والله أعلم| الدكتور على جمعة يتحدث عن الهداية العامة للقرآن ومراتبها| الحلقة الكاملة

والله أعلم| الدكتور على جمعة يتحدث عن الهداية العامة للقرآن ومراتبها| الحلقة الكاملة - والله أعلم
المذيع حسن الشاذلي: بسم الله الرحمن الرحيم، باسمك اللهم نمضي على طريقك، فثبت اللهم أقدامنا على طريقك. ما أجمل أن نستفتح دائماً بهذه البسملة! اللهم ارزقنا أسرارها وبركاتها يا رب العالمين. أهلاً بكم في "والله أعلم" لنسعد دائماً بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، لنواصل معه هذا الحوار النوراني لنجيب على الكثير من التساؤلات الملحة حول التجديد والإصلاح. مولانا الإمام، أهلاً بفضيلتكم. الشيخ: أهلاً وسهلاً بكم، مرحباً. المذيع: ما زلنا نقرأ معاً هذه الهداية ومراتب
الهداية في كتاب الله العزيز الكريم الذي نتساءل عنه وعن هذه "ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ" [البقرة:٢]، مراتب الهداية بعد أن عرفنا أنه هدى للمتقين، يا مولانا ما هي تلك المراتب؟ الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. القرآن لا تنتهي عجائبه، والقرآن أسماه الأقدمون من المسلمين بالنبي المقيم، والقرآن كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه نبأ من قبلكم، وحكم ما بينكم هو الجد وليس بالهزل، من حكم به عدل، إلى آخر ما وصفه به، وهو كلام حقيقٌ،
ويقول فيه في أجزائه: "لا يخلق عن كثرة الرد". فالقرآن له جهات كثيرة للهداية، وكل عصر، وكلما ازداد السقف المعرفي للإنسان في إدراكه لعالم الأشياء، ولعالم الأشخاص، ولعالم الأحداث، ولعالم الأفكار. وكلما اكتشف الإنسان شيئاً من مراتب ودرجات الوجود، كلما وجدنا القرآن هادياً ومرشداً لكل هذه الأسقف المعرفية في إعجاز غير متناهٍ وفي إعجاز عجيب غريب يقف عنده المنصف وقوف المنبهر والمُجِلّ له. القرآن
عندما تأمله المحدثون، وأقصد بالمحدثين من كانوا في القرن الثالث عشر الهجري ومن كانوا في القرن الرابع عشر الهجري. المذيع: نقول عليهم المتأخرين يا مولانا أم المتأخرون هؤلاء هم الأقدمون؟ الشيخ: لا أبداً، هم المتأخرون أيضاً وهم الخلف الصالح وهم كذا وكذا، ولكن كلها تختلف بدايتها. عندما نقول الخلف يكون كما ينص الباجوري {هو الشيخ التاسع عشر بين شيوخ الأزهر، وكان شيخا للمذهب الشافعي} أن السلف قبل الخمسمائة والخلف بعد الخمسمائة، فنحن خلف إلى الآن، ولكن نحن الآن بيننا وبين بداية الخلف نحو ألف عام. فالخلف إذن له بداية ووسط ونهاية. منذ سنة ألف وثمانمئة وثلاثين إلى ألف وتسعمئة وثلاثين اكتشف الإنسان واخترع مجموعة من الاكتشافات والاختراعات
غيّرت برنامجه اليومي، ولم يعد الإنسان يعيش غده كأمسه ولا يومه كغده، وهكذا تطورت الدنيا. وذلك عندما لخصه العلماء الذين يراقبون الحضارات، قالوا إنها قد تغيرت تغيراً واسعاً في عالم الاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة. وهذا من عام ألف وثمانمائة وثلاثين إلى ألف وتسعمائة وثلاثين. شيء غريب جداً أن في هذه المرحلة اُخترعت السيارة والطائرة والقطار. المذيع: في العشر سنوات هذه؟ الشيخ: لا ليست عشر سنوات، بل مائة سنة. منذ عام ألف وثمانمائة وثلاثين إلي ألف تسعمائة وثلاثين تم اختراع الكمبيوتر والتلفزيون
