والله أعلم| الدكتورعلي جمعة يتحدث عن فضل الصلاة على النبي وباب التقرب إلى الله| الحلقة الكاملة
- •النبي محمد صلى الله عليه وسلم بابنا إلى الله تعالى، ودليلنا إلى طريق الهداية والسعادة.
- •الصلاة على النبي من أعظم القربات، من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشراً.
- •قرن الله ذكر النبي بذكره، فلا يذكر الله إلا ويذكر معه رسوله في الشهادتين.
- •أجاب النبي عن الأسئلة الكبرى التي حيرت البشرية: من أين جئنا؟ ماذا نفعل هنا؟ إلى أين نذهب بعد الموت؟
- •العلماء والأولياء تفننوا في صيغ الصلاة على النبي، وألفوا فيها مصنفات عديدة كدلائل الخيرات وكنوز الأسرار وسعادة الدارين.
- •قراءة السيرة النبوية وكثرة الصلاة عليه سبب لرؤيته في المنام واليقظة.
- •الصلاة على النبي مقبولة حتى من المذنبين، وهي وسيلة لاستجابة الدعاء.
- •الاحتفال بمولد النبي وإظهار الفرح به دليل على حبه ومن فضائل المسلمين.
- •المحبة الصادقة للنبي ومدحه وتعظيمه ليس بدعة، بل اقتداء بالصحابة الذين كانوا يمدحونه ويعظمونه.
مقدمة البرنامج والترحيب بالشيخ علي جمعة في ربيع الأنوار
[المذيع]: [ا. حسن الشاذلي] بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي يقول:
قال رسول الله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ومن والديه ومن نفسه ومن الناس أجمعين» أو كما قال.
صدق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ما أجمل أن يستحوذ حب سيدنا صلى الله عليه وسلم على قلبك، فهو بابنا إلى ربنا، وبابنا إليه هو الصلاة عليه، فصلوا عليه وسلموا تسليمًا.
أهلًا بكم في "والله أعلم"، نسعد دائمًا بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف. مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتكم.
أهلًا وسهلًا بكم، وكل عام وأنتم بخير في ربيع الأنوار، في ربيع النبوة صلى الله عليه وسلم.
[الشيخ]: وأنت والشعب المصري والعالم الإسلامي وسائر الدنيا بخير لقدوم هذا اليوم الذي وُلِد فيه الهدى، فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسم وثناء.
[المذيع]: صلى الله عليه وسلم. بك بشَّر الله السماء فزُيِّنت، وتضوعت مسكًا بك الغبراء.
فضل الصلاة على النبي وأمر الله بها في القرآن الكريم
[المذيع]: مولانا الإمام، فضيلتك دائمًا تعلمنا وتقول لنا: سيدنا النبي هو بابنا إلى ربنا، وبابنا إليه هو الصلاة عليه، فما فضل الصلاة على سيدنا صلى الله عليه وسلم؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
قال رسول الله ﷺ: «من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً»
اي: بسبب تلك الصلاة التي صلاها المؤمن على رسول الله امتثالًا لأمر الله، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
ومن هذا أخذ العلماء تلك القاعدة الشهيرة: تخلقوا بأخلاق الله؛ لأن الله دفعنا أن نفعل مثله، فهو يصلي على النبي بالرحمة، وتصلي الملائكة على النبي بالدعاء، فأمرنا أن نطلب وأن نلتجئ وأن نتضرع إليه سبحانه وتعالى.
اقتران اسم النبي باسم الله وانعقاد اليمين بالنبي عند الإمام أحمد
ولأن الله سبحانه وتعالى قد قرن اسم النبي باسمه وقال تعالى:
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4]
وذلك أنه لا يُذكر إلا وقد ذُكر معه، فنقول من أجل الدخول في الإسلام ومن أجل إقرار كلمة الحق: أشهد أن لا إله إلا الله. وأشهد أن لا إله إلا الله قالها كل الأنبياء من قبل، فقال:
قال رسول الله ﷺ: «خير ما قلت وقال النبيون من قبلي: لا إله إلا الله»
لكنه هنا في دين الإسلام وهو الدين الخاتم، رسول الله وخاتم النبيين، لا نبي بعدي ولا رسول، لا بد أن نقول: وأشهد أن محمدًا رسول الله، فقُرن اسم محمد صلى الله عليه وآله وسلم باسمه.
ومن أجل هذا القِران يُجيز الإمام أحمد أن ينعقد اليمين بالنبي دون سائر البشر. فعندما تقول: "والنبي" ينعقد اليمين، صلى الله عليه وسلم، فإذا حنثتَ فيه — كأن تقول: والنبي لن أذهب إلى الإسكندرية- ثم ذهبت، يصبح عليك الوفاء باليمين كفارة أداء العَقَد.
