انتقل إلى اليمن لم يكن هناك اتصال بينه وبين رسول الله، فهو [النبي ﷺ] يدربنا ويعلمنا ماذا نفعل عندما لا نجده صلى الله عليه وسلم، عندما ينقطع الوحي فلا نعرف على وجه اليقين الرأي الصحيح في هذه المسألة، الرأي الذي له أجران الذي هو عند الله في ذاته.
حديث معاذ بن جبل في الحكم بالكتاب والسنة والاجتهاد
[الشيخ]: ولذلك قال له [رسول الله صلى الله عليه وسلم]:
«يا معاذ بما تحكم؟ قال: أحكم بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهد برأيي ولا آلو»
يعني لا أقصر، يعني في بذل الجهد وفي بذل المشورة.
فهذه الأحداث كلها تبين لنا أن هناك مساحة قطعية وأن هناك مساحة ظنية. عندما يتحدث العلماء وعندما استقرؤوا الشريعة وجدوا أن المساحة القطعية صغيرة جدًّا وأن المساحة الظنية كبيرة، وأن القطع والظن يختلفان على مستويين: مستوى الأصول ومستوى الفروع.
ففي مستوى الأصول القطع أكثر من الظن، وفي مستوى الفروع الظن أكثر من القطع.
[المذيع]: حسنًا، سنتناول هذا الموضوع يا سيدنا بشيء من التفصيل في الجزء الثاني من الحلقة بعد إذن فضيلتكم، فاصل نعود إليكم فابقوا معنا.
أمثلة على المسائل المتفق عليها في الفقه الإسلامي كالوضوء والصلاة
[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم نور الحق مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. مولانا نحن قبل أن نخرج قبل الفاصل فضيلتكم أوضحتم لنا الفرق بين القطعي والظني وبين الأصول والفروع وارتباطها ببعضها البعض.
[الشيخ]: يعني مثلًا نضرب المثال، وبضرب المثال يتضح الحال. فمثلًا في الفقه هناك ما هو متفق عليه. فما المتفق عليه؟ متفق عليه مثلًا أن الوضوء قبل الصلاة؛ لم يختلف أحد من المسلمين في أن الوضوء هو قبل الصلاة، لم يقل أحد أنه يكون بعد الصلاة، ولم يقل أحد أن الإنسان مخير فإما أن يتوضأ قبل الصلاة أو بعد الصلاة.
كان يمكن أن نتصور أن الشريعة هكذا، لكن الشريعة متفق عليها عند جميع المسلمين، جميع أهل القبلة بكافة مذاهبهم سلفًا وخلفًا شرقًا وغربًا سنة وشيعة جميعهم أن الوضوء قبل الصلاة.
أمثلة على الإجماع في أعضاء الوضوء والصلوات الخمس وشهر الصيام والحج
[الشيخ]: متفقون على أن هذه الأعضاء المذكورة في القرآن — الوجه واليدين إلى المرفقين والرأس والرجلين — هي محل الوضوء، كلنا متفقون.
متفقون أيضًا على أن الصلوات خمس، ولا يوجد من قال أنها ستة صلوات. متفقون على أن شهر الصيام هو رمضان وليس شوال، وأن أشهر الحج تبدأ من شوال، وأن وقفة عرفة في يوم عرفة في يوم التاسع من ذي الحجة.
متفقون على أنهم إذا طافوا بالبيت فإنهم يجعلونه على يسارهم، أي لا تجد أبدًا أحدًا يدور بالعكس هكذا مثلًا ويقول والله مذاهب، أي لا توجد مذاهب [في ذلك].
[المذيع]: لا توجد مذاهب في هذا.
[الشيخ]: متفقون. أصول المسائل تجد خمسة وسبعين في المائة منها متفقون عليها.