والراديو، واكتُشف واستُعمل التسجيل الطبي، واستُخدم المجهر والتلسكوب والميكروسكوب الذي بدأه جاليليو {عالم فلكي وفيزيائي}. ولكن هذا التلسكوب الذي بدأه جاليليو أدخلنا في قضية أخرى مهمة مكّنت الإنسان بعد ذلك مباشرة من الذهاب إلى القمر ورصد التفاعلات الكيميائية الموجودة في الشمس إلى أن منذ ألف وتسعمائة وثلاثين حتى ألفين وثلاثين، أي بعد اثني عشر سنة، يعني ما زلنا في المائة الثانية. جمع الإنسان هذه الأشياء، فقد اخترع أولاً الكاميرا للتصوير، واخترع الفيديو للسينما، واخترع الهاتف،
والآن معنا هاتف فيه إنترنت وفيديو وتصوير وغير ذلك. وهكذا تغيرت الدنيا، وبموجب هذه الدنيا المتغيرة تغير نقل الخبر، تغير كم هذا النقل. الوكالات الست {وكالات أخبار تبث على مدار 24 ساعة وهى أسوشيتد برس-رويترز-فرانس برس -يونايتد برس إنترناشيونال-إيتار تاس-وكالة أنباء الشرق الأوسط} تنقل كل يوم ما يقرب من مائة وعشرين مليون معلومة. هذه المائة والعشرون مليون معلومة التي تُنقل، لكي تطّلع عليها فإنك تحتاج إلى مائتي سنة، طبقاً لأننا نفترض أن المعلومة في جملة، فكم سطراً تكون؟ كم مجلداً يصبح؟ وكم تستطيع أن تقرأ في المجلد؟ يتبين أن حصيلة اليوم الواحد من هذه المعلومات تساوي مائتي سنة، إذاً يستحيل على العقل البشري استيعاب
كل هذا. إننا في النهاية نعيش في عصر المتغير، فبدأ المفكرون المسلمون منذ أيام رفاعة رافع الطهطاوي والشيخ محمد عبده ومن بعدهم الشيخ الخضري والشيخ محمد أبو زهرة والشيخ علي الخفيف والشيخ علي حسب الله وآخرين من الأساطين والمفكرين مثل مالك بن نبي الجزائري الفرنسي والمهدي بن عبود، أناس يفكرون في القضايا العليا ويتبحرون في المعاني وفي القرآن. العلوم تأتي شيئاً فشيئاً وتحتاج إلى تراكم، فالسؤال الآن ما هي هداية القرآن التي درسناها
في القرن العشرين والواحد والعشرين؟. ها أنا أقدم لك كل هذه المقدمة لكي نصل إلى هذا السؤال. المذيع: إلى هذا العالم المتغير جداً. الشيخ: العالم المتغير المتشابك الذي فيه خير كثير وفيه شر كثير، المعقد المتطور الذي يتغير كل يوم. فوجدوا في القرآن ما سمّوه بالسنن الإلهية وأصبحت دراسة السنن الإلهية هي درجة ونوع وجهة من جهات الهداية. المذيع: ماذا نعني بالسنن الإلهية؟ الشيخ: السنة الإلهية: "سَنُرِيهِمْ ءَايَٰتِنَا فِى ٱلْـَٔافَاقِ وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ" [فصلت:٥٣]. الله سبحانه وتعالى يوجهنا هنا ويقول لنا:
ستعرفون قيمة هذا القرآن عندما تبحثون البحث الصحيح. السنن الإلهية لم يهتم بها الرازي أو القرطبي أو ابن كثير { هم أبرز مفسري القرآن الكريم}، وذلك لأن الدنيا كانت تعيش أمسها في يومها ويومها وغدها كما كان في اليوم، حيث كانت تعيش الأمس كاليوم من ناحية الاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة، ومن ناحية إدراك الكون وما حوله. ولذلك كانت العلوم كلها موضوعة في مكان واحد اسمه الفلسفة هي الحكمة، لماذا؟ لأن بها أدرك الواقع. وأصبحت دراسة الواقع مع دراسة الشريعة هما الركيزتان اللتان تتقدم بهما الحضارة الإسلامية