الفرق بين الحلف بالكعبة والحلف بالنبي وعلاقة ذلك بالشهادتين
معناها أنك إذا حلفت بالكعبة مثلًا، فإنه لا ينعقد اليمين؛ لأن الكعبة مخلوقة، لكن إذا حلفت بسيد الخلق فإنه ينعقد اليمين. لماذا؟ لأننا لا نقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن الكعبة قبلة المسلمين، لا نقول هكذا. هذه قبلة المسلمين عرفناها عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم:
﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَىٰهَا﴾ [البقرة: 144]
فلما رأى الإمام أحمد أنه قد قرنت الشريعة بين اسم النبي واسم رب العالمين، وأن هذا من رفع ذكره وعلو شأنه وقدره عند ربه، وأن هذا مفتاح للدخول إلى الإسلام، قال: إذن لو أقسمنا بالله فانعقد اليمين، نُقسم بالنبي فينعقد اليمين.
حكمة المصريين في ذكر الله والصلاة على النبي عند النسيان
قال تعالى:
﴿وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: 24]
ولذلك ترى المصريين وهم يحوّلون الشريعة في أحكامها إلى حياة معيشة، عندما ينسى أحدهم ويريد أن يسترجع ما قد نساه، يقول: اللهم صلِّ عليك يا سيدي يا رسول الله.
فقال أحد النابتة لواحد منهم: قال تعالى: "واذكر ربك إذا نسيت"، لم يقل اذكر النبي يا أخي! فقال له: والله أنت لا تفهم شيئًا. قال له: لماذا؟ قال له: لقد ذكرت الله. انظر كم المصري ذكي! قال له: لقد ذكرت الله وذكرت معه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهؤلاء النابتة، انظر إلى أين قد يصلون؟ إلى أن يقطعوا ما بين الشهادتين والعياذ بالله تعالى. انظر إلى الأئمة السابقين وانظر ماذا يؤكد الوعي الجمعي؟
معنى اللهم صلِّ على سيدنا محمد والجمع بين الذكر والتبرك والثواب
يؤكد أنك عندما تقول: اللهم، اللهم، ماذا تعني؟ الميم جاءت عوضًا عن ياء النداء، أي: يا الله صلِّ وسلم على سيدنا النبي، يا الله. فهذا ذكر وقد استغاث والتجأ.
فإذن "اللهم صلِّ على سيدنا محمد" جمعت بين الذكر الذي يؤدي بالإنسان إلى تذكر ما ينساه، وإلى التبرك باسمه صلى الله عليه وسلم، وإلى أخذ الثواب من الله سبحانه وتعالى.
فمن صلى عليه واحدة صلى الله عليه بها عشرة، [المذيع]: فيا رب صلِّ وسلم دائمًا أبدًا على حبيبك خير الخلق كلهم. صلوا عليه وسلموا تسليمًا.
النبي بابنا إلى الله وكشفه لحقائق الوجود والأسئلة الكبرى
[المذيع]: على قدري أصوغ لك المديح ومدحك صاغه ربي صريحًا، ومن أنا يا إمام الرسل حتى أوفي قدرك السامي شروحاً. مولانا الإمام، هكذا يقول الإمام ماضي أبو العزائم، فكيف هو بابنا إلى ربنا سبحانه وتعالى؟
[الشيخ]: النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءنا كشف لنا حقائق بعضها نراها ولكن لا نستحضرها، مثل أن هذه الحياة الدنيا لها نهاية. هذا أمر يعرفه كل أحد وندرك الموت ونراه كل يوم.
لكنه أجاب على الأسئلة الكبرى التي حيرت الإنسان وانطلقت منها الفلسفات والمذاهب الأخلاقية في العالم.
[المذيع]: ما تلك الأسئلة؟
[الشيخ]: من أين نحن؟ سؤال عن الماضي، ماذا نفعل هنا الآن؟ سؤال عن الحاضر. ماذا سيكون غدًا؟ سؤال عن المستقبل.
تلك الأسئلة التي حيرت البشرية: من أين أتينا؟ ما هي القصة؟ من أنا؟
إجابة النبي على سؤال الأصل وقصة الخلق في التراث الإنساني والقرآن
ولذلك يقوم الأمريكيون كل سنة بإصدار كتاب كبير ويتساءلون: من هو؟ وما هي القصة؟ ويجمعون سير الأشخاص الموجودين على الساحة، في الإعلام، في الجامعات، في الاختراعات، في رجال الأعمال، في كذا إلى آخره.
فالإنسان سأل نفسه: ماذا أفعل هنا؟ وجلس ينظر هكذا إلى السماء والأرض والجبال. فجاء [النبي ﷺ] وقال لنا هذه الحقيقة التي توجد في الأديان الأخرى وموجودة في بعض الفلسفات وتنكرها فلسفات أخرى، ولكنها تضع الإنسان في الطريق إلى الاستقرار والأمن والسعادة؛ لأنه قد عرف من أين هو.
قال ﷺ لهم: هذا ربكم الذي خلقكم. حسنًا، احكِ لنا قصة الخلق. فعندما نذهب إلى قصص الخلق الموجودة في التراث السابق مثل التراث الهندي والتراث الصيني والتراث الآشوري والكلداني، نجد أن هذا التراث الإنساني المتراكم بعضه وحي مثل التوراة مثل ذلك يعني، ولكن بعضه أيضًا جاء من أنبياء لكن بعد نقل كثير وصور كثيرة تداخلت.
