والله أعلم| الدكتور علي جمعة يتحدث عن آداب التعامل مع المصحف.. وحكم التبرك به| الحلقة الكاملة
- •الفرق بين المصحف والقرآن هو فرق بين الدال والمدلول، فالمصحف هو الكتاب المكتوب والقرآن هو كلام الله القديم القائم بذاته.
- •لكل وجود أربع وجودات: في الأعيان (الواقع)، وفي الأذهان (العقل)، وفي اللسان (النطق)، وفي البنان (الكتابة).
- •اختلف البصريون والكوفيون في منطلق وضع الكلمات، هل هو ما في الأذهان أم ما في الأعيان.
- •اتفق الأئمة الأربعة على أنه لا يمس المصحف إلا طاهر متوضئ، وانفرد ابن حزم بجواز مسه بدون وضوء.
- •المصحف له مكانة عظيمة عند المسلمين فهو كتاب هداية وشعار للإسلام ورمز له.
- •يجب احترام المصحف بوضعه في مكان عالٍ وعدم إهانته أو رميه.
- •يجوز تشغيل القرآن في البيت للتبرك والاستئناس به.
- •يجب التعامل مع الأوراق التي تحتوي على آيات قرآنية باحترام وعدم استخدامها بطريقة مهينة.
- •يمكن إعادة تدوير الصحف التي تحتوي على آيات قرآنية بطريقة تحفظ كرامتها.
مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة وطرح موضوع التعامل مع المصحف
[المذيع]: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، وما أجملَ أن نستفتحَ بها كلَّ حياتنا، اللهمَّ ارزقنا ببركاتها وأسرارها يا ربَّ العالمين.
أهلًا بكم في والله أعلم، لنسعدَ دائمًا بصحبةِ صاحبِ الفضيلةِ مولانا الإمامِ الأسناذ الدكتورِ علي جمعة، عضوِ هيئةِ كبارِ العلماءِ بالأزهرِ الشريفِ، لنواصلَ معه الحوارَ اليومَ عن كيفيةِ التعاملِ مع المصحفِ الشريفِ، وما الفرق بين المصحف والقرآن. هل يلزم الوضوء حين نمس المصحف؟ متى نستعيض بالوسائل أو الوسائط المتعددة والمتنوعة البديلة لقراءة المصحف الشريف؟
مولانا أهلًا بكم.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: مولانا، ما أجملَ أن نتعلم ونتعرف على هذا الأدب الذي يجب أن يكون دائمًا في أذهاننا حينما نتعامل مع المصحف الشريف. اسمح لي في البداية، هل هناك فرق بين المصحف والقرآن؟
الفرق بين المصحف والقرآن من حيث الدال والمدلول
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
هناك فرق ما بين المصحف وبين القرآن، وهو الفرق بين الدال والمدلول. دالُّ الشيء هو ما دلَّ عليه، فلو أننا أطلقنا اسم شخص انصرف الذهن إلى هذه الذات التي هي هذا الشخص. فهناك فرق بين الاسم والمسمى؛ الاسم عَلَمٌ دالٌّ على الذات، والمسمى هي الذات المدلول عليها بذلك الاسم أو بذلك العَلَم.
المصحف هو الدال، والقرآن الكريم هو المدلول، بمعنى كلام الله القديم القائم بنفسه سبحانه وتعالى.
المصحف اسم للمكتوب والقرآن يُطلق بإطلاقين حقيقة ومجازاً
حسنًا، ولو عنينا الأصوات التي نسمعها من فم المقرئين المباركين حفظة القرآن الكريم، إذن فالقرآن بهذا المعنى سوف يكون هو متلوّ المصحف، أي أن المصحف هذا اسم للمكتوب، فإذا تُلي فيكون قرآنًا، وإذا عُني به كلام الله سبحانه وتعالى فيكون دالًا لهذا المدلول.
القرآن يُطلق بإطلاقين عامة، أي عندما نطلق ونقول القرآن يعني آية القرآن تجعل الذهن ينصرف إلى الدال، ولكنها تصلح للاستعمال في المدلول. وكلام الله له إطلاقان: إذا أُطلق فإن الذهن ينصرف إلى القائم بذاته تعالى، لكن يمكن استعماله فيما هو من ألفاظ البشر وتراكيب كلام اللغة والمنقوش في هذه الصحف الكريمة، يجوز.