وتسير. أما ما يتعلق بالكون فنحن منفتحون، فقد أخذنا من اليونان وأخذنا من الهند وأخذنا من البربر وأخذنا من الغرب ومن الشرق، وأما ما يتعلق بالقرآن فأخذناه من اللغة، وأخذناه من الرواية وأخذناه من علوم منّ الله علينا بها فألهمناها ولم تكن في أمة قط كعلم الرواية وعلم الأسانيد وعلم الجرح والتعديل وعلم الرجال وعلم الحديث وعلم القراءات وعلوم كثيرة جداً، علوم أنشأناها كالنحو والصرف والبلاغة واللغة، كل هذا كان مناسباً للنموذج المعرفي السائد وللسقف المعرفي الذي كانت تعيشه البشرية. عندما اختلف هذا السقف لم يسكت علماء المسلمين، بل بحثوا وتأنّوا وتكلموا وكتبوا،
فوجدوا هناك ما يسمى بالسنن الإلهية. والسنن الإلهية إما أن تكون سنناً متعلقة بالكون فتكون سنناً كونية، وإما أن تكون سنناً متعلقة بالإنسان فتكون سنناً إنسانية، وهناك سنن تاريخية دخل فيها عنصر الزمن. ما الذي حدث؟ في التاريخ لأن معرفة التاريخ تبين لنا وتكشف مراد الله في إدارة هذا الكون كيف جرت الأمور. فدولة الظلم لم تبقَ، ودولة العدل بقيت الذي بقي هو العدل. عرفنا من هذا التاريخ أن العدل أساس الملك. المذيع: هذه السنن التاريخية يا مولانا، الشيخ: هذه سنن تاريخية. المذيع: في قراءة التاريخ نعرف ما سيحدث. الشيخ: ما سيحدث. المذيع: والقانون يأخذ بالسوابق. الشيخ:
نعم، فرصدوا كل هذه الأشياء فوجدوا أن القرآن يشتمل على عدد كبير جداً من السنن، ولكن هذه السنن الإلهية وجدوا أكثر من تسعين سنة إلهية منها، مثلاً سنة التعارف بين الأقوام، مثلاً سنة التوازن، وجدوا أن سنة التوازن هذه موجودة في الكون، وجدوا سنة التوازن موجودة في النفس البشرية وجدوا سُنّة التوازن موجودة في التاريخ، مثلاً سُنّة التدافع: "وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ" [البقرة:٢٥١]، "وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟" [الحجرات:١٣]. هل أخذت بالك من
قضية التعارف هذه وكيف أنه "خلق الأرض وخلق الميزان"؟ هو "أنزل الكتاب والميزان"، "ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ" [الشورى:١٧]، "فأنزل الكتاب وأنزل الميزان". ماذا يعني هذا الميزان؟ هذا الميزان وجدناه في اللغة، هذا الميزان وجدناه في الشعر، هذا الميزان وجدناه في الحياة. المذيع: ما نقيس عليه يا مولانا، الذي هو نقيس عليه، الذي نقيس عليه في الشعر كالبحور، وفي اللغة كالنحو مثلاً. الشيخ: الذي هو المقياس، ليس ما نقيس عليه، المذيع: المقياس. الشيخ: ما نقيس عليه هذا هو الرطل والأوقية والكيلو، لكن أين الميزان الذي هو المقياس الذي تضع فيه هنا وهناك لكي تشعر بالتوازن أو يحقق لك التوازن؟ المذيع: وضّح المعنى. الشيخ: وجدنا سنناً مثل هذه،
فأصبح هناك جانب للهداية، وأصبح هناك جانب للبحث، وأصبح هناك جانب للتطبيق. فنحن لدينا بحث يتلوه تفهم واستخلاص يتلوه محاولة للتطبيق حتى نستغل سنة الله في الآفاق وفي النفس وفي التاريخ من أجل تحقيق عمارة الأرض وعبادة الله ونفع البشرية إلى آخره. فإذن ظهر لنا علم جديد اسمه السنن الإلهية وكتب فيه الكاتبون وتبحر فيه المتبحرون ودللنا عليه تلاميذنا أن يبدأوا بإدخاله في منظومة الدراسات