قصة آدم في سورة البقرة وتركيز القرآن على تكريم الإنسان وحمل الأمانة
فنجد [أن النبي ﷺ] حكى لنا قصة آدم بالتفصيل وحكى لنا في أول سورة في البقرة، لدرجة أنك يمكن أن تسميها سورة الخلق، يمكن أن تسميها سورة الأحكام، يمكن أن تسميها سورة كذا.
المهم فعندما ذكر لنا قصة آدم ذكرها بطريقة غريبة جدًا؛ لأنه لم يذكر لنا آدم كان طوله كم ذراع، امرأته ما اسمها؟ ومن أي ضلع خُلقت؟ وهل هي من الضلع أم لا؟ وإنما ذكر لنا في مجمل هذه القصة ما يتعلق بالإنسان كإنسان.
نعم، أن الإنسان مكرم، وأنه سجدت له الملائكة، وأنه حمل الأمانة وعلمه:
﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31]
أن هناك صراعًا بين الخير والشر وأنه قد هدانا النجدين: طريق الخير وطريق الشر، وترك لنا الاختيار سبحانه وتعالى. أشياء أساسية جدًا.
العقائد تهيئ الإنسان للإجابة على سؤال التكليف بالعبادة والعمارة والتزكية
هذه التصورات التي تسمى العقائد التي يتصورها الإنسان ويعتقدها ويتمسك بها في عقله، تهيئه للإجابة على السؤال الثاني: ماذا نفعل هنا؟
فقال له: مطلوب منك العبادة، ومطلوب منك العمارة، ومطلوب منك التزكية. [سأله]: عبادة ماذا؟ فشرحها له تفصيلًا:
﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: 78]
وظل يعلّمه، فعلّمنا النبي عليه الصلاة والسلام حين نذهب، هو التطبيق المعصوم لهذه المعلومات التي تؤدي بنا في النهاية إلى السعادة. إذن يصبح هو بابنا إلى الله.
الأدلة القرآنية على أن النبي بابنا إلى الله بأمر الله في القرآن الكريم
إذن من الذي قال لنا أنه بابنا إلى الله؟ الله:
﴿قُلْ أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ﴾ [النور: 54]
﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
فلما كان الرسول أسوة حسنة، ولما كنا قد أُمرنا باتباعه، ولما كنا أُمرنا بطاعته، ولما كان أمرنا "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا"، كان بابًا لنا إلى الله.
لذلك:
قال رسول الله ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي»
وقال ﷺ: «خذوا عني مناسككم»
إذن بابنا إلى الله، من الذي قال لنا؟ الله في القرآن الكريم المحفوظ المعجز الذي هو نبأ مقيم ومازال لا تنتهي عجائبه، لا يَخلَق من كثرة الرد.
التكليف الإلهي بالخير والنهي عن الشر وتنظيم الشهوات لا إلغاؤها
ورسول الله في تطبيقه المعصوم لذلك الكلام المطلق الذي يتجاوز الزمان والمكان والأشخاص والأحوال. حسنًا، إذن نحن مكلفون. قال: نعم، مُكلفٌ بماذا؟ مُكلفٌ بكل خير:
﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]
ومنهيٌّ عن ماذا؟ عن كل شر. كل شر نُهينا عنه وكل خير أُمرنا به. طيب، والشهوات؟ قال: سننظمها لك ولن نلغيها، إننا سننظمها:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ وَٱلْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلْمَـَٔابِ﴾ [آل عمران: 14]
هل هذه الأشياء حرام؟ قال: لا، إنما عندما يكون لديك مال يجب إخراج الزكاة منه وأخرجها بالطريقة الصحيحة وأعطيها للجماعة المستحقين.
أحكام الإسلام في تنظيم العلاقات الأسرية وموافقة جميع الطوائف على الدستور
وعندما تكون لديك امرأة فتُحسن إليها وترعاها وتنفق عليها:
قال رسول الله ﷺ: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»
﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ﴾ [البقرة: 228]
وظل يشرح لنا شيئًا أعتقد أنه لو فهمه الناس لما تأخر عاقل في قبوله، فأعطانا أحكامًا. ولذلك طوال عمر مصر، منذ السنة التي وضعنا فيها الدستور وجعلنا دين الدولة الرسمي هو الإسلام، وافقت كل الطوائف، وافق اليهود، وافق المسيحيون، وافق كل من في مصر وافقوا.
لماذا؟ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، إنه يأمر بالعدل بين الناس، إنه يأمر بالمساواة:
﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13].
المقاصد الشرعية هي النظام العام المتفق عليه بين العقلاء في العالم
إنه يأمر بالبر:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]
يأمرنا بأمور عظيمة جدًا هي محل اتفاق بين البشرية؛ لأنه يأمرنا بالحفاظ على النظام العام والآداب. ما هو هذا النظام العام؟ إنه حفظ النفس وحفظ العقل وحفظ الدين وحفظ كرامة الإنسان وحفظ ملك الإنسان.