الخلاف في فروع الصلاة بين الأركان والسنن والهيئات
[الشيخ]: فلنأتِ الآن لننزل إذن إلى: أركان الصلاة ما هي؟ سنن الصلاة ما هي؟ وهيئات الصلاة ما هي؟ فسنجد خلافات واختلافات في الداخل هكذا، واختلافات ليست يعني كبيرة هكذا.
فواحد مثلًا يقول: السورة التي بعد الفاتحة — نحن نقرأ الفاتحة — فالفاتحة هذه ركن أم ليست ركنًا؟ قوم خلافًا للجمهور يقولون ركن، والحنفية يقولون لا ليس ركنًا ولكن يجب أن نقرأ، ولكن ليس من الضروري الفاتحة [بعينها].
حسنًا، السورة التي بعد الفاتحة ما موقفها؟ جميعهم قالوا إنها مطلوبة، ولكن واحد يقول هذه هيئة والآخر يقول لا هذه سنة، ارتقى قليلًا من هيئة إلى سنة؛ لأنه طبعًا نحن نعلم الأركان أعلى من السنن والسنن أعلى من الهيئات.
الاختلاف في هيئات الصلاة كوضع اليد وسعة الدين في ذلك
[الشيخ]: نعم سنة، فتكون إذن هذه يعني كأنه يسجد للسهو فيها عندما يتركها. لكن هيئة هذه مثل وضع اليد على اليد هكذا، تكون مثل هذا عند الشافعية مثلًا.
[المذيع]: أضع يدي هكذا أم أنزلها هكذا مثلًا؟ هذه هيئات.
[الشيخ]: كل هذه هيئات. فإذا اختلفوا فذلك طبقًا للوارد، أي أن سيدنا رسول الله مرة قام بالطريقة الفلانية ومرة قام بطريقة أخرى، سيدنا رسول الله مرة عمل كذا ومرة عمل كذا. فكل هذا أعطى سعة وأعطى اختلافًا.
كتاب الميزان الكبرى للشعراني ورحمة الأمة للعثماني وفكرة أن الخلاف سعة
[الشيخ]: جاء الشيخ، أي الشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتاب له لطيف اسمه الميزان الكبرى، أي استنبطوا الحقيقة أي من شخص من العلماء كان اسمه العثماني، والعثماني هذا مؤلف كتاب اسمه رحمة الأمة في اختلاف الأئمة.
[المذيع]: رحمة الأمة في اختلاف الأئمة.
[الشيخ]: هذا قبل، من قبل سيدي الشعراني، توفي [الشعراني] تسعمائة وخمسة وسبعين، لكن العثماني هذا قبل ذلك. عندما تقارن بين الكتابين — الميزان للشعراني ورحمة الأمة للعثماني — تجدهم كأنهم واحد.
ما الفكرة الخاصة سواء بالعثماني أو الشيخ الشعراني؟ ما الفكرة؟ يقول: على فكرة هذا اختلاف الأئمة هذا وسع الدين، جعلها واسعة صحيح، وليس هناك خلاف حقيقي. كل الحكاية ما بين الرخصة والعزيمة.
فكرة الرخصة والعزيمة وأن الخلاف الفقهي اختلاف تنوع لا تضاد
[الشيخ]: يعني لم يجعل فيه كأنه خلاف، كأنه يقول لك: أنت لديك عزيمة اقرأ السورة يا أخي لماذا لا تقرؤها؟
[المذيع]: إذا كنت متعبًا قليلًا ارتح، خذ القطعة خذ الرخصة ولا تقرأها، أي هم جميعًا متفقون في الأصل.
[الشيخ]: يعني متفقون في الأصل، جميل. وسار الأمر هكذا في الفقه واحدة واحدة بهذا الشكل، فرع فرع، يقول لك: ها الرخصة هكذا والعزيمة هكذا، الرخصة هكذا والعزيمة هكذا. فكأنه يعني حلَّ الخلاف وجعل الدين واسعًا.