الأكاديمية. وكان من هؤلاء الدكتور مجدي عاشور الذي تناول رسالته في السنن الإلهية هل تنتبه؟ واستطاع أن يأتي ببعض هذه السنن كمثال من أجل أن نعرف كيف تُستنبط السنة، وما الفرق بين السنة والمبدأ القرآني، وما الفرق بين السنة والحقيقة، وما الفرق بين السنة والحكم، وكيف نفعّل هذه السنن إلى آخر ما هنالك من مكونات هي تعد هداية، هذه هي هداية القرآن على مستوى السنن. هناك أيضاً هداية القرآن على مستوى المبادئ القرآنية ولها قصة طويلة. المذيع: هذه كلها مراتب، مراتب الهداية يا مولانا على مستوى السنن. الشيخ: على مستوى السنن هذا رقم واحد، وعلى مستوى المبادئ رقم اثنان
على مستوى الحقائق، رقم ثلاثة على مستوى الأحكام، رقم أربعة على مستوى منظومة القيم، رقم خمسة وبما لا يتناهى. نحن الآن نقدم أمثلة أن هذا القرآن لا تنتهي عجائبه. من الذي تكلم في السنن الإلهية من الأقدمين؟ لا أحد. من الذي تكلم في المبادئ القرآنية من الأقدمين؟ لا أحد. لا يوجد من تحدث في منظومة القيم بهذه المداخل، لا يوجد من تحدث في الأحكام مثلاً. هناك من تناول الأحكام، لكن من الذي تحدث في الحقائق؟ توجد إشارات وهكذا. إذاً هو لا تنتهي عجائبه حقاً، والعلم لا يعرف الكلمة الأخيرة، والقرآن كتاب هداية.
المذيع: وبالمثال يتضح المقال، ما سنتعرف عليه أكثر وأكثر بعد الفاصل. ابقوا معنا. أهلاً بحضراتكم مولانا الإمام، لقد وضحت لنا وفصّلت لنا أن هذه المراتب على مستوى السنن، على مستوى المبادئ، على مستوى الأحكام، على مستوى الحقائق، على مستوى منظومة القيم، إذاً فتح الإسلام للعقل المسلم أن يفكر وأن يقف أمام الجديد والمستجدات ويفهم النص القرآني فهماً واقعياً، أليس كذلك؟ الشيخ: بلى. كان مشايخنا يقولون "بلى"، وربنا يقينا البلى. ففي العربية
يقولون "أليس كذلك؟" فتجيب بـ"بلى" لكي تقول "نعم". يعني تقول "بلى". فالحقيقة أن القرآن هذه أشياء على سبيل المثال، ونبدأ مثلاً بالأحكام. أنت تقول أعمال العقل. هذه أعمال عقل لمراتب عليا جداً، إنه عقل يعمل مع القلب، عقل يعمل مع القضايا الكبرى الإنسانية، عقل يعمل وهو يملك مبادئ عميقة لا وجود لمثلها في حضارات الناس، منها أن الحقوق والواجبات وجهان لعملة واحدة، هذه لا يعرفها العقل البشري على مر التاريخ وفي
كل الحضارات، عندهم حقوق. الإنسان، لا، نحن ليس لدينا حقوق الإنسان فحسب، بل إن حقوق الإنسان وصلت إلى مرتبة الواجب. فالناظر المتعجل يقول: "أنتم تتحدثون عن واجبات، يجب عليك كذا ويجب عليك كذا، أين الحقوق؟"، كأنه - يا عيني - يشعر أن الحقوق قد هُضمت. قلنا له: "حسناً، لا عليك، هدئ بالك هكذا وانظر إلى الحقوق التي أنت تتحدث عنها مثال ذلك حق الحياة، نحن عندنا حق الحياة واجب، فعندنا يحرُم الانتحار، وأنت عندك لا يحرم. فيترتب على ذلك عندك أزمات ومشاكل حتى فلسفية، ونحن عندنا حق العقل، لكن
هذا الحق واجب لدرجة أننا حرمنا الخمر وحرمنا المخدرات وحرمنا الجهالة وعدم التعلم لدرجة أننا أسكتنا من لا يتعلم، "وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ" [الإسراء:٣٦]. يجب أن تتعلم أولاً. نحن لدينا حق كرامة الإنسان، لكن هذا بالمناسبة واجب وهو حفظ العرض لكنك لا تعرف القراءة وتظن أن العرض هو العلاقة بين الرجل والمرأة أو ما شابه ذلك، لا، ليس هذا بل هى علامة عنوان عَلم على كرامة الإنسان ونحن عندنا حق الملكية، وحق الملكية هذا نحفظ به المال حتى من السفهاء، ووصل ذلك إلى مرتبة