أين سمعنا هذا الكلام؟ إنها المقاصد الشرعية. نعم، المقاصد الشرعية هي النظام العام، واتفق العقلاء في العالم وإلى يومنا هذا بأنه لا يجوز الخروج عن النظام العام. وكثيرٌ مِنْ اتُّهم بالخيانة العظمى لأنه يحاول أن يقدح في النظام العام للمجتمع البشري أو للاجتماع البشري.
إجابة النبي على الأسئلة الثلاثة الكبرى وربط الأخلاق بعقيدة الإله
فسيدنا النبي جاءنا بالثلاثة أسئلة هذه. قلنا له: طيب وغدًا بعد أن نموت ماذا نفعل؟ قال: إن هناك يوم قيامة وحسابًا وجزاءً وعقابًا وثوابًا، ووضَّح لنا هذا جدًا.
وربط هذا بذاك: اعمل هكذا من الأخلاق لأجل الله، اعمل هكذا كل السنة. أخلاقيات مرتبطة بعقيدة الإله.
ولذلك انظر إلى المصيبة التي يدعو إليها الملحد، وإلى أي دناءة هو يدعو الناس ونفسه إليها. يقول إنه لا يوجد إله. أضحكتني! حسنًا ماذا لو قتلوك؟ من هم الذين سيقتلونك؟ داعش؟ لا، أي شخص أقوى منك. ما دام لا يوجد إله، فما الذي يمنعه من أن ينتقم منك؟ إن الذي يمنعه هو الله.
فالله ضرورة بالنسبة لك. أنت غير عاقل، أنت أيها الملحد وأنت تنكر فأنت متمرد مع نفسك وستؤذي نفسك.
الإلحاد يحطم الوجود والنبي أجاب على أسئلة الخلق والتكليف واليوم الآخر
هذا هو الإله، دعك من أنه هو حقيقة واقعية، دعْك من أنه يستجيب للدعاء:
﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوٓءَ﴾ [النمل: 62]
هذا يقول لك إنها أمور واقعية. فالذي يدعو إلى الإلحاد هذا ليس مجرد قضية فلسفية وما إلى ذلك، هذا يحطم الوجود، هذا يريد أن ينتحر.
فسيدنا النبي قال لنا أنه هناك خلق وهناك صفات للإله وهناك تكليف ويوم آخر، فأجاب لنا على الأسئلة، فكان بابنا إلى الله.
[المذيع]: يعني:
﴿إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا﴾ [الحجرات: 13]
هل لو طبقنا هذا المفهوم الذي أتى به سيدنا صلى الله عليه وسلم للعالمين، لعرفوا إجابات أسئلة كانت الشغل الشاغل لفلسفاتهم المادية البحتة؟
[الشيخ]: نعم.
المحجة البيضاء والسنن الإلهية في القرآن وأثر تنحية مسألة الألوهية
سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. ولو أننا تتبعنا كما قلنا مرارًا السنن الإلهية في القرآن الكريم، ومنها سنة التعارف وسنة التوازن وسنة التدافع وهكذا، لوصلنا إلى مقررات في العلوم الاجتماعية والإنسانية تجعل النموذج المعرفي للإنسان والتفكير المستقيم للإنسان يتوصل إلى الحقائق.
أما الذي يحدث الآن فنحن ننطلق من فكرة تنحية مسألة الألوهية، لن نبحث فيها. يعني هو موجود؟ قل موجود، قل غير موجود، هي هي. وبدؤوا يتعاملون مع الخلق وكأن الإله قد تركنا عبثًا وخلقنا عبثًا.
ومن هنا اختلفت وجهة نظر المسلم مع هذه الوجهة الأخرى التي تريد أن تكون عرجاء، التي نسميها في كتبنا القديمة الطينية.
الفرق بين النظرة المادية والنظرة الإسلامية الشاملة للروح والمادة
أي هو ذهب متمسكًا بالطين فقط، بالمادة، بالمادة فقط التي أمامه وتحت قدميه. أين الروح إذن؟ أين الذي خلقها؟ أين مآلاتها وأهدافها؟ لقد نسي كل ذلك.
ومن هنا كان هناك فرق بين من يسير على قدمين وبين من له قدم واحدة يعرج بها. هو لديه قدم ويمكنه أن يحجل هكذا ويقفز ويتقدم.
فبعض الناس الذين لا شأن لهم بالفلسفة، إنما لهم شأن أيضًا بنتاج التكنولوجيا الحديثة أو التطور أو ما إلى ذلك، أنا أريد أن أفهم: لماذا هم متقدمون ولديهم إنجازاتهم؟ لأنهم يسيرون وفقًا لنظام يتفق مع عقيدتهم. عقيدتهم أن ينحوا مسألة الألوهية، وساروا على ذلك، والنظام كذلك. فاتساق النظام بالعقيدة هو الذي جعلهم متقدمين.
مفهوم التجديد ووجوب الاجتهاد وخطورة إغلاق باب الاجتهاد
لكن لو اتسق نظامنا مع عقيدتنا سننطلق ونصبح شيئًا آخر. وهنا يكمن مفهوم التجديد، تجديد هذا الخطاب، مفهوم وجوب الاجتهاد وأنه باقٍ في كل عصر.