إذن، فلكل منهما حقيقة ومجاز؛ حقيقة القرآن أنه دالٌ ومجازه أنه مدلول، حقيقة كلام الله أنه مدلول ومجازه أنه دال.
الوجودات الأربعة لكل شيء في الأعيان والأذهان واللسان والبنان
دعنا نترك هذه المسألة، فليست هي التي نسأل عنها. ما نسأل عنه هو المصحف، فهو دالٌّ على هذا. كل وجود له أربعة وجودات في الدنيا، كل شيء له أربعة وجودات.
- وجود في الأعيان. وجود في الأعيان هي العصا، هاهي [الشيخ امسك بعصاته]، هي وجود في الأعيان.
إذا أغمضتُ عيني وتصورتها فيكون.
-
وجود في الأذهان، أي أن هذه العصا لها وجود داخل عقلي، لكن ليست هي التي دخلت داخل عقلي، بل صورتها هي التي دخلت داخل عقلي.
-
ووجود في اللسان: عصا. عندما أقول لك عصا تتخيل ماذا؟ هذا الشيء [الشيخ امسك بعصاته].
-
ووجود في البنان: كتبتُ هكذا عين وصاد وألف، فما اسمها إذن؟ عصا.
تطبيق الوجودات الأربعة على العصا وتوضيح الفرق بينها
حسنًا، فتكون عصا. هذا في البنان: العين والصاد والألف. هذا في اللسان. عندما أغمض عيني وأتخيل، هذا في الأذهان. أما التي خارجية [الشيخ امسك بعصاته] فهي في الأعيان، أي موجودة في العين هكذا خارجًا نراها.
إذن الوجودات أربعة. انظر إلى العصا، لها وجودات أربعة.
تطبيق الوجودات الأربعة على كلام الله سبحانه وتعالى
فكلام الله سبحانه وتعالى له وجود وهو قائم في نفسه قديم، وله ألفاظ دالة عليه وهو ما يتلوه المسلمون والعالمون من القرآن الكريم.
وله وجود في البنان وهي هذه الحروف المتتالية التي دلت على تلك الكلمة، وله حضور ووجود في الأذهان.
ونجد أحدًا يقول لك: هذا كتابهم لا يبلّه الماء؛ لأننا لو أغرقنا واحدًا من المشايخ ممن يحفظ كتاب الله، أغرقناه في النيل، فإن القرآن لا يُتلَفُ ولا شيء؛ لأنه في صدره.
فالوجودات كم؟ أربعة: وجود في الأعيان، هذا هو الأصل، ودالٌ عليه وجود في اللسان، وفي البنان، وفي الأذهان.
اختلاف البصريين والكوفيين في أصل وضع الألفاظ على الأذهان أم الأعيان
واختلف البلاغيون، أيهم [الموجودات الأربعة: الأعيان، الأذهان، البنان، اللسان] الأصل؟
[المذيع]: نتوقف عند اختلاف البلاغيين لكي نأخذ فاصلًا، نأخذ ونواصل ونرجع إلى هذا الفهم الواسع الذي يخلق لدينا هذه الحالة من حالات الوعي المهمة جدًا. فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.
أهلًا بحضراتكم. مولانا الإمام، توقفنا عند اختلاف البلاغيين، وهل اختلاف البلاغيين يثري الذهن يا مولانا؟
[الشيخ]: قالوا: هل الأصل هو الخارج أم الأصل هي الصورة؟ وعلى أيهما وُضع اللفظ؟ وعلى أيهما ندخل لتحليل المنظومة النحوية؟
اختلف البصريون والكوفيون في هذه المسألة النحوية. فالكوفيون يرون أن المنطلق هو ما كان في الأذهان، وأن الكلمات وضعت بناءً على ما في الأذهان. ولكن الكوفيون يقولون: أبدًا، هذا يعتمد على ما هو موجود في الخارج، أي ما في الأعيان هو المنطلق، وعليها وضعت الكلمات.