الوجوب. نحن عندنا حرام الإسراف: "وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ" [الأعراف:٣١]، "وَلَا تُؤْتُوا۟ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰمًا" [النساء:٥]. لقد تحولت الحقوق عندنا إلى مرتبة الواجبات، ونحن الذين لا نفكر! هذا العقل المسلم عند استخلاصه للسنن الإلهية والمبادئ القرآنية والأحكام الفقهية يتعمق جداً في التدبر وفي إلحاق كل شبيه بشبيهه والنظير إلى نظيره وفي الاستنباط ثم في التجريد من أجل التطبيق، عملية ذهنية أدت بهم إلى
نشأة عدة علوم، بالتفكر هذا. لدينا علم يسمى أصول الفقة وعندنا علم يسمى القواعد الفقهية، وفي هذه الأحكام نجد ثلاثمائة إلى خمسمائة آية في القرآن الكريم تتحدث عن الأحكام العملية المتعلقة بالعبادات والمعاملات وأحوال الأسرة والقضاء والعلاقات الدولية وما شابه ذلك. وقد استخرجنا مليوناً ومائتي ألف فرع فقهي. استنبطناهم، أي استخرجناهم واستخلصناهم. شغلت عقلي أي تدبراً وجمعاً وتفريقاً وتجريداً واستخلاصاً واستنباطاً وصياغة وربطاً؟ ما
هي إلا هذه العمليات العقلية التي يبدع بها العقل ويفكر، ولكنه على الأساس يخدم هذا النص ويبني حضارته عليه، منه ينطلق وإليه يعود، به التقويم وله الخدمة. المذيع: التي تعبر عنها فضيلتك أحيانا في مجال الفقه: الملكة الفقهية. الشيخ: المحور، محور الحضارة، جعلوا القرآن والسنة محور حضارتهم. من أي شيء؟ من إعمال العقل، ولذلك هذه المنظومة بين مصالح الجسد والبدن وبين تفكر العقل وبين شعور القهر التي في النهاية أوصلتنا، بعد أن كانوا يتحدثون معنا عن الذكاء العقلي (الإنتليجنت كوشن)، إلى أن أصبحوا يتحدثون أيضاً عن الذكاء العاطفي (الإيموشن كوشن). لم تعد المسألة عقلية فقط، بل
أصبحت أيضاً مسألة عاطفية وشعورية وما إلى ذلك. اللهُ! ألم تتأملوا وتتدبروا؟ هناك شخص كبير وفيلسوف كان منبهراً بالمدرسة الوضعية، لكنه عندما اطلع على التراث العربي والإسلامي انبهر به، وهو زكي نجيب محمود، الذي وصل في نهاية حياته إلى مرحلة النضج العالي وبعد ما اتسعت هكذا وكتب مجموعة مقالات في الأهرام وجعلها كتاباً. ما هذا! لدينا تراث رائع حقاً. أنت لم تكن منتبهاً له لأنك لم تقرأه، ولأنك تعاملت معه بشكل إجمالي. فعندما تعمق معه في التفصيل والتأمل والتدبر وما إلى ذلك، المذيع: وفق المنهجية يا مولانا. الشيخ: في هذه المنهجية اكتشف أن هناك مناهج وأن هناك مسائل، والمسائل زمنية والمناهج
متعدية للزمن، مليون ومائتا ألف، وهذا مليون ومائتا ألف دليل على إعمال العقل، مليون ومائتا ألف دليل على أن العقل هو الأساس عند المسلمين، فإذن هذه مراتب الهداية عند المسلمين في تعاملهم مع القرآن الكريم ويمكن أن نتحدث عن كل واحدة منها. يقول لك المبادئ القرآنية، هذه المبادئ القرآنية سُميت مبادئ لماذا؟ مبادئ جمع مبدأ، ومبدأ مصدر ميمي يصلح للدلالة على الزمان والمكان والحدث. انظر، نحن نستعمل علومنا القديمة هنا. ومبدأ