هذا عمل العلماء، هذا جهد أناس فكروا؛ ولذلك وضعوا عدة قواعد لتنظيم هذا الخلاف الظاهر؛ لأنه كان المذهب هذا يقول إنه لا يوجد خلاف حقيقي، الخلاف فقط ظاهري.
القاعدة الأولى: من ابتُلي بشيء من المختلف فيه فليقلد من أجاز
[الشيخ]: يعني قال ماذا؟ قالوا [العلماء]:
«من ابتُلي بشيء من المختلف فيه فليقلد من أجاز»
الإمام الشيخ الباجوري شيخ الأزهر وهو في حاشيته يشرح لنا قومًا يقول هذا الكلام. يقول: يا جماعة هذه القضية سهلة، القضية سهلة بأنه أنت رجل مسلم عامِّي [من العامة أي لست بعالم دين].
أبو حنيفة يقول: لمس المرأة لا ينقض الوضوء، والشافعي يقول: ينقض الوضوء. الشعراني سيقول هذه عزيمة وهذه رخصة. وأنت لمست المرأة ولم تجد ماء والوقت ضيق هكذا، قلِّد أبا حنيفة.
[المذيع]: قلِّد الذين قالوا إنه يجوز.
[الشيخ]: الذي قال يجوز. من ابتُلي بشيء من المختلف فيه فليقلد من أجازه، بسهولة هكذا.
الخلاف سعة وليس تضادًا وأثر ذلك في محبة الناس للدين
[الشيخ]: على فكرة هذه القاعدة مبنية على رأي العثماني وعبد الوهاب الشعراني، الذين يقولون شيئًا لطيفًا وهو أن الخلاف سعة وليس الخلاف تضادًّا وصدامًا. هذا اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد.
هذه الفكرة العبقرية التي جعلت الدين واسعًا وحولت الرجمة إلى رحمة، وجعلت الناس محبين للدين ومتقبلين للخلاف ومتقبلين للآخر.
أما الآخر فيقول لك: لا، هذا أنا الذي في عقلي هو الإسلام وغيره هو الغضب الإلهي. نعم هذا ربنا غاضب عليه، هذا ربنا غاضب عليه! لأن علماء الأمة عبر العصور لديهم اختلافات وجميعهم أحبوا بعضهم البعض.
قصة ترك الإمام الشافعي القنوت عند قبر أبي حنيفة احترامًا للخلاف
[الشيخ]: وورد أن الإمام الشافعي يقول إن القنوت في الفجر سنة، نعم ولو تركه الشافعي يسجد للسهو؛ لأنه كأنه جاء بشيء ناقص، ومستدل بأحاديث.
سيدنا الإمام أبي حنيفة يقول: لا ليس بسنة ولا شيء، لا نقول هذا. النبي عليه الصلاة والسلام مات وهو لم يقله [أي لم يداوم عليه]. وكلام الشافعي مستند إلى حديث والحديث صحيح، وكلام أبي حنيفة مستند إلى الحديث والحديث صحيح. سيدنا رسول الله يوسع علينا.
فلما جاء الإمام الشافعي يزور قبر أبي حنيفة ترك القنوت وهو في صلاة الفجر.
[المذيع]: احترامًا له، احترامًا لرأيه.
[الشيخ]: وُدًّا له، تعليمًا لنا نحن لهذه الفكرة، فكرة ألا نبتلى بشيء من المختلف فيه فليقلد من أجاز.
القاعدة الثانية: الخروج من الخلاف مستحب وليس واجبًا
[الشيخ]: وضعوا قاعدة أخرى: الخروج من الخلاف مستحب. نعم، انظر لم يقل واجب، هذا مستحب.
[المذيع]: هو أولى أنني أقوم به.
[الشيخ]: طبعًا، ما دمت تستطيع الوضوء فالأحسن أن تتوضأ؛ لأنه كما يقال: زيادة الخير خيران [كل فضيلة مُستحبة يُستحسن الإكثار منها]. هكذا بالسهولة بالجمال بالحلاوة هكذا.