مثال الشجرة والمعزة لتوضيح الفرق بين مذهب البصريين والكوفيين
أنت رأيت شيئًا أسود من بعيد فظننته شجرة، فقلت: هذه شجرة. كلمة الشين والجيم والراء والهاء التي هي "شجرة" وضعها العرب للتي في ذهنك، التي هي النبتة التي تنبت والتي تُسمى الشجرة، أو ذلك الشيء الأسود الذي هناك.
فالبصريون قالوا: لا، إنها للشجرة التي في ذهنك. فلما اقتربت منها قليلًا وجدتها تتحرك، فقلت: الله، إنها معزة ما هي شجرة!
عندما وضع العرب كلمة "معزة" أمام الحيوان الذي نأكله ونشرب لبنه وكل شيء يتعلق بهذه الماشية، هل وضعوها لهذا الحيوان الذي في ذهنك، والذي قلت بموجبه أن هذا الشيء معزة، أم وضعوها للأسود البعيد؟
بخلاف الكوفيين، وضعوها للذي [للذي في الخارج].
أثر الخلاف بين البصريين والكوفيين على مفهوم الصدق والكذب
فطارت هذه الأشياء السوداء، طارت تمامًا، فهذا يعني أنها لم تكن شجرة ولا معزة، إنما كان نسر [من الطيور]. المهم أنه الآن عندما وضعت الكلمة، يعني هل هي موضوعة لما في الخارج أم لما في الذهن؟
إذا اتبعنا مذهب البصريين، فأنا لم أكذب، بل عبرت بلساني عما في عقلي. إذن أنا لم أكذب.
إذا اتبعنا الكوفيين، إذن أنا كذبت! أنا قلت أن هذه شجرة وتبين أنها ليست شجرة، قلت أن هذه معزة وتبين أنها ليست معزة. إذن أنا هكذا قلت شيئًا مخالفًا للواقع.
فذهبوا وقالوا: الكذب هو ما خالف ما في الذهن [عند البصريين]. الآخرون قالوا: الكذب هو ما خالف ما في الواقع [عند الكوفيين].
أثر الخلاف البلاغي على الاشتقاق والفقه وأصل المصدر والفعل
وخلاف كبير حقًا، لنرى الصدق والكذب وماهيته والرواية والحكاية، وجلسنا ندرس في البلاغة هذه الأمور.
سيترتب عليها أمور؛ سيترتب عليها أنه عندما تأتي لتشتق الكلمات تشتقها من المصدر الذي هو الحدث الذي هو قائم في ذهنك بصريون، أو من الفعل الذي هو في الخارج يكون كوفيون.
ويكون أصل الاشتقاق: ما هو أصل الاشتقاق؟ هو الحدث عند البصريين، والفعل عند الكوفيين. من أين أتت هذه؟ أتت من أن هذا اتبع ما في الذهن، وهذا اتبع ما في الواقع.
أثر أصل الاشتقاق على بناء الأحكام الشرعية ومثال حد السرقة
حسنًا، وما الذي سيترتب على هذا [الحدث عند البصريين، والفعل عند الكوفيين]؟ سيترتب عليها أنه إذا بُني الحكم على ما منه الاشتقاق صار علة له. ماذا يعني هذا الكلام الغريب؟ ما المقصود بأن بُني الحكم على ما منه الاشتقاق؟
دعني أضرب مثالًا لتوضيح الأمر:
﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا﴾ [المائدة: 38]
إذن القطع هنا يعود على من؟ على السارق. من أين أتت كلمة السارق؟ هل هي مشتقة من السَّرِقة [أي المصدر] كما يقول البصريون، أم من سَرِقَ [أي فعل الشخص]؟
فإذا كان هذا عندما يأتي من المصدر يصبح ما منه الاشتقاق وهو السَّرَقة، فلا بد أن تكون السرقة بجميع أركانها، ولا بد أن تتم هذه الأركان حتى يوصف بهذا فيُبنى عليه حكم القطع، أو أن الفعل هو الذي هكذا؟. إنه عمل عميق.