معناها مكان البدء، نفس البدء، زمن البدء. فما هو هذا البدء؟ هذا البدء هو أن تعمل شئ به البداية، البداية في ماذا؟ قال في كل شيء، فعندما يأتي ليقول مثلاً "عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ" [المائدة:٩٥], يا لهذا! "عفا الله عما سلف"، فهذا مبدأ، لماذا؟ لأنه يمكن أن نستعمله في علم النفس، ويمكن أن نستعمله في علم الاجتماع، ويمكن أن نستعمله في علم السياسة. المذيع: في النسق المعرفي للمسلم. الشيخ: ويمكن أن نستعمل هذا المبدأ في القانون الذي هو فورية القوانين، فورية القوانين عندما يتحدث عنها العميد دوجي{فقيه ومفكر قانوني فرنسي} في فرنسا يندهشون هكذا: ما هذا الشيء الجميل؟ ما رأيك أنه عندنا كلمة مكونة منها "عفا الله
عما سلف"، هذا أقل من ذلك، "إلا ما قد سلف"، "إلا ما قد سلف"، "عفا الله عما". عفا الله عما سلف وإلا ما قد سلف، هذه تُشكل مبدأً عندما نأتي في التربية، فنجد أنها مبدأ قوي جداً. فأنت عندما تربي أولادك لا تعيّرهم بالذنب، "عفا الله عما سلف". لا تضغط على نفسية الطفل بقولك: أنت فعلت كذا وفعلت كذا وتعيّره كل فترة، لأن "الله عفا عما سلف". وقِس على هذا في كل العلوم، لو جلسنا نتكلم ونستفيض ستجد أنها عملية واسعة جدًا، وهذا مبدأ واحد من حوالي ثلاثين مبدأً استطعنا أن نستخرجها من القرآن بالدراسات والأبحاث، تصلح لأن تكون لكل العلوم وتخدم فكر الإنسان. المذيع: وهذا
ما نفهمه أيضًا من "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ" [الأنعام:١٦٤]. فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا. أهلاً بحضراتكم مولانا الإمام، في واقع الأمر لدي الكثير من التساؤلات حول كيفية ترجمة كل هذه المبادئ في صورة علوم حقيقية نُصدِّرها للعالم من خلال ما نمتلكه من كل هذا الزخم والتنوع الهائل، ولكن يأتي سؤال آخر وهو: البعض قد يهتدي بالقرآن في بداية أمره ثم يضلّ عن الطريق، بعد ذلك ماذا حدث له؟ الشيخ: أولاً، نحن نحتاج إلى صناعة ثقيلة من أجل إعادة توليد العلوم. وهذا ربما مقال كتبته في جريدة
الأهرام منذ أكثر من عشر سنوات ويزيد. كتبت أنه عندما كنا نولّد العلوم في حضارتنا، كانت الحضارة في غاية القوة والتمكن، ولم تستطع الهجمات الشرسة من التتار أو من المغول أو من الصليبيين أو نحو ذلك أن تهز هذه المنطقة ولا تلك الحضارة، وعندما تركنا توليد العلوم بدأنا في العد التنازلي، وإن ظل هذا العد التنازلي أجيالاً وأجيالاً بدافع أو بسبب قوة الدفع الشديدة التي سببها توليد العلوم. توليد العلوم له علاقة مباشرة ببقاء الحضارات للمدد الطويلة، فنحن عندما
تركنا توليد العلوم حدث فراغ. نحن نحتاج إلى توليد العلوم مرة أخرى. يعني تخيل أن علم التفسير ينبثق منه أو يتكون من علوم عديدة بعد ذلك، منها علم السنن الإلهية، ومنها علم المبادئ القرآنية، ومنها علم القيم ومنظومة القيم، وحينئذ سنستطيع أن ننشئ نموذجاً معرفياً قادراً على أمرين: قادر على شرح حالنا ومآلنا وصورتنا الحقيقية للعالم لأن العالم كله الآن بعد كوين{توماس صامويل كون وهو مؤرخ، وفيلسوف علوم أمريكي} ما تكلم في الثورات العلمية عن النموذج المعرفي وأنه يتبدل من جيل إلى جيل أو من ثورة علمية إلى ثورة علمية أخرى. هناك فرق ما بين ما كان عليه إقليدس {عالم رياضيات يوناني} وما كان عليه نيوتن {عالم فيزياء ورياضيات إنجليزي}. وما كان بعد ذلك