ولذلك أحب الناس الدين عبر العصور، ولكن الفتنة الحالية هذه فتنة تكره الناس في الدين. الذي يقول إنه رأي واحد هذا فتنة تكره الناس في الدين، وتجعل الناس يخرجون من دين الله أفواجًا بدلًا من أن كانوا يدخلون في دين الله أفواجًا أيام الرحمة المهداة، أيام الرحمة التي أرسلها الله للعالمين. تجعل الناس يسأمون من حياتهم ومن دينهم، وهذا صد عن سبيل الله.
فنستطيع أن نقول إن الذي يقول إن هذا رأي واحد وأن هذا الرأي هو رأيه هو الأبعد، هذا يصد عن سبيل الله.
القاعدة الثالثة: إنما يُنكر المتفق عليه ولا يُنكر المختلف فيه
[الشيخ]: فقالوا: والخروج من الخلاف مستحب. إذن هذه القاعدة الثانية. إذن تكون القاعدة الأولى تقول: من ابتُلي بشيء من المختلف فيه فليقلد من أجاز. والقاعدة الثانية تقول: إنه الخروج من الخلاف مستحب.
القاعدة الثالثة يذكرها السيوطي في الأشباه والنظائر — نعم تسعمائة وأحد عشر توفي السيوطي — يقول:
«إنما يُنكر المتفق عليه ولا يُنكر المختلف فيه»
الذي هو القطعي، الذي هو المساحة الصغيرة هذه التي في الفروع، ولا يُنكر المختلف فيه الذي هي المساحة الواسعة. لا يُنكر المختلف فيه.
[المذيع]: يعني لا يأتي أحد يقول لي: لا تفعل ذلك وهي أمر مسموح به، فلا تُنكر عليها.
[المذيع]: أو فيها اختلاف أحد.
[الشيخ]: أو فيها خلاف فلا بأس، حتى مسموح فيها.
[المذيع]: أنا أتبع الرأي الذي يجيز.
مثال الشطرنج في تطبيق قاعدة عدم إنكار المختلف فيه
[الشيخ]: هؤلاء ضربوا المثل بالشطرنج، والشطرنج هذه لعبة الشطرنج هذه مختلف فيها؛ فبعضهم قال إنها مباحة، وبعضهم قال إنها مكروهة، وبعضهم حرام. حسنًا ليكن، هي آراء.
فأنا ألعب الشطرنج، فلا يجوز لك أن تنكر عليَّ. نعم، ما أقول لك هذه حرام وأضرب! هي حرام عندك أنت فلا تلعبها أنت. أنت ترى أنها حرام فلا تلعبها، لا تلعبها.
أنت ترى أن هذا السائل خمر فلا تشربه، وبعد ذلك اتضح أنه ماء. ولكن أنت عندما علمت أنه خمر وتأكدت أنه خمر فيصبح حرامًا عليك أن تتجرأ عليه، فتكون قد تجرأت على الحرام.
خاتمة الحلقة والتمهيد لموضوعات الحلقات القادمة كالنقاب والأغاني
[المذيع]: جميل مولانا، الحلقة حينئذ انتهت ولكن حضرتك فتحت لنا الباب، وسنبدأ في الحلقات القادمة إن شاء الله من برنامج نور الحق نتحدث عن الأشياء. كما أن حضرتك بدايته الشطرنج، نريد أن ندخل على موضوع النقاب والأغاني وسماع الأغاني إلى آخره، سنأخذها في الحلقات القادمة بعد إذن فضيلتكم من برنامج نور الحق.
[الشيخ]: تفضل.
[المذيع]: إلى ذلك الحين اسمحوا لنا أولًا أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية على هذا العلم وعلى هذا الوقت من فضيلته، وعلى وعد باللقاء في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامج نور الحق لننير حياتنا بإذن الله ونبعد عنا خفافيش الظلام. فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