وهذا يبين لك أن من دعا إلى إغلاق الاجتهاد - يعني رَبُّنا يسامحه - لأنه لا يفهم أنه بذلك قد أوقف الزمان، والزمان لا يقف، فيصبح هو القطار سيأتي ويزيله، فلا فائدة.
ومن هنا كان سيدنا الرسول، والمتأمل في سنته، كان هو بابنا إلى الله.
أجمل صيغة للصلاة على النبي وكتاب كنوز الأسرار للإمام الهروشي
[المذيع]: قطعًا مولانا الإمام، يتبارى المحبون، يتبارى الأولياء والأتقياء والأصفياء على إيجاد صيغ للصلاة على سيدنا صلى الله عليه وسلم. ما أجمل صيغة نصلي بها عليه صلى الله عليه وسلم؟
[الشيخ]: حيثما تجد قلبك. يعني هذا السؤال هو في الحقيقة شخصي، أي أن كل واحد يجد قلبه في صلاة معينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيعيش فيها وبها ولها.
الإمام أبو عبد الله الهروشي جمع ثمانية وخمسين صلاة من صلوات الأولياء الكبار وقسمهم على أربعة أرباع: الربع الأول والثاني والثالث والرابع، وسماه كنوز الأسرار. ثم قام بشرح الصلوات هذه في فصل من كتاب له اسمه فضل الصلاة على النبي.
رؤية الإمام الهروشي في الصلوات وقصة الشيخ عبد الفتاح القاضي في تكرارها
وكان الإمام الهاروشي يرى، وكثير أيضًا من أولياء الله، أن هذه الصلوات التي جمعها من الأولياء - كل بحسبه - أقرب طريق إلى الوصول، يعني وصول الإنسان إلى درجة الاطمئنان والسعادة والأمن والأمان، هو أن نكرر ونعيد ونزيد.
لدرجة أن الشيخ عبد الفتاح القاضي في شبلنجه رحمه الله تعالى، الذي توفي سنة ألف وتسعمائة وأربعة وستين، كان يقرأ هذه الكنوز خمس مرات كل يوم. المعتاد - لأنه اثنتان وسبعون صفحة - المعتاد أن يقرأها الشخص في أربعة أيام، لكنه كان يقرأها بهذا الشكل طوال النهار يقرؤه خمس مرات يوميًا.
حتى حُكي عنه أنه كان يقرؤه وهو نائم، أي أنه من كثرة تسلط الحفظ والاسترجاع عليه، فهو نائم ومخه يعمل، فيستيقظ فيجد نفسه يتكلم وهو في حالة الاستيقاظ بجزئية فيكمل من عندها؛ لأن معنى ذلك أنه كان نائمًا لكن لسانه يلهج بهذا الذكر.
تسلط الحفظ على العقل وكتاب دلائل الخيرات للشيخ الجازولي وقبوله العجيب
بهذا الذكر، طبعًا هذا الكلام سمعناه أيضًا من حفاظ القرآن. نعم، عندما يستولي عليهم القرآن يحصل لهم هذا الأمر، فهذه مسألة إنسانية معروفة وهي تسلط الحفظ على العقل الذي يمارس هذا الحفظ.
ولكن من كثرة التكرار التي كان يفعلها الشيخ عبد الفتاح رحمه الله تعالى ونفعنا الله بعلومه، فإنه وصل إلى هذا الحال.
كذلك الشيخ الجزولي عمل وردًا ليوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، للأسبوع كله، ومقدمة وخاتمة، وسمى كتابه دلائل الخيرات. وألقى الله على دلائل الخيرات القبول بطريقة عجيبة الشكل تدل على إخلاص صاحبها، وكل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها كانوا يقرؤونه.
العلاقة بين كنوز الأسرار ودلائل الخيرات وصلوات الأولياء الكبار
عندما تأتي تجد أنه يكرر كثيرًا من الصلوات في كل يوم، ويكرر بعض الصلوات التي قمت بها في اليوم السابق. عندما تأتي لتستخلص من هذا، تجد شيئًا غريبًا؛ فالكنوز والأسرار فيها اثنتا عشرة صلاة من دلائل الخيرات.
أي أنه قد أخذها ووضعها لأنها منسوبة إلى سيدي عبد القادر الجيلاني، منسوبة إلى الشيخ التازي الفاسي، ومنسوبة إلى الشيخ الرفاعي، ومنسوبة إلى السيد أحمد البدوي، ومنسوبة إلى السيد أبي الحسن الشاذلي، وهكذا فكل واحدة لها قيمة.
لكن عندما ظهر الشيخ التجاني أحمد التجاني، أتى بصلوات أخرى. وهناك رجل من الصالحين من أولياء الله الصالحين في المغرب الآن جمع سبع مجلدات في صيغ الصلاة على النبي التي لم تُذكر من قبل.
سبع مجلدات في صيغ الصلاة على النبي وكتاب سعادة الدارين للشيخ النبهاني
سبع مجلدات وطبعتهم الحكومة المغربية. سبع مجلدات في صيغ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم التي لم تُذكر من قبل، يعني يتحداك أنه لا توجد صيغة من صيغ الصلاة هذه مع الكنوز والأسرار ودلائل الخيرات وكل ما هنالك.