كيف خدمت المدارس النحوية الفقه والحضارة الإسلامية
المدارس النحوية خدمت المدارس الفقهية، خدمت المدارس الأصولية، خدمت المدارس القاعدية [قواعد الفقه]، خدمت الديانة، خدمت التطبيق، خدمت إدراك كلام الناس في عقودها من بيع وشراء وزواج وطلاق وقضاء وشهادة وما إلى ذلك.
فأصبح ذهنًا محترمًا بنى الحضارة من الفنون والآداب والعلوم المختلفة، وعمَّر الكون بما لا مزيد عليه من الانبهار بهذه الديانة وبهذه الحضارة.
[المذيع]: وبالنسق المعرفي الذي أسس وأصَّل لنموذج علمي صدَّره للعالم يا مولانا؟
الخلاف بين البصريين والكوفيين لم يؤدِّ إلى تكفير بل إلى إثراء العلوم
[الشيخ]: وأيضًا انظر إلى الخلاف الذي كان بين البصريين والكوفيين، لم يكفِّر أحدهم الآخر إطلاقًا، بل خدموا بعضهم وتحاوروا وصاغوا العلوم على مثل هذه التصورات الكلية التي كان لها أكبر الأثر في الفهم وأكبر الأثر في التطبيق.
وبعد ذلك أجد كل هذا وأجد أناسًا لا يعرفونه. ولو كانوا يعرفونه ولا يريدونه لما كان عليهم شيء، فهذه وجهة نظر محترمة. لكن هذا الشخص لا يعرفه، فأنا لا أعرف هل هو ضده أم معه؛ لأنه جاهل به.
ولذلك من هنا ندعو الناس إلى اللغة وإلى التعلم، وبهذه اللغة وذلك التعلم سوف يصبحون قادرين على فهم كلام الله. فإذا فهموه خرّوا له سبحانه وتعالى سُجّدًا.
[المذيع]: أي لا بدّ أن نعبد الله على علم.
[الشيخ]: والعلم مفتاحه اللغة.
حكم التعامل مع الصحف التي تحتوي آيات قرآنية وإعادة تدويرها
[المذيع]: مولانا، اسمح لي، هناك كثير جدًا من التفاصيل في حياتنا أو تجليات التصرفات في حياتنا، أي من المهم جدًا أن نسأل: الصحف عندما يكون فيها آيات قرآنية، والمصحف عندما نتركه في السيارة أو في البيت، ربما لا نفتح المصحف ونقرأ فيه، إنما وضعناه هكذا يعني بشكل نحبه أو نرضاه، يشعرنا بنوع من الرضا.
حسنًا، الصحف وأوراق الصحف التي مليئة بالآيات القرآنية يحدث لها بعض الإهمال، كيف نتعامل مع الأوراق؟
**[الشيخ]:**نعيد تدويرها. إعادة التدوير تعني أنني آخذ الصحف وبدلًا من استخدامها في استعمالات مهينة مثل أن نمسح بها الزجاج أو نمسح بها البلاط أو ما شابه، نُدخلها إلى المصنع مرة أخرى ليتم فرمها وإعادتها مرة أخرى في صورة أوراق أقل كفاءة من الأوراق الأولى، تُستعمل فيما خُصصت له.
بالشكل هذا يكون بمثابة ضرب عصفورين بحجر واحد [أصاب هدفين بفعل واحد] كما يقولون: العصفور الأول أننا احترمنا البيئة ولم نستهلك المواد التي تُصنع منها الأوراق مثل الأشجار وغيرها، والمسألة الثانية أننا احترمنا كلام الله سبحانه وتعالى فلم نعرضه لمثل هذه التصرفات التي تشتمل في الحقيقة على نوع من أنواع عدم الاعتناء.
آداب التعامل مع المصحف الشريف واشتراط الطهارة لمسه عند الأئمة الأربعة
[المذيع]: مولانا اسمح لي، نخرج إلى فاصل ثم نعود ونتوقف عند آداب التعامل مع المصحف الشريف مع القرآن الكريم. هذا هو مضمون الفاصل، وسنعود إليكم، ابقوا معنا.