عليه آينشتاين { عالم فيزياء نظرية ألماني} وما كان بعد ذلك عليه زويل{ عالم كيميائي مصري} في الفيمتو ثانية. هناك نماذج معرفية مختلفة تختلف بقدر ما عند الإنسان من منهجية. فالنموذج المعرفي وصياغة النموذج المعرفي صناعة ثقيلة لأن هذا النموذج ليس مصاغاً بالصيغة القوية، فنحن لا نملك هذا العرض وعندما يستمع إنسان إما أنه لا يفهم ماذا نقول، أو أنه يعني يستحسن ويتعجب لكنه لا يأتي بالأثر. متى سيأتي بالأثر؟ يأتي بالأثر ما دمنا قد دخلنا في نطاق توليد العلوم، لا بد علينا أن نولد علوماً، فيصبح عندنا شيء اسمه السنن الإلهية، علوم السنن الإلهية،
علوم المبادئ القرآنية، علوم منظومة القيم. المذيع: للجذب الحضارى يا مولانا. الشيخ: علوم الحقائق القرآنية، وعلوم حفريات القرآن، مثلاً علوم كذا وكذا وكذا من هذا المجال، بعضها المادة كبيرة جداً وما علينا إلا أن نبحث ونجمع وننقح ونبدأ كذا إلى آخره، وبعضها جديد كل الجدة، ولكن في النهاية سيعطينا ما يجيب على سؤال حضرتك: كيف نحول هذا النظري إلى تطبيق عملي يعيشه الناس ويتمتعون بآثاره ويكون الثقافة السائدة بينهم إلى آخره. إذاً هذا كله كما أقول دائماً هو حجة ضد هؤلاء الذين شغلوا المسلمين بغير ما ينفع، ولو أن هؤلاء
من داعش وغيرهم والإخوان {تنظيمات متطرفة} - لعنة الله عليهم - أنهم أطاعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال لهم: "فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة" أو عندما قال لهم: "فاعتزل تلك الفرق كلها" أو عندما قال لهم وقال وقال وقال ولكنهم لم يفعلوا شيئاً مما قاله رسول الله. المذيع: لاختلف الأمر كثيراً. الشيخ: كثيراً لكنا تبحرنا في هذه العلوم وأعطينا للناس كيفية الدراسة وكيفية الفهم وكيفية الاستنباط وكيفية التطبيق وكيفية وكيفية وكيفية واتسعت العلوم. هذا هو الذي حدث عندما تولدت العلوم الاجتماعية والإنسانية لدراسة الواقع بعد اختلاف الحال بالاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة. حدث أنهم
وجدوا الواقع متغيراً مركباً، فذهبوا واخترعوا هذه العلوم. ونحن لم نخترع المشكلة الحقيقية، وهي أننا لم نخترع هذه الأداة لإدراك الواقع، فأصبحنا إذا أردنا أن ندرك الواقع أدركناه بعين الغرب الذي اختلف معنا في نماذجه المعرفية، وإذا أردنا أن ننكفئ على الماضي سرنا بعين واحدة ورجل واحدة، فكنا لا نستطيع أن نسبق لأننا إما أعور وإما أعرج. فإذا كان هذا الحال هو حال مزرٍ، كيف نخرج منه؟ نخرج منه بالتصديق والعمل على توليد العلوم، وتوليد العلوم سيعيد إلينا القيادة. وريادة وبناء لحضارة نناطح بها ونشارك في بناء الحضارة الإنسانية
ونشارك في نفع الإنسان. هذه هي الخريطة. المذيع: وهذا معناه يا مولانا أنه عندما انتشرت معارفنا وعلومنا عبر الحضارة الإسلامية في أوج مجدها وازدهارها، تحول الغرب إلى مستشرقين يتعرفون على علومنا التي هي لدينا يا مولانا سريعاً في دقيقة واحدة. الشيخ: بعد مدد أي أنهم بدأوا في هذه الدراسات منذ القرن السادس عشر والسابع عشر، ونحن وصلنا إلى هذا من البدايات. المذيع: مولانا الإمام، ما زال الحديث مع فضيلتكم مفتوحاً، والأسئلة المطروحة كثيرة، سوف نحاول الإجابة عليها في الحلقات القادمة إن شاء الله. صاحب الفضيلة مولانا الإمام، الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر. الشيخ: شكراً لكم. المذيع: رضي الله عنكم دائماً يا مولانا. شكراً لكم،
دمتم في رعاية الله وأمنه. إلى اللقاء.