وسعادة الدارين للشيخ النبهاني، الشيخ النبهاني ألَّف كتابًا قائلًا: أريد أن أجمع كل ما ذُكر في الصلاة على سيدنا النبي. فماذا فعل؟ ألّف كتاب سعادة الدارين في الصلاة على سيد الكونين.
وفيما يتعلق بهذه الصلاة، فإن كتاب سعادة الدارين كبير، فقد جمع حوالي - نحن قلنا الهروشي ثمانية وخمسين - لكنه جمع حوالي قريبًا من مائتين، مائتا صلاة.
المقارنة بين المجلدات السبع وسعادة الدارين واستمرار الأمة في محبة النبي
إنما السبع مجلدات هذه، فوجدت طبعًا أنه يكاد يكون من غير المكرر كل دلائل الخيرات في سعادة الدارين، كل كنوز الأسرار موجودة في سعادة الدارين.
حسنًا، لو فعلنا هكذا سيخرجون مائة صيغة. لا، هو جمع مائتين. إذن هو بحث في الكتب ووجد ولكن كان شرطه أنه شخص يكون قالها من قبل. نعم، صاحبنا هذا جمع سبعة [مجلدات] مما لم يُذكر من قبل،
ما زالت الأمة فيها خير وما زال فيها محبون لسيدنا رسول الله، يتفننون في الصلاة عليه بتلك الصيغ الجميلة التي فيها معانٍ وفيها مواقف وفيها مشاعر.
الرد الحضاري على الإساءة للنبي بمجالس الصلاة عليه بدلاً من العنف
ولذلك كانوا يسألونني ويقولون: للناس الذين يُسيئون إلى سيدنا ماذا نفعل معهم؟ قلت لهم: لا تفعلوا شيئًا، بدلًا من أن تضربوا وتُحدثوا مشاكل، أقيموا مجلس صلاة على النبي أمام السفارة التي لا تعجبكم.
يعني بالنسبة للرسوم المسيئة في الدنمارك، ابحثوا عن سفارة الدنمارك، وتعالوا إلى الرصيف الذي أمامها، واجلسوا وصلّوا عن نبي الله عليه الصلاة والسلام.
ولنرجع، لو فعلنا هكذا، فإن صورتنا ستكون راقية جدًا وستُبكي العالم. وهذا أفضل من الرقع والتخبط والمقاطعة والأمور غير المفهومة، وكلام لا يصح أن يُقدَّم بهذه الصورة الساذجة.
لكن سواء غفر الله لهم أو لم يغفر، فجماعة الإخوان المجرمين هم الذين نشروا هذه الثقافة بين الناس.
الشيخ نور الدين الشوني أول من فتح مجالس الصلاة على النبي
وأول من اشتغل بالصلاة على سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام الشيخ نور الدين الشوني، فتح مجالس الصلاة على النبي سنة ثمانمائة سبعة وتسعين.
[المذيع]: هل تسمح لنا بالخروج إلى فاصل لنعود إلى هذه المجالس، لنستنشق هذه العطور وهذه النسمات من ذكر سيدنا صلى الله عليه وسلم؟ فصلوا عليه وسلموا تسليمًا.
هل تُقبل الصلاة على النبي من مرتكب الذنوب والكبائر
[المذيع]: فاصل ونعود إليكم. أهلًا بحضراتكم. مولانا الإمام، ربما أخطئ وأقع في بعض الأخطاء والزلل، فأعود وأصلي على سيدنا صلى الله عليه وسلم، فهل تُقبل الصلاة من مرتكب الذنوب ومرتكبي الكبائر؟
[الشيخ]: وصف العلماء أهل الله المجربين في سعيهم إلى الله سبحانه وتعالى أن الدعاء إذا كان بين صلاتين على النبي قُبِل؛ لأن الله أكرم من أن يقبل البداية والنهاية ولا يقبل ما بينهما.
فكانوا إذا أرادوا استجابة دعاء مرجو التحقيق، كانوا يبدؤون بالصلاة على النبي، ثم يدعون، ثم يصلون على النبي؛ لأن الصلاة على النبي مقبولة قطعًا حتى من المذنب كثير الذنوب؛ لأنها متعلقة بالجناب الأجل.
وأُخذ هذا من عموم قوله ﷺ: "من صلى" - "من" للعموم - سواء كان مذنبًا أو كان مخطئًا أو كان مقصرًا، فإن الله سبحانه وتعالى يستجيب هذه الصلاة منه.
كرم الله في استجابة الدعاء بين صلاتين وتعلم التعامل مع الله من القرآن
فلو جعلنا الدعاء بين صلاتين يستجيب؛ لأن الله كريم، يعني لن يستجيب الأول ويستجيب الأخير ثم لا يستجيب الذي بينهما. يعني هذا يقولون عنه: يعلمون كيف يتعاملون مع ربهم.