أهلًا بحضراتكم. مولانا الإمام، لا بد وأن يعرف كل واحد منا كيف يتعامل مع المصحف، ويكون لديه دليل واضح، عارفًا بالآداب للتعامل مع هذا الكتاب العظيم.
[الشيخ]: الوارد عن الأئمة الأربعة أنه لا يمس المصحف إلا طاهر، وذلك لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. فهذا هو الذي اتفق عليه الأئمة الأربعة.
والمصحف لا بد أن يكون كتابًا مشتملًا بين دفتيه من الفاتحة إلى الناس وليس معه شيء آخر.
الفرق بين المصحف والتفسير وحكم الأجهزة الإلكترونية التي تحتوي القرآن
كانوا في الزمن الماضي يطبعون تفسيرًا اسمه الجلالين. كلام الجلالين أكثر من كلمات القرآن، فهذا لا يكون مصحفًا بل يكون تفسيرًا. أو يضعون مثلًا في ثلاثة أجزاء فيضعون القرآن في الأعلى وبعد ذلك التفسير في الأسفل، فلا يكون مصحفًا بل يكون تفسيرًا.
ونصّ العلماء، منهم الإمام القرافي، وسبحان الله منذ قديم الزمان، واستخرج هذه النصوص سيدنا الشيخ المطيعي [يذكر] أنه ما لم يكن هناك ورق وحبر ومصحف بهذا الشكل فلا يأخذ حكمه.
وهو يتحدث عن الأسطوانات التي سُجِّل عليها [صوت] رفعت [القرآن]، أو بعد ذلك الهواتف التي فيها التطبيقات التي تقدم لك نفس الكلمات. قال: لا، هذا ليس مصحفًا.
المصحف رمز عظيم عند المسلمين وتاريخ كتابته ووضعه في الصنجق
ولذلك المصحف اتخذ مكانة عظيمة عند المسلمين، وهذه المكانة ترك في كل بيوت المسلمين في العالم مصحفًا. وانتبه جيدًا؛ لأنه أصبح إلى جانب كونه كتاب هداية، وإلى جانب كونه كلام ربنا، وإلى جانب كونه شعار الإسلام، أصبح رمزًا.
أصبح رمزًا، أنهم كتبوه، الحافظ عثمان كتبه بشارب القطة. كانوا يحضرون شارب القطة ويكتبون به الذي يسمونه المصحف الصنجق [الراية]. وكانوا يضعونه في الصنجق الذي هو الراية في الجهاد في سبيل الله والدفاع عن حدود الأوطان.
وهذا الصنجق الذي يمسكه يعرف أنه يمسك كتاب الله، فهذا رمز.
المصحف رمز وبركة وليس مجرد تبرك ظاهري والفرق بين التبرك والبركة
فلا يأتي أحد ويقول لي: لا تضع المصحف في السيارة ولا تضعه في البيت ولا تضعه كذا؛ لأن المصحف لم يكن للتبرك. هذا ليس تبركًا يا أستاذ!
[المذيع]: إذن ما هو يا مولانا؟
[الشيخ]: هذا رمز.
[المذيع]: يقولون إنه لا يصح أن تضع المصحف بهذا الشكل. حسنًا، أين نضع المصحف؟
[الشيخ]: لا أعرف، اسألهم! ولكن الذي عرفته من دين الله أن المصحف أصبح رمزًا، وهذا الرمز نعتز به ونُعامله معاملة عالية.
فنضع المصحف فوق الكتب، ولا نمسك المصحف إلا متوضئين، ونجعل المصحف في الصدارة دائمًا، ولا نستطيع أن نناوله رميًا. مثلًا تقول لي: أحضر المصحف، فأقول لك: خذه [ أشار بيده كمن يناوله في تعجُّل]. أنا أفعل هكذا مع أي كتاب إلا المصحف.
فنشأ هناك تعامل قوي بيننا وبين كتاب الله.
الفرق بين التبرك بالمصحف وكونه بركة في ذاته وتعظيم شعائر الله
والناس بدأت تسمي الأشياء بغير اسمها، فيقول لك: لا، إنه ليس للتبرك، بل هو للهداية. صحيح، ولكنه بركة. هو ليس للتبرك وإنما هو بركة.
ما الفرق بين الاثنين؟ أن وجوده صوتًا أو كتابةً أو غير ذلك يجلب البركة، أي أن وجوده مُعتبر.
التبرك الذي يريد ان يُنفيه، ماذا يقول؟ يقول إننا سنكتفي بالشكل دون التطبيق. لا، لن نكتفي بالشكل دون التطبيق، فهذه أزمة مصطلحات.
أما المصحف فهو عالي الشأن وهو عزيز على قلوب المسلمين وهو في الصدارة دائمًا. لا ندخل به دورة المياه، ولا نرميه، وعندما نطبعه على ورق طاهر بحبر طاهر، وهكذا.
إذن المصحف شأنه عظيم عند المسلم، وتعظيم المصحف من ضمن تعظيم شعائر الله.
﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]
حكم تشغيل القرآن في البيت دون الاستماع إليه وجوازه كشعار وبركة
[المذيع]: مولانا الإمام أيضًا، ربما يحب البعض أن يشغّل القرآن الكريم هكذا ويترك القرآن مشغّلًا في محل عمله وفي البيت دائمًا حتى لو لم يستمع إليه أحد، أيضًا نوع من التبرك والأنس بالقرآن الكريم، فهل يصح هذا؟
[الشيخ]: لقد اعتدنا على هذا ولم يعترض عليه أحد. والحقيقة أنه مُجرَّب، وحتى غير المسلمين يقولون إن هذا الكلام فيه طاقة إيجابية.
يعني هناك أشياء غير منظورة، فهذه الطاقة الإيجابية ماذا تعني؟ إنها تعني أن هناك سكينة، وأن هناك كلام رباني. أليس أفضل من كلام الشياطين؟ أليس أفضل من الكلام البذيء الذي يتحدث به كثير من الناس؟
بلا شك أن هذا جائز ولا بأس به، وهو شعار من شعارات الإسلام كالأذان وكإظهار الصلاة وإظهار الصيام في رمضان. إنه شعار ورمز، فهناك هداية وهناك بركة وهناك عزة وهناك شعار وهناك رمز.
حكم لمس المصحف بدون وضوء وجواز تقليد ابن حزم عند الحاجة
[المذيع]: يا مولانا الإمام، هل يلزم بشكل مطلق أن أكون متوضئًا حين ألمس القرآن الكريم أو أمسكه؟
[الشيخ]: عند الأئمة الأربعة هكذا. ابن حزم فقط هو الذي قال يجوز أن ألمس المصحف من غير وضوء، والأئمة الأربعة قالوا لا بد من الوضوء.
فإذا كان لي حصة من القرآن في اليوم ولم أكن يعني حافظًا، ووجدت أن قضية الوضوء هذه ستحول بيني وبين القرآن، فأقلّد ابن حزم؛ لأنه من ابتُلي بشيء من هذا فليقلد من أجاز.
تعليقات المشاهدين حول التبرك بالمصحف وختام الحلقة
[المذيع]: مولانا الإمام، اسمح لي أن أقرأ بعض تعليقات السادة المشاهدين حول سؤالنا: ما رأيك في التبرك بالمصحف؟
الأستاذة خديجة الشاذلية تقول: نتبرك به ونقرأه ونحفظه ونطبقه في حياتنا اليومية ونفعل به كل ما يفعل المحب برسالة ووصية وأوامر محبوبه.
الأستاذ محمد شمس يقول: ما أروع التبرك بكتاب الله القدير، ولكن لا يقتصر على التبرك الظاهري فقط، بل ترسيخ التبرك بالانعكاس على أخلاقنا، ورضي الله عن فضيلتكم وحفظكم الله ورعاكم.
[الشيخ]: حسنًا، جيد أيضًا، يعني نحن نستفيد منهم. إذن كلام جميل، ها هم الناس بدأوا يفهمون ويتعلمون ويقولون الكلام الذي يصل إلى القلب وليس فيه إلا الحلاوة والجمال، والدين كما تركه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[المذيع]: كل هذا غيض من فيض معرفتكم مولانا الإمام، بارك الله فيكم، ونلتقي بكم دائمًا على هذا الخير.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا.
[المذيع]: دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.