نتعامل مع ربنا من كثرة قراءة القرآن، تشعر بهذا الأمر، تدرك كيف تتعامل مع الله. وهو يعلم:
﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]
يعني هو يقدم لك قصص الأنبياء لكي يبين لك العلاقة بينهم وبين الله؛ لأن الله راضٍ عنهم، ولأن الله اختارهم، ولأن الله سبحانه وتعالى أعلى من شأنهم، فهؤلاء مرضيٌّ عنهم.
طيب، أنا أريد أن أقلد الذين هم مرضيٌّ عنهم، وكيف كانت علاقتهم بربنا؟ كيف كان دعاؤهم لربنا؟ فالقرآن يبين هذه الحالة في قصص الأنبياء. وبعضهم يقول: ما حكمة كثرة [القصص]؟ حتى تتعلم منه كيف تحسن علاقتك مع الله رب العالمين.
الصلاة على النبي مقبولة من الجميع ووسيلة للتوبة والإكثار منها عند الذنب
فالصلاة على سيدنا الرسول مقبولة من الجميع، والصلاة على سيدنا الرسول وسيلة. عندما يأتي إليّ أحدهم ويقول لي: أنا سئمت من نفسي، كلما تبت أرتكب الذنب مرة أخرى، كلما تبت أرتكب الذنب مرة أخرى، ماذا أفعل؟
أقول له: أكثر من الصلاة على النبي، قم فإن ربنا يغفر لك، وأكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ربنا يوفقك، وأكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فربنا يثيبك ويذهب من قلبك حب المعصية وكثرة الوقوع فيها.
فعندما ننصح أولادنا وتلاميذنا وما إلى آخره بهذه النصيحة، تأتي لاحقًا ويقول: والله هذه صحيحة. فنعرف من هنا أنها صحيحة.
الرد على من يطالب بحديث لكل نصيحة ومنهج النبي الشامل في الخير
لأن المبتدع يقول لك: أين الحديث الذي يقول هكذا؟ فكيف تتجرأ وتقول هكذا؟
لأن سيدنا ترك لنا الخير كله، فنحن نستعمل هذا الخير في نطاق هذا الخير. تكون بدعة ما دام النبي لم يفعلها. فهو يريد أن يسحب زمن النبي علينا، وهي [الحقيقة] المفترض أن نسحب حياة النبي علينا.
وحياة النبي فيها منهج، والمنهج تعلمه الأئمة الكبار والشافعي وأولياء الله وطبقوه. هذا المنهج إذا تعلمناه كما تعلمه الأولياء والمجتهدون وطبقناه، ستجد أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان.
رؤية النبي يقظة ومنامًا وأثر قراءة السيرة والصلاة عليه في تحقيق ذلك
[المذيع]: مولانا الإمام، من ذاق عرف، ولذلك الكل يتشوق ويتطلع لرؤية سيدنا صلى الله عليه وسلم يقظة ومنامًا. فهل الإكثار والإخلاص والإصرار في الصلاة على سيدنا صلى الله عليه وسلم هي الوسيلة إلى ذلك، إلى رؤية سيدنا صلى الله عليه وسلم؟
[الشيخ]: رؤية سيدنا تأتي كثيرًا من كثرة قراءة السيرة النبوية الشريفة، ورؤية سيدنا تأتي كثيرًا من كثرة الصلاة عليه واللهج بهذه الصلاة، يعني من غير عدٍّ ولا حصر، أي أنه طوال جلوسه يصلي على سيدنا صلى الله عليه وسلم.
لكن قراءة السيرة تُحبِّب الناس في الرسول وتُعرِّفهم جوانب هم ليسوا منتبهين إليها، حتى مع قراءة الحديث. يعني لو قرأنا الحديث ولم نقرأ السيرة، فما زال المرء يسمع أحكامًا ويسمع شيئًا فيه افعل ولا تفعل أو فيه توجيهات.
أهمية قراءة السيرة النبوية لمعرفة مواقف النبي الحياتية المتنوعة
لكن أين المواقف؟ أين موقفه كزوج؟ كوالد؟
[المذيع]: التفاصيل يا مولانا
[الشيخ]: كحياة، كقاضٍ، كمفتي، كمعلم، كقائد جيوش. كل هذا موجود في السيرة على أبدع ما يكون.
[المذيع]: مولانا الإمام، في شهر ربيع هل يعني نُكثر من الصلاة على سيدنا النبي ونقرأ دلائل الخيرات وما ذكرته فضيلتكم من الكتب المهمة والأثيرة في هذا؟ وقراءة السيرة، وكيف نقسم الأمر، وما الكتب التي نقرأها في السيرة لكي يتسنى للجميع أو للأغلب أن يقرأ هذه الكتب؟
[الشيخ]: في كتاب جميل جدًا للشيخ النبهاني اختصر فيه المواهب اللدنية اسمه الأنوار المحمدية، فالأنوار المحمدية هذا مما يُقرأ في هذا الباب.
كتب السيرة النبوية المتنوعة وأهمية الناحية الوصفية والمواقف الحياتية فيها
في الرحيق المختوم أيضًا يُقرأ في هذا الباب، في كتب كثيرة جدًا. كتب السيرة التي في مكتبتي حوالي أربعمائة وخمسين كتابًا في السيرة النبوية.
فهناك كتب كثيرة جدًا، وألّف فيها الصادق عربون، وألّف فيها أبو زهرة، وألّف فيها الشيخ أبو شهبة، وألّف فيها محمد حسين هيكل في حياة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وألّف فيها كثير من البشر عبر القرون. ألّف فيها ابن هشام وألّف فيها ابن إسحاق وألّف فيها موسى بن عقبة، وألّف في السيرة كثير جدًا.
وهي كما قلت لك تركز على الناحية الجغرافية والمواقف الحياتية والناحية الوصفية، تصف لك كيف كانوا يعيشون وكيف كانت حياتهم، وكيف كانوا في علاقاتهم وفي ودهم وحبهم.
تأثير النبي الروحاني في تغيير من أتاه وكونه رحمة مهداة ونعمة مزداة
وكيف كان يغير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى بالنظرة يغير من أتاه مؤمنًا ويدخله في عالم آخر من الروحانية، حتى قال:
«كيف تكفرون وأنا فيكم»
يعني هذا هو ما أنتم ترونه. فسيدنا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو رحمة مهداة ونعمة مسداة.
آراء المشاهدين حول اعتبار الزيادة في مدح النبي بدعة
[المذيع]: مولانا الإمام، يعني أستعرض بعض ردود السادة المشاهدين حول السؤال على صفحة الفيسبوك وهو: ما رأيك فيمن يعتبرون الزيادة في مدح النبي بدعة؟
الأستاذ أحمد منصور يقول: والله لو احتكموا لكيفية مدح الصحابة لسيدنا النبي وكيفية احترامه وتعظيمه لتيقنوا أن ما نفعله أقل بكثير مما فعلوه سادتنا الصحابة.
الأستاذ طه الحكيم يقول: طالما نبتعد عن القول بأنه إله أو ابن إله، ونحن بفضل الله نفعل ذلك، فلا لوم ولا عتاب علينا، فمحبة النبي صلى الله عليه وسلم ليس لها حد نقف عنده.
﴿قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: 58]
الأستاذة هدى تقول: الزيادة في العبادة خير وبركة، ومدح النبي والثناء عليه عليه وحبًا له، وحب النبي صلى الله عليه وسلم عبادة.
الأستاذ إسلام يقول: هي ليست بدعة وإنما هي فيض من الله على الذاكر حيث أن الذكر عبادة.
مولانا، يعني إجابة من فضيلتكم على هذا السؤال وتعليق على ما ذكره السادة المشاهدون
الرد على من يعتبر مدح النبي بدعة وبيان أن النابتة حُرموا حب محمد
[الشيخ]: هو هذا ناشئ من أمرين: أن النابتة جعلت الناس تقف موقفًا سلبيًا من سيد الخلق، وذلك حكم الله فيهم. ربنا حرمهم؛ لأنهم يفعلون الفساد في الأرض، فليس من الممكن أن الذي يفعل الفساد في الأرض يحب محمدًا.
ولذلك ربنا سلبهم حب محمد، وهم يدعون الناس إلى عدم الحب - اللهم صلِّ وسلم - تحت كثير من الدعاوى. ولكن الحقيقة هي أن هؤلاء الناس لا يحبون النبي صلى الله عليه وسلم ويخدعون الأمة بكل هذا الكلام.
ثانيًا، من الجهل أن هؤلاء الصحابة مدحوا النبي صلى الله عليه وسلم، مدحوه في بانت سعاد، مدحوه بـ "وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه"، مدحوه في كلام حسان:
وأجمل منك لم تر قط عيني ... وأجمل منك لم تلد النساء ... خُلقت مبرأً من كل عيب ... كأنك قد خُلقت كما تشاء
هؤلاء يحتاجون إلى التأديب وليس إلى المناقشة؛ لأنهم يحرمون الناس حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا فعل الله فيهم بعدما طغوا وبغوا وأفسدوا في الأرض وملأوها ضجيجًا على غير الوجه.
الفرح بمولد النبي وتخفيف العذاب عن أبي لهب بسبب فرحه بمولده
[المذيع]: نفرح إذا يا مولانا بمولد سيدنا صلى الله عليه وسلم؟
[الشيخ]: الفرحة نجت وخففت عن أبي لهب ونحن نقرأ فيه قرآننا بأنه من أصحاب الجحيم، فما بالك بالمسلم والمؤمن الذي يفرح بالنبي صلى الله عليه وسلم ويوزع الحلوى ويُدخل السرور على الأطفال، وتكون يومًا مذكورًا يُذكر فيُشكر.
في قوله تعالى:
﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5]
ومن فرح بنا فرحنا به.
ختام الحلقة والدعاء للشيخ علي جمعة والتهنئة بربيع الأنوار
[المذيع]: مولانا الإمام الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء، رضي الله عنكم وغفر الله لكم ودمتم لنا دائمًا يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
**[المذيع]:**كل عام وأنتم بخير. إلى اللقاء.
